صفحة 1
أنا وحي الأمجاد ومسعودة
كدوامة تدور وتدور.. هذا الدوي في رأسي ما عدت احتمله. يخترق أذني. ينهك ليلي ويقتحم نهاري. اكاد افقد صوابي وانا أسأل من يشاطرني العيش في هذا البيت الذي شيدناه في هذا الحي الحديث الذي يطلقون عليه "حي الامجاد".. أسأل ان كان يسمع ما أسمع أويشعر بالذي اشعر به. فيقلب لي شفتيه غير عابيء بعذابي ويهز رأسه وفي نظرته إليّ شيء من الشكّ وهو ينصحني قائلاً: ((شوفي طبيب)) فلا املك الا السكوت.
ان ما يجري لي منذ شهور بات يقلقني حقا بعد ان استمعت مصادفة من احدى المحطات الاجنبية، التي اواظب على سماعها، برنامجاً عن انفصام العقل واعراضه وان الذي يبتلى به قد يسمع اصواتاً شبيهة بالأصوات التي يحدثها جهاز الراديو. فبدأت أتوجس بأن ما يحدث لي ان هو إلا بداية لهذا المرض. وصرت أفتح جهاز وأديره عشوائيا لأميز الأصوات التي تشبه تلك التي تدور في رأسي.. صارحت أخي بمخاوفي.. ضحك مني وقال متندراً: اطمئني لو كان الامر كذلك لما قلقت على نفسك، لأن مريض العقل لايفكر كما تفكرين لأنه لايشعر بما يحدث له ولايقلق بل يحسب أنه أعقل العقلاء. ونصحني باستشارة اخصائي في الأذن. لكني قررت في سري أن أستشير أخصائياً في الأمراض العصبية وشرعت في الاستفسار والتقصي عن الأخصائي المناسب.
وبينما أنا في غمرة محنتي هذه التي ملأتني غمّاً وكادت تشل حياتي اليومية تماماً، إذ التقيت مسعودة.
لا أدري كيف أتحدث عن مسعودة. ولا بأي طريقة أصفها! أأقول أنها صديقتي؟ لا..فانا واياها لا نلقتي إلا بالمصدافات. كما لا استطيع ان ادعي أنها زميلتي، لان للزمالة قوانينها هي الاخرى. فماذا إذاً أسمي علاقتنا؟! معرفة؟ هذه هي الاخرى عبارة مخلخلة لاتفي بالغرض. كل ما أستطيع قوله انني أكن لمسعودة وداً من نوع خاص ومتميز. فهي عندي على الدوام بحكم الحاضرة الغائبة. حين نلتقي أنا ومسعودة تهفو كل منا إلى الأخرى كأحب الناس إليها وكأقرب الأقربين، رغم اختلاف مشاربنا، فأنا ومسعودة كمن تقف كل منا على احدى ضفتي نهر عريض ومتسع.
صفحة 2
هي من شمال أفريقية، من الجزائر ذات الطبيعة الخلابة والجو المعتدل الرائع وبلد النضال الذي أعطى مايقارب المليوني شهيد.. وانا المشرقية، منشأ وهوى. ومن بلاد الرافدين ذات الحضارة العريقة والجو القارّي المتقلب والمتعب الذ تنعكس طبيعته على ناسه ذوي الطباع الحادة والأمزجة المتقلبة حتى في عواطفهم، يحبونك بالسرعة التي يكرهونك بها وبالعكس. والأهم من كل هذا، وما يميز مسعودة عني في الوقت الحاضر أنها تمتلك جناحين تحلق بهما متى شاءت وكيفما ارادت لتمارس رحلة الشتاء والصيف، مرة تطير إلى فرنسا واخرى إلى سويسرا وثالثة إلى "ماريبا" الاسبانية، وتعود منها ببشرة برونزية لامعة ونفس متجددة.. أما أنا فجناحاي مقصوصان، ورغم ولعي بالحلّ والترحال فقد حُرمت من السفر والتحليق عقداً كاملاً من عمري بسبب دخولنا حرباً ضروساً مع الأقربين من جيراننا. وها هو عقد اخر ينقضي بسبب حصار لا اخلاقي ولا منطقي ينخر في الروح قبل البدن. ما اردت قوله اني لا اعرف مسعودة تلك المعرفة التي تجعلني اضعها في الصورة التي تستحقها من مشاعر لكني سأتوقف عند محكات طريفة في علاقتي بها.
