eKtab
EN ع
أن تخاف
اقرأ عينة مجانية

أن تخاف

بقلم هدية حسين

صفحة 1
بالشمع الأحمر
 
لم تكن تلك الليلة عادية في حياة البغداديين، فقد هبّت عاصفة ترابية وغطت سماء بغداد وأرضها والأقضية المجاورة لها، أغلقت المحال التجارية والأسواق الشعبية أبوابها، واختبأ الناس في بيوتهم محكمين الأبواب والنوافذ والروازين وكل الثغرات التي يمكن أن تسرّب الغبار، توقف كل شيء عن الحياة، اختفت الألوان وتلاشى مدى الرؤية، وساد اللون الرمادي المصفر ثم المتحول إلى البرتقالي كل شيء، لم تشهد بغداد من قبل مثل هذا الهجوم الكاسح من أطنان الأتربة والرمال، كأن صحراء نجد والحجاز تقيأت كل رمالها وقذفتها على المدينة التي كانت مدورة ورائقة ذات يوم·
 
ليلة طويلة لم يسمع فيها غير أبواق سيارات الإسعاف تنقل إلى المستشفيات المواطنين الذين تعرضوا للاختناق، خصوصاً كبار السن والأطفال المصابين بالربو والحساسية، صاحب تلك الليلة انقطاع تام للطاقة الكهربائية في جميع مناطق وأحياء العاصمة·· عاصفة تشكّلت كمجموعة من المطبات الصغيرة والأمواج الملتفة، ثم هدرت بسحابات غبار هائلة فتحوّل الفضاء إلى لون برتقالي وأدى إلى اختناقات في الحلوق، واحتقانات في العيون، ومعاناة شديدة للمرضى·
 
قبل أن تأخذ العاصفة مداها وحين كان ثمة رؤية، خرجت أنغام عارف من بيت صديقتها فيروز السعدي في الأعظمية متوجهة إلى شقتها في مجمّع الصالحية، بعد دقائق من ذلك الخروج اشتدت العاصفة، وشيئاً فشيئاً تدنى مدى الرؤية فقادت السيارة بمشقة بالغة حتى وصلت وركنتها في كراج العمارة، واضطرت للصعود عبر الدرج الجانبي بسبب عطل المصعد، تلمست طريقها إلى الطابق التاسع متمسكة بدرابزين الدرج، شعرت بأنفاسها تتقطع وقد ابتلعت الكثير من الغبار حتى وصلت عند باب شقتها، وبصعوبة دوّرت المفتاح·
 
قالت لها فيروز قبل أن تخرج، هاتفيني عندما تصلين، ولأنها لم تتلق أي اتصال ولم تسمع أي رد على الهاتف الآخر فقد ساورها القلق، لكن من يجرؤ على الخروج بعد أن جُنت العاصفة وعبثت بهدوء المدينة؟
 
عند بزوغ الفجر بعد أن نفضت كل ما لديها من دوامات، وبدا كل شيء بلون ترابي كامد، الأبنية والأشجار، والنباتات والشوارع والبيوت والحدائق والساحات والجسور والسيارات المركونة، هدأت العاصفة قليلاً، ورويداً بدأت الشمس تنثر خيوطها الذهبية خائفة هي الأخرى، ولم يعد لضوئها سطوع الصباحات الماضية، وخرج الناس يغسلون مداخل البيوت ومخارجها، والحدائق ليتخلصوا من آثار ما خلفته العاصفة على أثاثهم وموجودات بيوتهم من نثار الأتربة·
 
كان ضابط التحقيق زهير مراد يتناول فطوره عندما تلقى مكالمة هاتفية من المركز اضطرته أن يخرج على الفور، ويتوجه بصحبة مساعده، الذي كان خافراً في ليلة العاصفة مع اثنين من الشرطة إلى مجمّع الصالحية، لم تعد العاصفة الحكاية الأهم في ذلك الصباح، بل الجريمة التي اقتُرفت بين كثافة غبارها وليلها الدامس الطويل، وتصدرت الصحف في اليوم التالي جنباً إلى جنب مع أهوال ما خلفته العاصفة التي هدأت ولم تهدأ عاصفة الجريمة·
صفحة 2
امرأة جميلة في الخامسة والثلاثين لقيت حتفها أمام باب شقتها بأربع طعنات نافذة وعميقة في الرقبة، والخنق بسلك متين، ما تزال أصابعها تمسك بالمفتاح، وفي اليد الثانية حقيبة يدها، والباب موارب حيث حُشرت فيه قدمها اليمنى·
 
عاين زهير مراد الجثة وفتح الحقيبة ليدون مساعدُه موجوداتها، جزدان صغير فيه خمسمائة دينار، قلم شفاه، قلم كحل، دفتر ملاحظات، نظارة شمسية، زجاجة عطر ومناديل ورقية·
 
