صفحة 1
أندلسيات لجروح العراق
دباباتُ الغزو تدورُ
تُسائِلنُي الأسلحة العزلاءُ عن السرّ
وأسألُها عن نبض الفجرِ
وأَجثو عند خزائنِ بغدادَ وآشورْ
أُمسك قلبي من وجع التفاحِ
عناقيدُ النخلِ على الاعوادِ
الكابوسُ يُعاوِدُني
أشهقُ في قاعِ الجُبِّ
وأبحثُ عن سيارةِ أهلي
أسألُ غُصنين ينامانِ
على صدري
عن سّر الجبلِ الصامتِ في قلبِ الصحراءْ
أرقى درجاتِ الوجدْ
مُغمضةَ العينينِ
وأمسكُ برقَ البلورْ
**
دباباتُ القتلِ تدورْ
بغدادُ
سمرقندْ
صفحة 2
غرناطةُ تنهد ْ
ثانيةً يوغلُ هولاكو في قمصانِ المدنِ التَّعبى
ثانيةً يقطعُ هولاكو
شريانَ الحبر الأسودْ
هولاكو يَترصَّدُني
يقطعُ رأسي،
يُوْدِعُه في صندوقِ مقفلْ
يرميه في البحرِ
يدورُ البحرُ
اللعبةُ ترتدُّ على نحْرِ البارجة الأمريكية ْ
تتحرَّرُ من قلبي لُغَتي
أُطِلقُها نحو الصفصافِ
وأبكي
**
دباباتُ الغزو تدورُ
الأسئلةُ الخرساءْ
تَذوي
صندوق الدنيا
خّبأَ عاصفةً ينشرُها الموتُ
على حبل غسيلٍ يرميهِ الشهداءْ
نحو الوديانِ
صفحة 3
حنينُ البوحْ
مُختنقٌ خلفَ سديمِ الكلِماتْ
بينَ الينبوعِ
وبين المشهدْ
قمرٌ أسودْ
ونجومٌ من طينٍ تعدو في الفَلَواتْ
**
دباباتُ الغزوِ تدورْ
فوقَ الدبابة قبرُ رسولِ اللهِ يصيحُ :
غُثاءُ السيلِ،
الليلْ
دقاتُ الساعةِ تنهضُ من خصرِ خريفٍ
من كهفٍ
صارَ سريراً للموتِ،
ومن مِدخنةٍ حَيرى فوقَ سقوف الكلماتْ
يستدرجُني الصيفُ إلى الوردِ الخدّاعِ
وأستدرجُه نحوَ سرابٍ محتدمٍ بعيونِ القتلى
الأعمى يُبصِرُ عِطرَ النارنج ِ
فأقفلُ نافذَتي
وألوذُ بظلِّ حبائلَ يُسدِلُها الليلْ
فوق حفيفِ الجرحِ المتدثّرِ بالدَّغلْ
تَدْهمُني عيناكَ وتُعطيني السرْ
صفحة 4
أقطفُ من ومضِتها العِطرْ
ينقطعُ التاريخُ الأخضرُ
بينَ جذورِ الصَّبوةِ
والأغصانْ
**
دباباتُ الغزو تدورُ
يلوُّثُ ثوبيَ نَفثُ الدباباتْ
تَثقُبُ روحيَ عينُ الأمريكيِّ الرافل بالزبَّدِ
القابعِ خلف دروع العرباتْ
أزرارُ قميصِ الأمريكيِّ
دموعُ الليل على مُقَلِ العذراواتِ
هديرُ الدباباتْ
يزرعُ في قلبِ الأرضِ
دموعاً أخرى
**
دباباتُ السَّلبِ تدورُ
تفتشُ كفُّ الأمريكيِّ جُيوبَ الصحراءْ
تَجثو فوقَ عرينِ الزيتِ الأسودِ
يسكتُ صوتُ الرعدْ
فيه، وتخبو النيرانْ
تبكي الطيُر حواليه ِ
وتشتعل الأغصانْ
حولَ الدبابةِ يَعترِكُ الركبانْ
صفحة 5
جاءتْ
ذهبت ْ
دخلت ْ
حَرِنَتْ
وتدلَّى من ثقب الشمسِ حِصانٌ ميّتْ
صهوتُه سَدَّتْ وجهَ الشرق ِ
ووجهَ الغربْ
فوقَ الصهوةِ
كانت ومضة عينِكَ تدعوني
لوليمةِ حبْ
**
دباباتُ الغزْو تدورْ
يشتعلُ البحرُ على خَصر الصحراءِ
النخلُ على صدرِ البدويّةِ
تُرخي في الفجر ضفائِرَها
تفتحُ ساعدها للنجمِ الكذّابِ
فيخجلُ وردُ الليلِ
ويرتدُّ الشجرُ المطعونُ ببرق الناياتِ
جبالٌ تفتحُ في حزني معطفَها
وطيورٌ تأكلُ من ياقوتِ الحلم ِ
قبورُ الشهداءْ
صفحة 6
تنهضُ في الفجرِ،
وتهبطُ للنهرِ،
يَمامٌ أخضرُ يتبعها،
وَيحفُّ بها النَّرجِسُ
ينثالُ عليها الطَلُّ الأخضرُ
باسقةٌ أحزانُ الشجرِ الباذخِ
طلعُ الحزنِ نضيدٌ
تبكي الأرضُ من الحُمىَّ
**
دباباتُ الغزو تدورُ،
شواطئُ دجلةَ غبراءُ
انفضَّ السُمَّارْ
عنها
السمكُ الميّتُ يعلو ضَفَّتها
الطُّحلبُ كَدَّرَ صَفْوَ الماءْ
تبكي دجلةُ في قلبِ الليلِ
زفيرُ الثعبان يُريِقُ النارَ
على أعمدة الكونِ
سريرُ العنقاءْ
محمولٌ بيدِ الزوبعةِ الصفراءِ
وقلبُ الليلْ
ينزفُ أندلساً أخرى
صفحة 7
وفلسطينْ
تَطلُعُ من عينِ غزالٍ
زنبقةً تُطفِئُها الشمسُ
غبارُ الطلقاتِ الخُلَّبُ يُوجِعُ قلبَ الأرضْ
يتكئُ الزيتونُ على وردِ الشيح ِ
ويبكي
**
دباباتُ الحقد تدورْ
غرناطةُ تعدو في قُمصانِ الليلِ
يلاحِقُها الذئبُ التتريْ
تصلُ البصرةَ
يُوقِفها الأمريكيُّ على السلك الشائك ِ
تزحفُ في ذي قارْ
بينَ جذور النخلِ الممتدةِ من أوتارِ الحزن ِ
بسومرَ،
حتى قلبِ النارْ
وعِراقُ الأروقةِ الجذلى ينزفُ في الأغلالْ
حقلُ الزيتونِ الغارقُ في قطرةِ دمعْ
يتحدّاهم في القمرِ الطالع ِ
خلفَ الدارِ
جنائنُ بابلَ ظمأى
صفحة 8
يرتعشُ الصمتُ على شَفتيها
وعلى كتفيها يذوي الوردْ
وطواحينُ فُراتٍ تطلعُ من خاصرةِ الوجدِ
تلمُّ شظايا الموتِ
عن الأدغالْ
**
دباباتُ السلب تدورْ
في حُجُراتِ المشفى
يقتنصُ الأمريكيُّ غِطاءَ الموتى
يعدو في الرَّدُهاتِ وعبرَ النارِ المرضى
تنهضُ في مُفترقِ الطرقِ الليليةِ
أشباحُ القتلى
نُهبتْ في غَبش الفجرِ مقابرهُمْ
وارتجَّت تحتَ عَويل الريح ِ
جروحٌ ما زالتْ تنزِفَ في أحشاءِ الليلْ
قالَ الجبلُ الباذخُ للوردةِ :
ضُمِّيني
واجْتاحَهُما السيلْ
**
دباباتُ الغزوِ تدورُ
معابرُ بغَدادْ
تبكي
الأنهارُ
الأسماكُ
صفحة 9
الشرفاتْ
تبكي
وقبورُ بني العباسْ
أَتعبَها زحفُ العرباتِ على قلبِ الأرضِ
الآباءْ
يُخفونَ الطلقاتِ بصدر العذراواتِ
ضفائرُهنَّ على الرملِ
يُخضّبها الدمْ
وجعٌ في أعينِهنّ عراقيٌّ
دمعٌ
وجلٌ مما كانَ
وما سوفَ يكونْ
هبطَ المرجانُ من الدوحْ
هل قلتَ: الموتْ
علمُ السيمياءْ
خجِلٌ من ضوضاءِ الموتى
**
دباباتُ الغزوِ تدورُ
فراشاتُ الفجر يُطرِّزن مناديلَ الحزنِ
لأطفالٍ مقتولينْ
ويعطّرنَ غلائلَ للشهداءِ
صفحة 10
شموسٌ عِشرونَ انْطفأتْ
وليالٍ عشرونْ
عبرتْ
أقمارٌ عشرونَ انكسرتْ في شجرِ الدمع ِ
الأصفرِ
مَنْ ذا خلفَ البابِ
شهيداتٌ بعباءاتٍ بيضاءَ وأجنحةٍ خضرْ
يدلفنَ إلى غاباتِ النخلِ
يُخبِّئنَ سلاحَ الفرسانِ
شهيداتٌ بعيونٍ حوراءَ
يُظلُّلها غيمُ الفقدانِ
ويثقلها الوجدُ
رذاذُ الموتْ
ينثالُ على قِممِ الصخرِ
وفي الوديانْ
شمعٌ يذبلُ خلف ستائر بغدادْ
نسماتُ الحزنِ على أشجارِ الليمونْ
نبوخذنصّرُ والخلفاءْ
بجلالٍ يَبكونَ بصمتِ الليلْ
**
دباباتُ الموتِ تدورُ
تُداهِمني عيناكَ
بريقٌ أخضرُ يَغزوني في عزِّ الليلْ
أفتحُ بابي
يدخلُ عِطرُك
يكبرُ
ينشرُ أجنحةَ التفاحْ
تهوي الألواحُ على مائدةٍ ظمأى