eKtab
EN ع
انهيار الإمبراطورية الأمريكية
اقرأ عينة مجانية

انهيار الإمبراطورية الأمريكية

بقلم د. عبد علي كاظم المعموري

صفحة 1

الإهداء

إلى . . .

بغداد المفجوعة على مر التاريخ

أنين الأمهات العراقيات في جوف الليل

كل طفل عراقي اغتال الأمريكان أحلام طفولته

كل ذرة تراب دنستها أقدام مرتزقة الحضارة الجديدة

صفحة 2

كلمة المؤلف

قد يرى من يقرأ هذا الكتاب أنه كان يحمل بصمة ما، ومن المؤكد أنه من الصعوبة بمكان أن يتجرد أي كاتب أو باحث عن الكثير مما يغزو فكره أو يحاول أن يصوغ اتجاهات تفكيره، ربما في بعضها لا شعورياً، وعندما يكون الكاتب محاصراً بهمومه حد التعايش والتساكن الدائم، عندما يرى كل فواجع الزمن في إطلالاته عبر كل المراحل /مذ عصر الكتابة إلى عصر الهمجية المشرعنة زوراً، في وطن تراوحت عليه كل المحن بدء من محنة الهوية والتوحد إلى محنة الوجهة والتشرذم، من دفق التاريخ الذاهب عمقاً في كننه رفعةً ومتراساً للبناء، وتأصيلاً تتهافت نفوس الآخرين لمثله، إلى تاريخ حاضر غائب عما قبله، مزيج من درنات التخلف وسقطات من حضارة الأنا، وهوس لإثبات الذات المريضة، قبول للأجنبي ورفض للوطني، صعود للفئوية وانكساراً مريعاً للجماعوية، تشضي وابتذال للفكرة وتوحد للحج خارج الكون، رفضاً غير مسبب لانكسارات الزمن السابق، وتهافت على تزيف الزمن القابل.

في كل هذا الذي يحتضنني بتموج شديد إلى حد الصعوبة في البقاء، كيف لي أن لا أكون مع وطني الذي تلفه كل الجراحات المتأتية من كل شرور الأرض وكان صندوق باندورا لا ينفتح إلا على أرضه، هذه الجراحات بعرض السماوات، لا تكفي كلماتي ولا تنهدات وحسرات أشقائي ولا دماء أبناء وطني ولا أنين الثكالى ولا دموع أطفال بلادي، فوطني مفجوع بأبناءه مفجوع بتاريخه، مفجوع بحاضره.

لهذا لا يمكن لمن يتعايش في وطنه المحتل والمسلوب الإرادة، إن لا يرى بأن أمريكا وحلفائها ارتكبوا همجية تماثل إبادة الهنود الحمر، استباحوا وطن وأذلوا شعب، استهتروا بأرواح الناس وسرقوا التاريخ، زرعوا الفتنة ووزعوا الجريمة، قتلوا، هجروا، نهبوا، سرقوا، باسم الحرية، كل ذلك حدث ويحدث في بلدي العراق

بلد أور وبابل والوركاء

أرض الحضارة والكتابة والفسيفساء

وطن الجماجم والعلم والنماء

والزقورة والمئذنة وزرقة السماء

لم يبقى فيه ماء ولا هواء

إلا الموت الذي يجوب شوارعه

صباح مساء

شكري لمن اشدد بهم أزري ممن لم يداهنوا أو يلتووا وهم كثر من العراقيين الأصلاء، وإلى الأخت الفاضلة الدكتورة وصال العزاوي، التي بذلت جهداً مميزاً في نشر هذا الكتاب، والشكر في خواتيمه لعائلتي التي تحملت تنهداتي، فهم حجتي في صبري وبقائي، زوجتي العزيزة وولدي سلوان وبناتي (غفران - وديان - بان - زينب).

بابل– العراق

2010

صفحة 3

المقدمة

تنتاب الوضع الأمريكي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً الآن، علائم قوية إيذاناً بدخول مرحلة جديدة، على خلفية عقدين من المخرجات السياسية والاقتصادية التي راكمت العديد من مظاهر الوهن، على مختلف الأصعدة، مما يفتح المجال واسعاً لمراجعة شاملة لحصاد التهور والعنجهية الدولية والفشل في الإدارة على كافة المستويات، هذا الحصاد الذي تركته (إدارة بوش- تشيني)، لإدارة (أوباما - بايدن)، لم تكن أكلوه مثمرة للشعب الأمريكي وشعوب العالم، بل كانت حزمة من المآسي الإنسانية والفقر والجوع ومشاكل اقتصادية وسياسية جدُ معقدة، فالصورة التي تختزنها الذاكرة الإنسانية لأمريكا، يصعب تغييرها من نظراً لطبيعتها الدموية والوحشية، فهي صورة بشعة - لا انسانوية - متناقضة - تزيفية - وذرائعية.

نعتقد أن عوامل التآكل في منظومة النظام السياسي والاقتصادي الأمريكي، باتت تفعل فعلها، وهو ما يأذن ببدء تدهور الإمبراطورية السادسة، وعلى وفق ثلاثية ابن خلدون، وهي في هذا تعد أسرع الإمبراطوريات التي انتابتها الشيخوخة المبكرة، لتخرجها من سطوة العالم.

لم يعد بمقدور الرئيس الأمريكي الجديد (أوباما)، بعد من مرور سنة من الحكم أن يصلح ما افسد سابقه، فكلاهما يستند على فريق عمل من المحافظين أو من المتطرفين، والفرق بينهما هو أن أوباما يستخدم لغة ناعمة مع التلويح أحياناً بالقوة، في حين كان سابقه يزعم أن له صلة بالرب، ويوحي له باحتلال هذا البلد أم ذاك، ونشر الديمقراطية هنا وهناك.

من المؤكد أن الرئيس بوش بقى متأثراً ومنقاداً من دون وعي إلى الشعوذة التي جرى تلقينه إياها على يد أباء (الكنيسة المعمدانية) والإنجيليين الجدد، وهو ما أريد منه تزييف عقل المواطن الأمريكي، الذي لا هم له إلا المحافظة على نمط عيشه أو أن يكون قادراً على تأمين أقساط سيارته وبيته المرهونة إلى المصارف.

مثلما لم فشل بوش في استجلاب الخير والأمان والحرية والديمقراطية للعراق على خلفية قراره باحتلاله، فأنه فشل في إيقاف السلوك الصهيوني الهمجي تجاه الفلسطينيين، ولم يصدق في قوله أنه ولايته الأولى ومن ثم الثانية، ستشهد ظهور الدولة الفلسطينية المنتظرة.

بينما أوباما كان أقل فعلاً وأكثر ضعفاً، فكلامه المنمق ومحاولته لتصدير أسلوب القوة الناعمة، هي الأخرى لم تقدم شيئاً، ولم تعد تحظى بالمقبولية، فلا العراقيين تخطوا أوضاعهم البائسة في ظل الاحتلال الأمريكي، ولم تتوافر للفلسطينيين أمكانية إيقاف التلاعب المتكرر للحكومات الصهيونية بالاتفاقات التي جرت بمباركة أمريكية، بل ازداد الحال سوءً، فلا الإبادة الإنسانية من خلال التجويع عبر الحصار على غزة قد جرى إيقافها، وكذا الأمر مع عمليات الاستيطان الجديد التي تحاول (إسرائيل) فرضها كأمر واقع لم يكن بمقدور الإدارة الأمريكية إيقافها.

بيد أن ما يتم تأشيره كإرث للإدارات الأمريكية المتعاقبة، وعلى لسان الكتاب الأمريكان وحلفائهم الأوربيين، من أن سياسات أمريكا بعد الحرب الباردة عملت على تدنية (Minimization) منافع الفرصة السانحة التي أتيحت لها، وان نتائج تلكم السياسات المزيد من الاستغلال للشعوب وإذلالها وازدياد مساحة الكراهية على النطاق العالمي، هذا خارجياً، وفي الداخل الأمريكي المزيد من الفقر والتراجع في تأمين الحاجات الأساسية لأغلب السكان، والجهة التي استفادت تماماً من السلوكيات الأمريكية بامتياز هي(إسرائيل)، حتى غدت ظل أمريكا في الأرض، فمن العراق إلى إفريقيا إلى جورجيا وإلى الأرجنتين وأمريكا الوسطى، تجد أن هناك تواجد وتدخل وفعل إسرائيلي.

إن مظاهر التهتك في الممكنات الأمريكية باتت لا تحتاج إلى دلالات، فالقوة العسكرية الأمريكية على الرغم من حجمها وأهميتها، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً في حسم الأمور سواءً في العراق أم في أفغانستان، كما أن بالونة (أزمة) الرهن العقاري والفقاعة المالية، كشفت عن الوهن الذي ينتاب الاقتصاد الأمريكي، مما يدلل على أن أمريكا دخلت عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية باقتصاد كبير وقطاع صناعي حجمه (39%) من أنتاج العالم وعملته (الدولار) عملة التسويات الدولية، وبعد أكثر مرور ما يقارب (60) عاماً، لا نجد أي من هذه الممكنات ذات فاعلية تذكر، مما يعني أن أمريكا تخضع العالم لمشيئتها من دون أية مزيات حقيقية، حتى افتقرت سلوكياتها تجاه شعوب العالم إلى أبسط المعايير الأخلاقية الحاكمة لخطابها السياسي.

ونعتقد أن أدارة أمريكا الحالية (وبعد مرور أكثر من سنة)، وعلى تراث الغلواء في الذاتانية الأمريكية، يجب أن تدفع الثمن، وسيكون كبش الفداء على مذبح الإمبراطورية الآفلة لنجمها مبكراً، والتكاليف الإنسانية العالية، سيان سواء أكان جمهورياً أم ديمقراطياً، ولا خيار بديل، ففي الحالتين، إما فقدان أمريكا لفرصتها (هزيمة مشروعها) في تسيد العالم، أم انكفاء ممنهج.

لا أحد يختلف على أن سنوات ما بعد انتهاء الحرب الباردة قد حملت هموماً إنسانية مضافة لما شهدته طوال القرن الماضي بدمويته المعروفة، فقد شهد العالم قيام حربين عالميتين، ومئات الصراعات المسلحة، وأنتج في هذا القرن من أسلحة الدمار الشامل ما يفني البشرية عدة مرات، وبجانب ذلك كله فأن الانجازات العلمية فاقت في حجمها وعمقها ما أنجزته البشرية على طول تاريخها.

هذا كله كان يحتضن في جنباته صراعاً كبيراً وقاسياً بين مختلف الأطراف التي تواجدت على الساحة العالمية، فبينما خاضت البلدان (الفقيرة) التي تم إخضاعها بالقوة من قبل البلدان الأوربية الرأسمالية (في سعيها للسيطرة على الأسواق والبحث عن الثروات)، نضالاً شاقاً لفك أسار استعمارها، نجد أن البلدان المتقدمة تتصارع فيما بينها لفرض الهيمنة لأحد أطرافها، وهو ما أدخلها في صراع دموي كانت حصيلة أكثر من (78) مليون قتيل، ثم ما لبث أن تعاهدت البلدان الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية (التي استطاعت أن تخرج منها أمريكا الرابح الأكبر) على أن تنبذ الحرب نهائياً فيما بينها.

إن الشعوب المفجوعة بسيادتها ومستقبلها بتراثها وأبناءها، هي شعوب مقهورة تحت عناوين التحضر الغربي، ثقافياً وتكنولوجياً واقتصادياً، فسياسة التجويع باستخدام الغذاء، وسياسية التجويع بالديمقراطية ذات المقاسات الغربية- أو الأمريكية، والتجويع تحت ضغط القوة العسكرية الهمجية، كلها جعلت من هذه شعوب هذه البلدان تبحث عن ملاذات جديدة، طالما أنها غير قادرة بفعل نظمها السياسية الخانعة والمئمركة حد النخاع، إلى أن تنظم قواها بسرعة لمجابهة الطوفان الأمريكي- الأوربي الموحد، والذي يستهدف محو كل هويتها واستبدالها بهوية يقال عنها عالمية، كيما يراد منها أن لا تمتلك أي شيء، ولتستهلك كل شيء، ولا تعترض على أي شيء.