في عقد السبعينات حيث كانت دماء الشباب ساخنة تجري في عروقنا حاملة مشاعر وطنية عارمة، رحل مجموعة كبيرة من الأساتذة والمدرسين من كل البلاد العربية – كما يرحل الجنود إلى الجبهة – للاشتراك في تعريب الجزائر. كنت من بين هؤلاء الجنود المجهولين. وفي القسم الداخلي من أحد المعاهد التي خصصت لاقامتنا المؤقتة قبل ان نوزع على مدارس القطر ومعاهده. التقيت مسعودة أول مرة. كانت ضمن الوفد الذي جاء لاستقبال الموفدين لتحيتهم والوقوف على احتياجاتهم وكانت ببشاشتها ودماثتها تشعرك بأنك لست غريبا وأن كل شيء سيكون متيسراً. كنت اراها كل يوم اكثر من مرة وسرعان ما ألتفتها.. ثم عادت إلى مدينتها "وهران" والتحقتُ انا باحد المعاهد في العاصمة، ولم أعد أراها بعد ذلك حتى عطلة العيد .
للعيد في الجزائر هيبة قد لا تماثلها في أي قطر عربي آخر بخاصة العيد الذي يحل بعد شهر رمضان وانعكاساته تبقى اياما بعد انقضائه.
في اول يوم بعد انتهاء العطلة احتوينا باحة المعهد التي تطل على سفح جبل مخضوضر تظلله اشجار الصنوبر وتعبق برائحته العطرة. كانت مسعودة قد جاءت بصحبة قريبة لها من الزميلات بعد أن علمت منها أنني أعمل معها في ذات المعهد. كان لقاؤنا ساخناً وكأننا صديقتان منذ الأزل وافترقنا.
في تلك الفترة كانت الغربة قد علمتني عادة التدخين فأخرجت من حقيبتي علبة السجائر وتناولت واحدة وأشعلتها بينما كانت الزميلات قد دخلن في أحادديث نصفها بالفرنسية والنصف الآخر باللهجة المحلية التي لم اكن بعد قد اتقنت فهمها جيداً. وما إن هممت بارتشاف أول نفسٍ من الدخان حتى جاءتني لكزة قوية وسريعة من الزميلة التي تجلس عن يميني، لكزة أجفلتني وهية تستعجلني اطفاءها قائلة وعلى عجل:
صفحة 3
- احذري المكان محظور !
وعلى عجل وضعت السيجارة بأكملها في المنفضة وانا اسحق رأسها بطرف إبهامي، حتى دون أن استفسر عن السبب الذي عرفت فيما بعد أن مادة الحظر هي الرجل.
حين رأت مسعودة حيرتي قالت بصوتها الهاديء وهي تبتسم:
- بعضهم عندنا يعد التدخين من المنكرات التي تسيء إلى سمعة المرأة.
- لكنني رأيت الكثيرات يدخننّ وفي هذا المكان بالذات - قلت-
- فردت مسعودة من بين شفتيها:
- لكن بعيداً عن أعين الرجال.
ثم أردفت:
- ألم تسمعي بالنفاق.. هو ذا النفاق بعينه، النفاق الإجتماعي.
في هذه الأثناء بينما كنّا نتشاور في هذه الشؤون حضرت زميلتنا "مليكة" أقبلت نحونا بحضورها المرح فأحدثت بين الحاضرات ضجة. وبعد أن عانقت الجميع دون استثناء بمن فيهم مسعودة التي تعرفت إليها تواً، أحطن بها بمحبة وبدأن يطرحن عليها أسئلتهن وهن يتقافزن و"مليكة" غارقة في الضحك تجيب على بعض الأسئلة وتحجم عن الأخرى.. قالت مسعودة موجهة الكلام إلى "مليكة":
صفحة 4
- مبارك، أراكِ كنتِ في شهر العسل؟!
ضحكت "مليكة" بمرح وهي ترفع يدها مُفرِدة أصابع كفيها واضعة إياها أمام وجه مسعودة وهي تقول:
- أنظري.. هل ترين خاتم زواج في أي من أصابعي؟!
