eKtab
EN ع
آنا كرنينا
اقرأ عينة مجانية

آنا كرنينا

بقلم ليو تولستوي

صفحة 1
 
كانت عائلة «أوبلنسكي» مضطربة غابت سعادتها، وتلاشى استقرارها، وحفّ بها الشقاء من كل جانب.
 
فالزوج حادَ عن الصراط، والزوجة اكتشفت ما نزع إليه قلب زوجها، فقد كلف المربية الفرنسية الحسناء التي كانت ترعى أولاد الأسرة كلفاً شديداً، وهامَ بها حباً، وعاشرها معاشرة الأزواج.
 
وشاع الحزن في قلب المرأة البائسة، فشعرت بالمهانة، وأحست بتقويض الآمال، وجهرت بعزمها على صد زوجها عنه، والانفراد بعيشها وكأنها لم تتزوج، وكأنها لم تنجب أولاداً !
 
وانقضت أيام ثلاثة عمت خلالها الفوضى، وساد الارتباك، وانجلت الأواصر، وانفكت الصلات، وثبت أن لا مناص للزوجين من الانفصال.
 
واغتنم الأطفال فرصة الجفاء المستحكم فعبثوا ما شاء لهم العبث، وسببوا للخدم من المتاعب ما اضطرهم إلى التفكير بترك الخدمة، والبحث عن بيت آخر يظلله الوئام ويسوده الاتفاق والسلام.
 
ولاذت الزوجة بغرفتها فلم تبرحها، وهام الزوج على وجهه وجعل يقضي سحابة نهاره متنقلاً من مكان إلى مكان. فإذا ما قفل راجعاً، قضى ليلة في غرفة أخرى غير مخدعه.
 
وفي صباح اليوم الثالث لنشوب النزاع استيقظ الأمير «ستيفان أوبلنسكي» من نومه، كما اعتاد أن يستيقظ كل صباح، فتثاءب وتمطى، واستعاد إلى الذاكرة صوراً من الحلم الذي ألمّ به، والأشباح التي طوّقت بمخيلته، ثم تذكر فجأة أنه لا ينام إلى جانب زوجته بل على الأريكة الجلدية في مكتبه. فتململ في مكانه متضرراً، إلا أنه عاد فانطرح على وجهه، وما لبث بعد قليل حتى دفن رأسه في الوسادة، وغاص في لجة الفكر..
 
فتذكر تلك الليلة السوداء التي حولت حياته إلى جحيم .. وصاح وهو يرى ما جرى، بصوت اليائس الولهان: «إنها أصعب مراساً من كل امرأة سواها، ولن تغفر لي، لن تغفر، لن تنسى!».
 
لقد عاد في تلك الليلة التعسة من ملعب التمثيل وهو يمشي بزهو وخيلاء، ولا يكاد يطأ الأرض عجباً وسعادة.. ودلف إلى البيت بخطاه الثابتة وفي يده إجاصة كبيرة ناضجة..
صفحة 2
وبحث عن زوجته فلم يجدها في الردهة التي اعتاد أن يجدها فيها كل ليلة، فولج غرفة المائدة، فلم يلقها هنا أيضاً .. وهجست نفسه وحدثته بالشر – أليس مذنباً هو؟ ألا يحس المذنب بما ينتظره؟ ألا يلمس موطن الخطر قبل أن يفطن إلى الخطر الماثل أمامه؟
 
حدس هو ما جرى، ولما دخل مخدعها، أيقن أن تكهناته قد أصابت كبد الحقيقة، وها هي زوجته تحمل في يدها ذلك الكتاب الملعون الذي أماط لها اللثام عن قصة الخيانة.
 
وأصاب قلبه الذعر والهلع، فتمعن في وجهها، ولكنه لم يجد فيه إلا اصفراراً وكمداً وحزناً يكاد ينفجر من كثرته.
 
ولكنه كان مرحاً بطبيعته، لا يحمل الهمّ إلا فينة، ولا يحزن إلا هنيهة. ويضحك إذا ألمّت المصائب، ويقهقه إذا حلّت الخطوب !
 