هذه الشعوب المقهورة ترى بأن أمريكا استطالت بتعسف على مجتمعات الأرض كافة، وبنت انجازاتها التي يمكن أن يرتقي الشك فيها، على أكتاف الأفارقة والملونين، ونهبت ممكنات الشعوب الأخرى علانية أو بأساليب، وأنتجت لشعوب العالم الثالث أعتى الديكتاتوريات المعروفة، وبدل أن تساعد البلدان الفقيرة وشعوبها الجائعة، وزعت القتل المنظم وغير الرحيم عليها، فما بال أمريكا أن تنتظر من كل هذا السجل الدامي، إلا أنها لعنت الشعوب، فقبلها ذاقت الإمبراطوريات طعم الارتداد والنكسة والانكفاء والهزيمة، فروح الشعوب الحية، تظل تقاوم حتى وأن كانت تحت ظلم الداخل وقهر الخارج.

شكراً لجيمس بل الذي صور لنا قهر الأمريكان للزنوج من خلال قصيدته الرائعة:

انك تتباهين بأنك أرض الحرية

إليك أرفع أغنيتي

انك أرض الدم والجريمة والخطأ.

صفحة 4

تمهيد

تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية لا يماثله تاريخ دولة ما، إلا في جزء يسير منه، فهو تاريخ حامل لأحداث لا يمكن أن تحدث أو تتكرر، فهو تاريخ كل المتناقضات، فالتواجد البشري الذي تدفق على هذه البلاد متنوع ومتناقض ومتقاطع، إلا أنه تسامح وتسامى، من اجل البقاء، تجاوز حتى الظلم الذي عاشته هذه الأقوام في بلدانها الأصلية، إذ عملت بانتهازية عالية، فقد اصطفت جميعاً على ظلم السكان الأصليين، بل واستئصالهم، واصطفت وسائل أقل ما يقال عنها همجية في إبادة سكانها.

هذا البلد الذي يعد قارة في سعته وتنوع مناخه وطبوغرافية أرضه، احتضن كل هؤلاء الذين جاءوا من أصقاع الأرض البعيدة، واستوطنوها، سعياً وراء التخلص من ماضي اسود، وسعياً لتحقيق الذات، وهم في اغلبهم من البيض، الذين انطلقوا من عنصرية الرجل الأبيض، وتفوقه، وجبرية قهره للملونين من بني جنسه.

ومثلما كانت هذه البلاد المنزوية والبعيدة عن مركز حركة الأحداث السياسية في الزمن، فقد عاش إرهاصات تكونه الأولى بانزواء تام بعيداً عن أعين الأوربيين، الذين كانت لهم السطوة والقوة في رسم ملامح العالم آنذاك، وظل يتحين الفرصة المواتية، للخروج بكل احتقانات أزمنة تكوينه الأولى، خروج تتري، لا انسانوي، يمازج بين براغماتية المطلق، وتزييفه النسبي، لا يمكن أن تستنتج خطاً واضحاً في سلوكيات النظم المتعاقبة إلا في أن أمريكا هي المقدس في الأرض، وهي استعارة ذرائعية - رسطوية، تبنت التقديس الأثيني إزاء الأقوام الأخرى، أي خصوصية الجنس الإغريقي على ما سواه، وعلى المنطق ذاته نرى أن الشعب الأمريكي له خصوصية التمتع بالديمقراطية والاستهلاك الواسع ونهب المجتمعات الأخرى، فما تُحرمه أمريكا داخلياً، تستخدمه خارجياً، وهو ما أوقع الخطاب المبثوث نحو مجتمعات الأرض كافة بالتناقض الفاضح.

أمريكا لا تريد فقط أن تتقدم الصفوف إلى المواقع العليا في العالم اقتصادياً وسياسياً وعلمياً، ولكنها تريد استخدامها لبناء إمبراطورية على خلفية تحلل كل الإمبراطوريات الأخرى، على قاعدة إمداد القوة المستمرة.

صفحة 5

المبحث الأول:عصر النشوء والتكون

اعتقدت أمريكا مبكراً بأنها تبني نظام وحداني في تطلعه وخصوصيته كأنموذج حق للمسيحية تحت هيمنة العرق الأنكلو - سكسوني الأبيض، هذا النظام سيكون بمقدوره أن يخدم أهدافها الكونية، هذا التصور استند على ضمان امتلاك (الاستيلاء) على القارة الأمريكية من شمالها إلى جنوبها بحسب الخارطة التي أعدها جيفرسون.

لهذا يعد تجذر العنف واستخدام القوة في العقل الأميركي قائماً منذ تأسيس الدولة وحتى الآن، بيد أن الإدراك الأميركي لهما اختلف باختلاف المراحل التاريخية التي عاشتها الولايات المتحدة الأميركية.

هذه الدولة التي كان سكانها يوماً ما الهنود الذين أطلق عليهم كولومبس في أيلول عام 1492 الهنود الحمر ظناً منه أن أمريكا تمثل تخوم (أطراف) جزر الهند الشرقية*، تمييزاًً لهم عن هنود آسيا، هم السكان الأصليين لأمريكا، وقد تعرضوا لحملات إبادة جماعية من قبل الأوربيين (البيض) المستعمرين (الآباء المؤسسين للولايات المتحدة)، الذين شنوا حروباً ضارية ضدهم، مستفيدين من تفوق الآلة الحربية الأوربية والقدرات التي يمتلكونها، وهو ما أجبر الهنود على انحسار وجودهم نحو مناطق معينة من الجنوب الشرقي من الولايات المتحدة الأميركية، وشيئاً فشيئاً عم الاستعمار الأوربي الأسباني أولاً، ثم الفرنسي ثانياًً، والهولندي والبريطاني في أغلب مناطق الولايات المتحدة الأميركية(1).

وقد نزحَ إلى الولايات المتحدة الأميركية مَجموعات كبيرة من المهاجرين الأوربيين أغلبهم من الإنكليز ولم تأتِ سنة 1776 حتى أصبحت في منطقة ساحل المحيط الأطلنطي ثلاثةَ عشر مستعمرة (ولاية)**وكانت تلك المُستعمرات مُرتبطة (بالتاج البريطاني)، واستغلت بريطانياالموارد الطبيعية لتأمين المواد الأولية وتلبية متطلبات الصناعة والأسواق الانكليزية(2).

وبعد أن أستوطن المهاجرين المستعمرين أرض القارة الجديدة خلال القرن السادس عشر، حتى أخذت أنظارهم تتطلع إلى جلب المزيد من الأيدي العاملة من القارة الأفريقية من (الزنوج السود)، والتي سماها بعض الباحثين (التجارة المثلثة)، والتي بنت بموجبها أمريكا أسس حياتها الاقتصادية الزراعية الأولى على أكتاف هذه العناصر الزنجية الأفريقية(3).

ومنها بدأ المهاجرين المستوطنين على أرض القارة الجديدة يفكرون بالاستقلال والتحرر من نفوذ التاج البريطاني، وتوالت الاحتجاجات والمظاهرات في بادئ الأمر والتي واجهها الجيش البريطاني بالسلاح، وكان الأمريكيون بحاجة كبيرة للسلاح لمُقارعة التاج البريطاني والتحرر من القيود وبالتالي الوصول إلى استقلالهم، لذا قد ساعد الفرنسيون الأمريكيين سراًً في مجهُودهم الحربي، وزودهم بالقروض والأسلحة، ثم ما لبثت حتى انطلقت الشرارة الأولى للثورة المسلحة ضد التاج البريطاني، مما أضطر ممثلو التاج البريطاني من الفرار من البلاد، وفي عام 1775 عين جورج واشنطن قائداً للقوات المسلحة الأميركية، وفي 4 تموز/ يوليو 1776 قام الكونغرس بإقرار إعلان الاستقلال، وبعدها تقرر إعلان توحيد كل تلك الدويلات ضمن دولة اتحادية واحدة ومستقلة اتفق على تسميتها(الولايات المتحدة الأميركية)، وتبادل من هنا الأمريكيون مع القوات البريطانية الانتصارات والهزائم حتى تمكن الأميركيون من هزيمة الانكليز في (معركة نيويورك)، وانتهت الحرب رسمياً بعدما أثبت الأمريكيون أنفسهم في القتال واعترفت بريطانيا بموجب معاهدة باريس في3 أيلول/سبتمبر1783 باستقلال الولاياتالمتحدة الأميركية(4).

إلا أن بريطانيا وبالرغم من توقيع المعاهدة والاعتراف بالاستقلال كانت لا تتوانى في إلحاق الخسائر بالأمريكيين حتى أغارت مرة أخرى بجيشها وأسطولها البحري المتفوق واستولت على مدينة واشنطن وأحرقوا (البيت الأبيض)، إلا أن الجيش البريطاني قد لحقته هزيمة كبرى في مدينة (نيواورلينز)، ودحر مرة أخرى حتى أسطوله البحري، حيث برهنت السفن الأميركية بالرغم من التفوق الذي عرف به الأسطول البريطاني على أنها قادرة على إلحاق الخسارة والهزيمة بالقوة البريطانية، ومع سير الإحداث إلى جانب الأمريكيين أخذوا على عاتقهم مهمة التوسع على نطاق القارة الجديدة(5).

وفي مرحلة ما بعد الاستقلال لم يكن هناك سوى هاجس أو خطر رئيس يُداهم الأميركيون، وهو الخوف من أن تأتي دولة أجنبية قوية تستعمر جزءاً من الأمريكيتين، فنرى أن الرئيس (جيمس مونرو) قد أصدر بياناً بسياسة أمريكا جاء فيه (نحنُ لن نَتدخل قط في الحروب التي قامت بين دول أُوربا بسبب شؤونِها الخاصة بها، لأن مثل هذا التدخل يتنافى مع سياستنا، إما إذا أعتدي علينا أو على حقوقنا أو هددها خطر فإننا حينئذ لا نصبر على ضيم، بل نعد العدة للدفاع عن أنفسنا)(6)، كما قال في خطاب أخر له(إذا حاولت أية دولة أجنبية أن تغزو دولة من دول العالم الجديد، وأن تستولي عليها بقوة السلاح فلابد من نشوب الحرب بين الدول المعتدية والولايات المتحدة الأميركية، وهذا هو الطريق الوحيد)، ونرى من خطابات مونرو المرتكزة على سياسة العزلة التي انتهجتها الولايات المتحدة، إن الشُغل الشاغل لأميركا في تلكم المرحلة ينصب على الحفاظ على الأمريكيتين من أي تدخل خارجي(7).

كما خاضت الولايات المتحدة الأميركية قبل نشوب الحرب الأهلية العديد من المواجهات العسكرية والاقتتال مع المكسيك، أهمها سنة 1846 والتي كان نتيجتها أن ضُمّت (ولاية تكساس ونيوستي مكسيكو وكاليفورنيا) إلى الولايات المتحدة الأميركية، إما الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865) التي نشبت بين الحكومة الفدرالية (الاتحاديون) مع (11) ولاية جنوبية ظلت متمسكة بالعبودية كما توصف، وبعد معارك دامية قادها أبراهام لينكولن ضدهم، تمكن من إعادة الوحدة الكاملة لجميع الولايات المتحدة الأميركية عام 1864، وقد أخذ على عاتقه عملاًوجهداًً في مرحلة ما بعد الحرب، ما عرف بعملية (إعادة التأسيس)(8).