وانبرت إحدى الزميلات رافعة صوتها تقول وهي تغمز بعينها مشيرة إلى مسعودة:
- لا عليك فأهل "وهران" متخلفون
واستغرق الجميع في الضحك وهن يتطلعن نحو مسعودة التي كانت تضحك بدورها وهي تقول:
- يا لسذاجتي لم أكن أعرف أن العاصمة تفرنستْ.
ووجدتني أنكب على المنفضة ألتقط السيجارة التي سحقتها قبل قليل وأسوي رأسها الملتوي والمشوه.. ثم أعيد إشعاله وعينا مسعودة تراقبانني وهي تبتسم.. غمزت لي وبادلتها حركة عينها تلك، ثم نهضنا. أخذت بيد مسعودة وقلت:
- أنتِ ضيفتي هذا اليوم، إختاري المطعم الذي ترتأينه فأنا ما زلت أجهل دروب الجزائر.
وقادتني إلى مطعم شعبي على ساحل البحر قرب الميناء فإذا هو قبو فسيح مكتظ بالسياح يختص بتقديم الأسماك بأنواعها.. وبعد الإنتهاء من الغداء غادرناه قاصدتين حي "القصبة" في جولة في أقدم حي في العاصمة ونحن نصعد في الدروب الضيقة ونهبط، ثم صحبتني إلى بيت عمها حيث عرفتني إليهم، وهناك شربنا الشاي الأخضر المعطر بالنعناع.
صفحة 5
محطتي التالية كانت في بغداد.
كانت مسعودة قد ارتبطت بعلاقة صداقة بزميل لنا عراقي يعمل أستاذا بجامعة الجزائر ومن ثم تطورت علا قتهما إل حب فخطوبة فزواج. وحين انتهى عقد عمله صحبته في عودته إلى الوطن.
وذات مساء إلتقيتها مصادفة ومن حيث لم أتوقع وكان ذلك في مجلس عزاء.
ما إن خطوت عتبة البهو الفسيح المكتظ في ذلك البيت حتى وقع نظري على وجه ميزته من بين كل الوجوه.. مسعودة وهي تلتف بعباءة عراقية لايظهر منها غير وجهها الحليبي الهادىء والعينين حالكتي السواد. تهللت وهي تراني وكانت مفاجأة لي ولها. فسحت لي مكاناً ضيقاً إلى جانبها على الأرض المفروشة بالسجاد وهي تشير إلى أن أتقدم. فانحشرتُ إلى جانبها وصرت قطعة من غابة النساء المتشحات بالسواد. جلسنا ملتصقتين نتهامس ونتبادل أخبارنا غير عابئتين بما حولنا حين ران الصمت وكفت النساء عن النحيب واللغو إذ بدأ المقريء مدائحه وهو يعدد مناقب الرسول صلى الله عليه وسلم. وكنا نستمع مع الجمع خاشعين إذ كان صوته مؤثرا تصحبه ضربات الدفوف التي كانت تملأ المكان آتية من إحدى غرف البيت. ثم حدثت إنعطافة إذ توقف ضرب الدفوف وانتقل المقريء من مدح الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فيض من الدعاء خصّ به المتوفى وبعد كل دعاء كانت مجموعات النساء المتراصات ومن كل صوب يرددن بعده: "آمين" كنت أصغي وأتابع الجمل والعبارات التي يتفوه بها ومنها ما كانت عباراتها مستقاة من آيات قرآنية من مثلها "اللهم ارحم عبدك (فلان) وخفف عنه آلآم القبر" "اللهم لا تحاسبه حسابا عسيراً بل حاسبه حساباً يسيراً" و "اللهم اجعل عن يمينه ملاكاً وعن يساره ملاكاً" "اللهم اجزه مغفرةً منك وأجراً عظيماً" حتى انتهى إلى قوله: "اللهم أجلسه مع الجالسين على سرر مرصوفة وزوجّه بحورية مطهرة من حواري جناتك". وحين صاحت النسوة بصوت ونفس واحد "آمين" لم أدر إلا وظري يصوب نحو أرملة المتوفى، كانت تجلس مادة ساقيها الثقيلتين المتورمتين، شعثاء تنود مع لحن الكلمات وتضرب على فخديها. ثم إذا برأسي يتوجه نحو مسعودة وبعيّني تنغرزان في وجهها، فوجدتها هي الأخرى تراقبها. وهنا التقت نظراتنا، وياليتها لم تلتق.. فقد ابتسمت مسعودة في وجهي ابتسامة غامضة وابتسمتُ بدوري ثم إذا بها تنكسّ رأسها منزلةً طرف عباءتها من فوق رأسها تغطي به وجهها. كنا نعرف أن المرحوم عمّر حتى وصل التسعين وأنه قضى سنواته الأخيرة مقعداً مشلولاً وفاقداً للنطق. وصارت مسعودة تختضّ من تحت عبائها، من ينتبه إليها يظن أنها كانت تنتحب، أمّا أنا فكنت عزلاء لايحميني غير ردائي الأسود الملتصق بجسدي. لقد أخطأ أبو العلاء المعرّي حين قال في بيته الشهير مفتخراً: "تثاءب زيد إذ تثاءب خالد.. بعدوى فما أعدتني الثؤباء". لأن الضحك تسري عدواه بأشد وأخطر من التثاؤب بخاصة في مثل هذه المواقف المحرجة.. ومن يومذاك عرفت لماذا تلتف النساء بعباءات في مجالس العزاء.
حين غادرت المكان دست بيدي مسعودة ورقة صغيرة كتبتها على عجل وفيها رقم هاتفها وهي تقول: "إتصلي سريعا لابد أن نلتقي".
صفحة 6
لكن مسعودة ضاعت مني من جديد مع ضياع القصاصة رغم أنّي كنت أشد عليها بقبضتي، في ذلك اليوم المشهود.. حتى عثرت عليها أمس ومصادفة أيضاً. إذ لمحتها على رصيف الشارع واقفة مع جمع من الناس تنتظر عند موقف لسيارات الأجرة. قدت سيارتي عائدة بها إلى الوراء لألتقط مسعودة من بين الواقفين:
- هذا يوم السعد يا مسعودة أن أحظى بك هنا وعلى غير موعد.
قالت محتدة:
- ولك الحق أيضا؟.. أما أعطيتك رقم هاتفي؟
- أضعته – قلت لها – والله أضعته إنه حظي العاثر. على أي حال أين وجهتك أولا ثم أين سيارتك؟
قالت وهي تهز رأسها (سرقو عجلاتها الأربع ووضعوها لنا فوق الطابوق في عقر دارنا وفي وضح النهار).
قلت لها:
- حكم الظروف يا مسعودة ماذا نفعل؟؟ أنتِ في هذه البلاد منذ زمن طويل، هل حدث لكِ مثل هذا؟!
الحصار بلاء أفرز كل مافي النفوس الضعيفة من فساد.. المهم، قولي أين وجهتك؟
قالت:
- "حي الأمجاد"
شهقت وأنا أرفع صوتي:
- "حي الأمجاد"؟! لعلك جارتي إذاً دون أن أعلم؟
قالت مسعودة بأسف:
- ولكننا سننتقل من هذا الحي في ظرف أسبوعين بعد أن قضينا سبع سنوات، إذ حي الأمجاد هذا لم يعد للأمجاد.. وضحكت.. إضافة إلى السرقات التي نسمع بها كل يوم، فهذا الحي الذي كان هادئا أصبح لا يطاق، خليط من كل فج عميق.. ثم هذا الدوي الذي يضرب رؤوسنا ليل ونهار.
صحت بدهشة وأنا لا أصدق ما أسمع:
- ماذا؟! أي دوي؟!
قالت مسعودة متعجبة:
- تقولين أي دوي؟ هذه الدوامة الرهيبة التي تطّوق المنطقة وكأن إنفجاراً كونياً نزل صوب الكرة الأرضية وإستقرّ فوق رؤوسنا.. الضجيج لا يتوقف ولا يهدأ بخاصة في ساعات الصباح. لقد حطم أعصابنا. ماذا ألم تبالي؟! ألا يزعجك كل هذا الضجيج؟!!