في دفتر الملاحظات قرأ زهير مراد عدداً من الأسماء وأرقام الهواتف، واحتفظ بالدفتر، وكانت تقف إلى جانبه فيروز السعدي صديقة أنغام عارف، التي حضرت بعد عشر دقائق من مجيء الشرطة ، كانت قد بكّرت بالمجيء بعد ليلة قلقة لم ترد أنغام على تلفوناتها المتكررة، فهالها مشهد القتل وتجمهرُ الجيران والعابرين·
 
طافت على الوجوه المغبرّة غلالات الحزن والأسف، لكن الغلالة السميكة الداكنة كانت للخوف الذي ترك بصمته الثقيلة على النفوس وتبرعم فيها·· البعض ظل ينظر من بعيد كأنه يخشى أن يُتهم، وآخرون اقتربوا من الجثة، ليس لأن الخوف لم يتمكن منهم، بل ليتمعنوا بمشهد القتل ويتحوّطوا من بشاعته، ولم يجرؤ الكثير منهم على النظر في عيني الضابط لأكثر من ثانيتين، فقد كانتا مخيفتين في تلك اللحظات، زاد من رهبتهما شاربان كثان وبذلة زيتونية·
 
فتش زهير مراد ومساعده غرف الشقة وزواياها، ولم يُعثر على ما يثير الاهتمام، الشقة مرتبة والأشياء في مكانها، كل شيء هادىء ومغطى بالغبار، وصلت سيارة الإسعاف، وحُملت الجثة على نقالة إلى المشرحة·
 
قبل أن يغادر الجميع دوّن زهير مراد بشكل سريع أقوال فيروز السعدي، التي بدت شاحبة شحوب الموتى ومذهولة، قالت إنها حاولت أن تستبقي صديقتها للمبيت عندها حينما بدأت العاصفة، إلا أن أنغام أخبرتها بأنها لم تغلق نوافذ شقتها·
 
تحشرج الكلام على شفتي فيروز السعدي ثم أجهشت في البكاء، طلب منها زهير مراد أن تهدأ لكنها لم تستطع لأن مشهد صديقتها بعينيها المفتوحتين رعباً قد أربكها وأرعبها، وبعد وقت ليس بالقليل سألها المحقق بضعة أسئلة سريعة، تتعلق بمن يتردد على شقة أنغام عارف، وعن الذي قد يكون له علاقة بهذا الحادث المروع، واستجوب أيضاً عدداً من الجيران الذين أكدوا أن العلاقة بين المجني عليها وبينهم علاقة طيبة، وأنها جارتهم منذ سنوات لم يسمعوا عنها ما يشين ولا عداوة لها مع أحد، دوّن ملاحظات عامة، مختتماً الكلام مع فيروز بالقول: سنحتاج إلى شهادتك المفصلة في مركز الشرطة، وأمر أن تشمّع الشقة بالشمع الأحمر·
صفحة 3
اتسع مجرى التحقيق وشمل الجيران القريبين والبعيدين، حتى أولئك الذين استجوبوا للمرة الأولى، وأسماء الرجال الذين تعاملت معهم أنغام عارف وكل من تقع عليه الشبهة، البقال والجزار والخباز، ومن وُجد اسمه في دفترها الصغير أو أية قصاصة ورق تركتها سهواً، لاحظ زهير مراد في دفتر الملاحظات عبارة تتكرر ثلاث مرات في صفحات مختلفة من الدفتر مكتوبة باللون الأحمر وبحروف بارزة(المخارج موجودة في كل مكان)، تساءل وسأل مساعده عما تذهب إليه العبارة من معنى ولم يتوصلا إلى شيء·
 
كان يدخن بانفعال ويفكر في شيئين عندما خرج المساعد في إحدى المهمات، ما تعنيه تلك العبارة، وعدم وجود أية بصمات داخل الشقة وعند مدخلها الخارجي وحتى سلالم الدرج، عزا الأمر الثاني إلى العاصفة وكثافة ما رمت به من أتربة تتحرك وتتغير في كل ثانية، كان يكتب ملاحظات أولية عندما سمع طرقات الباب ودخل الشرطي ليعلن وصول السيدة فيروز السعدي، التي سبق أن استدعاها لاستكمال التحقيق·· بدت متماسكة برغم الحزن الذي يكسو وجهها الأبيض، وتبدو عيناها الشهلاوان متعبتين، وجفناها العلويان منتفخين كأنها ذرفت كل دموعها، وكان أول سؤال وجهه زهير مراد لها هو ما تعنيه عبارة المخارج موجودة في كل مكان، دون إبطاء أخبرته أنها للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، ومعناها عميق جداً، ولا يمكن حصره بكلمات محدودة أو معنى واحد إلا من خلال السياق الذي جاءت فيه·
 
لا يريد زهير مراد، وهو المحقق الذي يمثل وجه السلطة في البلد، أن يبدو جاهلاً أمام هذه المرأة التي تجيد اللعب بالكلام كونها إعلامية وقاصة، فأسرع إلى القول:
 
- أعرف أنها لسارتر وأعرف معناها لكنني أبحث عما وراء المعنى بالنسبة لصديقتك، هل كانت أنغام عارف تبحث عن مخرج لمأزق ما ؟
 
أخذت وقتاً قبل أن تقول:
 
- لا أظن·
 
- بمعنى·· أليست لديها مشاكل مستعصية؟
 
- أبداً·
 
عندها قال زهير مراد:
 
- لكن من الواضح أن عبارة كهذه لا تقال جزافاً·
 
بدت فيروز كمن لا يفهم، ولما رأى عينيها المتسائلتين قال:
 
- هذه العبارة وجدت في دفتر ملاحظات يخص أنغام، مكررة ثلاث مرات، وهذا يعني أنها تشكل شيئاً ما عند أنغام، لذلك أرجو أن تحدثيني بالتفصيل عن صديقتك من أجل أن نتوصل إلى نتائج واضحة من خلال تحليل شخصيتها؟
 
لم تنظر إليه مباشرة، نظرت إلى نقطة لا مكان لها كأنها ترى صديقتها الحميمة، وقالت: حياتها مثل خط متواز ليس فيه أي انحناءات، امرأة واضحة وضوح الشمس، تحب الحياة وليس لديها عقد أو أمراض نفسية، ، هوايتها القراءة والرسم، لا تتوانى عن خدمة الناس إذا وجدتهم بحاجة إلى المساعدة، إنسانة وفية وصادقة قلّ مثلها في هذا الزمن·
صفحة 4
- هل لها أعداء؟
 
- هل تعتقد أن امرأة بمثل هذه المزايا يكون لها أعداء؟
 
- ليس هناك من لا أعداء له، حتى الناس الطيبون لهم أعداء، وإلا كيف ولأي سبب يوجد الأشرار في هذه الدنيا؟
 
لم تجد فيروز رغبة في مناقشته عن هذا الأمر لكنها سألته:
 
ألم تجروا مسحاً للبصمات؟
 
- بلا ولكن يبدو أن العاصفة محت كل شيء·
 
ثم سألها:
 
- امرأة هذه مواصفاتها، لماذا لم تتزوج؟
 
- لها وجهة نظرها الخاصة بالزواج·
 
- بمعنى؟
 
- لا تشعر بأن الزواج يكمّلها·
 
- منطق غريب·
 
في هذه اللحظة دخل أحد الشرطة وأعطاه ورقة مكتوبة بخط اليد، قرأها بملامح منزعجة ونظر إلى ساعته، كان يود أن يستبقيها لمزيد من المعلومات لولا أن الرفيق جمعة عليان طلب منه الحضور إلى الفرقة الحزبية بأسرع ما يمكن، فقال:
 
- أشكر لك حضورك، سنكون على اتصال، كما نعلم أنت صديقتها الحميمة، ثم إنك كاتبة، يعني مثقفة وواعية وهذا يجعلني أعتمد عليك كثيرا، فلا تنسي أية معلومة تتعلق بأنغام لكي نصل إلى الجاني·
 
في الطريق إلى الفرقة الحزبية كان زهير مراد يحدث نفسه عن الأمر الذي قد يكون حدث في البلد، والذي جعل الرفيق جمعة عليان يستدعيه على وجه السرعة، فالتوقيت الذي جاءت به الرسالة لا يحدث إلا لأمر جلل وبنبرة خاصة يفهمها إذا جاءت من الرفيق جمعة عليان، الذي يرأس اللجنة الأمنية في المنطقة·
 
لكنه ما إن وصل حتى اكتشف أن الأمر لم يكن كما في كل مرة، وأن الرفيق جمعة عليان طلبه لأمر لا يمت بصلة لعمله الحزبي، وإنما بحيثيات ما جرى في مجمع الصالحية، وبدا كمن يريد أن يعرف ماذا سيفعل زهير مراد بمثل هذه القضية، ثم راح يسأل عن القتيلة وكيفية مقتلها، ونصحه بأن ينتهي من التحقيق بسرعة كيما يتفرغ لأعمال تخص أمن البلد سيطرحها عليه فيما بعد·
 
هذا كل شيء؟ تساءل زهير مراد في داخله وشعر بالامتعاض، لكنه بالتأكيد لن يتذمر أمام الرفيق جمعة عليان الذي لا يعلو على صوته صوت·
صفحة 5
حكايات من زمن بعيد
 
تربّت السيدة سلمى كمال في بيت للمرأة فيه سطوة وحظوة، أمها رقية خانم تنحدر من أصول تركية ورثت العناد والتشدق بالماضي، ولو تتبعنا شجرة العائلة لوصلنا إلى اسطنبول التي كانت في زمن قديم تدعى الإستانة، كان الجد الأكبر محمود شرف الدين قد نزح إلى بغداد هو وعائلته أيام الوالي مدحت باشا، عمل في الجيش العثماني، وخاض العديد من الحروب التي خرج منها بندوب كثيرة ظلت العائلة تفتخر بها لسنوات طويلة، لكنه اغتيل على يد شاب حلبي قُتل والده من قبل أحد الباشوات الأتراك، برغم أن التحقيق الذي سُجّل في النهاية ضد مجهول، قد أثبت أن محمود شرف الدين الذي ظن الشاب أنه القاتل، كان في ولاية الموصل إبان حادثة مقتل الرجل، وأعدم الشاب فيما بعد·
 
رقية خانم امرأة بيضاء صافية البشرة ذات عينين سوداوين، ممتلئة الجسم، أنيقة المظهر، شفتاها مدهونتان على الدوام بقشور الجوز الطرية لتلوينهما، وعيناها مكحولتان بالكحل الحجري الذي يبرز جمالهما، لم تكتحل من مكاحل عادية بل ذهبت إلى رجل صابئي فصاغ لها مكحلة من الفضة نقش عليها اسمها كما طلبت، تعرّفت على كمال الحسيني في بيت أحد أعيان بغداد، وكانت مع عائلتها لحضور مناسبة زفاف، تزوج الاثنان فأنجبت رقية خانم بعد الزواج بعام توأماً، ذكراً وأنثى، مات الذكر خلال الساعات الأولى للولادة بسبب الاختناق، خرج مزرقاً، وقالت المولّدة إن يدي أخته هما اللتان سدّت فمه وفتحتي أنفه، بينما خرجت سلمى وردية البشرة وبعينين مفتوحتين، ولم تصرخ مثل بقية المواليد·
 
كانت رقية خانم هي الآمرة الناهية في البيت، وكان كمال الحسيني موزعاً بين استيراد السجاد الكاشاني لمحله الكبير في أحد فروع شارع الرشيد وبين طلبات الخانم، وخارج هذه المهمات هناك وقت لا ينشغل فيه بشيء ولا تستجد الطلبات، هذا الوقت تخصصه رقية خانم للحديث عن مآثر أجدادها، حيث يعرف كمال الحسيني أنها تبالغ كثيراً في نسبة الأشياء المحمودة لهم، وخصوصاً لأبيها الذي تعلق صورته في صدر ديوان البيت، وإلى جانبها عبارة بخط يده في لوحة أطرتها من خشب الزان، هذه العبارة منسوبة للوالي مدحت باشا يقول فيها ( الحروب التي تنتهي بالنصر ترهق الأمة، كما ترهقها الحروب التي تنتهي بالهزيمة، إن الرفعة والمكانة تكون محمودة في البلاد العامرة التي ضمنت مستقبلها، ولا شيء أسوأ من ركض العراة الجائعين في البلدان المعدمة خلف السمعة والشرف)· من آن لآخر، وهما يرتشفان الشاي عصراً، يحلو لرقية خانم أن تناقش زوجها في عظمة هذه الكلمات، وكيف أن أباها كان يكره الحروب مثل الوالي ·
 
تحكي رقية خانم المولعة بقراءة تاريخ أجدادها فتقول: في ذلك الزمن كان جدنا الأكبر محمود شرف الدين الساعد الأيمن للوالي مدحت باشا، في الإصلاحات التي شهدتها بغداد، عينه الوالي مشرفاً عاماً على الكثير من المشاريع، من بينها تأسيس الترامواي وتعبيد الطرق، وكان فاعلاً في سن قانون ملكية الأراضي، واستشاره الوالي قبل أن يجلب أول مطبعة بخارية إلى بغداد·· ولم يملك الزوج إزاء الأهمية القصوى التي توليها رقية خانم لجدها الأكبر إلا أن يهز رأسه موافقاً، ومصطنعاً التأثر والاستحسان لعظمة سلالة زوجته، بينما في قرارة نفسه يعرف أن الوالي المصلح لم يكن له مساعد يدعى محمود شرف الدين، بحسب ما قرأ كثيراً عن تلك الفترة المزدهرة من تاريخ بغداد، وكانت اهتزازات رأسه إعجاباً تزيدها إمعاناً بابتكار الحكايات·
صفحة 6
عندما أمر الوالي مدحت باشا بتهديم قسم من سور بغداد لكي يفتح الطرق الجديدة، كان الناس يهرولون نحو المكان للحصول على أكبر كمية من الآجر لبناء بيوتهم، وقد رفض جدنا الأكبر محمود شرف الدين أن يبيع الناس الفقراء هذا الآجر الفاخر، وأقنع الوالي بذلك، فاستفاد عدد كبير من أهالي بغداد من السور المهدم·· كما أن جدنا الأكبر هو صاحب فكرة الساعة الكبيرة على البرج العالي في القشلة في جانب نهر دجلة الشرقي، والتي أصبح رنينها يُسمع في بغداد كلها·
 
كلما تحدثت رقية خانم عن جدها الأكبر يصغي كمال الحسيني باهتمام، ويهز رأسه إعجاباً واحتراماً لتلك الشخصية التي لم يكن لها وجود حقيقي في التاريخ المكتوب، وعندما يأتي الدور على أبيها تنسب له الكثير من البطولات؛ فتدعي أنه ذات فيضان من تلك الفيضانات التي كانت تغرق بغداد والمدن الأخرى، أنقذ ثلاثين رجلاً وطفلاً وامرأة لأنه سباح ماهر، لكن القدر أراد له نهاية مفجعة حين زلت قدمه وهو ينقذ آخر غريق؛ فأخذته إلى الأعماق موجة عاتية، وحينما طفت جثته فيما بعد شيعه أهالي بغداد في جنازة مهيبة ظل الناس يتحدثون عنها لسنوات، ورغم أنها أخبرت زوجها ذات مرة بأن أباها مات بمرض الطاعون، فإنه لم يذكّرها بهذه الحكاية، وبمرور السنين سئم كمال الحسيني كلام رقية خانم عن جدها الأكبر وأبيها، لكنه داوم على هز رأسه مفتعلاً الإعجاب خوفاً من زعلها الذي يستمر لفترة طويلة، ولا ينتهي الا بعد أن يقدم لها هدية الصلح؛ وهي عبارة عن مشغولات ذهبية أو قطعة قماش من الحرير الخالص·
 
وعندما ماتت رقية خانم ورثت سلمى صورة الجد الأكبر وعبارة مدحت باشا المؤطرة بخشب الزان وصورة أبيها، ونوط شجاعة لا قيمة له، والمكحلة الفضية، وكمية من المصوغات الذهبية وفساتين الحرير، والمبالغات عن قصص الأجداد وخصلة الزعل، لكنها حين تزوجت من الضابط زهير مراد لم يكن زمنها زمن مجوهرات أو حرير، لذلك كانت تكتفي بعد زعلها بعلبة حلويات وغالباً ما تكون بقلاوة، أو بخاتم من الفضة أو قطعة قماش من تلك الموجودة في الأسواق·
 
تزوج زهير مراد من سلمى قبل وفاة أمها بسنتين، وكان أبوها قبل ذلك قد قتل في بداية الحرب العراقية الإيرانية، عندما سيق ضمن قواطع الجيش الشعبي، فاعتبر شهيداً ومنح نوط الشجاعة عن شجاعة لم يمتلكها يوماً، وبمرور السنين صارت تبتكر الحكايات من مخيلة فاقت مخيلة أمها، هي تدرك في قرارة نفسها أن أباها سيق مكرهاً إلى معسكرات الجيش الشعبي ومنها إلى الحدود الملتهبة، وكان قد ذكر في إجازته الوحيدة أنه يتمنى الموت على فراشه من أن يموت مشوهاً في تلك الحرب، لكن سلمى في حضرة زوجها ترتجل حكايات عن مواقفه البطولية، كلما نظرت إلى صورته أو حلّت ذكرى مقتله، وتعيد حكايات أمها عن الجد الأكبر، وترى أن مدينة اسطنبول هي مركز الكون، وتكرر دائماً عبارة نابوليون بونابرت فيها حين قال (لو كان العالم كله دولة واحدة لكانت اسطنبول عاصمتها)، ومن أجل المزيد من تبجيل مدينة أجدادها قامت بتأطير تلك العبارة عند أحد الخطاطين وبروزتها لتأخذ مكانها، كما فعلت أمها مع ما قاله مدحت باشا عن الحرب، وعلقت صورة أبيها بين عبارتين لرجلين شهيرين دخلا التاريخ من أوسع أبوابه ، الأول مدحت باشا الذي لم يتحمل الولاة المتخلفون نظريته الإصلاحية؛ فدبروا له مؤامرة وسجنوه حتى مات خنقاً في سجن قلعة الطائف، والثاني قتله غروره في التوسع فنفي إلى جزيرة القديسة هيلانة، ومات قهراً، وفي رواية أخرى مات مسموماً·· لكن عبارة مدحت باشا لم تستقر طويلاً؛ إذ سترفع من مكانها بعد أن صار التغني بالحرب هو السمة التي تطبع حياة الناس في هذا البلد، وصار الفقراء زاد الحروب ونفطها والراكضين خلف السمعة والشرف، وكان لزاماً على سلمى أن تنصاع لأمر زوجها لكي لا تجلب له ولها المتاعب·
 
للزمن مزاج خاص لا يخضع لأمزجة البشر، ربما يشبه البحر الهادر أو المحيط الهائج، يتغير ويتلون بين يوم ويوم، لذلك لم تجد سلمى في زمنها القاحل من يهز رأسه موافقاً ومتوافقاً مع كل ما تقوله في كل الأوقات، لا وقت لزهير مراد لسماع الحكايات بعد حفنة من السنين تظاهر بتصديقها، وسواء كانت حقيقية أو متخيلة فلا تهمه بشيء، بسبب طبيعة عمله المكدسة بحكايات مضرجة بالدم وممهورة بطابع العنف، وبالتالي فهو منهك تماماً ورأسه محشو بالبحث عن مخرج لكل جريمة أو شبهة جنائية والبت فيها، إضافة إلى مهامه الأخرى المتعلقة بأمن البلد الذي يتآكل يوماً بعد يوم·· آخر تلك الحكايات مقتل أنغام عارف التي أصبحت شغل وشاغل الناس بين ليلة وضحاها·
صفحة 7
رجل غامض في الصورة
 
كان زهير مراد مغرماً في صباه بقصص أجاثا كريستي، يقرأ رواياتها البوليسية بشغف، يتتبع تفاصيل الجريمة التي تنسج خيوطها بصبر وإتقان، ويحاول معها حلّ اللغز الذي يكتنف مقتل إحدى الشخصيات، كان يتمنى أن يصبح مثل المفتش هرقل بوارو، الذي لا يهنأ له بال إلا بعد أن يكشف الغموض الذي يحيط بالجرائم الغامضة، تسلل إليه ولعه بتتبع الجرائم منذ طفولته وإن لم يدرك ذلك، منذ أن اختفت الشابة حميدة التي تسكن عائلتها خلف بيتهم في منطقة الكسرة، ثم اكتشفت جثتها طافية في نهر دجلة، وسرت بعد أيام عدة شائعة مقتلها على يد أخيها الأصغر ورمي جثتها في النهر لتبدو الوفاة حادثة غرق، التقطت اذنه خيط الإشاعة وراح خياله يصور له كيف استدرج الأخ أخته إلى النهر، عندما أخبرها أنه أسقط ساعته اليدوية هناك وطلب منها انتشالها، كان الجزر قد ترك على جروف النهر الكثير من الغرين، وما إن أشار لها إلى المكان الذي سقطت فيه الساعة ودخلت حميدة إلى النهر حتى دفعها فجأة ولم يترك لها وقتاً للصراخ ، فقد أطبق على فمها وهو يغوص معها إلى الأعماق، وبعد أن تأكد من موتها خرج راكضاً باتجاه معاكس، وتسلل إلى بستان النخيل ريثما تجف ملابسه، ولأن الطفل زهير يعرف أن طريقة موت حميدة من ابتكاره فقد تذكر ما فعلته مخيلته بعد سنوات، واعتقد وهو يقرأ أجاثا كريستي أنه سيصبح كاتب روايات بوليسية، لكن الظروف دفعت به إلى اتجاه آخر وإن يكن غير بعيد عن عالم الجريمة، لذلك كان بديهياً أن ينتسب إلى سلك الشرطة ويصبح ضابطاً يحقق بالجرائم، وصار حل الألغاز هوايته، يفك العقدة في يومها الأول أو الثاني، وكثيراً ما استعان به الجهاز الأمني في حالات مستعصية، ولذلك أصبح عضواً مهماً في اللجنة الأمنية التي تضم أعلى الرتب الحزبية، على الرغم من أنه ما يزال نصيراً متقدماً لم يبلغ درجة العضوية بعد، فما باله اليوم يعجز عن التوصل إلى نتيجة في قضية أنغام عارف، التي شغلت الرأي العام منذ أيام عدة؟ وأين هي المخارج التي يتحدث عنها السيد سارتر ؟
 
لم تقتنع سلمى بأن السبب وراء شرود زوجها وانزوائه في غرفة المكتب هو فشله في معرفة الجاني حتى الآن، لكنها أيضاً لم تحدد سبباً آخر، ربما تكون لديه مشكلة ما لايريد الإفصاح عنها، فهو في الآونة الأخيرة أبدى تذمره من كثرة استدعائه إلى الفرقة الحزبية في المنطقة ، وأبت إلا أن تجرجره إلى دائرة الجدال وتتبرع بحلول عدة بشأن قضية أنغام عارف، يجدها من ناحيته ساذجة ومضحكة ، كان يهز رأسه كلما تفتق ذهنها عما تسميه حلاً، تماماً مثلما كان يفعل أبوها مع حكايات أمها، ولكي تعزز من حلولها تخبره أنه في زمن أجدادها العثمانيين حدثت جريمة عجز المحققون والقضاة عن حلها، ورصد كبيرُ القضاة مبلغاً من المال لمن يدلي برأي يقود للحل، كانت الجريمة غامضة - تقول سلمى لزوجها- قتل رجل أمام باب بيته واختفى القاتل دون أن يراه أحد، ولأن المقتول لم يكن له أعداء وكان فقيراً معدماً فلا يقربه اللصوص، ولم تكن له زوجة لتتخلص منه، فقد تعقدت القضية، وإذا برجل يأتي إلى كبير القضاة ويخبره بأنه يعرف القاتل، ولكنه لا يبوح بالسر إلا بعد أن يقسم على أنه سيفي بوعده ويعطي المبلغ له في الحال، وأقسم كبير القضاة ونقده المبلغ، كانت زوجة الرجل تنتظره عند الباب، نادى عليها وسلمها المبلغ، وانتظر بضع دقائق ريثما تتوارى زوجته، فأخبر كبير القضاة بأنه هو القاتل، أما سبب القتل فهو أن ذاك الرجل كان يزاحمه في سوق الحمّالين، وبذلك يحرمه مما يقي أولاده الستة غائلة الجوع·
 
لا يفهم زهير مراد ما تعنيه حكايتها التي لا يشك بأنها ابتكرتها أو سمعتها من أمها الحكّاءة، لذلك لم يكترث لما تقول، لكنه لا يجرؤ على التقليل من شأنها؛ لأنه سئم من زعلها ولا وقت لديه لشراء الهدايا·
صفحة 8
حضرت فيروز للمرة الثانية إلى مركز الشرطة، أراد زهير مراد أن ينتهي من ملف أنغام عارف ويحوله إلى الجهات القضائية العليا، لقد توسم خيراً بفيروز باعتبارها صديقة أنغام منذ الطفولة وهي آخر من شاهدها، كما أنها امرأة مثقفة، تكتب القصة القصيرة، ولها مجموعتان قصصيتان وعملت في الصحافة لسنوات طويلة، بما يعني سعة خيالها الذي سيساعده بالتأكيد على فك خيوط هذه المعضلة·
 
لاحظ ارتباكاً في جلستها ورعشة في كلامها لم يلاحظهما في المرة السابقة، ضغط على الجرس فدخل على الفور أحد الشرطة مؤدياً التحية، ومتسمراً في مكانه بانتظار الأوامر، التفت زهير مراد إلى فيروز قائلاً :
 
- قهوة، شاي ، ينسون ؟
 
أبدت دهشتها وهي تقول:
 
- ينسون في مركز الشرطة؟
 
ابتسم وقال: أنا أدخلته إلى الخدمة·
 
- إذن، ينسون·
 
- واحد ينسون، قال زهير مراد، فخرج الشرطي لتلبية الطلب، ، وقال ملتفتاً إلى فيروز ومازحاً :
 
- أتمنى أن لا تنسي كل ما يخطر ببالك من أجل كشف غموض القضية، أي معلومة مهما كانت صغيرة قد تنفع·
 
كان مساعده يجلس غير بعيد عنه، متهيئاً للتدوين، فتحت فيروز حقيبة يدها الجلد السوداء وأخرجت ثلاث صور، قالت وهي تفرشها على الطاولة :
 
- هذه الصور التقطت عندما كنا، أنا وأنغام وابنتي نتغدى في شارع (أبو نؤاس) ·
 
صمتت فيما راح زهير مراد ينظر إلى الصور، ثم سأل :
 
- ماذا في هذه الصور، يبدو كل شيء طبيعياً ؟
 
ردت فيروز :
 
- أنا أيضاً كنت أعتقد ذلك·· أنظر يا سيادة المحقق إلى الرجل في خلفية كل صورة·
 
تمعن زهير مراد وبدا كمن يبحث عن شيء مفقود، ولما لم يتوصل إلى نتيجة سأل فيروز :
 
- من هذا الرجل ؟ لا يبدو أنه جزء من الصورة، كثير من الصور في الأماكن العامة يظهر فيها أناس على هذه الشاكلة·
 
في هذه الأثناء نقر الشرطي على الباب ودخل يحمل صينية فيها قدح الينسون، وضعه على الطاولة الصغيرة أمام فيروز وخرج·
 
أجابت فيروز على السؤال بالقول :
 
- ما هو غير طبيعي، هو أننا كنا نغير اتجاه المكان الذي نجلس فيه فيتغير بالطبع اتجاه العدسة، فكيف يظهر هذا الرجل في كل اتجاه ؟
 
حدق زهير مراد للمرة الثالثة في الصور، وسألها :
 
- هل تعرفين هذا الرجل ؟
 
ردت بالنفي وأضافت :
 
- لكنني كلما أمعنت النظر بالصور يراودني إحساس بأنني قد أكون رأيته·
صفحة 9
في هذه اللحظة سمع طرقاً على باب غرفته فردّ بكلمة : ادخل، ودخل الشرطي حاملاً مغلفاً ، سلمه للمحقق وخرج، وهيمن صمت لدقيقتين، ريثما يقرأ ما جاء في التقرير الوارد من مديرية الاتصالات، كان يقلص ما بين عينيه ويقطب ويمط شفتيه بينما فيروز تتابع ملامحه، وحين انتهى من القراءة مرّره لمساعده وتوالت أسئلته :
 
- هل لأنغام أقارب في الخارج؟
 
أغمضت فيروز عينيها لتستدعي ذاكرتها، ثم أجابت بالنفي·
 
- هل سافرت خارج البلد في رحلة ما ؟
 
- أبداً·
 
- هل يزورها أحد من أقربائها؟
 
- ليس لها أقارب غير جدتها التي تولت تربيتها وماتت قبل حوالي أربعة أعوام·
 
- هذا يعني أنها مقطوعة من شجرة ؟
 
- بل على وجه الدقة لا شجرة لها·
 
لم يستسغ زهير مراد هذه الإجابة فسألها :
 
- ليس ثمة من لا جذور له، حتى الأشجار حين تقتلع يبقى منها شيء في أعماق الأرض؟
 
- من كان لها مات، وأقاربها البعيدون لا تعرف أنغام عنهم شيئاً ولا يعرفونها·
 
همّ بسؤال آخر لكن رنين الهاتف أوقفه عن الكلام، رفع سماعة الهاتف :
 
- نعم رفيق جمعة، بالتأكيد سأكون هناك بعد انتهاء الدوام، وسنرى ماذا سنفعل، أمرك، أمرك رفيق·
 
شعر بالضيق وهو يضع سماعة الهاتف، وزفر نفساً عميقاً كما لو أنه يريد أن يتخلص مما سمعه في الهاتف، وهذه المرة هي التي نظرت إلى ساعتها واستأذنته بالخروج قائلة :
 
- تركت ابنتي عند الجيران ولا أريد أن أتأخر عليها، إنها تعاني من مشكلة خاصة·
 
سألها: ما نوع المشكلة الخاصة؟ أجابت بصوت فيه الكثير من الأسى: لا تسمع ولا تتكلم·· بدا عليه التأثر، أو اصطناع التأثر، وأبدى استعداده لأية مساعدة بهذا الشأن،
 
ثم قال لها وشيء مثل الدبيب يسري في جسده·
صفحة 10
- اتركي هذه الصور، أشكر لك تعاونك ونحن بحاجة للمزيد من العمل معاً·
 
بعد خروج فيروز أعاد قراءة تقرير مديرية الاتصالات الذي يقول إن جميع الرسائل الصادرة والواردة على تلفون أنغام الأرضي هي مكالمات داخلية، ليس فيها ما يثير الشكوك ، وأورد التقرير جميع تلك المكالمات مع أسماء أصحابها، وسأل زهير مراد مساعده إذا ما توصل لمعنى آخر في عبارة( المخارج موجودة في كل مكان) فقال المساعد الشاب:
 
- كلا سيدي، لكن قد تكون العبارة أعجبتها دونما سبب معين، فكثير من الناس يفعلون ذلك·
 
مط زهير مراد شفتيه بما يعني أنه لم يقتنع، وشعر بالعجز إزاء القضية كلها، وقبل أن يغادر طلب من المساعد أن يتابع أرقام الهواتف الأخرى الواردة بالتقرير، ريثما يعود من الفرقة الحزبية، وإذا امتد الوقت إلى ما بعد الرابعة عصراً فسيكون موعدهما في المكتب صباح اليوم التالي :
 
- نريد أن نخلص من هذه القضية ونغلق الملف·
 
قالها بامتعاض وهمّ بالمغادرة لكنه استدرك فقال :
 
- فيما يخص الصور، أريد صورة منفردة للرجل الذي يظهر في الخلفية لمعرفة صاحبها عن طريق الجهات الأمنية، وحرّر طلب استدعاء باسم مقداد صبري العامر وسامر عبد الرحمن، أريدهما صباح الغد في المركز·