في ضوء هذه الخلفية التاريخية عن نشأة الولايات المتحدة الأميركية، فأن الأخيرة وبأحوال وظروف نشأتها واستقلالها وتوسعها في الأميركيتين وصعودها، اعتمدت نزعة القوة لبلوغ غايتها، حتى وأن جاء ذلك على حساب التضحية بالتراكم الإنساني والحضاري(9)، ونستطيع أن نفهم من هذه الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية، بأن الحرب قد أسهمت وبشكل كبير في نشأة العقل الأميركي القائم على القوة، فنرى أنه بالحرب حقق جورج واشنطن استقلال الولايات المتحدة الأميركية، وبالحرب حقق أبراهام لينكولن وحدة الولايات المتحدة الأميركية شمالاً وجنوباً وصنع الدولة الأميركية الحديثة، وبالحرب قامت هذه الدولة بتأمين جوارها القريب للقفز عبر المحيطات إلى الأبعد والأوسع(10).

فقد دعا إلى انضمام كوبا عام 1809 أولاً، وشن الحرب عام 1812 لضم كندا والذي لم يتحقق ثانياً، بيد أن تطبيق سياسة التوسع (الابتلاع والقضم) لما يمكن من الجزء الجنوبي سواء أكان بصورة مباشرة أم غير مباشرة.

كما أن جون كوينسي آدمز وزير الخارجية الأمريكي أبان رئاسة مونرو1819، وربما كان ملهماً لنظريته فيما بعد، كان مقتنع تماماً من الأراضي التي تقع تحت السيطرة البريطانية في الشمال والأراضي في الجنوب والتي يسيطر عليها الأسبان، سوف تشكل يوماً ما جزءً من أراضي الولايات المتحدة الأمريكية.

على خلفية هذه الرؤيا والمسار السياسي، يبدو سهلاً أدراك الأحداث اللاحقة من القرن التاسع عشر، فقد أضحت رسالة الرئيس الأمريكي مونرو إلى الكونغرس الأمريكي في الثاني من كانون الأول 1823، نقطة تحول تاريخية، ومفصلية في مستقبل الولايات المتحدة، وحملت طابع دفاعي كما تبدو لأول وهلة، وموجهة ضد كل تدخل لقوة أجنبية في شؤون القارة الأمريكية.

وعلى وفق هذه النظرية التي حاولت قطع الطريق على الأوربيين في تدخلاتهم في الأمريكيتين، قد سمحت في الوقت ذاته بإطلاق يد الولايات المتحدة فيها، وهكذا استخدمت النظرية كعامل للتوسع الجغرافي والهيمنة الأمريكية، وهو ما أشار إليه أيف هنري في عام 1850 بقوله (ادعت الولايات المتحدة مهمة الدفاع عن القارة ضد تدخلات القوى الأوروبية، إنكلترا وفرنسا في أمريكا الوسطى والمكسيك والكاريبي، واستخدمت هذه النظرية كعامل للتوسع الجغرافي بعد ذلك)، مستفيدة من تأثير المنهج الامبريالي للمنظرين العسكريين وإشادتهم بتسيد وتفوق العرق الأنكلو-سكسوني، وقد انعكس ذلك جلياً حتى عند الساسة الأمريكان من مثل تيودور روزفلت الذي اعتنق نظرية مونرو، وعدها فرضاً يستوجب الالتزام به (إن الولايات المتحدة وحدها لها الحق في النظر في شؤون أمريكا اللاتينية)، وبوضوح اشد خضوعها لمصالح وقرارات الولايات المتحدة، وهو يسجل المدخل المناسب وأول مشاريع التوسع نحو الخارج.

لهذا جاء الفعل الأمريكي لاحتواء أمريكا اللاتينية، عبر مراحل عدة اتسمت بالذكاء والفطنة، من خلال المزج بين المعاني والدلالات الإنسانية والنوايا الحسنة، بجانب الضغوط المختلفة بما فيها الاستخدام الحاذق للدولار.

فقد بدأ غزو الولايات المتحدة لأمريكا اللاتينية عند منعطف القرن الثامن عشر، وفي 18 تشرين الثاني 1798، فتحت مرافئ أمريكا الجنوبية أمام سفن الدول المحايدة ومنها الولايات المتحدة، وخلال بضع سنوات شهدت العلاقات الاقتصادية كالعلاقات الثقافية بين البلدين تطوراً ملحوظاً، وأقامت الولايات المتحدة في كل مكان وكالات وقنصليات، في حين كانت هناك محاولات لتقليد الدستور الذي كتبه جفرسون، والذي وسمت أفكاره الرئيسة بعد بضع سنوات معظم دساتير دول أمريكا الجنوبية.

ومهما تكن الدولة المعنية فطريقة وضعها تحت الوصاية كانت تقريباً متشابهة، وكانت رؤوس الأموال الأمريكية تصب الزيت للدولاب الاقتصادي في البرازيل، وفي تشيلي وفي كولومبيا وفي فنزويلا ولكافة الأمم الأخرى.

مع مرور السنوات استبعدت تدريجياً بريطانيا العظمى، ففقدت بشكل نهائي مكانها بعد حرب 1914-1918، ولم يعد السوق الداخلي الأمريكي قادراً على امتصاص الإنتاج الصناعي القومي، فأصبح من الضروري إذن فتح أسواق أخرى، وعن طريق لعبة عقد المؤتمرات بين الدول الأمريكية، تعاظمت هيمنة وسيطرة الولايات المتحدة السياسية، وانطوت القارة كلها تحت سيطرتها، ولم يتوان أولئك الذين لا يملكون أي خجل من تسميتها علناً بدارهم الخلفية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية عارضت الاستعمار الأوربي ورفعت شعار أمريكا للأمريكيين، إلا أن هذا لم يمنع توسعها الاستعماري بالاستيلاء على أجزاء واسعة من المكسيك وجُزر الكاريبي من مثل كوبا وبنما، والاستيلاء على ممتلكات أسبانيا في أمريكا الشمالية وفي الفلبين، وتشير الأحداث التاريخية إلى أن الولايات المتحدة الأميركية قامت بحروب توسع عسكرية واقتصادية في أمريكا اللاتينية، حيث قامت بغزو كوبا لمرات عديدة وبورتوريكو وجزر غوام والفلبين عام 1889 وفي عام 1905 احتلت الهندوراس ثم احتلتنيكارجوا في 1912(11).

واستمر بعدها فرض السيطرة الأميركية على أمريكيا اللاتينية وربطها بعجلة الاقتصاد الأميركي، بإضافة(عقيدة روزفلت) نسبة إلى الرئيس الأميركي تيورد روزفلت في عام 1904، وبهذه العقيدة أعطت الولايات المتحدة الأميركية لنفسها حق التدخل في بلدان نصف الكرةالغربي، لمنع تدخل أية قوى خارجية غير أمريكية في المنطقة، وبالتدرج حلت الولايات المتحدة الأميركية محل الاستعمار الأوربي التقليدي للمنطقة(12).

وفي فترة ما بين الحربين العالميتين واصلت الولايات المتحدة الأميركية القتال هنا وهناك، من أجل إخضاع أمريكا اللاتينية والسيطرة على ثرواتها، بحيث أصبحت الولايات المتحدة الأميركية في هذه المرحلة أكبر دولة صناعية في العالم، حيث كانت تنتج ثلث الإنتاج الصناعي العالمي، وبما أن الأوربيون كان يعبئون كل طاقاتهم الاقتصادية تقريباًً للحرب، وبدا أنهم عازمون على أن يأكل بعضهم بعضاً، ولما كانت الحرب تدور في بلدان تعد متقدمة صناعياً، فأن المكون التكنولوجي والعلمي للأسلحة بدأ يزداد طرداً مع استمرار الحرب وتعقد مساراتها وتوسعها، فقد استفادة الولايات المتحدة الأميركية في مجال الصناعة الحربية وتطويرها من هذه الصراعات، مما عكس أرباحاً وفيرة لصالح الولايات المتحدة الأميركية، حتى وصل الربح في الحرب العالمية الأولى إلى ما يقارب (90%)، وأزداد الإنتاج الإجمالي لها في نفس المدةبمقدار (15%)، وأرتفع معدل التصدير بمقدار ثلاثة أضعاف وفائض التصدير إلى ثمانية أضعاف(13).

وتبعاً لذلك فأن الولايات المتحدة الأميركية كانت مُستفيدة بشكل كبير من هذه الحروب دون أن تكون طرفاًً رئيساً فيها، وعلى الرغم من هذا، فأن الولايات المتحدة الأميركية لم تتوقف عن تصدير الأسلحة والذخائر بواسطة السفن والبواخر الأميركية إلى خصوم ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية، لهذا كما فأن شركات الصناعة العسكرية كانت تنتمي لفئة أكثر الرابحين من الحرب بجانب كبار بيوتات المال، وكان لهم الدور الأكبر في التأثير وممارسة العمل على الدفع باتجاه نشوب وتأجيج الحروب(14)، فهذه المؤسسات كانت تنمي الاقتناع بسياسة الحرب وتعهدها بالرعاية وتيسر وصول القادة والإدارات ممن يعتمدون الحرب كسياسة لإخضاع الآخرين، وبهذا فقد جرى تصعيد عمليات التسلح والبحث والتطوير في مختلف جوانب الأسلحة حتى في ظل الحرب العالمية الثانية، هذا يعني أن الولايات المتحدة الأميركية وبسبب من تأثير مؤسسات الصناعة الحربية عليها، فقد يسرت ودعمت مثل هكذا حروب، وما أن تلوح بوادر توقف تلكم الحروب، فأنها تبدأ البحث عن البدائل التي تساعد على تسويق السلاح، وكل ما تحتاجه الآلة الحربية، وقد يكون البديل دخولها في حرب مباشرة أو تدخل عسكري جديد، لإنعاش الصناعة الحربية التي تشكل قطاعاً واسعاً في الاقتصاد الأميركي(15).

وعندما وصل فرانكلين روزفلت إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية عام 1933-1945، كانت سياستهُ في بداياتها لا تعتمد على القوة العسكرية، بل كانت تعارض الدخول في الحرب العالمية الثانية، غير أن غزو ألمانيا لأوربا وما ترتب عليه من أثار دولية خطيرة، جعل مِنسياسة الولايات المتحدة الأميركية تبتعد عن النظرية الحيادية الظاهرية والاقتراب من القوة العسكرية، إذ أصبحت الولايات المتحدة الأميركية مقتنعةً جداً، بأن الحرب ضَرورية لإنهاء الحرب العالمية الثانية(16)، إلا أن سياسة روزفلت لم تتحقق بشكل كامل.

وعليه فأن عدم نجاح سياسته، لا يعني أن أُسسها قد رفضت في التفكير الأميركي، فلقد شكلت فكرة القوة العسكرية وضرورة تفوقها مرتكزاً ثابتاً في السياسة الأمريكية، وأدى دخول الولايات المتحدة الأميركية كطرف في الحرب العالمية الثانية قبيل انتهاءها، إلى تدعيم إستراتيجية الفرصة، التي ظلت تمثل المدرك الرئيس للإستراتيجية الكونية الأميركية فيما بعد، وأن كانت هذه المرة بحافز ملموس، حيث هاجس الهجوم الياباني على الأسطول الأميركي في ميناء بيرل هاربر عام 1941، مازال ماثلاً في عقول المفكرين والسياسيين الأميركيين(17).

ولقد أثارت الضربة الاستباقية (مع أن الكثير من المصادر التي تناولت وثائق الحرب تشير إلى أن بريطانيا قد عرفت بالهجوم الياباني وأبلغت أمريكا به، ولكن أمريكا أرادته ذريعة تستفيد منها قي شحن التأييد الشعبي لدخول الحرب، شأنه شأن أحداث 11 سبتمبر) اليابانية على الأسطول الأميركي حالة من المرارة والغضب لدى الجانب الأميركي، فلا غرابة من أن نجد الرد الأميركي يكون بأقسى من ذلك، وأن كان ذلك في وقت متأخر، استناداًً على ظروف النشأة والتكوين القائمة على القوة، التي قامت عليه الدولة الأمريكية الحديثة، فنرى أن الحرب بدأت بقيام مئات الطائرات اليابانية بالهجوم، إلا أن الحرب انتهت بطائرة واحدة تلقي قنبلة واحدة ثم قنبلة أخرى(18).