صفحة 7
الثانية بعد الظهر في حانوت الجزّار
عدد من الزبائن تجمّعو في حانوت الجزّار... المساحة ضيقة وباب الحانوت مشرع. في الواجهة حيث الجدار مرصوف بالسيراميك الأبيض تتعلق من أكرعها خراف مسلوخة من جلودها... على الجدار الأيمن مغسلة، إلى جوارها مجمدة لحفظ اللحوم... وإلى الجدار الأيسر منضدة عليها مثرمة كهربائية تكومت إلى جانبها وفوقها قطع من اللحم جاهز للثرم.
وسط الحانوت على الأرض ينتصب الوضم، الذي هو عبارة عن جذع شجرة ضخم وضع في منتصف المسافة بين الجدار والباب.
كانو تسعة، رجلان وسبع نساء، وبعد قليل انضمت إليهم فتاة شابة، خطت خطوتين داخل الحانوت ولما رأت الجمع استدارت وتراجعت متوقفة عند عتبة الباب حيث الشارع يموج بحركة المرور.
وقف الزبائن، وكأنهم كتلة واحدة، نافذي الصبر صامتون يراقبون الجزّار يعالج خروفاً سميناً بيدين ماهرتين وهو يقطع اللحم ويفصله عن عظمه تارة يستعمل السكين وأخرى يهوي عليه بالساطور. صبي الجزار يقف متأهباً يتناول قطع اللحم المنجزة من بين يدي سيده ليضعها في كيس من النايلون ثم يذهب بها إلى ناحية الجدار ليركنها إلى جانب بقية الأكياس الممتلئة المكومة بعضها فوق بعض على الأرض المتسخة.
أمام وضم الجزّار مباشرة يقف شاب وسيم متأنق يواكب العملية مدلياً بتعليماته. وحين إنتهى الجزًار من آخر قطعة وتلقفها الصبي واضعاً إباها في الكيس، تقدم أحد الرجلين الواقفين مُزِيحاً أمامه سيدتين كانت تقفان خلف الشاب وتكاد تلتصقان به وقال عاضباً:
- إنه دوري.
تطلعت إليه السيدتان شزراً وهما تتراجعان خطوة بينما الجزّار يتابع عمله دون أن يأبه، مديراً للجميع ظهره، متجهاً نحو الجدار حيث اللحوم المعلقة تنتظر دورها في الإختيار والتقطيع،ومن بين أوداجه المنتفخة تمتم قائلاً بلهجة فيها كبرياء:
- لم ننته بعد !
ثم أدار رأسه نحو الشاب وهو يلمس شلو الخروف المسلوخ الجاهز للتقطيع:
- أقلت هذا؟
- تماماً. أجاب الشاب.
صفحة 8
رفعها من مكانها فتأرجحت الألية المكتنزة البيضاء، ثم علقها في المكان المخصص للقطع والتشريح، وشرع يعمل من جديد: قطّع الألية أولاً ثم وضعها إلى جانب المثرمة... وبضربات متتالية شق الخروف طولياً... ثم حمل الشق ووضعه فوق الوضم.
همست إحدى المرأتين، كأنها تحدث بلهجة فيها ضيق:
- ((لو ينتهي مني أولاً لأن طلبي لا يتعدى الكيلوين وليس خروفاً أو خروفين)).
بقي الشاب في مكانه لا يتحرك وعيناه تتابعان يد الجزّار باهتمام لئلا يفوته شيء... ثم قال موجهاً إياه:
- الضلوع تقطعها فرادى للشواء... رد عليه الجزّار:
- أعرف، أعرف كسابقتها، والفخدان أيضاً للفرن أليس كذلك؟
رد الشاب:
- أجل... أتركهما صحيحين مع بعض التشذيب. ولا تنسَ ((بيت اللحم)) والأليتين مع عشرة كيلوات من لحم البقر الصافي تثرمه كله مخلوطاً. نسيت أن أسألك، هل جهزت لي الحبال التي أوصيتك بها؟
قال الجزّار:
- حبال الظهر مرّ عليها غداً في مثل هذا الوقت ستجدها جاهزة.
وتوقف برهة ثم قال:
- إنها خمسة فقط.
قال الشاب:
- لماذا؟ ألم أطلب عشرة؟
- لا أستطيع... زبائن كثيرون ينتظرون الحبال منذ أسبوعين.