وقالت امرأته بصوت أجش صارم: «أنت هنا ! أنت أيها الإنسان الغادر؟ قل، أجب .. ما هذا الكتاب؟» .
 
* * *
 
ففغر فاه، وحملق إليها دون أن يجيب .. ثم ابتسم ابتسامة بلهاء، ونقل طرفه بين زوجته والكتاب الذي كشف لها انحرافه وارتمائه في أحضان المتعة المحرمة، وجنوحه إلى الفجور، يختلسه اختلاساً وينتهبه انتهاباً، في غفلة من زوجته، ودون أن يردعه وازع من ضمير، أو يصرفه حافز من شرف.
 
وابتسم ابتسامة بلهاء، فكانت ابتسامته كلمة القضاء .. لقد حكم بها على نفسه فأدانها وخطّأها، واكتفت زوجته واقتنعت.
 
وتنفس الصعداء وهو يفكر الآن بمصيبته، وينحي على ابتسامته تلك باللائمة، ويتساءل والحيرة مستحوذة على مشاعره، عن أنجع الطرق التي تزيل هذه العقبة فتلاشي الخصام وتزيل القطيعة.
 
وتساءل ملياً .. ثم فكر وقدح زناد الفكر .. ولكنه لم يهتدِ إلى حل لمشكلته وقال يحدِّث نفسه بلهجة تشف عن طيبته وصراحته: «لقد هدمتْ صروح أحلامي .. وكدّرتْ لذة الحياة لي ولأولادي، ولن يجدي معها الكلام .. لن تذعن .. ومهما جهدتْ في حل هذه العقدة فلن أجد له انحلالاً، وستعتبر زوجتي كل قول أقوله إفكاً وضلالاً».
صفحة 3
كان ستيفان رجلاً صادقاً فيما بينه وبين نفسه، ولهذا لم يكن في وسعه التغرير بهذه النفس وخداعها، وإقناعها بأنه نادم على زوغان ضميره عن الطريق المستقيم.
 
وكتن في الأربعة والثلاثين من عمره، وكانت زوجته في الثانية والثلاثين، وقد رُزق منها سبعة أطفال مات منهم اثنان.
 
وغشيه من الهم وهو يضرب من الحيرة أخماساً بأسداس ما لم يُبْلَ مثله من قبل، فقد فكر بأولاده، وفكر بامرأته، وفكر بنفسه ! ولم يكن مبعث همه عدم ميله إلى زوجته، بل كان مثار همّه لإقدامه على الاقتران بها !
 
ولو تكهن أن خيانته ستنتهي بشر وغدر، لو داخل حسّه أن علاقته الأثيمة ستنسيه طعم الراحة، لفكّر مراراً قبل أن يقتحم الصعاب، ولحرص كثيراً حتى لا ينكشف السر، فيتكبد هذه العواقب، وينال هذا العقاب !
 
بيد أنه لم يتبع طريق العقل، ولعله كان يظن في زوجته القانعة ببيتها وأولادها ما يصرفها عنه وعند نزواته، ما يجعلها لا تحفل أو تكترث بفسقه .. وذهبت به حُسْن الظن كل مذهب، فكان يثق أنها تتغاضى عنه حتى يشفي غليله، وأنها تغمض عينيها كي يصل إلى إربه مع امرأة سواها، فيظل الرجل المستسلم لها بصفتها ربة البيت، المنصرف عنها بصفته يهوى الحُسْن والدلال !
 
واستوى جالساً، وراح يحدِّث نفسه ويقول: «هذا مريع ! وإني أحس بالخبال والوبال، وبضياع الآمال .. أليس من السخف والحُمْق أن يعشق الإنسان مربية أو خادمة؟ ولكن .. ولكن .. أي مربية هي؟ أي مربية؟».
 
وافتر ثغره عن ابتسامة راضية، وأغمض عينيه، وحلّق في عالم الأحلام، كأنه يرى جسد المربية الغض، ووجهها الناصع الناعم وعينيها المشرقتين الصافيتين ...
 
وهتف على حين غرة: «أين المفر، ما العمل، حتى أصون نفسي من الانهيار؟»
 
وتحير يتلفّت يمنة ويسرة، ثم دق الجرس، فهرع إليه خادمه «ماتفي» - ذلك الشيخ الودود – يحمل له بزته وحذاءه .. ويحمل أيضاً له برقية وتبعه الحلاق داخلاً وهو يحمل عدة الحلاقة، كما لو كان طبيباً يحمل أدواته ومعداته !
صفحة 4
ونظر أوبلنسكي إلى خادمه مستطلعاً، وقال: «ما وراءك يا ماتفي؟ أمعك أوراق يجدر بي قراءتها؟».
 
فبادله الخادم نظرة العطف والتفاهم والحيرة وأجاب: «هناك على المنضدة بعض الأوراق يا سيدي .. أما الآن، فاقرأ البرقية».
 
وفضّ أوبلنسكي البرقية، وما كاد يطلع على محتوياتها حتى هتف بارتياح: أي ماتفي، شكراً لله إن أختي قادمة في الغد – إن أختي «أنا كارنينا» قادمة لتمكث معنا ردحاً من الزمن.
 
وردد الخادم قول سيده: «شكراً لله» .. وكأنه يود أن يؤيد سيده في استبشاره بقدوم شقيقته وتفاؤله من حلولها بين ظهرانيهم.
 
وعاد الخادم يقول متسائلاً: «أآتية وحدها؟»
 
فلم يتسن لستيفان أن يرد، فقد كان الحلاق حينئذ يمرر الموس على ذقنه، ولكنه رفع إصبعه، ففهم الخادم أنها قادمة دون زوجها.
 
ولم يلبث أن قال: «وهل أجهز لها الغرفة العليا؟»
 
فأجابه ستيفان: «سل زوجتي داريا الكسندروفنا»
 
فقال الخادم في تعجب واضطراب: «اسألها !»
 
- أجل، وخذ لها البرقية.
 
ومضى الخادم يقدم رجلاً ويؤخر أخرى إلى حجرة المرأة المخدوعة وعكف ستيفان على ارتداء ملابسه.
 
ولما قفل الخادم راجعاً، بدا من تقطيبته وعبوسه أنه عمل عملاً لم يحكمه. ولما نطق قال بلسان متلعثم ينم عن أسفه وحزنه: «لقد أعطيتها البرقية، فلم تعنِ بقراءتها، بل قالت أنها مرتحلة وأن الحياة في المنزل لن تروق لها بعد اليوم».
 
وكان الخادم قد أزعجه بكلماته تلك، فأسى وحزن، ثم ابتسم كما يبتسم دائماً في وجه الخطوب وقال محتاراً: «لقد خفق المسعى، فما العمل؟»
صفحة 5
فصعد فيه الرجل بصره وأجاب: «أولى بك أن تسلِّم المسألة للقدر، فالزمان كفيل بحل أعقد المشكلات».
 
وصمت، وذهبت به أفكاره كل مذهب. ولما سكن حزنه، وهدأ قلقه، التفت إلى خادمه الواجم المترقب. وإذ هو يهمّ بالكلام ولجت عليه المكان الحاضنة «ماترينا فليمونوفنا» وعليها ثوب واسع فضفاض.
 
مع ابن ستيفان أطاع دواعي الحب وخان عقد زواجه، إلا أن جميع أهل البيت وخدمه كانوا يعطفون عليه ويشعرون معه ويودون لو يجتاز هذه المحنة منتصراً مظفراً. ودخلت الحاضنة وفي ملامحها ما ينم عن همّ، وقالت:
 
«سيدي ! أرى أن تحاول .. حاول مرة أخرى .. إني أعوذ بك، فافعل، ما يخمد نار كربها ويفثأ ولهيب حزنها .. افعل ذلك ناشدتك الله من أجل بيتك وأطفالك .. افعل ذلك حتى يذهب همنا وغمّنا!»
 
فاهتز الرجل من شدة الانفعال، وأجاب وهو ينكس رأسه: «إنها تأبى مخاطبتي فضلاً عن مقابلتي .. فما العمل؟ ماذا أصنع؟»
 
قالت: «ما يحتمه عليك الواجب، فاتبع مشورة ذهنك، لأن الاستسلام للأمر الواقع لا يجدي، ولأن التحرق على نار الحزن والندامة لا ينفع في مثل هذه الحالة ...»
 
- أنت حلوة اللسان يا عزيزتي، ماهرة في التعبير .. فاذهبي الآن وسأفعل اللازم!».
 
وما لبث بعد ذهابها أن طيّب نفسه بالعطر، وسرح لحظة من النافذة هنيهة كالمفكر، ثم دلف إلى حجرة المائدة بخطوات ثابتة مرحة، ووجه متألق يتضح بالبِشْر والاطمئنان !
 
ما كان ستيفان أوبلنسكي رجلاً ذا وجهين، وما كان منافقاً مخادعاً، ولكنه كان يتبع بغريزته من ترجح كفته ويشتد ساعده.
 
فهو مواظب على قراءة صحيفة حزب الأحرار، حريص على تتبع أخبارها في كل صباح .. ولا يرجع ذلك إلى مناصرته لمبادئ حزب دون حزب، أو لمظاهرته لما ينادي به فريق دون فريق، بل لأن كفة هذا الحزب هي الكفة الراجحة وصحيفته كانت الصحيفة المنتشرة على أوسع نطاق.
صفحة 6
وما كان لستيفان أوبلنسكي نظرة بارعة في عالم الفن والأدب، ولا رأي حاكم في مجال السياسة، لهذا اكتفى بأن يكون تابعاً لتلك الأغلبية القوية، يتلوّن بحسب لونها، ويتقلّب وفقاً لتقلّبها، تماماً كما كان موقفه إزاء قبعته كلما عَتِقَت وبهت لونها. ومن يعلم؟ لعل حالته الخاصة في بيته حفزته أيضاً إلى الميل مع الإصرار وإلى مناصرتهم، وتأييدهم، والتصفيق لهم !
 
ومن يدري؟ لعل معيشته الخاصة ولهفته إلى نيل الحرية والانطلاق من قيود الزوجية، وهو الحافز له على المناداة بمبادئ الأحرار والتغني بفلسفتهم ! ومن يدري: لعل أعباء الديون الكثيرة التي رزح تحت ثقلها جعلته يميل بقلبه ولبّه إلى ناحية الأحرار ! ألم ينادِ هذا الحزب بضرورة تجديد النظام، والعُرف والقانون، والسياسة، والحياة برمتها؟
 
ألم ينادِ بضرورة إزالة شوائب الماضي؟ وديونه، أليست من أقذار الشوائب ؟!
 
ألم يجهر حزب الأحرار بضرورة تعديل قانون الزواج؟ فلِمَ لا يملأ هذا المبدأ عينه قوة، وهو من أشقى الأزواج؟
 
ألم يسخر حزب الأحرار من الدين، ويستهجن الصلاة والعبادة وهو طالما قد تبرم اضطراره للمكوث فترة طويلة يستمع فيها إلى موعظة حسنة، ويصغي إلى كلام منمّق عن الدنيا والآخرة. وما جدوى ذلك؟ ألا يستطيع أن ينسى الآخرة ليسعد في الدنيا؟ فلم يذكره رجل الدين إذن بهذه النهاية وهذه الخاتمة.
 
ثم أليس لحزب الأحرار تلك الروح المرحة الطيبة الفكهة التي تدع رجاله البارزين يطلقون النكتة دون خوف أو مبالاة؟ لقد كتب زعيم في الحزب، في جريدة الحزب فقال: «انظروا إلى رسم الأمير «رورك»، ثم حاكموا داروين، أليس هو على حق في نظريته؟!»
 
وألقى أوبلنسكي الجريدة من يده ووضع قبعته على رأسه وتأهب ليغادر بيته !
 
ولكنه تلفت حوله محتاراً، وتريث متململاً وتساءل: «أثمة أمر نسيته؟ أهناك ما يجدر بي تنفيذه؟»
 
وجاءه الجواب في وجه أطل عليه – وجه مقطب تنزل من عينيه الدموع فضرب على جبهته بيده وعلم أنه لم ينسَ إلا زوجته .. لم ينسَ إلا أهم ما كان عليه أن يذكره.
 
فهل يسعى إليها؟ وهل يقترب منها؟ وشعر باشمئزاز .. هل اشمأز منها أم من نفسه أم من هذه المقابلة؟
صفحة 7
إنه واثق من أن شيئاً لن يعيد المياه على مجاريها، أو يربأ الصدع أو يلاشي غضب زوجته ويأسها.
 
وتناهى إليه في تلك اللحظة أصوات صخب وضجيج، فأدرك أن أولاده يلعبون في الحديقة، وأيقن أن لا بد مما ليس منه بد ونقّب في دماغه المضطرب عن مخرج لهذه المشكلة فسُدّت في وجهه المنافذ والأبواب، لكن ما ذنب الأولاد؟ ما ذنب أطفاله الأبرياء؟
 
وهز رأسه ولوّح بيده، ثم مشى إلى مخدع زوجته بعد أن أشعل سيجارته.
 
* * *
 
وقفت داريا الكسندروفنا بين أكوام من الأمتعة والملابس، وهي ترتدي ملابس السفر. وكانت الأفكار قد أججت همّها وخطفت بريق وجهها، وكان شعرها المدبّس ينطق بذات نفسه عن ماضٍ له مجيد، وكان وجهها الشاحب النحيل يشير بما عانته صاحبته من مضض.
 
فلما ولج زوجها عليها الغرفة، حاولت أن ترمقه بنظرة احتقار واستهجان، ولكنها أخفقت في جهودها، واغرورقت عيناها بالدموع فكرهت أن تستوقفها، فأشاحت عن زوجها، وهي تشعر بالخوف والوجل والإشفاق. كانت تخافه .. وكانت ترتجف رعباً كلما فكرت بهذه المقابلة المحتومة بعد انكشاف أمره ..
 
وطالما هيّأت النفس في الأيام الثلاثة المنصرمة أن تغادر البيت، ولطالما رتبت أمرها وحزمت رأيها وجمعت ملابسها وملابس أولادها وهي تزمع على الانفلات إلى منزل أمها والإقامة فيه، ولكنها كانت تنهار وتتهافت ويغشاها من الشجن ما يفت في عضدها ويوهن عزيمتها. وما أكثر ما استلقت على الأريكة في كل مرة انتاب إرادتها التخاذل، وتأوهت وزفرت، ثم قالت تحدِّث نفسها:
 
«من المحال استمرار الحال على هذا المنوال، ولا مفر لي من إتيان ما يظفرني بأربي ويلبي لي طلبي .. يجب أن أذله وأقهره، يجب أن أنتقم منه !»
 
وقد أتعبها فكرها، فعوّلت على وضع حد لهذه العلاقة، ولكن، كيف؟ كيف تصل إلى هدفها، وهدفها كريه؟ كيف يطاوعها قلبها، وقلبها رقيق مرهف الإحساس؟
 
فوق ذلك، ماذا تفعل بتأقلمها؟ لقد مضت سنون عليهما وهما زوجان سعيدان، يعيشان تحت سقف واحد، وتنقلهما الأيام تارة من التفاؤل إلى التشاؤم، ومن الفوز إلى اليأس، وتارة أخرى تقفز بهما من حرقة الكرب وشدتها إلى روح الطرب والسرور والبهجة؟!
صفحة 8
إنه زوجها رغم المصائب كافة، إنه زوجها رغم ما خطر خاطرها من خيانة وغدر .. وهو والد أطفالها الخمسة، ولو شاءت أن تسكن بيت أمها، فهل يتسنى لها اصطحاب أولادها جميعاً؟
 
ومع ذلك فما انفكت طيلة الوقت تستعد وتستعد، وتعد الثياب وتجهز الأمتعة. وتعيد الترتيب من أوله، وتعيد التنفيذ من بدئه. فهل كانت تخدع مشاعرها؟ هل كانت تغرر بنفسها، وكانت تزعم البقاء وتنوي الرحيل في آنٍ واحد؟
 
وأحست بزوجها يدخل، فتغيبت يدها في خزانة الثياب، وكأنها تريد منها شيئاً لاستكمال الاستعداد.
 
ووقف الرجل، والتفتت هي إليه، وعبّرت نظرتها عن دهشة وتعجب وحيرة، مع أنها كانت تود أن تطالعه بوجه مربد، وعينين صارمتين قاسيتين، يفيض منهما الاحتقار والازدراء.
 
وقال بصوت خفيض لطيف آمل هو أن يوصله إلى نيل المراد: «داريا ..»
 
وأغض بطرفه محاولة منه الظهور بمظهر النادم المستغفر، وتأوّه وكأنه يتحسر على سعد فات، ورغد غاب، ونعيم ولّى !
 
على أن حيويته لم يستطع أن يبدد من مظهرها، ونشاطه عجز عن إخفائه، والعبير .. العبير الذي كان يفوح من ملابسه وشعره ألا يدحض هذا ما حاول إظهاره ؟ ألا ينم عن حقيقة خلجاته ؟
 
وتفحّصته زوجته وأمعنت النظر فيه، فتعجبت لقوته وفتوّته، وكدرتها ملامحه المرحة التي تخلق له الأصدقاء والمحبين وعجبت فيما بينها وبين نفسها من هذا الإشراق الذي لا يخبو، وهذا البهاء الذي لا يأفل.
 
أحنت عليه، ولعل سخطها كان الحافز إليه غيرتها، ولعله كان نتاج الفارق بين نضرتها الذابلة، وشبابه المتألق الزاهر.
 
وقالت له بصوت سريع عميق، غير طبيعي: «ألك حاجة؟ أتريد شيئاً؟»
 
فأجاب متلعثماً مرتعشاً: «أنّا قادمة يا عزيزتي، قادمة غداً».
 
فهتفت محتدمة: «وهل يعنيني أمرها؟ دعها تأتي .. فهي أختك !»
 
- ولكن حري بك أن تمكثي، أن تريها، أن تحدثيها..
 
فصرخت دون أن تنظر إليه، وكأن صرختها كانت عن ألم جسماني حادة «اذهب .. اذهب .. اذهب»
صفحة 9
كان في وسع ستيفان أن يحتفظ بهدوئه حين يفكر بامرأته، وكان يأمل أن يصدق حدس ماتفي خادمه فترجع إليه راضية غافرة، ويرجع هو إلى جريدته هادئاً مطمئناً، ويستأنف شرب قهوته في دعة وسكون، وينصت إلى ضجة أولاده في حنان وابتسام.
 
ولكنه لما رأى وجهها المتعذب المتألم، واستمع إلى نبرة صوتها المستسلم للقدر، المفعم بالحزن واليأس، شعر كأنه يختنق، وأحس بشيء يقف في حلقه حتى ليكاد يكتم نفسه .. كما أن العبرات لمعت في مقلتيه، وكأنها توشك أن تسيل من عينيه.
 
وسمع نفسه بعد قليل يهتف متضرعاً متلوعاً:
 
«دار، ناشدتك الله أن تشفقي ! انظري، انظري !»
 
فصفقت داريا باب الخزانة بعنف وواجهته بنظرة صارمة، ولم تنبس بكلمة.
 
وأردف هو بنفس اللهجة: «ماذا أقول غير شيء واحد؟ ماذا أقول سوى إبداء الندم واستجداء المغفرة؟ أي داريا أصغي .. اغفري ..»
 
وانتظر هنيهة وعاد يقول: «تذكري .. تسع سنين قضيناها سوياً .. ألا تستطيع تسع سنين أن تشفع لزلّة واحدة؟»
 
وأطرقت المرأة بأفكارها المشتتة إلى الأرض، وهي تتوقع، بل ترجو من كل قلبها أن يقول شيئاً يثبت به براءته.
 
ولكنه عوضاً من أن يتنصل اندفع يثبت التهمة بطريقة دامغة، فقال:
 
«نزوة طارئة .. شهوة ساعة .. مس من جنون .. ألا .. ألا»
 
- أغرب عن وجهي !
 
- داريا ...
 
- اذهب .. غادر الغرفة، ولا تحدثني عن نزواتك وسقطاتك .. لا تحدثني عن مجونك وفسقك ..
 
وتحركت لتذهب، لتبتعد .. ولكنها ترنحت في مكانها، وكادت تسقط إلى الأرض، لولا إسراعها بالإمساك بظهر الأريكة.
 
وأجهش هو، وكاد أن يذرف الدمع، وشرع يقول مستعطفاً مستثيراً حنانها وشفقتها: «داريا ! أولادك أكبادك .. داريا ! فكري فيهم .. ماذا اقترفوا حتى تعاقبيهم؟ إنهم أبرياء يا عزيزتي، والمذنب هو أنا، فلا تقضي على مستقبلهم .. وإني لعلى أتم استعداد للقيام بما تفرضين .. قولي ماذا أفعل، مري أنفذ.. فأنا الملام، وليس غيري .. فسامحيني واصفحي لي !»
صفحة 10
فقعدت على الأريكة وهي تلهث من الإعياء، ولهثت نفسه واجتاحته موجة عارمة من الحزن والإشفاق ..
 
وبذلت الزوجة وسعها لتتكلم، فلم تجد إلى الكلام سبيلاً، فتململت في مكانها وتلفتت وتألمت.
 
وطأطأ أوبلنسكي رأسه شأن المجرم المعترف، ونكس طرفه كمن ينتظر الحكم النهائي، وانتظر ...
 
وتناهى إليه أخيراً صوتها العميق المتهدج تأثراً وانفعالاً:
 
«ستيف .. ومتى فكرت بالأطفال إلا لتقضي وقتاً قصيراً معهم في العبث واللعب، أما أنا، فأنا أفكر فيهم بكرةً وعشياً، أنا أبغي خيرهم وسأعمل على إنقاذهم .. إن هذا يعني خرابهم، ولكن ..»
 
وتذكرت أن فكرة إيذاء الأطفال قد أعاقتها عن الذهاب .. واستعبرت عيناها. لقد ذكرت اسمه مصغراً – ستيف – ومالَ هو إليها في شكر وعرفان، وتحرك ليتناول يدها، ولكنها انكمشت على نفسها نافرة مشمئزة، وتابعت:
 
«لا أنقطع لحظة عن التفكير في أطفالي، وبودي لو أنقذتهم .. بودي لو افتديتهم بحياتي .. بيد أني لا أدري كيف السبيل إلى انتشالهم من الوحدة التي طوّحت بهم فيها .. إخلاصهم هو في انتزاعهم من أبيهم، أم في إبقائهم مع أب فاسق أناني ؟! – أجل أب فاسق مبتذل ! – أخبرني، هل بعد الذي جرى أمل في البقاء معاً؟ أتظن استئناف تلك الحياة أمر محتمل، هل يمكن هذا، قل، هل يمكن، بعد كل ما بدا من ترديك في حمأة الرذيلة؟ بعد جنوحك إلى المغامرة المنحطة؟ بعد إسفافك إلى هذا الدرك؟»
 
وجعل الرجل يبلع ريقه في حيرة وارتباك، وقد انقبض انقباض اليائس وأعرض عن زوجته إعراض المثقل بشعور الخزي .. وقال وهو يتجه بنظره إلى الحائط: «فما العمل؟ ماذا أستطيع الآن أن أعمل؟»
 
وانحنت صعدته، وغض بنظره.
 
فزمجرت مهتاجة: «يا للرجل الكريه؟ يا للزوج المقيت ! وما عبراتك إلا ستاراً للؤمك وخبثك ! إنك لم تحبني قط، بل كنت منصرفاً عني إلى شؤونك الخاصة وتظاهرك بالحب، إلا ناحية أخرى من نواحي خسّتك ! لقد عرفتك الآن، وكرهتك نفسي .. أنت غريب عني .. غريب .. غريب !»
 
وغصت، واحتقن الدم في وجهها ما أصعب الكلمة ! ما أصعب الكلمة تقولها لرجل عاشرته وعاشت في كنفه وأنجبت منه أطفالها !