صفحة 6

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية واضمحلال القوى الكبرى المؤثرة التقليدية وحتى المنتصرة من دول الحلفاء، خرجت الولايات المتحدة الأميركية من هذه الحرب كقوة كبرى على الساحة الدولية، وترتب عليها عبء ثقيل باعتبارها أصبحت قوة عالمية جديدة، وقد منحتها الانتصارات التي حققتها المزيد من الثقة بالنفس، وازدهاراًً اقتصادياً لا مثيل له، فضلاً عن القوة العسكرية التي تتمتع بها، ودخل العالم مرحلة جديدة من العلاقات بين وحداته السياسية، وعن صيرورة حرب جديدة من نوعها، ومختلفة عن سابقتها، أكثر رعباً أطلق عليها(الحرب الباردة)، كان الفاعل الرئيس فيها، هي القوة العسكرية الأميركية تقابلها في الطرف الآخر من الصراع القوة الاشتراكية الشيوعية المتمثلة بالإتحاد السوفيتي(19).

فالولايات المتحدة الأميركية كانت المنتصر الفعلي في الحربين، لاسيما أنها لم تتكبد في كلتا الحربين، ما تكبده الأطراف الرئيسيون من خسائر في الأرواح، ومع أن خسائرها البشرية كانت متواضعة نسبياً، إلا أنها خرجت من الحربين بأكبر ربح اقتصادي، وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قد دخلت الحرب العالمية الأولى وهي أمة مدينة، فأنها خرجت من الحرب العالمية الثانية الأمة الدائنة الكبرى، ومن هنا فلا عجب من أن يعتقد الكثير من الأميركيين أن بلادهم تستطيع جني الأرباح من الحروب، وبهذا باتت ذاكرة المواطن الأميركي العادي، فضلاًً عن أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب المجمع الصناعي العسكري، ترى في أن هناك علاقة متينة بين المشاركة في هاتين الحربين وبين الازدهار الاقتصادي المتحقق، ولولا هذا ما كان بالإمكان أن يتحقق ما حققته الولايات المتحدة الأميركية في هذه الحقبة(20). ويمكن تجسيد هذه النظرة في تصريح الرئيس الأميركي ترومان بقوله: (إن النصر الذي حققته الولايات المتحدة الأميركية في الحرب العالمية الثانية، وضع على عاتق المواطنين الأمريكيين مسؤولية قيادة العالم)(21).

وبما أن الثقافة الأمريكية عموماً تفصح بجلاء عن مركزية فكرة القوة لدى الأمريكان، فمن الطبيعي جداً أن تكون المعطيات الذاتية والتأصيل الموضوعي، معبرة عن فهم واقع وطبيعة نشأة الدولة الأمريكية القائمة على الاستيطان، وجذورها القائمة على الثقافة الأنكلو سكسونية، فضلاً عن الجرمانية، وهو ما يؤمن الالتفاف حول فكرة الفردية المطلقة التي تعد القوة القيمة العليا، التي تؤلف بترادفها مع العامل الاقتصادي بنية المنطلقات والدور العالمي للولايات المتحدة(22).

من هذا المنطلق أضحت الولايات المتحدة الأميركية تبحث عن وسائل الإدارة العالمية، التي تسلمت مقاليدها بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال استخدام القوة العسكرية، لذلك لجأت إلى عقد سلسلة من الأحلاف والمعاهدات العسكرية لمواجهة المعسكر الشيوعي المنافس من جهة، ولتخفيف أعباء النفقات العسكرية وربط القوى التقليدية السابقة بقيادتها من جهة أخرى، فكان ميلاد حلف شمال الأطلسي في 4 نيسان/إبريل1949 وحلف جنوب شرق أسيا في أيلول/سبتمبر1954(23).

وكان أول استعمال لحلف شمال الأطلسي***في أولى الحروب ذات البعد الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، لا بل إحدى النتائج المباشرة للحرب الباردة وهي الحرب الكورية (1950– 1953)، والتي استمرت لثلاثة سنوات، فالولايات المتحدة الأميركية إلى جانب خوضها غِمارالحرب، فأن تطلعاتها الجديدة وإستراتيجيتها الرئيسة القائمة على الاحتواء والردع، دخلت هذه الحرب كضرورة لتدعيم التفوق العسكري، وبالتالي إظهار المعسكر الغربي الرأسمالي كقوة فاعلة على مختلف الأصعدة، بوجه العدو اللدود المتمثل بالاتحاد السوفيتي(24).

لقد فتحت الحرب الكورية إزاء الصناعات العسكرية الأميركية الضخمة آفاقاً واسعة للإنتاج والتطوير وجني الأرباح العالية، لذا نجد أن المجمع الصناعي العسكري كان له دور كبير وفاعل في التأثير على السياسة الأميركية وصنع القرار باتجاه الحرب إلى جانب المؤسسات الأخرى(25)، ويمكن رؤية هذا التأثير الفاعل على صانع القرار الأميركي من خطاب الرئيس الأميركي إيزنهاور في 17/1/1961، حيث أشار في خطاب الوداع إلى خطر هذا المجمع وحذر منه، وقال:(يجب علينا أن نمنع المجمع العسكري– الصناعي من الحصول على قدرةقوية في التأثير، إن الإمكانية موجودة، وسوف تبقى، بأن تشهد تك القدرة تزايداً غير مُبرر، وبنسب كارثية، يجب علينا أن لا نسمحَ أبداًً لهذا المجمع أن يشكل َخطراً على حريتنا أو أساليبنا الديمقراطية...لاشيء في الحقيقة مضمون كلياً)(26).

وبقىَ الإدراك الأميركي للحرب القائم على قيادة العالم الرأسمالي والسعي إلى أضعاف القطب الثاني المُناوئ حتى مع الحرب الفيتنامية(1965-1973)، إلا أن هذه الحرب جاءت على غير ما كانت تتمناه الولايات المتحدة الأميركية، بسبب الخسائر****الفادحة في أرواح الجنودالأميركيين، والتي تكبدتها الجيش الأميركي فضلا ًعن عدم تحقيق الأهداف المبتغاة منها، هذه الحرب غيرت نظرة المواطن الأميركي الداعم للحرب، لا بل سببت عقدة لدى صانع القرار الأميركي بنحو يختلف عما كان عليه في الحرب الكورية(27).

ونجد أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية في مرحلة الحرب الباردة تختلف عن الحروب في العصر الصناعي، والتي كان يتركز الاعتماد فيها على مستويات متعددة من الصنوف القتالية، كالجيوش المزودة بالأسلحة التقليدية الخفيفة وأسلحة الدروع والمدفعية، والأساطيل البحرية والطيران، وكان الفارق وما يزال في ترجيح من يملكها، في إطار توازن القوى الذي يعتمد في الأساس على حجم الجيوش، إما في العصر النووي، فأن الجدل الإستراتيجي كان يدور حول القدرة التدميرية للضربة الأولى أو قدرة أسلحة الضربة الثانية على الرد الثأري - الانتقائي، ويمكن أن نلمس ذلك من أن كلا القطبين الأميركي والسوفيتي لم تقع على أراضيهم معارك، كما كان عليه الحال في الحربين العالميتين بين دول المحور والحلفاء (القوى الكبرى التقليدية آنذاك)، لأن الحرب بين كليهما كان ممتنع بسبب الترسانات النووية والقدرات التدميرية التي يملكها كلا الطرفين، لذا كانت الحرب بالنيابة إحدى أنماط حروب مرحلة الحرب الباردة، حيث تنقل المواجهة خارج حدود القطبين الرئيسين(28).

وبمجرد غياب فاعلية المُعسكر الشيوعي، سارعت الولايات المتحدة الأميركية لاغتنام الفرصة وإحداث تحولاً نوعياً في إستراتيجيتها، من أجل تحقيق أهم قفزة عسكرية - سياسية - نفطية عن طريق الحرب الدولية، التي شنها بوش الأب على العراق، حيث كانت الحرب الفيتنامية ولسنوات طويلة درساً قاسياً اقنع الأمريكيين بالبحث عن سبل لا تحملهم على التورط العسكري المباشر في النزاعات الدولية، حتى كان اجتياح العراق للكويت عام1990، فشكل هذا الاجتياح مبرراً لأن ترسل الولايات المتحدة الأميركية قواتها من جديد إلى خارج حدودها في منطقة الخليج العربي، بدعوى تحرير الكويت، فقد أنطلق بوش الأب لقيادة التحالف الدولي الواسع ضد العراق كي يفرض واقعاً عسكرياً جديداً على العالم، هذا التدخل العسكري وأن كان جوهر أهدافه مختلفاً عما هو معلن منها في الاحتجاج بتحرير الكويت وإرساء السلام والأمن الدوليين تحت مظلة الأمم المتحدة، إلا أنه يحمل في مكنوناته أسلوباً لتحقيق المشروع الإمبراطوري الأميركي وتعزيز القطبية الأحادية، وبالتالي التفرد بقيادة العالم، وما هو إلا استمرار لسياسة مفادها إدامة التفوق الأميركي في كافة المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية(29).

ومن الجدير بالذكر فأن الولايات المتحدة الأميركية أعلنت ومع انتهاء الحرب الباردة، وعلى لسان رئيسها بوش الأب اصطلاح (النظام الدولي الجديد)، والذي يراد به القيام بنظام دولي على أساس عالم بقطب واحد، خال ولأول مرة من قوى متوازنة وشريكة بالقرار الدولي، وقد انفردت بالقوة وتخلصت من أهم التحديات، هذه النزعة عززت من وجهة النظر الأميركية القائمة على جعل الحرب كأداة رئيسة ومهمة لإبراز التفوق العسكري ليتسنى لها قيادة العالم(30).

ومنذُ نهاية الحرب الباردة جرت سلسلة من التدخلات العسكرية وبشكل متزايد وبحجج متعددة في مختلف قارات العالم، كانت الولايات المتحدة الأميركية، هي اللاعب الرئيس في هذه التدخلات وهي تستخدم عادةً مصطلح مصلحة المجتمع الدولي كمعيار لهذه التدخلات، لكن العبارة لا يذهب معناها الحقيقي إلى ما هو أبعد من مصالح الولايات المتحدة الأميركية وتوجهاتها العالمية، وقد عبر ساسة أمريكا في كثير من الأحيان وبشكل صريح بهذا الشيء، فقد أعلنت مادلين أولبرايت عام 1994 بأنه:(عندما تتعرض مصالحنا، فيمكن أن نتصرف من خلال الأممالمتحدة، وقد نتصرف من خلال حلف شمال الأطلسي، أو من خلال الائتلاف مع قوى معينة، وأحياناً قد نجمع بين هذه الأدوات في الحرب جميعاً، أو قد نتصرف بطريقة منفردة)(31).

وعلاوة على ذلك استخدمت الولايات المتحدة الأميركية (المظلة الدولية) لتبرير حروبها، ولقد أدى النصر الذي أحرزتهُ في حرب الخليج الثانية إلى أن أصبحت أكثر مصداقية في نظر باقي دول العالم، ومع تفكك الاتحاد السوفيتي، فأن هذا النصر وضعها في موقع أقوى بكثير مما كانت عليه، لاسيما في مجالي القيادة والنفوذ، ولا غرو من أن يعلن بوش الأب في اليوم الثاني من آب/أغسطس1990، بعد دخول العراق الكويت بأن (الحرب ضرورة لنا لمعرفة مُستوى قوتنا المُسلحة ومُتطلباتها الدفاعية المُستقبلية)(32).

ثم استمرت سلسلة التدخلات الأميركية في العالم بعد حرب الخليج الثانية، حيث التدخل في القرن الأفريقي واحتلال الصُومال (1992-1994)، وتبعه احتلال قوات متعددة الجنسيات - أغلبها من أمريكا لجمهورية هايتي، تحت ذريعة استعادة الديمقراطية حسب ما أعلن في أيلول/سبتمبر 1994، كذلك القصف الأميركي ليوغسلافيا بزعم إنهاء الحرب في كوسوفو، فضلاً عن التدخلات والقصف الأميركي للعراق خلال حقبة التسعينات(33).

وإلى جانب الأهداف والغايات التي تنشدها الولايات المتحدة الأميركية من أجل قيادة العالم، فإن هناك دافع داخلي له تأثير فاعل في الضغط باتجاه التدخل العسكري، واستعمال القوة وهو المُجمع الصناعي الأميركي، حيث أفرزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة انخفاض حاد واجه صناعة الأسلحة، حيث أنخفض الإنفاق على المُشتريات من الأسلحة بما يزيد على (60%)، مما جعل المجمع الصناعي - العسكري يبحث عن مسوغات لتنشيط سوق مبيعات السلاح والصناعة الحربية، والتي قد ازدهرت في مرحلة الحرب الباردة بسبب الصراع، الذي كان يقومفي جزء من وحداته على سباق التسلح وحرب النجوم، وتمثل الضغط الذي مارسته هذه المؤسسة باتجاه افتعال الحروب، فضلاً عن الضغوطات التي مارسها المجمع على شركات السلاح لتوسيع (حلف الناتو) لفتح أسواق جديدة(34).

والحقيقة فأن هناك علاقة متينة بين الاقتصاد الأمريكي والحرب هذه العلاقة الحميمة تكمن في دورها وارتباطها الوثيق بالانتعاش الاقتصادي، وهو ما يؤكده ديفيد ميللر(في كل مرة نخوض فيها حرباً ينتعش فيها اقتصادنا)، إن ذروة الإنفاق العام كانت إبان الحروب الشهيرة، كالحرب العالمية الأولى والحرب الكورية وحرب فيتنام ومشروع حرب النجوم وحرب الكويت وحرب أفغانستان، ويكاد يتوافق مع منحى الاقتصاد الأميركي والذي يصعد إلى أعلى مستوياته في الحروب، لقد كلفت الحرب الباردة الولايات المتحدة الأميركية وحدها خلال العقود الأربعة التي تلت الحرب العالمية الثانية بحوالي (الستة عشر تريليون دولار)، وتحديداً (15829900,000,000 بما يُعادل قيمة الدولار اليوم)، وكان من نتيجة ذلك، إن الإنفاق العسكري في مجالات البحوث والتطوير منح المجتمع الأميركي سبقاً بين الأمم في التقدم العلميوالتكنولوجي، فلقد نتج عن الإنفاق على البنى التحتية للدفاع فوائد جمة، وما بناء الطرق السريعة وتطوير الانترنيت، إلا مثالان على ذلك، فأن بدايتهما كانتا كمشروعين للأغراض الدفاعية العسكرية، ولكنها في الوقت نفسه جلبا عائداًً تجارياً كبيراً(35).

ومع وصول جورج بوش الابن وإدارته من المحافظين الجدد الداعمين لفكرة الحرب، وما رافق من أحداث تبرر هذه الفكرة المتمثلة بأحداث 11 أيلول/سبتمبر، التي تعد منعطفاً مهماًً في مسيرة المجمع الصناعي - العسكري، حيث وفرة تلك الأحداث الغطاء أو العدو الذي يضمن للمجمع ولليمين كل ما يصبون إليه، وذلك بوضع كل التسهيلات اللازمة لدعم المؤسسة العسكرية بالحرب على الإرهاب، وتنفيذ الضربات الاستباقية على المستوى الاستراتيجي، والتي تتميز بالهجوم على العدو، واستباق التهديدات المحتملة منه، والقائمة على الشك وفحص النوايا(36).

على هذا الاعتبار قامت الولايات المتحدة الأميركية بتقسيم العالم إلى محورين، واحد داعم للخير تمثله الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في حربهم على الإرهاب، وقد مثله بوش الابن (أما أن تكونوا معنا أو مع الإرهاب)، وأخر معاد للخير وهو محور الشر(37)، أضف إلى ذلك فالمفهوم الأميركي للحرب بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، جاء بما يتناغم مع تطلعات بوش الابن والصقور المؤيدين للحرب، هذا من جانب، والسعي للحفاظ على مكانة الولايات المتحدة الأميركية كقوى عظمى وحيدة بعد تراجع القوى المنافسة لها باتجاه الهيمنة المطلقة لمشروعأمريكا الإمبراطوري(38)، وكانت أول تطبيق لهذه الحرب الحملة العسكرية على أفغانستان في تشرين الأول /أكتوبر2001، ثم تلا ذلك الحرب الأمريكية على العراق في آذار/مارس2003 واحتلاله رسمياً في 9 نيسان/أبريل2003.

ونستنتج مما سبق بعد عرض السيرة العسكرية والتطورات التي مرة بها الولايات المتحدة الأميركية أنه:

· بالحرب حققت الولايات المتحدة الأميركية استقلالها.

· وبالحرب وحدة الولايات المتحدة الأميركية بين شمالها وجنوبها بعد الحرب الأهلية.

· وبالحرب أزدهر الاقتصاد الأميركي في مرحلة الحربين العالميتين إلى أعلى مستوياته.

· وبالحرب حسمت الولايات المتحدة الأميركية النصر لصالح الحلفاء، وبرزت كقوة قادت المعسكر الغربي الرأسمالي.

· وبالحرب الباردة استطاعت الولايات المتحدة الأميركية من إضعاف وبالتالي انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي.

لذا نرى أن الإدراك الأميركي للحرب قد تطور حسب المراحل التاريخية التي مرت بها الولايات المتحدة الأميركية:

· كانت الحرب ضرورية في الإدراك الأمريكي من أجل تحقيق الاستقلال ولا يتعدى الأمر أبعد من ذلك.

· أصبحت الحرب في التصور الأمريكي مهمة أساسية من أجل وحدة الجزء الشمالي مع الجنوبي وبالتالي حسم الحرب الأهلية لصالح الوحدة.

· وأضحت الحرب في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كخيار من أجل التوسع على حساب القارة اللاتينية وجعلها تابعة لها وربط اقتصادها بالاقتصاد الأمريكي.

· وأمست الحرب في الإدراك الأمريكي كخيار أخير، لكنه ضروري في الحربيين العالميتين لحسم النصر بأقل الخسائر.

· وباتت الحرب كضرورة لصد القطب الشيوعي (الاتحاد السوفيتي) وتطويقه لكن دون الوقوع بمواجهة عسكرية مباشرة أي (الحرب بالنيابة)، وهي السِمة الغالبة في الحرب الباردة، وصارت الحرب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، جزء رئيس وكخيار أول من أجل فرض نظام أحادي القطبية، ونشر القيم الرأسمالية في نسختها المتوحشة.

صفحة 7
المبحث الثاني:جذور العنف الأمريكي
 
يتشكل التصور حول خلفية أو جذور/أصول العقل الأمريكي، في ضوء المنطلقات الحاكمة التي بني عليها، والمرتكزة على ثنائية مانوية متأتية من أمة مهاجرة من عالم الشر والخطيئة إلى عالم الخير وأرض الميعاد الجديدة، فكل ما هو أمريكي أو صديق لها هو في عالم الخير، وكل ما هو معادي لأمريكا ولأصدقائها هو في عالم الشر، وهذا ساهم في تجذير ثقافة العنف وصولاً إلى الإرهاب، بحيث تحول ذلك إلى عنف بنيوي وعضوي ومؤسسي، واتخذ صفة الشمولية والديمومة من خلال المسارات التي اتخذها والتطبيقات والأفعال التي اعتمدها، مما أفضى إلى تبلور ثقافة وإيديولوجية العنف والإرهاب بالصبغة الأمريكية، التي ترسخت في هذا العقل وظلت ملازمة له على الرغم من الادعاء أن الحضارة القائمة الآن، تفصح عن علو كعب العقل الأمريكي في منظوره الإنساني، استناداً لمناداته بالحقوق والحرية والديمقراطية.
 
ومن الممكن الاستدلال على أن هناك رابطة واحدة ما انفكت يوماً، بين ما احتضنه التاريخ الإنساني من ماضي سلوكيات العنف والإرهاب الأمريكي ضد شعوب مختلفة، ابتدأ من الشعوب الأصلية التي كانت تقطن الولايات المتحدة الأمريكية، مروراً بالفلبين وهاواي وفيتنام والعراق وأفغانستان الآن، والتي توسم كل هذا التاريخ بذات النزعة القاسية واللانسانية.
 
إن العقل الأمريكي ظل يتأرجح في توصيفه للعلاقة مع البشر، في حاكمية ذات بعدين أساسيين: هما العلاقة في ظل الظروف الاعتيادية الممتدة وهنا تحكم بقانون داروني معتمد في الثقافة الأمريكية وأصول التشكل الأولى للعقل الأمريكي (البقاء للأقوى)، وما بين حد أخر وهو علاقات المصالح المتبادلة التي يعتمدها في حالة الضعف والوهن وعجزه عن حسم الصراع لصالحه لحين انتظار الفرصة المواتية لسحق الخصم ونهب ثرواته.
 
ثنائية الصراع والبقاء للأقوى مترسخة في العقل الأمريكي وتستمد معينها من الموروث الأوربي - الغربي، وبخاصة التراث الروماني ونظريات الاستعمار التي ظهرت عند إطلالة أوربا على الشرق في عهد الاستكشافات الجغرافية وما تلاها.
 
والتفسير المعتمد أن ظاهرة الداروينية - البيولوجية جرى استيعابها وقبولها من اجل تطويرها إلى ما أسموه (الداروينية الاجتماعية - Social Darwinism).
 
بيد أن الكثير من المفكرين والفلاسفة الذين هاجروا إلى أمريكا، قد اعتنقوا الداروينية الاجتماعية وعكسوها لصالح تمجيد سلوك الأمريكيين، كيما تفرز مناهج وبرامج وثقافة، تنشئ بموجبها إنسان يؤمن بالصراع والعنف واستخدام القوة لتجسيد فلسفة البقاء، فالفيلسوف جون فسك (John fiske) كتب يقول (إن الجنس الأنجلو - سكسوني هو أصلح الأجناس البشرية).
 
حتى أن السيكولوجية الفردية شحنت من فيض الثقافة التي تتغنى بالقوة وسحرها تعبيراً عن الجمال والزينة، إلى درجة نسيان مفردات الرحمة والعدل والإنسانية في المفردات اليومية للحياة، حتى هذا الفرد تغذى من خلال (الأنا) وأضحى لا يعرف نفسه إلا من خلال الأخر.
 
ووجدت المؤسسات السياسية والعسكرية ضالتها من التقديس المفرط للقوة في شرعنة السلوكيات والأفعال، مسوغةً أيديولوجيا عمليات الإبادة والقتل التي رافقت استعمار أمريكا والتوطن فيها وحروب التوسع الأمريكي، وهو التطبيق السياسي والعسكري لقانون أصل الأنواع (The Origin of Species)، الذي برر هلاك المخلوقات الضعيفة لصالح بقاء المخلوقات الأقوى.
 
بيد أن جذور نزعة التعالي التي غذت ظاهرة العنف والإرهاب في التاريخ الأمريكي، تتأتى بموجب الدستور الذي أقر عام 1787، والذي ينص على أنه (يعد العبد الأسود يساوي 3/5 من الإنسان الأبيض)، ولم يتغير هذا ليذهب إلى المساواة إزاء القانون إلا في عام 1964، من هنا فان العنصرية تعد جزءاً مكوناً من تركيبة العقل الأمريكي والشخصية الأمريكية.
 
هذه القناعات التي تم غرسها ووجدت القبول في أرض خصبة متعطشة لخليط من الرؤى اللاهوتية والسيادة على البشر والتفوق العرقي...الخ، ولهذا نلحظ أن رجالات الولايات المتحدة من قادة عسكريين ومجلس شيوخ (بفريج وهنري ك لودج وجون هاي) وحتى الرؤساء (ثيودور روزفلت)، يرون في الفكر القائم على علو كعب العنصر الانكلو - سكسوني سنداً لكل أفعالهم، إذ يشير السناتور بفريج (إن الإله لم يقم بأعداد الشعوب الناطقة بالانكليزية آلاف السنين عبثاً أو للإرادة الكسولة،لا! إنما جعلنا سادة لتنظيم العالم...حتى ندير الحكومات بين المتوحشين والشعوب الخرفة العجوز). فيما يشير روزفلت (إن الأمة التي تدرب نفسها على حياة لا تتسم بالطابع الحربي هي امة محكوم عليها بالزوال)(39).
 
فما هو ملاحظ أن المجتمع الأمريكي حقق الكثير من التقدم في شتى الميادين، ومنها القيم الجمالية والذرائعية ومظاهر الذوق العام والتعامل الإداري، ولكنه عجز تماماً عن بناء مبادئ أخلاقية تتناسب مع مستوى التطور، ومع المستوى الذي تريده أمريكا من علاقتها بالعالم كدولة قائدة، ويعلل البعض من الكتاب (هاري شوفيلد) ذلك أن فقر المجتمع الأمريكي للقيم الإنسانية هو منسجم مع التطور التاريخي للولايات المتحدة الأمريكية، ففي أيام التوسع نحو غرب القارة الأمريكية، لم يكن هناك ما يلائم الاحتكام القيم المثالية الأخلاقية، فما كان يحكم واقع الأمريكي آنذاك، بناءً على نمط التغذية الفكرية ومحددات السلوك الذي بموجبه تمت هجرة الأوربيين إلى أمريكا هو (إما قاتلاً أو مقتولاً)(40) وعندئذ غابت الرحمة والإحساس الإنساني.
 
وعندما لا تتوافر أية معطيات أخلاقية حاكمة لأسس أية دولة قابضة بقوة على اكبر ترسانة عسكرية في الكون، بل أنها الوحيدة القادرة على تدميره (17) مرة، فأنها تحول عنفها وقناعتها بالقوة والتفوق، والحلم بقيادة العالم، إلى غيبيات وما ورائيات من أنها مكفولة برضا الرب وموكول لها تنفيذ أرادته في الأرض كونها شعب مختار وموسوم بالعناية الإلهية، لهذا لابد من أن يجري مد كل تلكم الذرائعية والتزييفية، إلى جعلها أيديولوجية إرهابية ترتكز على معطيات شتى للتبرير الإرهابي الذي تعتمده، مرة بالتفوق ومرة بالشرعية الدولية وأخرى بالحفاظ على السلم العالمي.
 
ولا تعترف الولايات المتحدة الأمريكية أبداً أنها تمارس إرهاباً بعلاقاتها مع شعوب العالم، فلو قتلت ملايين البشر، فأنها تدعي الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي والدفاع عن نمط وحضارة الشعب والأمة الأمريكية، ولكن لو صرح أي مواطن في العالم الثالث بأن أمريكا تريد ابتزاز ثروات بلده، أو أنه يعترض على استغلال الشركات لإمكاناته، يعد أضراراً بالمصالح الأمريكية المقدسة، وبهذا يقع تحت طائلة الإرهاب، وبهذا لا توجد معارضة ولا مقاومة، وتسقط الأخلاق الديمقراطية التي تدعي بها الولايات المتحدة، والتي تبرر الاختلاف والمعارضة، وبهذا فأن الإرهاب من وجهة النظر الأمريكية ربما يذهب حتى لمن يختلف معها، حتى لو كان الرئيس الفرنسي.
 
وعليه ظلت أمريكا تصنع منذ انتهاء الحرب الباردة أنموذجات من أشكال وهمية للإرهاب وللأعداء على حد سواء، وعلى وفق هذا ضاع على المجتمعات وعلى المتخصصين من توصيف جامع مانع للإرهاب يتم التوافق عليه بين بلدان العالم، فما هو متاح أن هناك أكثر من (108)تعريف للإرهاب(41)، وهذا ما نتج عنه تسييل مفهوم الإرهاب حتى يكون بمقدور أمريكا التفلت من التحديد، وكذلك التوصيف على وفق حاجتها لتصنيع عدو موهوم، ولإغراض توضح انحياز قيمي وأيديولوجي وسياسي، وكسلاح دعائي يراد منه تشويه جهة أو حركة أو دولة ما بغية تبرير الإجراءات الانتقامية ضدها (42).
 
هذا لم يكن جديداً على الذهنية الأمريكية التي نهلت من معين المهاجرين المركبة من أطروحات لاهوتية وأخرى ميتافيزيقية وعقد نفسية...الخ، لهذا كان مستوى العنف والإرهاب الذي تعرضت له المجتمعات والشعوب التي طالها الاستيطان الأوربي والقائم على فكرة استئصالية، تقوم على استبدال الشعب الحقيقي بشعب مهاجر جديد وثقافة بمجموعة ثقافات، من خلال متغير العنف وتحت ذرائع غير أخلاقية وغير واقعية، جرى اقتباس أفكارها وتعاليمها من أفكار تلمودية وأخرى جرى التلاعب بها، في محاولة لإسقاط فكرة الاختيار على المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وإلى إلباس ثوب التقديس عليهم، وهي مزاوجة تجمع بين فكرة التقديس والاختيار عند (أرسطو) والاختيار التوراتي، فعدوا أنفسهم شعباً مختاراً وعرقاً متفوقاً وبشراً متحضراً، متقمصين الدور التاريخي للعبرانيين في اجتياح أرض كنعان.
 
ولهذا استمد المستوطنين فكرة وعملية إبادة شعوب وأمم الهنود الحمر (السكان الأصليين)، على وفق الأطروحة السابقة من أنهم عبرانيون فضلهم الله على العالمين وأعطاهم تفويضاً بالقتل، لأن أرضهم هي (أرض كنعان الجديدة - إسرائيل - أرض الميعاد الجديدة - إسرائيل الله الجديدة)، وهم الحجاج - القديسين، أو المبشرين، هؤلاء ارسوا الثوابت الخمسة التي رافقت التاريخ الأمريكي، الذي سجل أطول وأكبر حملة للإبادة في التاريخ الإنساني، وممتدة من بليموث إلى بابل، هذه الثوابت هي (43):
 
1- المعنى الإسرائيلي لأمريكا
 
2- عقيدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي
 
3- الدور الخلاصي للعالم
 
4- حتمية وقدرية التوسع اللانهائي
 
5- حق التضحية بالآخرين
 
لم يحمل التاريخ الأمريكي حتى المدرسي منه أية أشارة إلى همجية المستوطنين (تلذذ الإباء المؤسسين) بالمذابح التي ارتكبت، حتى أنها تعد الهولوكست الأول والحقيقي والذي تلاه هولوكوست فيتنام وأخيراً هولوكوست العراق.
 
ولابد من الإشارة إلى أن للولايات المتحدة الأمريكية الفضل في اختراع ألطف تطهير عرقي على وجه الأرض، إذ تم القضاء على أربعمائة شعب وقبيلة وأمة تنتشر على مساحة أكبر من مساحة أوربا بنصف مليون ميل مربع، وعدتها الثقافة الأمريكية مأساة غير مقصودة أولا متعمدة، (لم يكن تجنبها ممكناً، أضرار هامشية تواكب انتشار الحضارة، خسائر على طريق الحياة الجديدة)، وهي تعبيرات تماثل ما يطلق الآن في العراق من عبارات من مثل (إعمال غير قتالية - نيران صديقة)، هذه العبارات التي تقتبسها أمريكا من قاموسها، عبارات تحمل ضبابية وتزييف وتزوير للحقائق.
 
هؤلاء الذين قضت عليهم حضارة القديسين والحجاج والآباء المؤسسين لأمريكا، يبلغ تعدادهم (18.5) مليون، لم يبقى منهم إلا (100) ألف هندي أحمر في مطلع القرن العشرين(44)، إن تاريخ الولايات المتحدة مليء بالمآسي، تتناقض أحداثه مع كل ما تنقله وسائل الأعلام أو الذي يٌعرف عنها، فقد تمت إبادة قبائل وشعوب (السكان الأصليين) في هذا البلد، الأوتاوا (Otawas) والمينغو (Mingo) والمايامي (LenniLenapes)، والشيروكي (Cherokee)، والشوكتو (Chocotow)، والشيكاسو (Chickasow)، والكريك (Creek)، والسيمينول (Seminole)، ولم تصبح تلكم الجرائم جزءً من الضمير.
 
فقد أطلق الهنود على أبي الجمهورية الأمريكية الأعظم جورج واشنطن لقب (هدام المدن)، فقد تم تدمير (28 مدينة من أصل (30) مدينة خلال خمسة سنوات، بناءً على أوامر جورج واشنطن.ففي عام 1828 حاول عالم الأحياء الفرنسي جان لوي برلاندييه، تدقيق ما أشارت له بعثة لاسال عام 1678، التي لاحظت وجود (52) أمة هندية، أبيدت منها خلال القرن والنصف بحدود(48) أمة هندية، لم يلحظ برلاندييه أي وجود لها
 
حتى أن الأوبئة التي جاءت خفيةً مع سفن المستوطنين، ووصلت سراً إلى شواطئ العالم الجديد، ثم تسللت إلى أرواح الهنود الحمر في قراهم ومدنهم كانت قضاءً وقدراً، وهو تبرير ذرائعي غير منطقي، فيما يرى بعضاً منهم، هذه الأوبئة نعمة أرسلها الله لتطهير الأرض التي أعطاها لشعبه، وهي تشبه معجزة الأوبئة العشرة التي فتكت بالمصريين في زمن موسى، حتى أن حاكم مستعمرة بليموث يرى في نشر هذه الأوبئة بين الهنود عمل يدخل السرور في قلب الله، ويشير إلى أن (950) من كل ألف يموت من جراء هذه الأوبئة.
 
وفي عام 1828 حاول عالم الأحياء الفرنسي جان لوي برلاندييه، تدقيق ما أشارت له بعثة لاسال عام 1678، التي لاحظت وجود 52 امة هندية، أبيدت منها خلال القرن والنصف بحدود 48 امة هندية، لم يلحظ برلاندييه أي وجود لها
 
ويبدو أن المستوطنين عملوا بوصية أرسطوفان (السعوا أول من ترونه واستمدوا حياتكم من موته)، واستنسخوا (العقلية القيامية)، هذه التي حكمت جنون أثينا بالدينونة والمحاكمات والقتل بالسموم، إذ استخدم القديسين/الحجاج (93) حرباً جرثومية ضد السكان الأصليين لغرض أبادتهم، فقد أبادوا شعوب الهنود الحمر الأصليين، بالجراثيم من مثل الجدري والطاعون والتيفوئيد والخناق والملاريا، وفي زمن الحضارة الفائقة مارسوا الإبادة بذات الروحية والعقلية، فقد أبادوا قرى كاملة في فيتنام بغاز الخردل في فيتنام، وسيبدون شعب كامل باليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض في العراق.
 
ورحلة الدموع (Trail of Tears) التي سيق لها الهنود لأكثر من (600) كيلو متر عبر أراضي شديدة الوعورة من شرق المسيسبي إلى غربه، عبر ولاية تنسي، كنتاكي، إليونز، ميسوري، ليموت الكثير منهم أطفال نساء شيوخ، ثم أردفت بعد ثلاثين سنة برحلة أخرى سميت المسيرة الطويلةThe Long Walk)، لترحيل ما تبقى من القبائل (Navajo) من أريزونا إلى نيومكسيكو، ولأكثر من أربعمائة كيلومتر خلال شهر الشتاء القارص.
 
لقد علق أبي الجمهورية الأمريكية الأعظم جورج واشنطن على الأضرار التي تركها إبادة الهنود وطردهم من بلادهم، إذ قال (إن طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها)، وفي لقاء جمعه مع أحد زعماء الهنود عام 1792 والذي قال لواشنطن (عندما يذكر اسمك تلتفت نساؤنا وراهن مذعورات، وتشحب وجوههن، وأطفالنا يتلببون بأعناق أمهاتهم من الخوف)، وهذا الأمر لم يقف عند واشنطن فحسب، بل أن الآباء المؤسسين جميعهم ساروا على خطاه حتى توماس جيفرسون (رسول الحرية الأمريكية) وكاتب وثيقة الاستقلال يبلغ وزير دفاعه أن يواجه الهنود الذين يقاومون التوسع بالبلطة، وأن لا يضعها حتى يفنيهم أو يسوقهم إلى ما وراء الميسيسيبي.
 
إلا أن هذا لم يشبع الرغبة السادية والمتوحشة في التعامل مع السكان الأصليين، بل ذهب إلى أسلوب أكثر همجية وهو ما يشكل وصمة العار التي لا يمكن للأمريكان التعليق عليها، بل لا يتوافر أي كتاب يتحدث عن سلوك القديسين مع الشعب الهندي، إذ رصدت السلطات الأمريكية في المستعمرات مكافأة لمن يقتل هندياً ويأتي برأسه، ثم اكتفت في مرحلة لاحقة بفروة رأسه، وكانت هذه المكافأة تختلف من فترة إلى أخرى، وبحسب الجنس والعمر، حتى أضحت تجارة رائجة ومن الهدايا التي تقدم بالمناسبات.
 
لهذا شاعت عمليات السلخ وأضحت تقليداً عادياً، بل الأدهى من ذلك كله، إن عمليات القتل والسلخ صارت تقام لها احتفالية للتفرج والاستمتاع الشهواني بهذه المشاهد المثيرة، ومع تأسيس الجيش الأمريكي أصبح السلخ والتمثيل بالجثث تقليداً مؤسساتياً رسمياً، فعند استعراض الجنود إمام الرئيس الأمريكي وليم هاريسون عام 1811، تم التمثيل ببعض الجثث، وحتى الرئيس اندرو جاكسون الذي تزين صورته ورقة العشرين دولار، من عشاق التمثيل بالجثث ويأمر بحساب عدد ضحاياه بإحصاء عدد أنوفهم، وقد رعى بنفسه حفلة تمثيل بجثث (800) هندي في27 - آذار - 1814.
 
من شعارات الإبادة والذبح والسلخ التي اعتمدها الأمريكيين مع الهنود سكان البلاد الأصليين، (اقتلوا الهنود واسلخوا جلودهم لا تتركوا صغيراً ولا كبيراً فالقمل لا يفقس إلا من بيض القمل)، هذا كان شعار يردده جون شفنغتون، الذي يعد من أعظم أبطال التاريخ الأمريكي، وهناك مواقع عدة في أمريكا لتخليد ذكراه (45).
 
فيما تسامى الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت بهذه البطولات فوصف (ساند كريك - اكبر مذبحة للهنود الحمر)، كانت عملاً أخلاقياً ومفيداً، وأن إبادة الأعراق المنحطة حتمية لا مفر منها..
 
هذا السلوك لم ينقطع حتى مع دخول العالم القرن العشرين، فقد استحضر الأمريكان في حربهم مع البلدان الأخرى كل سلوكياتهم مع الهنود الحمر، فقد صنع الأمريكان من عظام اليابانيون سكاكين لفتح الرسائل، حتى أن مجلة لايف، نشرت عام 1944 موضوعاً عن الحرب، مزيناً بصورة صبية شقراء تملؤها السعادة، إلى جانب جمجمة يابانية أرسلها إليها خطيبها من الجبهة.
 
فيما وجه الجنرال فرانكلين جنوده بأن يقتلوا كل رجل وكل امرأة وكل طفل وكل سجين أو أسير، وكل مشتبه به، ابتداءً من سن العاشرة، ويعتقد الجنود الأمريكيين، إن الفلبيني ليس أفضل كثيراً من كلبه، ويوجه فرانكلين الجنود (لا أريد أسرى، ولا أريد سجلات مكتوبة)، هذه العدوانية التي يتغذى عليها الجنود الأمريكان، لم تكن محض سلوكيات فردية، كما يزعم رامسفيلد ونائبه، بل هو برنامج وثقافة يتم إدخالها في برامج الأعداد للجنود، ففي الساعات الأخيرة من وجودهم في فيتنام، أصابت الأمريكان حمى الانتقام من الفيتناميين، فقد القوا عليها (14) مليون طن من القنابل.
 
لقد وفر القصف الجوي والقتل الالكتروني مهمة التسلي بأبناء الشعوب المقهورة في فيتنام والفلبين والعراق، ففي عام 1991 وبانسحاب الجيش العراقي من الكويت إلى العراق، فقد ارتكب الأمريكان جرائم إبادة للجنود العراقيين، حتى أن احد الطيارين علق على عمليات قتل الجنود العراقيين المنسحبين من الكويت، بأنه أشبه بصيد السمك، فنحن في البلاد المقهورة سنظل نعيش إلى زمن غير منظور تحت رحمة مافيا كولومبس، الذي أوصى باستثمار ذهب أمريكا في تحرير أورشليم.
صفحة 8

المبحث الثالث:حلم العصر الأمريكي

إن صناعة المستقبل صناعة بشرية بامتياز وضرورة لازمة وحتمية، إذ يقول أوين بابيك في هذا الصدد أن من يعجز عن التنبؤ بالمستقبل غير جدير بالعيش فيه، وصناعة المستقبل لا تتطلب وجود آلية وتخطيط استراتيجي كفوءة فقط، وإنما قبل ذلك لابد من توفر رؤى مستقبلية بالقابلية والانسيابية الإستراتيجية، التي تؤدي إلى اغتنام أكبر عدد من الفرص الرابحة، وإجهاض اكبر عدد ممكن من التهديدات، أو تحويلها إلى فرص مدعمة أيضاً بجملة من المبادئ الإستراتيجية (إن غداً سيأتي دائما بشكل مختلف)(46).

في حقيقة الأمر فإن الولايات المتحدة وحتى تسعينيات القرن التاسع عشر، كانت منهمكة في البناء الاقتصادي والسياسي والعسكري، ولكن يمكن القول أنه ابتداءً من عام 1890 تقريباً بلغت درجة كبيرة من القوة الاقتصادية تؤهلها لتبوء موقعها بين الدول الكبرى، إذ شهدت مابين1860 -1910، ثورة زراعية ضخمة كان من سماتها الاستخدام المكثف للمكننة الزراعية، والذي نتج عنه زيادة الإنتاج الزراعي بأكثر مما تتطلبه السوق المحلية الأمريكية(47)، وهو ما يسر العمل عن البحث عن أسواق لزيادة الصادرات الزراعية المتنامية، لهذا أصبح لازماً أن يتم التفكير استراتيجياً بفتح الأسواق الخارجية لتصريف الفائض الاقتصادي، الذي لم يعد ممكناً استيعابه محلياً.

والحال ذاته ينطبق على القطاع الصناعي الذي شهد ثورة صناعية عظمى امتازت بضخامة الإنتاج، والذي كان يسنده كبر حجم السوق المحلية، هذا فرض جدياً البحث عن الأسواق وبخاصة القريبة من الولايات المتحدة، والتي لا يمكن أن تنافسها فيها الصناعات الأوربية، وكذلك أسواق الشرق الأقصى وخاصة الصين، ونعتقد أن تطلع أمريكا نحو العزلة عن العالم ومحاولة تحجيم الوجود الأوربي في أمريكا اللاتينية، كان مرتبط بالتطلع نحو ضمان أسواقها من دون منافسة، لاسيما وأن الولايات المتحدة تعد أمريكا اللاتينية حديقتها الخلفية.

هذه الأهمية في ضمان الأسواق والبحث الدائم عنها تظل هاجساً للرأسمالية في أي طور من أطوارها، وهو ما حدا برئيس غرفة تجارة نيويورك سيسل رودس عام 1922 من القول (نحن لا نستطيع أن نتنازل عن أنج واحد من مساحة العالم الذي يستطيع أن يقدم سوقاً حرة،مفتوحة لصناعات أبناء وطننا)(48).

لقد نمت الولايات المتحدة بطبائع الجغرافيا والتاريخ والثقافة كياناً متحركاً لا يطيق التوقف عند فاصل يحد من تقدمه وانتشاره وتوسعه، لأن التوقف لا يكون إلا استسلاماً لحصار ما أو تمهيداً للتراجع، حتى أنها ومنذ نشأتها الأولى وعت ضرورة ملئ الساحة من خط الماء الأطلسي إلى خط الماء الباسيفيكي، وقبلت بضريبة الحرب الأهلية من اجل بناء دولة موحدة وقوية (4).

وما أن انتهت الحرب الأهلية فيها حتى عقدت العزم للتطلع إلى كل من أسيا وأوربا، تحدوها رغبة جامحة مركبة لفتح الأسواق والاستئثار بالموارد الطبيعية، على كل ما عدته فراغاً يستحق الاكتشاف والغزو، ولما كانت أسيا أفقاً متاحاً يمكن الولوج إليه بيسر من خلال المحيط الهادي، ولا يتطلب تحضيرات واسعة ولهذا أعطتها الأولية، إما أوربا فأنها لم تعد لها العدة الكافية واللازمة، ولم تكن تحظى بأولوية في تصنيفها كمنطقة داخل الفراغ الواجب دخوله (49).

في عام 1989 ألقى السناتور ألبرت بيفردج خلال مناقشة الكونغرس الأمريكي، وكان بعنوان (زحف العلم - The march of flag)، يشير فيه إلى (عليكم أن تتذكروا اليوم ما فعله آباؤنا، علينا أن ننصب خيمة الحرية ابعد في الغرب وأبعد في الجنوب، إن المسألة ليست أمريكا ولكنها مسألة زمن يدعونا إلى الزحف تحت العلم، حتى ننشر الحرية ونحمل البركة إلى الجميع علينا أن نقول لأعداء التوسع الأمريكي، إن الحرية تليق فقط بالشعوب التي تستطيع حكم نفسها، وإما التي لا تستطيع فأن واجبنا المقدس أمام الله يدعونا لقيادتها إلى الأنموذج الأمريكي في الحياة، لأنه أنموذج الحق مع الشرف، فنحن لا نستطيع التهرب من المسؤولية التي وضعتها علينا العناية الإلهية لإنقاذ الحرية والحضارة، ولذلك فأن العَلم الأمريكي يجب أن يكون رمزاً لكل الجنس البشري) (50).

إن الانبهار الذاتي للشخصية الأمريكية يجد انعكاسه في الأدب السياسي، إذ نلحظ حب التطلع نحو التفخيم، فقد جاهر الكتاب والباحثين بكون الولايات المتحدة إمبراطورية بحق، ويدعونها إلى أن تتصرف على هذا الأساس بالاستفادة من تفوقها الكاسح، بل يذهب آخرين إلى المغالاة في ذلك عندما يشيروا على الأمريكيين يجب أن لا ينسوا أن أمتهم هي الأفضل من بين كل الأمم كنموذج للمستقبل.

مما تقدم نلحظ أن موضوعة الحلم الإمبراطوري لم تكن نتاجاً تصادفياً أو وليد مرحلة الحرب الباردة، بل جاءت مترافقة مع ولادة الولايات المتحدة الأمريكية في رؤية أريد منها أن تكون وريثاُ شرعياً لكل الإمبراطوريات السابقة، التي بانت علائم تأكلها وأفول نجمها.

هذا الخيار لم يكن خياراً فردياً، بل أن الكونغرس الأمريكي آنذاك عده الخيار الواجب اعتماده، وإرفاقه بالتشريع اللازم للقضاء على كل من يحاول الوقوف بوجه هذا الخيار أو الحلم الأمريكي.

هذا الحلم/ المشروع الذي نشأ مع ولادة الولايات المتحدة، اخذ يقضم شيئاً فشيئاً ما تبقى من الإمبراطوريات الهرمة - اسبانيا والبرتغال - والحلول محلها، بعدما أضحى وجود هذه الإمبراطوريات تطفلاً استعمارياً همجياً، على حد تعبير تيودور روزفلت، وتعد العدة بانتظار الفرصة السانحة لقضم الإمبراطوريات الأوربية الأخرى - فرنسا وبريطانيا - فيما بعد، وهذا تأكد عندما خرجت هاتين الإمبراطوريتين منهكتين بفعل الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولم تتوانى الولايات المتحدة مطلقاً لملئ ما سمي بالفراغ الاستراتيجي بعدهما.

لقد مثلت العزلة الفرصة السانحة للمضي بثبات أكثر، فتطورت الإستراتيجية من سياسة العزلة إلى خيار المشاركة في صياغة النظام الدولي بتأثير نظرية ملئ الفراغ (51).

كل صناع القرار وواضعي الإستراتيجية الأمريكية ظلوا يرون في ذلك الحلم الإمبراطوري، هو الثابت الأهم خلال كل المراحل التاريخية، بحيث تم تحويل هذا الحلم إلى طموح ومن ثم إلى هدف تم ترسيخ الإيمان به والعمل على تحقيقه.

إن نبذ العزلة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية واختيارها أن تكون الفاعل الأول عالمياً تطلب صناعة الفرصة، فبدلاً من انتظار اللحظة التاريخية التي تكون فيها الفرصة وسط بيئة دولية وعلاقات قوة قد تسمح باغتنامها، اختارت الولايات المتحدة أن تصنع اللحظة التاريخية وتتربع على رأس هرم القوة إلى جانب الاتحاد السوفيتي أولاً، ومن ثم منفردة بعد ذلك.

لهذا اتسعت قوة الولايات المتحدة الأمريكية حول العالم اتساعاً كبيراً، فبينما كانت الدول الاستعمارية القديمة، التي هزمت أو أضعفت في الحرب تحمل عصاها وترحل، كان التغلغل الأمريكي الاقتصادي والعسكري قد بدأ يشق طريقة محلها بسرعة في أسيا وغيرها من مناطق الاستعمار القديم، وقد جرى توسيع هذه القوة وترسيخها تحت شعارات مختلفة متناسبة مع كل حالة، إلا أن اغلبها جرى تحت شعار مواجهة/ صد الشيوعية (52).

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وإلى انتهاء الحرب الباردة، ظلت الولايات المتحدة تبحث عن فرصة لفرض أنموذجها الحضاري على العالم، وظلوا ينازعون أنفسهم طيلة أربعة عقود ويزيد، حتى جاءت لهم التغيرات الدولية بفرصة لا تعوض وصفها بعضهم بأنها (انتصار بلا حرب) (53).

أعرب جيمس تراسلو آدامز عام1931، عن الحلم الأمريكي بالقدرة على تحقيق حياة أفضل وأكثر ثراء وسعادة، بينما يرى هنتر تومسون في كتابه الخوف والكراهية في لاس فيجاس: رحلة بربرية إلى قلب الحلم الأمريكي، الرؤية القاتمة للبحث عن هذا الحلم منذ أوائل السبعينات في عهد ريتشارد نيكسون، على خلفية شيوع العنف والجشع والجهل والاغتراب الشخصي المستوطن في المجتمع الأمريكي.

أمريكا طوال القرن الماضي كانت إمبراطورية بشكل أو بأخر، أعضاءها أوربا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية واستراليا، فالقوة الأمريكية هي التي يسرت لها أن تكون قوة إمبراطورية شئنا أم أبينا على حد تعبير لوموند الفرنسية، وهو ما أشار إليه نعوم تشومسكي في كتابه الهيمنة أم البقاء: السعي إلى السيطرة على العالم، من أن الولايات المتحدة تسعى منذ أكثر من نصف قرن وراء استراتيجيه امبريالية كبرى هدفها إخضاع العالم لسيطرتها التامة مهما بلغت التكاليف وعلت المخاطر (54)، وصولاً إلى فرض الشكل الإمبراطوري من خلال الحروب وبأي ثمن، تحت سطوة ما يسمى ببيع سلعة الديمقراطية على بلدان العالم.

اعتمدت أمريكا ما يسمى بسياسة العصا الغليظة (Policy of Big Stick) تطويراً لمبدأ مونرو الصادر عام 1823 (55)، والذي مفاده أن الولايات المتحدة تحذر الدول الأوربية والصين والدول الأسيوية الأخرى، من مغبة التدخل بأي شكل من الأشكال في أمريكا اللاتينية، وقد تم دعم هذا المبدأ بشعارات ذات محتوى قومي أمريكي لإثارة شعور الانتماء بين أبناء القارة الواحدة (أمريكا للأمريكيين) و (ارفعوا أيديكم عن العالم الأمريكي) (56).

صفحة 9

المبحث الرابع:عصر التمدد الإمبراطوري

بعدما غادرت أمريكا لأطروحة الانكفاء والعزلة والتي أريد منها تثبيت جبهة الاستعمار الأوربي في فضاء أمريكا الجنوبية، ومن ثم الاستعداد لاحقاً للتهيؤ لأن تشغل الدور الأوربي وتزاحمه في تخومه، بعدما أنجزت الولايات المتحدة الأمريكية ممكنات خروجها، والأعداد لأن تكون وريثاً شرعياً لكل الاستعمار الغربي وللإمبراطورية البريطانية، وتعمل مستفيدة من كل هذا الإرث القهري للمجتمعات الأخرى، ارتكازاً على معطيات مختلفة، تحكمها قدرة إغوائية عالية، ودفوعات إنسانية مقبولة نظرياً، واستخدام لقوة إعلامية يصعب مواجهتها، وقدرة هائلة على التلاعب بالرأي العام المحلي والعالمي، وتزييفه وتسطيحه، على خلفية سيناريوهات تغترف من هوليود إمكاناتها في الإنتاج السينمائي المفبرك.

ولهذا يخطئ من يتصور أن أمريكا قد فترت عزيمتها يوماً عن التفكير في أن تكون قوة مهيمنة وإمبريالية بامتياز، طالما أن الأوضاع التي رسمتها وخططت لها من أجل التسلق واستلام سدة السيطرة العالمية، قد جاءت بأكلها تباعاً.

ولا يجانب الحقيقة أي باحث عندما يستنتج أن العقل الاستراتيجي الأمريكي كان ناجحاً في تخطيطه البعيد والقريب، في إدامة زخم التطلع وبناء القدرات، والولوج الممهد للموقع والمستوى المطلوب، ولم يكن قفزاً غير منتظماً، بل أنها استطاعت أن تختار الزمن المثالي لفعالياتها، على وفق أمثلية سياسية - اقتصادية، خفضت من تكاليف استغلالها للفرص، وعظمت من منافعها بشكل أنعكس على استعانة أغلب الدول بها في لحظات تاريخية محددة.

إن البناء الامبريالي الأمريكي نهل من معين متغيرات عديدة، عملت كقنوات رفد للمنتج الاستراتيجي، وهذا انعكس في تنوع مصادر الرفد من مجالات عدة، سواء أكانت عسكرية صرف، أم اقتصادية، أم مالية ونقدية، أم ثقافية، وصولاً إلى بناء منظومة متكاملة تمتد على مروحة واسعة من الخيارات والمسالك للتعامل مع أوضاع الدول والأقاليم، ولكنها ظلت أمينة على الركون على القوة العسكرية في الاستخدام متى ما كان ذلك موجباً من دون الاكتراث بأية التزامات.

إن الخروج الكبير لأمريكا على العالم بقوة في حدثان القرن الماضي، على وفق متوالية تغذت من شعارات كانت ترسم باستمرار وبما يتناسب مع متطلبات كل مرحلة، فتارة يتم اعتماد منح حق تقرير المصير للشعوب وأخرى الدفاع عن الديمقراطية وتارة رد الخطر الشيوعي وتارة رفعت نظرية الدومينو، ومن ثم إمبراطورية الشر والاحتواء المزدوج والحرب على الإرهاب ومحور الشر.

ظل التدخل الأمريكي على طول تاريخيته ذرائعياً، يحاول أن يجد ما يبرر ذلكم التدخل، سواء أكان مقبولاً أم غير مقبول، وسواء كان الحدث أو التحدي صغيراً أم كبيراً، حقيقياً أم وهمياً، ففي سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية كانت مبررات التدخل تنحصر بعلاقاتها مع المنافسين الغربيين، التي كانت الإستراتيجية الأمريكية قد وضعتهم في دائرة الاهتمام، كون صعودهم أو بقاءهم، يعد تعطيلاً للدور الأمريكي وإبطاء له.

ليست الولايات المتحدة الأميركية كسواها من المستعمرات السابقة، لأنها، بعد نيل استقلالها وتوطيد أركانها، باشرت سلسلة من التدخلات العسكرية، بشكل تضاعف إلى حد كبير في القرن العشرين، رغم ذلك، لم تبن الولايات المتحدة إمبراطورية استعمارية على غرار سالفاتها الفرنسية والبريطانية، وإنما اعتمدت على جولات التدخل في هذا البلد أو ذلك، لإسقاط حكومة هنا، وحماية (مصلحة قومية حيوية) هناك، وعلى الرغم من أن هذا التدخل التزم في البداية دائرة إقليمية، فحصر مجاله في الأميركيتين وفقا لمبدأ مونرو، إلا أنه سرعان ما امتد التدخل في غضون الحرب الباردة وما تلاها ليشمل مختلف القارات.

ومن الملاحظ في الربع الأخير من القرن العشرين وبواكير القرن الحادي والعشرين أن حدة التدخلات والاحتلالات قد تصاعدت بقوة لغياب الموقفين الدولي والتوازني، فلم يعد ممكنا مواجهة الولايات المتحدة لإجبارها على إيقاف تدخلها في أية منطقة من العالم، ولم تعد تخشى من أية دولة ما.

صفحة 10

أولا: القمع الداخلي

أولى تجربة استخدام العنف المنظم تم في أطار إبادة المواطنين الأصليين وكذلك الحال مع كل انتفاضة للسود في أية ولاية من الولايات المتحدة، بيد أن ما يتم تأشيره من قراءة تاريخ أمريكا أنها اعتمدت منذ أن وطأة أقدام القديسين (المستوطنين الأوائل) للأرض، مبدأين أساسيين هما:

1- استخدام الأسلحة النارية مقابل مجتمع يستخدم الوسائل البدائية السهام والنبال والرماح وفخاخ الصيد، وهو ما أعطاها تفوقاً مطلقاً لتعويض النقص البشري.

2- أنها استخدمت كما هو معتاد كسب/أو أيهام بعض السكان للتعاون معها، وبالتالي توفير المعلومات حول السكان الآخرين في محاولة لفرز المقاومين منهم أو دفع هؤلاء المتعاونين لاستجلاب الآخرين تحت مختلف الوسائل، وهؤلاء في النتيجة النهائية (عملاء الاستعمار - الكمبرادورية).

كما سجل تاريخ الجيش الأمريكي مستويات عالية من القمع تجاه السكان والعمال وصولاً إلى قمع زملاءهم من المحاربين القدماء، الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى، والذين تم إهمالهم تماما، كما هو الحال مع الجنود الذين خدموا في (حرب الخليج - حرب أخراج الجيش العراقي من الكويت)، والذين أصيبوا بما سمي في حينه مرض (لعنة العراق)، والذي هو في الأساس الآثار التي سببها استخدام أمريكا وبريطانيا لمقذوفات بالستيقية معاملة باليورانيوم المنضب، فيما قمع الجيش أيضاً العمال المطالبين بحقوقهم، وأن جل حملات القمع والتدخل للجيش كانت ضد السكان السود، كجزء من التفرقة العنصرية التي ظلت تعتمدها الولايات المتحدة لحد الآن.