- إجعلها سبعة في الأقل.
أدار الجزّار نحو الشاب وجهه وقال بلهجة فيها توسل وإصرار:
- لا أستطيع، سامحني.
صفحة 9
إحدى المرأتين في منتصف عمرها، تلفع رأسها وبيدها ((علاّقة))... في وجهها الحليبي المتغضن يكمن جمال زائل آثاره ماتزال بادية للعيان. كانت مثل الجميع تواكب العملية، وبين حين وآخر تدس شعرها داخل الفاعة دون أن يكون قد نفر منه شيء أنما هي عادة أكتسبها... الوقت يمضي... مرّت ساعة والجميع ينتظرون أن ينتهي الجزّار من خدمة الشاب ويعود إليهم. وفجأة أنبرت قائلة تخاطب الشاب:
- أراكَ خبيراً في شؤون المطبخ والطبخ... بل إنك تفوق أمهر ربّات البيوت، هذا شيء نادر في عوائلنا... لتهنأ بك أمّك يا بنيّ.
أجابها الشاب دون أن يرفع وجهه وهو لا يزال يواكب يدي الجزّار:
- أمي...؟ تعيشين أنت، إنني أفعل هذا من أجل بيتي وأطفالي... و ... ((يتلكأ قليلاً))... لأنني أحب الأطعمة.. ((يضحك)) ((ذوّاق كما يقولون)).
تجيب المرأة بدهشة:
- أمتزوجٌ أنتَ؟! ما شاء الله. ما تزال صغيراً على تحمل مسؤولية الزواج.
((يضحك)):
- لا يغرنّك مظهري، ((عمري في بطني))... أنا أب لأربعة أولاد.
تقول بدهشة وهي تتطلع إليه بإعجاب:
- ما شاء الله، ما شاء الله، ليحفظك البارئ... حظها من السماء!
يضحك ويقول:
- هي من؟؟
- إمرأتك
- بل قولي حظهما، لأنهما أثنتان لا واحدة.
بدهشة قالت:
- ماذا..؟؟ أمتزوجٌ بإمرأتين؟... أنتَ تمزح.
رد عليها:
صفحة 10
- ولماذا تعدين الأمر مزاحاً.. أحرامْ . هل استكثرت على مثلي أن يمتلك امرأتين؟؟
قالت المرأة:
- أستغفر الله يا ولدي.. الملك لله وحده ولكني.. سامحني.. لقد دهشت ليس إلاّ.. لم أتوقع أن.. ((امرأتان مرة واحدة وأنت في مقتبل العمر))؟! قالت كأنها تحدّث نفسها...
أجاب الشاب:
- نصيب يا خالة... نصيب، الزواج قسمة نصيب، بل قولي إنه قدر.
دسّت المرأة شعرها داخل اللفاعة وقالت:
- أنت محق.. محق يا ولدي، القدر يلعب دوراً مهماً في مصائرنا.
وبعد فترة صمت قالت:
- هل لي بسؤال إن سمحت..؟ إحسبْني أمك وعسى أن لا تزعجك أسئلتي.
تطلع إليها وهو يقول:
- تفضلي ((يضحك))... إسألي ما شئتِ أن تسألي... خذي راحتك.
قالت متمردة:
- كيف... أعني هل لك القدرة على التوفيق بين... بينهما...؟
- أكيد لا، ألا تلاقي صعوبة في هذا..؟ رجال محنكون قبلك لم يقدروا...
أنشد الزبائن الواقفون إلى ما يدور بين المرأة والشاب، ألهاهم الحوار عن الإنتظار الطويل ونفاذ الصبر والحرّ... صارو يتابعون بأعينهم وبآذانهم ولم يعودوا يأبهون متى سيجيء دورهم... تعلقت أنظارهم بفم الشاب يترقّبون جوابه... وحدها الفتاة الشابة كانت تقف في الأخير معطية الجمع ظهرها متأففة وهي تنظر وقد عقدت ما بين حاجبيها وأشاحت بوجهها متظاهرة بعدم الإهتمام وهي تراقب الشارع ألا أنها كانت تصغي إلى الحوار.
قال الشاب متأهباً: