eKtab
EN ع
إنهيار جدار عرب المشرق
اقرأ عينة مجانية

إنهيار جدار عرب المشرق

بقلم إبراهيم عبد الطالب

صفحة 1
مسـارات التاريخ

ليس التاريخ قرصاً يدور على محور ثابت، ولا هو عقرب ساعة كبيرة كالحياة، إلا أن التمعن الواعي والنقدي في التاريخ يسمح للباحث بتفهم الماضي بعمق ودقة من جهة، وإلى توقع، أو على الأقل افتراض مسار تقريبي للأحداث القادمة وليس ذلك بالأمر اليسير ولا حتمياً أو لعله بعض ما خص الله به الأنبياء والعباقرة، فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً ولا مرة بعد أخرى، إلا أن عدم انتظام وتسلسل الأحداث كما توقعنا أو أردنا لا يبرر لنا تجاهل أو إغفال التفحص الدائم للتاريخ، وبالمعنى والطريقة التي يستخدمها القادة وتلاميذ المعاهد العسكرية العليا في تفحص ساحات المعارك الحاسمة لا لكي يخوضوا معاركهم المقبلة فوقها ـ رغم أن ذلك قد يحدث بل وقد حدث فعلاً ـ بل لفهم ما حدث وللبحث عن مسالك جديدة للعمل ولتحري الأشكال والمفاهيم الجديدة التي يحتمل أن تسود الحروب القادمة ما دام مصير تلك الحروب سيحسم فوق الأرض. وللعرب تاريخ عسكري عريق تمتد جذوره إلى ما قبل الإسلام رغم قلة المصادر وشحتها عن تلك الفترات ولعلها قد تكتشف في يوم قريب. أما أحداث ما بعد ظهور الإسلام فقد حضيت بالتدوين والصيانة (رغم الكوارث والحروب التي أتلفت الكثير جداً من ذلك التراث) على تعدد واختلاف الروايات وغير ذلك من هنات وعوادي الزمن، وقد تولى ذلك رجال مشهود لهم ـ أو للكثيرين منهم ـ بالكفاءة والأناة وطول الباع في علوم عصرهم وكفاهم فخراً أنهم صانوا لنا ذلك التراث، وإن تعذر على الكثيرين منهم دراسة ذلك التراث وتحليله بعلمية أو منهجية، فما من سبيل إلى لومهم في ذلك، بل إن بعضهم قد أجاد في اختيار منهجه في البحث والتأليف وفي أسلوب الكتابة، وما علينا إلا العمل على تلافي مثل تلك النواقص والهنات وإعداد الخرائط والمخططات الضرورية لفهم المعارك والتحركات والعمليات العسكرية لا سيما بعد أن تحددت وتبلورت المفاهيم والمبادئ والاعتبارات واتخذت أشكالاً واضحة ومحددة يرقى العديد منها إلى مصاف العلوم والنظريات المؤكدة التي تزخر بها علوم الحياة الأخرى، وكل ذلك مما ييسر للباحث دراسة وتمحيص ذلك التراث التاريخي. كما تستلزم مهمة إعادة كتابة التاريخ أن نحسن قراءته أولاً، ولعل هذا هو ما تطمح إليه هذه الدراسة في جوانب منها دون أن يعني ذلك محاولة إلباس تاريخنا العسكري نفس المبادئ والمفاهيم المعاصرة، غربية كانت هذه أم شرقية وبطريقة قسرية فجة، أو أن نحوره بأي كيفية أو وسيلة كي ينسجم وتلك المفاهيم المعاصرة، فلسنا بحاجة إلى كل ذلك الجهد والمعاناة ـ إن لم نقل والتشويه أيضاً ـ بعد أن أثبتت العلوم والمبادئ العسكرية، بما فيها مبادئ وفن الحرب إنها واحدة من حيث الجوهر «هناك على مدى التاريخ كله مبادئ أساسية للحرب ... ثابتة لا تتغير، ومستقلة عن كل أنواع الأسلحة، أو المكان أو الزمان، ويتوقف عليها الوصول إلى النتائج الجيدة المرجوة في الحرب، وبعد أن تأكدت صحتها وديمومتها على مر العصور واختلاف الأسلحة والأساليب التعبوية وميادين وساحات المعارك، أما ذلك التنوع والاختلافات في سلم الأهمية وأسبقيات المبادئ والأسس العسكرية في التطبيق ما بين دولة وأخرى وعصر وآخر فليست أكثر من ضرورات تفرضها تطورات الفكر والأحداث أو ظهور أسلحة جديدة أو بداهة وإبداع نوعية متميزة من القادة غير التقليدين، وأساليب ومجالات العمل المتاحة، وتنوع وتعدد الاستراتيجيات والأهداف العليا ـ سياسية و/أو عسكرية ـ والأهداف الميدانية التي تحددها الدول والجيوش لنفسها لا سيما عندما تتصادم الإرادات والخيارات (كما في الحروب الكبرى والحربين العالميتين). لذا لا بد من تركيز البحث والمقارنة على الفكر العسكري فهو الأساس والقوة المحركة للتاريخ العسكري والعقل المفكر الذي يضع أحداثه وحتى تفاصيله وخططه، يلي ذلك في الأهمية التخطيط الاستراتيجي الذي يعكس قوة وصحة الفكر العسكري فهو المجال الحي لنشاطه، وأداته الأولى في صناعة وصياغة أحداث التاريخ العسكري، كما يمثل وفي حالات عديدة التعبير الحي عن قوة وروعة المدرسة العسكرية في أوج مدها وكما سيتضح ذلك لنا في تخطيط استراتيجية وعمليات تحرير مصر والشام والعراق ومعارك الخندق وحنين وكاظمة والمذار وغير ذلك.

ما من شك في أن الفكر العسكري والتخطيط الاستراتيجي هما أقوى وأكثر أهمية ـ وأمانة ـ من الموضوعات والجوانب التعبوية (المعارك والاشتباكات) وحيث يطلق العنان للخيال القصصي والصور التاريخية التي تضفي الكثير من الغموض واللاواقعية والسحر على الحقائق التاريخية والعسكرية، دون أن نسعى إلى إغفال الدروس والأحداث التعبوية الرئيسية ما دامت تلك «النتائج التعبوية الكبرى هي وحدها القادرة لأن تقود إلى نتائج استراتيجية كبرى»(1) .. فالبحث في الفكر العسكري وفن الحرب العربيين على ضوء المفاهيم العسكرية المعاصرة أو (الحرب الحديثة) وإجلاء غوامضه وتفسير أحداثه وإبراز معالمه وأطره الأساسية ومفاهيمه الاستراتيجية التي وجّهت عمليات التحرير والفتوح العربية الإسلامية، تظل المهمة الأولى للمؤرخ العسكري في سبيل بناء المدرسة العسكرية العربية ووضعها في إطارها التاريخي وبيان إسهاماتها في الفكر العسكري العالمي.
صفحة 2
امبراطورية للعرب في القرن السابع الميلادي

اقترن ظهور العرب كقوة لها حضور فعّال على مسرح التاريخ العالمي ببزوغ فجر الإسلام في النصف الأول من القرن السابع الميلادي. فحتى ذلك الحين، كان قد ولدت دول محدودة التأثير لها ارتباط مع امبراطوريات ذلك الوقت في أطراف الجزيرة العربية. كانت دولة الغساسنة في الغرب (في منطقة الأردن وحدود العراق الغربية وفلسطين حالياً) أتباعاً للامبراطورية الرومانية، وغدت دولة المناذرة (اللخميون) في الشمال الشرقي (الآن جنوبي العراق) أتباعاً للامبراطورية الفارسية (دويلات حاجزة للامبراطورتين)، وتعاقب اجتياح الرومان والأحباش والساسانيين (الفرس) لليمن في الجنوب الغربي التي عاشت فترة ازدهار فيها مملكة سبأ في التاريخ القديم، وبذلك حرم العرب من أن تكون لهم دولة مستقلة في جانب أو آخر من أراضيهم.

أما الجزء الرئيسي من شبه جزيرة العرب، فقد كانت تسكنهُ قبائل عربية بدوية تنتقل من مكان لآخر طلباً للماء والكلأ، وأحياناً يظهر القتال فيما بينهم لإثبات قوة القبيلة أو القبائل المتحالفة وهيمنتها على ذلك الجزء من أراضي الرعي لماشيتهم، إلا أن أياًّ من هذه القبائل لم ترقَ إلى كيان دولة مهابة الجانب من قبل الآخرين.

مكة والمدينة

كان من بين المراكز المهمة في جزيرة العرب ذات الأهمية التاريخية، هما مكة والمدينة، ففي الأولى كانت قبيلة قريش تمثل مركز الصدارة بين كل القبائل الأخرى لأنها تولت (القوامة) على أكثر الأماكن المقدسة لدى حجاج وزوار الكعبة. وبسبب التنظيم والقوة الاقتصادية التي تمتعت بها قريش في ظل استمرار حروب الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، فقد اختارت قريش طريقاً آخر للتجارة لعبت فيه مركز مكة دوراً محورياً، فأكسبها خبرة كبيرة وتحالفت مع قبائل أخرى لتوفير الحماية للغذاء والأقمشة وخدمات النقل والإدارة على امتداد طريق التجارة الذي كان يغطي شبه الجزيرة طولاً وعرضاً.

أما مكة نفسها فقد كان فيها مجلس يشترك فيه وجوه القوم الذين يمثلون مختلف العشائر داخل القبيلة، وهو مجلس يتمتع بكل الصلاحيات لأداء الوظائف المهمة وكأنهم في دولة مستقلة ولكنها ليست كذلك.

في يثرب التي سميت بالمدينة فيما بعد، فإنها كانت تمثل النمط الزراعي على نطاق واسع على الرغم من اشتغال آخرين في التجارة والحرف الصناعية البسيطة كالحياكة وصنع الأسلحة البسيطة.

كان العرب جميعاً، وأياً كان المكان الذي يعيشون فيه يتحدثون لغة مشتركة بلهجات مختلفة، ولكنها بقيت نفس اللغة ومفهومة للجميع. كما كان الجميع يؤمنون بأنهم ينحدرون من أصل مشترك تتبعوا مسارهُ واعتزوا به باعتباره تراثاً فريداً يختلفون به عن أصول الأقوام الأخرى، وكانت لهم ثقافة مشتركة منقولة شفهياً، لعب فيها الشعر البدوي دوراً رئيسياً، وقيم خاصة بحياة البداوة بكل فضائلها ورذائلها، ومنها عبادة الأصنام التي تمثل الألهة التي باعتقادهم تشفع لهم وتهديهم لجلب الخير، إلا أن هناك أقليات مبعثرة على أطراف الجزيرة كانت تعتنق الديانة المسيحية واليهودية.

وسادت فترة عدم نزول المطر في بداية القرن السابع فسبب حالة من القحط والغوث لدى معظم القبائل البدوية المتنقلة، فهجرت أصنامها وراحت تبحث عن الماء والكلأ أينما وجد، فهاجرت إلى أطراف نهر الفرات في العراق لتجد الاستقرار في بناء مساكن ثابتة بدلاً من حياة القسوة والعوز التي لازمتهم فترة طويلة من حياتهم، وبدأ العرب في كل مكان وكأنهم يتطلعون إلى من يقود قبائلهم العديدة.
صفحة 3
دولة العرب المركزية

لقد وحّد الإسلام العرب في دولة مركزية واحدة لأول مرة في تاريخهم، وكانت المدينة هي العاصمة الأولى للدولة الجديدة وأقام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم دولة العرب المسلمين، وكانت المدينة القاعدة التي انطلقت منها القوات العربية لتوحيد كل قبائل العرب وتحرير أراضيهم في الشمال الغربي والجنوب الشرقي (الشام والعراق) من أيدي السيطرة البيزنطية والفارسية في المقام الأول، ثم استمرت عمليات الجيش العربي في تحرير الجزيرة العربية بقيادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عشرة سنين (622-632) حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

استمرت عمليات تحرير أرض العرب من الروم والفرس لمدة 29 سنة، وشملت (العراق وجنوب القوقاز وكل الأراضي التابعة لإيران وأفغانستان)، سوريا الكبرى وجبال طوروس (في العصر الحديث: سوريا ولبنان وفلسطين والأردن)، ومصر والنوبة وليبيا. واستمرت عمليات الفتح للجيش العربي في عهد الدولة الأموية من سنة (661-750) لمدة (90) سنة أضافت فيها مساحات شاسعة في جنوب آسيا الوسطى (السند ـ باكستان حالياً ـ فرغانه وسنكيانج والتركستان) وما تبقى من شمال إفريقيا ومعظم جزر البحر الأبيض المتوسط.

لم يوجه الإسلام خطابهُ إلى العرب وحدهم، فمنذ البداية كانت لهُ رسالة عالمية واضحة، تدعو ليس فقط إلى الإخاء بين المسلمين كافة بغض النظر عن العنصر واللون واللغة، وأعلنت أنهم متساوون أمام الله والقانون وليس بالضرورة أن يعتنق سكان البلدان التي فتحوها الإسلام، فيما أبدت بلاد فارس رغبتها في اعتناق الإسلام (لأخلاق وسماحة العرب وإيمانهم المطلق بقوة دينهم الجديد).

وكان السؤال الذي يفرض نفسه ويستحق البحث عن إجابة وافية له هو: هل أحاط العرب بالتأثيرات السيئة التي لحقت بإمبراطوريتي الفرس والبيزنطيين من جراء الحروب الطاحنة التي أنهكت قواهما؟ وهل كان لسلسلة الحروب الفارسية البيزنطية دور كبير في تعجيل العرب حملاتهم في الاتجاهين؟ أو بالأحرى، لو عرف العرب أن تلك القوتين ما زالتا على ما عرف عنهما من قوة وبأس، فهل كان العرب سيقدمون على المضي في استراتيجيتي تحرير الشام والعراق ومصر؟ أما العمل العسكري العربي قد أعد ونفذ تطبيقاً لنظرية الجهاد في سبيل الله ومحاربة الكافرين والمشركين وكما جاء بها الإسلام وعدّها فرضاً على أولي الأمر والمسلمين كافة؟ أما إن كان العرب قد استندوا في عملياتهم العسكرية على حالة الضعف والوهن اللتين سادتا الامبراطوريتين المجاورتين فإن ذلك سيجرنا بدوره إلى سلسلة من الأسئلة حول القدر الذي تجمع لدى العرب من المعلومات؟ وكيف وما هي الوسائل التي استخدمت في جمع المعلومات عن موقف الأعداء؟ وما طبيعة أو حقيقة وتنظيم مؤسسات الاستخبارات «جمع المعلومات» دون أن ننسى إحدى القواعد الهامة في نظرية الجهاد الإسلامي، في أن «المؤمن قوي قادر مهما قلت وسائله فهو قوي بالحق، وأن الكافر والمشرك ضعيفان مهما تعددت وقويت وسائلهما فالباطل ضعيف»، دون إغفال لاستكمال أسباب القوة وعدم الاستهانة بالعدو مهما صغر حجمه أو قل شأنه تنفيذاً لقوله تعالى في سورة الأنفال ... (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقون من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون...( صدق الله العظيم. كما أشار القرآن الكريم صراحة إلى الحرب التي دارت بين الفرس والروم والتي تصادفت وأوائل الدعوة إلى الدين الإسلامي، وأن الروم ورغم خسارتهم في البداية إلا أن كفتهم سترجح وسينتصرون على الفرس في بضع سنين، والأهم من كل ذلك أن انتصار الروم القريب هذا ليس أكثر من بشارة صريحة للعرب بالنصر في حروبهم المقبلة في سبيل الله ضد الفرس والروم، إذ قال الله سبحانه في سورة الروم ... (ألم*غُلبت الروم*في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون*في بضع سنين لله الأمر من قبلُ ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون*بنصر الله من يشاء وهو العزيز الرحيم...( ولم أجد لدى المؤرخين إجابات شافية حول ماذا عرف العرب عن حرب الفرس والروم التي استمرت ما بين عامي (602-627م)، إلا أنه يمكن استنتاج ما يلي:

‌أ. كانت القوافل التجارية والركبان أهم مصادر المعلومات عند العرب عن الأقوام الأخرى حتى غدت علامة كل خبر طريف ومهم أنه «بات حديث الركبان».

‌ب. فرح مشركو قريش بانتصارات الفرس الأولية فكلاهما من عبدة الأوثان ولأن الطرف الخاسر من أهل الكتاب.

‌ج. فرح المسلمون بوعد الله (الروم) بالنصر وذلك لأنهم أهل كتاب ولأن انتصارهم القريب بشرى بانتصار أكبر وأقرب أي انتصار جيوش المسلمين على أهل الشرك.

‌د. كان انتصار الروم إحدى علامات النبوة ودليل على أن الله سبحانه قد أطلع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على بعض من علم الغيب، حتى عُدَّت هذه إحدى العلامات الخمس «الدخان واللزام والبطشة والقمر والروم»(2).

‌ه. مواصلة العرب تتبع أخبار هذه الحرب بشكل يفوق مجرد دافع الفضول حتى أن أبي بكر رضي الله عنه «أخذ يصيح في نواحي مكة بمطلع سورة الروم في تحد سافر منه للمشركين حتى أنهم راهنوه حول من ستكون له الغلبة في النهاية في قصة طريفة في كتب التفسير (القرطبي ص5084 والطبري ص12، وابن كثير ص342).

‌و. وصلت أخبار انتصار الروم إلى المدينة المنورة بعد سنتين أو ثلاث أو تسع سنين وصادف وصولها يوم معركة بدر الكبرى أولاً ومن ثم في صلح الحديبية أو يوم بيعة الرضوان ثانياً أي في يومين حاسمين في تاريخ الإسلام.

‌ز. يروي لنا ابن كثير عن «العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم كل ذلك في خمس عشرة سنة»(3).

‌ح. يروي لنا القرطبي رحمه الله رواية أخرى عن فرح المسلمين، «قال النحاس: وقول آخر وهو أولى أن فرحهم إنما كان لإنجاز وعد الله تعالى، إذ كان فيه دليل على النبوة لأنه أخبر تبارك وتعالى بما يكون في بضع سنين فكان فيه. قال ابن عطية (حسان بن عطية) «ويشبه أن يعلل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤنة، ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى» مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه وشرح الله الذي بعثه وغلبه على الأمم. وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصلهُ ويريحهم منه، قلت (أي القرطبي) ويحتمل أن يكون سرورهم بالمجموع من ذلك فسرّوا بظهورهم على عدوهم وبظهور الروم أيضاً وبإنجاز وعد الله. ويلاحظ هنا فرح قادة المسلمين بنصر العدو الأقل قوة أو الأقل خطراً والأبعد مسافة إنما يعكس تصوراً استراتيجياً مبكراً لمعارك وحروب قادمة، وهو عين ما تفعله أمم هذا العصر أو ترجوه من انشغال أعدائها فيما بينهم.
صفحة 4
الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعصره الذهبي

تظافرت حيوية دين الإسلام بوجود الرسول محمد صلى الله عليه وسلم واستجابة المقاتلين العرب والثقة في صحابته الأقربين الذين خلفوهُ واستقامتهم كان لهُ الاعتبار المعنوي الكبير، كذلك فعل رصيد القادة العرب في الميدان دوراً في إنهاء حروب الردة في الجزيرة العربية. وعلى الرغم من الاتجاه الذي سارت عليه الفتوحات العربية إلا أن هناك بعض المعوقات أو المشاكل التي رافقت وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم 632م.

رشح أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو صحابي جليل بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لتولي الخلافة، ووافق وجوه القوم (من رجال الدين الجديد ورجال القبائل والأمصار) على اختياره. وبعد ذلك بعامين، أوصى أبو بكر بالخلافة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو صحابي قوي مهيب الجانب ولهُ سحرهُ لدى قادة القبائل العربية، وقَبلَ وجوهُ القوم وصيتهُ دون خلاف يذكر. واختار عمر بن الخطاب أسلوب جديد وهو على فراش الموت عندما وقع عليه بعد ذلك بعشر سنوات اعتداء أودى بحياته في سنة (644)، فقد عيّن هيئة شورى من ستة رموز (من وجوه القوم) اختارت عثمان بن عفان رضي الله عنه. وعندما اغتيل عثمان بعد ذلك بعد إثنا عشر سنة في عام (656م)، ظهرت الفتن فيما بعد لتولي الخلافة، وعلى النقيض من اغتيال عمر بن الخطاب الذي جاء نتيجة مؤامرة فارسية، فقد كان اغتيال عثمان نتيجة مباشرة لجدل تزايد داخل عناصر الصفوة الحاكمة.

وبغض النظر عن طروحات الآخرين بأحقية الخلافة إلا أن قدر العرب في القرن السابع الميلادي أن يكونوا سادة العالم في زمن الخليفة الثاني.

قمة الفتوحات العربية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

فهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبد الله بن قرط ابن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وفهر هو قريش. أما دخوله الإسلام، فيقول ابن مسعود رضي الله عنه «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، وأسلم عمر بعد أربعين رجلاً وإحدى عشر امرأة في السنة السادسة من البعثة»(4).

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازماً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عاش معهُ قبل أن ينتقل النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه، وقال فيه ابن عباس ( لما وضع عمر على سريرهُ فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع ـ وأنا فيهم ـ فلم يرعني إلا رجل يقول: ما خلفت أحداً أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عملهُ منك، وأيم اللهُ إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كثيراً أسمع النبي ( يقول، ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، والرجل هو الإمام علي بن أبي طالب ((5).

وكان الخليفة عمر بن الخطاب ( قد شهد وسمع ما قالهُ أبي هريرة وأنس بن مالك ( فقال الأول في فضائل الخليفة العادل، قال رسول الله محمد ( «لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس مُحدّثون فإن يكُ في أمتي أحد فإنه عمر»(6)، وأورد أبي هريرة، قال: بينما نحن عند رسول الله محمد ( إذ قال: «بينما أنا نائم رأيت امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر؟ فقيل لي: لعمر، فذكرت غيرتهُ فوليت مدبراً، فبكى عمر، وقال: أعليك أغارُ يا رسول الله»(7). أما أنس بن مالك ( وهو خادم الرسول محمد ( قال: صعد النبي محمد ( جبل أحد ومعهُ أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فضربهُ برجلهِ وقال: اثبت أحد فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان(8).

أما قائد معركة القادسية سعد بن أبي وقاص ( قال: قال رسول الله ( لعمر: «أيها ابن الخطاب والذي نفسي بيدهُ ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك فجاً غير فجك»(9).

بعد وفاة أبو بكر الصديق ( عام (634م) كان الخليفة عمر بن الخطاب ( الخليفة الثاني الذي أعلن الجهاد لتحرير العراق بقوله، هذا المثنى بن حارثة قد أتاكم من العراق يدعوكم إلى جهاد عدوكم، فسارعوا رحمكم الله إلى ذلك ولا تتغافلوا عن الجهاد في سبيل الله، وما هي إلا أيام حتى ازداد عدد المقاتلين إلى ثمانية آلاف.
صفحة 5
وقبل المضيّ بعيداً في العمليات العسكرية التي رافقت مسيرة الخليفة عمر التي مثلت قمة الفتوحات في عشرة سنين، وشملت مساحة واسعة من الأراضي كانت في الحقيقة هي القاعدة الأساسية لامبراطورية العرب التي ذهبت بعيداً لتشمل أراضي أخرى لما وراء نهر جيحون (بخارى وسمرقند) وباكستان وحتى حدود الصين، وفي الغرب إسبانيا وجنوب فرنسا.

كان التحدي الذي واجه الخليفة عمر بن الخطاب ( وهو العادل قد نجم عن الثروة التي بدأت تصل في أشكال مختلفة على عاصمة الدولة العربية من الأمصار المفتوحة أولاً في دفعات صغيرة، ثم سرعان ما بلغت أحجاماً كبيرة جداً، وعن المشكلات المرتبطة بالإدارة والخراج الآتي من تلك الأمصار، فقد أرسى الخليفة أبو بكر الصديق خلال ولايته القصيرة التي استمرت عامين ثلاث مبادئ:

• الفصل الدقيق بين الموارد المالية الشخصية للخليفة الذي اعتبر نفسهُ بمثابة موظف مدني، يتقاضى أجراً متواضعاً، وبين خزانة بيت مال المسلمين، وكان الخليفة يتصرّف في ذلك الإيراد تحت رقابة يقظة من وجوه القوم وبالتشاور معهم.

• الرقابة الصارمة على الخدمة المدنية، خصوصاً حكام الولايات وجباة الضرائب.

• الإيراد الفائض، وهو أساساً ما يتبقى بعد الإنفاق على العمليات العسكرية ومهام الدولة الأخرى التي تحددها الشريعة يوزع على المسلمين على أساس المساواة المطلقة.

طبّق الخليفة عمر بن الخطاب المبدأين الأوليّن بحزم كبير، أما المبدأ الثالث، فقد استعاض عمر عن التوزيع المتساوي للفائض بنظام آخر، يحدد فيه السبق إلى الإسلام، وقرب الصلة بأسرة الرسول محمد ( والمهارة القتالية، وفي مقابل ذلك استحدث أمرين آخرين، أولهما، حظر توزيع الأراضي المفتوحة كغنائم حرب على المحاربين، وقبول ضريبة خراج سنوي على الأرض يدفعها المزارعين، وكان رأي الخليفة، هو أن الإيرادات، أما الأمر الآخر فهو منع كبار الصحابة من الهجرة إلى الأقاليم المفتوحة بغية حمايتهم من لهو وبهاء المناصب وملكية الأراضي وامتيازات العلماء التي بدأت تجتذب الفاتحين العرب، وظل يقظاً لها على نحو حازم وخصوصاً فيما يتعلق بأعضاء أسرتهِ.

إدارة العمليات

كلّف الخليفة أبو بكر الصديق ( القائد خالد بن الوليد لما فرغ من معارك المرتدين في الجزيرة العربية أن يأتي العراق من أسفلها (أي من الجنوب) وإلى القائد عياض بن غنم من فوقها (أي من شمالها الغربي)، وقال لهم، أيكم يسبق صاحبه إلى مدينة الحيرة (في العراق) فهو أمير عليها، فإذا اجتمعتما في الحيرة إن شاء الله وقد فضضتما مسالح بين العرب والفرس وأمنتم أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليقم أحدكما في الحيرة وليقتحم الآخر على القوم وجالدوهم عما في أيديهم واستعينوا بالله واتقوهُ وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم ولا تؤثروا الدنيا فتلبوها واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعالجة التوبة وإياكم والإصرار وتأخير التوبة.

لم تمضي فترة على وصية أبو بكر ( لقائده حتى وافتهُ المنية، فحل الخليفة عمر بن الخطاب (634)، وبدأ القائد الموهوب خالد بن الوليد تجربته القتالية برسالته الشهيرة لإنجاز أول عملياته القتالية بردع غير مباشر لخصمه في الميدان، بسم الله الرحمن الرحيم «من خالد بن الوليد إلى قادة الفرس، أما بعد فأسلموا تسلموا، وإلا فاعتقدوا مني الذمة، وأدوا الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر» وكان مدلول هذه الرسالة أن هزت معنويات قادة الجيش الفارسي في مقرهم (المدائن) جنوب بغداد (30كم)، ثم سمع بها قادة الروم في الشام فيما بعد.
صفحة 6
المناورة الاستراتيجية في معركة كاظمة

تعني المناورة الاستراتيجية ... «حركة تستهدف إغراء العدو أو إجباره على اتخاذ وضع في غير صالحه»، أي دفعه إلى خوض القتال في مكان وزمان مفروضين عليه من جهة ووسط ظروف ليست في صالحه بشكل عام من جهة أخرى، بالإضافة إلى إجراءات أخرى كاتجاه ونوع وحجم الضربة التي ترتكز عليها مناورة كهذه على المستويين الاستراتيجي أو التعبوي مروراً بمناورة العمليات. كما تشكل المناورة إحدى أهم القدرات القيادية وإدارة وفن الحرب.

لقد استلم خالد بن الوليد وهو بعد في اليمامة من أرض نجد وفور انتهائه من حروب الردة، استلم أمراً من مقر الخلافة عمر بن الخطاب ( بالتقدم نحو جنوب العراق بادئاً بفتح الابله (بوابة الخليج) ثم يتوغل في العراق شمالاً حتى الحيرة، وحال دخوله العراق ستصبح قوات المثنى بن حارثة الشيباني وغيرها من قبائل العراق وهي بحدود (8) آلاف مقاتل بإمرتهِ فيصبح تعداد جيش خالد بحدود (18) ألف مقاتل.

لقد أمر خالد قواته بالتوجه على الفور نحو (الحفير) التي تعد عقدة المواصلات وملتقى الطرق نحو الأبله وحيث مجمع المياه، وكان اختياره هذا في غاية الدقة سابقاً العدو بالسيطرة عليها وتأمين ما تحتاجه قواته من الماء الضروري للغاية. لقد كانت (الحفير) منطقة تحشد أمامية ممتازة للعمليات المقبلة إذ يستطيع منها التحرك بحرية وبأي اتجاه، وقسّم خالد جيشه في مسير الانفتاح إلى أربعة أرتال متساوية العدد من الجند تقريباً وكما يلي(10):

• المقدمة: بقيادة المثنى بن حارثة ودليله (ضفر) على أن تسبق المقدمة الأرتال الأخرى بثلاثة أيام.

• رتل عدي بن حاتم الطائي ودليله (مالك بن عياد) ويسبق القسم الأكبر (الكوكب) بيومين اثنين.

• رتل عاصم بن عمر التميمي ودليله سالم بن نصر وتحرك قبل القسم الأكبر بيوم واحد.

• القسم الأكبر بقيادة خالد بن الوليد ودليله (رافع بن عمير).

تتجاوز الدوافع وراء هذا التقسيم مجرد الحماية وكسب الوقت والسرعة في التنقل إذ يبدو أن قلة الماء والكلأ في المنطقة فرضا أيضاً هذا التقسيم للاستفادة من الموارد الإدارية المتيسرة على طريق الأرتال.

عمل خالد بن الوليد وفق تصور متكامل لفكرة العمليات أو تصميم معركته المقبلة (كما يوصف الأمر بلغة عصرنا هذا) ومن السهل متابعة وتحديد خطوات هذا المفهوم وما سعى إليه خالد، فقد كانت الأبله (محافظة البصرة) هي الهدف الاستراتيجي الأول لجيش خالد بن الوليد:

‌أ. وجّه خالد رسالة شديدة (استفزازية) إلى حاكم الأبله الفارسي «هرمز» المعروف بغطرسته جاء فيها ... «أسلِم تسلم أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقر بالجزية وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة ...»(11) ولا شك بمعرفة خالد بحقد هرمز على العرب وتعاليه عليهم كما أحاط بموقفه وبأية معلومات توفرت لديه من قوات العراق، لذا اختار خالد كلماته بعناية وبما يحقق له إغضابه ودفعه إلى التهور أو التخبط في أعماله ـ وهذا جل ما يسعى إليه القادة اليوم لإيقاع خصومهم في تخبط عشوائي ينتهي بخطأ فادح.

‌ب. تظاهر خالد بالمسير نحو كاظمة لا (الأبله) وهي خدعة أراد بها أن يصرف هرمز بعيداً عن غاية خالد الحقيقية وتحقق ذلك إذ توجه هرمز بسرعة نحو كاظمة وكسب خالد من وراء ذلك أمرين في غاية الأهمية هما:

أولاً: إجبار هرمز على الخضوع لمشيئة خالد ومتابعة خطواته أي امتلاك خالد لزمام المبادأة وهي إحدى أهم مقومات النصر.

ثانياً: إخراج هرمز من الأبله وحصونها وإجباره على قبول المعركة في أرض مكشوفة أي إجباره على تغيير جذري لكل ترتيباته الأولى، مع ما في ذلك من جهد وإرهاق في التنقل وما عرف عن ثقل الجيوش الفارسية وكثرة أحمالها.

‌ج. كانت خطة خالد الأولية الاتجاه نحو الحفير ولعله اتجه نحوها فعلاً بعد معرفته بخروج هرمز من الأبله من جهة ولأن الاتجاه نحو الحفير لن يكلف خالداً أكثر من انحراف بسيط في خط سيره (راجع الخريطة) وما من شك في أن هرمز قد عرف بخدعة خالد عند وصوله كاظمة أو قبلها وحال تأكد من اتجاه خالد نحو الحفير توجه بدوره نحوها ووصلها قبل خالد، فقد تأكد لهرمز الخطر المحدق بجيشه كما عرف أن قاعدته «الأبله» مهددة، لقد استغرق مسيرهُ إلى الحفير يومين(12) وكانت مسيرة مضنية لجيش ثقيل ومع ذلك قد عبأ قوته في الحفير. وكان خالد الذي يريد كاظمة قد انتظر قليلاً قرب الحفير إلى أن سمع باقتراب هرمز ثم تراجع لمسافة قصيرة داخل الصحراء وبدأ المسير نحو كاظمة دون أن يبتعد حيث لا تراه كشافة هرمز، ولم يكن خالد في عجلة من أمره بل يسعى لإنهاك عدوه، كما لم يرغب بالوصول إلى كاظمة والتعرض أو الدخول في اشتباكات ثانوية لا جدوى فيها وفضل أن يدع للفرس وصولها أولاً وحشر أنفسهم فيها بينما يحافظ هو على مرونته وحريته في العمل والاستناد على الدوام إلى الصحراء. سار هرمز مرة ثانية إلى كاظمة وصمم على مقاتلة خالد بعيداً عن الأبلة وعدم تعريضها لغارات العرب، وبالإضافة إلى ذلك «فإن للجيوش قوة جذب مغناطيسية تدفعها إلى بعضها البعض وتغدو أحياناً حتى المناطق عديمة الأهمية نقطة انجذاب قوية لا لقيمة استراتيجية بل لوجود جيش العدو فيها. لقد انجذب هرمز إلى كاظمة لا لكونها هامة استراتيجياً بل لوجود جيش خالد» ولم يهدر هرمز الكثير من الوقت ففتح جيشه للمعركة بترتيب القتال المألوف وهو القلب والجناحان، ووضع على الجناحين أميران من البيت المالك هما (قباذ، وأنوشجان) من أولاد أردشير الملك. كان الفرس أيامها يستخدمون السلاسل لربط الجنود في المعركة، وكانت السلاسل بعدة أطوال تكفي لربط (3، و5، و7، و10) جنود، وتعد مصدر قوة للجيش كما هي لمنعهم من الهرب، كذلك فالسلاسل تقلل إمكانية اختراق الخيالة المعادية لصفوف المدافعين، والعيب الرئيسي فيها هي أنها قد تغدو قيداً قاتلاً فإن قتل بعضهم يفقد الآخرين حرية الحركة والتخلص، لذا سميت هذه المعركة بذات السلاسل. أما العرب فلم يوافقوا على استخدامها رغم اتهام الفرس لهم بالتهيؤ للهرب.

‌د. اقترب خالد من المواضع الفارسية وقرر خوض المعركة فوراً وقبل أن يستعيد الجيش الفارسي قواه. لقد انفتحت القوات الفارسية في الطرف الغربي لكاظمة ويمتد أمامها سهل رملي مغطى بالأعشاب بعمق (5) كيلو متر وتلي هذا السهل مجموعة تلال جرداء بارتفاع 200-300 قدم. وبعد وصول خالد إلى السهل فتح جيشه للقتال بقلب وجناحين تسلم قيادتيهما عاصم بن عمرو وعدي بن حاتم وبدأت المعركة في الأول من نيسان عام 633م (الأسبوع الثالث من محرم عام 12هـ)، وكان هرمز هو الذي بدأ بدعوة خالد إلى مبارزة راجلة فالمبارزة بين المترجلين لا تدع مجالاً للهرب ولم يكن هرمز شهماً أو فارساً في دعواهُ بل كان قد أعد كميناً لقتل خالد وأوشك على النجاح في ذلك لولا يقظة القعقاع بن عمر الذي شل قوة الكمين وأتاح لخالد قتل هرمز في مبارزة عادلة.

‌ه. أمر خالد بهجوم عام فاندفع المسلمون بحماس لاجتياح القوات الفارسية واندفعت قوات القلب والجناحين عبر السهل، ورغم انهيار معنويات الفرس بعد قتل هرمز إلا أن تفوقهم العددي وفي المعدات ونظامهم الحديدي مكّنهم من المحافظة على تماسكهم وقاتلوا بشدة وتأرجحت نتيجة المعركة بين الطرفين حتى تفوقت شجاعة ومهارة المسلمين على تخاذل وإنهاك الفرس، وعندما أدرك الأميران الفارسيان قباذ وأنوشجان دلائل الهزيمة أمرا بالانسحاب وسرعان ما تحول الانسحاب إلى هزيمة منكرة قتل فيها الآلاف من جنود العدو كما استولت القوات الإسلامية على الكثير من الأسلحة والدروع والمخازن والألبسة الثمينة والخيل، ولم يمهل خالد القوات الفارسية أي مجال فأمر المثنى بن حارثة ومعه أخوه المعني بمطاردة فلول الفرس باتجاه نهر وحصن المرأة، كما أمر قوة أخرى بقيادة (معقل المزنى) باحتلال الأبله (لمنع العدو من التحصن فيها وخوض معركة أخرى) عدا عن كونها الهدف الاستراتيجي الأول لخالد وستغدو قاعدته الرئيسية للعمليات، ونجح رتلا المطاردة بتحقيق هدفيهما. لقد كان احتلال الأبله تتويجاً لجهد خالد بن الوليد وبعد سلسلة من المناورات وتقرب غير مباشر يُعد رائعاً حتى بمقاييس هذا العصر وبعد أن رأى العالم أصنافاً من المناورات والحروب والقادة العظام إذ نجح خالد بإخضاع خصمه (القائد الشجاع المحنك هرمز!!) لمشيئته بعد أن أفقده التوازن وحرية العمل وأجبرهُ على التحرك كما يريد له خالد وكما قلنا في تعريف المناورة أو بما يعرف بـ«إجبار العدو بالرقص على موسيقاك» كما يمكن اعتبار الاصطدام الأول بين العرب والفرس اختباراً شاقاً بين قوة فتية يعمر صدور مقاتليها إيمان عميق بالله وبمشيئته وبالرسالة التي وضعها الإسلام على عاتقهم وبين قوة تمتلك من الخبرة والإمكانيات ما يجعلها في مصاف أقوى الدول عسكرياً، كما تصرف المقاتلون العرب بثقة تامة، وتحكم خالد بشروط وظروف الصدام جاعلاً جيشه مركز الثقل الذي أجبر هرمز على الدوران حوله بحثاً عن ملاقاته متخلياً بذلك بوعي أو بدون وعي عن زمام المبادرة ومتنازلاً في الوقت نفسه عن موقعهُ الحصين في الأبلة، ومن الغريب أن يصل الجنرال أكرم من تحليله للموقف الاستراتيجي لطرفي الصراع إلى تقيّيم ينطبق على كل الحروب في الحرص وعدم الاستهانة بقوة العدو ثم يحاول ترجيح كفة الفرس لا لشيء سوى ما كانوا عليه فيقول ... «صمّم أبو بكر على فتح العراق، ولكن كان عليه أن يعمل بحرص شديد، لأن العرب كانوا يخشون الفرس بدون سبب سوي ما كان يتناقله الناس عن قوة الفرس وبأسهم عبر القرون. وكان الفرس بدورهم ينظرون إلى العرب نظرة ازدراء. وكان على جانب عظيم من الأهمية أن لا يصاب العرب بهزيمة، لأن ذلك لو تم سيؤكد ويقوي الخوف الغريزي من الفرس، ولكي يضمن أبو بكر النصر فقد قرر أن يكون الجيش الفاتح من المتطوعين أولاً وأن يكون خالداً قائداً للجيش»(13).

كان القائد الموهوب خالد بن الوليد قد استخدم نمطاً جديداً للعمليات، كان الكثير من القادة السابقين قد تبنّوها، ثم أصبحت في كنز قادة الغرب فيما بعد. «كانت طريقة نابليون (في الحرب) هي بالمسير (40) كيلو متر في اليوم وخوض المعركة ومن ثم التعسكر بهدوء. و«لقدأخبرني (يقول جوميني) أنه لا يعرف طريقة أخرى لإدارة الحرب(14) ...» ولعل أقرب ما يوضح لنا مفهوم التحكم وفرض نمط أو نهج الحرب، هو مطاردة الصياد للفريسة، أو مثل المهاجم (العدواني) والمدافع (الحامي) أما الأمثلة الحربية فكثيرة منها على سبيل المثال، الحملة التي قادها وتحكم بمسارها القائد الروماني (سيبيون الإفريقي) ضد هانيبعل (218 ق.م) وكذلك تحكم نابليون بمسارح الحروب الأوروبية التي شنّها في إيطاليا وألمانيا والنمسا، وكيف تحول هو بدوره في النهاية ليغدو أسيراً لنمط الحرب الذي فرضه على أعداءه فأحسنوا تعلمه وفرضه الروس عليه في حملة (1812). وكذلك تحكم الماريشال رومل أولاً، ومن بعده الفيلد مارشال مونتغمري ثانياً في مسرح الحرب بشمال إفريقيا، ونرى في كل هذه الأمثلة أن القائد الذي يمتلك المبادأة (المتعرض) يمتلك قدراً كبيراً من المرونة وحرية العمل لفرض نمطه الخاص في الحرب دون أن يترك لخصمه أكثر من الرد أو متابعة تحركاته هو (أي المهاجم) أو بالأحرى إجباره على الاستجابة لأفعال المتحكم بنمط الحرب وبخلاف ذلك قد يحاول المدافع استغلال فرصة سانحة ليتحكم هو بدوره في ذلك، و«حسبنا القول أن خالداً بن الوليد لقي الفرس وأولياؤهم في خمس عشرة وقعة لم يهزم ولم يخطئ ولم يفشل قط ولا في واحدة منها ... وكان يسير بجيشه أبداً على تعبئة كاملة ليقاتل عدوه حيث لقيه مفاجئاً أو غير مفاجئ، وكان أبداً كما وصفه عمر بن العاص. (في أناة القطاة ووثبة الأسد)، ولا يعز عليه أن يتحاشى لقاء عدوه في بعض الساحات لينتقل إلى المكان الذي هو أصلح لحركاته وأعون له عليه، وما من شك في إدراك خالد لحجم وأبعاد الصراع مع الفرس، إذ ليس هؤلاء كمشركي جزيرة العرب أو كمن ارتد عن الإسلام بعد وفاة محمد ( رغم شدة وضراوة بعض المعارك التي خاضها ضدهم في جزيرة العرب ودحرهم فيها كما في معركة (حديقة الموت) وسواها، فالمعروف أن الفرس أقوام عريقون في الحرب والتاريخ والحضارة وقد خاضوا حروباً طويلة وعديدة في آسيا وآسيا الصغرى وأوروبا، لذا كان خالد وبحرص شديد على أن يفرض وجوده وهيبته على ساحة الصراع منذ البداية، وأن يفهمهم بوضوح أنهم ليسوا بأكفأ من العرب ولا أقوى منهم، مقتدياً بذلك بقول رسول الله محمد ( «نُصرت بالرعب مسيرة شهر» مستخدماً لأجل ذلك كلما عرف وما وسعه ابتكاره من فنون الحرب والمناورة متخففاً من أثقال الحرب وتحركاتها التقليدية التي بوسع الخصم اكتشافها ومقاومتها أو إحباطها، مستهدفاً ـ أي خالد ـ شل إرادة خصمه على مواصلة القتال، الأمر الذي تؤكدهً صولاته العديدة مع الفرس، وكان ينذر خصمه بعبارته الشهيرة ... «جئتكم برجال يحبون الموت حبكم للحياة» فكان سيف الله المسلول فعلاً، لقد كان يطيل التمعن في تدابير خصمهُ وقدراته متتبعاً تحركاته بعناية ودقة رغم ما يبديه من تجاهل واستخفاف بخصمه متوجاً ذلك بشجاعة وحزم متناهيين مع سرعة بالغة في الحسم متيقظاً لمكر عدوه محاولاً التوصل إلى أفضل الأساليب للتمكن منه أو دحره، مركزاً طول الوقت على الهدف النهائي (توخي الهدف) الذي حددته توجيهات مقر الخلافة أو الذي اختاره خالد نفسه، وما زال خالد بن الوليد كقائد بحاجة إلى العديد من الدراسات المعمقة حول قدراته وعبقريته في القيادة وفكره العسكري، والمهم هنا نجاحه في إجبار خصمه على التخبط والتنقل من موقع إلى آخر سعياً لملاقاة خصمه من كاظمة ـ إلى الحفير ـ إلى كاظمة ثانية والتي وصلها بحالة من الإنهاك الشديد أي كما أراد له خالد دون أن يتكلف هذا من جراء ذلك أكثر من تعديل طفيف على خط سيره الأساسي وبطريقة لم تلحق به أو تسبب له أية مشاكل كما لم تترك أية آثار سلبية، كحالة التذمر التي سادت صفوف الفرس جراء هذه التنقلات المنهكة، بل إن مناورة خالد وفّرت له ما يلي:

‌أ. إخراج هرمز من قاعدته الحصينة (الأبلة) وحرمانه من مزاياها الدفاعية. مجنباً نفسه مشكلات القتال داخل المدن ومعضلات الحصار وما يعنيه ذلك من خوض قتال تقليدي أشبه بقتال الخنادق مضحياً فيه بالحركة (حرية الحركة والعمل) والمرونة اللتان كانتا أهم ما يميز أساليب خالد بن الوليد في العمل.

‌ب. الحرب النفسية والتلاعب بأعصاب خصمه وتوازنه وجعله في حيرة شبه دائمة من أمره أو بالأحرى من مكان ووقت ونوعية الخطوة التالية.

‌ج. إجبار الخصم على كشف كلما لديه من موارد، والعمل وهو تحت رقابة خالد الشديدة أو رقابة قادته المرؤوسين وعيونه التي كان ـ خالد ـ يبثها حول خصمه وفي منطقة عملياته.
صفحة 7
المطاردة

لا يمكن عزل عمليات المطاردة التي أمر بها خالد في صفحة استثمار الفوز في معركة كاظمة عن نمط العمليات الذي فرضه خالد على الساحة، فقد أصر على جعل لقائه الأول مع الفرس مدوياً ورهيباً في قسوته كي لا ينسوه بسهولة، وليفرض على القوات الفارسية المزيد من الخسائر في الأرواح والأموال، ومنعهم من التقاط أنفاسهم والتهيؤ لمعركة جديدة سريعاً، مع إبقاء تحركاتهم تحت بصره ورصده (إدامة التماس) لحرمان العدو من أية فرص أو إمكانية لاستعادة المبادأة والتحكم بمسار الحرب، أما الغنائم وأموال هرمز والأبلة الكبيرة وبما فيها قلنسوته الذهبية(15) المرصعة بالأحجار الكريمة التي تعطي لمن «يتم شرفه» من قادة الفرس كنوع من التمييز، وقد أثارت هذه الغنائم دهشة المؤرخين على كثرتها وارتفاع أثمانها فقد باتت كلها في حوزة القوات الإسلامية كتحصيل حاصل.

التقرب غير المباشر

لا تذهب إلى الهدف مباشرة إن كان ذلك سيفرض عليك خوض معركة قاسية، فتش عن الطريق الأقل مقاومة، أو استدر حول هدفك فقد تجد قاعدة أو نقطة تمكنك من تحقيق هدفك دون دماء. ورغم اقتصار العمليات على أجزاء صغيرة من ساحة حركات العراق ورغم تقارب المسافة ما بين الحفير وكاظمه والأبلة إلا أن حجم الجيوش المتحاربة وسرعة تحرك جيش المسلمين تظهران لنا إحدى التطبيقات الرائعة لاستراتيجية التقرب غير المباشر إلى الأبلة التي وقعت في النهاية بين يدي خالد بسهولة، فقد دخلها رتل المطاردة دون مقاومة شديدة، ومع أنها تصالحت مع خالد في بداية الأمر إلا أنها نقضت عهدها معه بعد أن توجه نحو الحيرة فأمر خالد بالحملة عليها من جديد«احملوا عليهم إني أرى هيئة قوم ألقى الله في قلوبهم الرعب».شخصية القائد

كان موت أو خسران قائد المعركة في تلك الأيام ولا سيما في بداية المعركة أو في مراحلها الأولى كافٍ بحد ذاته لخسارة المعركة وغالباً ما كان يلي قتل القائد انسحاب أو اندحار جيشه لما يعنيه القائد بالأمس واليوم، كما كان موت القائد حدث جسيم يشهدهُ الجيشان المتحاربان عيانا، لذا تكون آثارهُ حاسمة ومباشرة إذ يبدو موته وكأنه قضاء على رغبة جيشه بالقتال إذ يصبح هم الآخرين النجاة بأنفسهم، رغم نجاح الكثير من محاولات إنقاذ الموقف وإعادة الجيش إلى القتال ثانية أو سحبه بانتظام إلى مأمن سيما عند تصدي أحد القادة المرؤوسين لتولي زمام الأمور كما فعل خالد بن الوليد في معركة (مؤتة) ـ وكان مجرد واحد من المجاهدين دون قيادة أو مسؤولية ـ بعد أن استشهد القادة الثلاث الذين أنيطت بهم قيادة الحملة بأمر النبي محمد (صلعم)، إلا أن مقتل هرمز في كاظمة كان أهم أسباب انهيار الجيش الفارسي رغم وجود اثنين من أمراء البيت المالك على ميمنة وميسرة الفرس، يضاف إلى ذلك التناقض الحاد بين شخصيتي قائدي الطرفين العربي والفارسي، إذ كان هرمز


نزقاً قليل الصبر ومغروراً مليئاً بالحقد ـ يرى الجنرال أكرم أنه شجاع محنك وإن لم يتصف بفروسية القادة لمحاولته الغدر بخالد أثناء المبارزة ـ حتى أصبح مثالاً للحقد والخبث، أما خالد بن الوليد فكان على العكس من ذلك مع حسن تدبير وروية وشجاعة فائقة وتحسب دقيق، إذ تفهم أهمية وطبيعة صدامه الأول مع الفرس، ومع أن الجنرال أكرم يرى أن خالداً قد أرسل رسالته الشهيرة إلى هرمز من اليمامة إلا أن طبيعة وتدبير خالد لا تتفقان وذلك ولا أحسبه قد أرسلها إلى هرمز إلا بعد اقترابه من الحفير كي لا يعطيه الكثير من الوقت لجمع قوات أكثر حتى ملاقاته عند الحفير وذلك أقرب إلى تفكير وبعد نظر خالد وقدرته على استباق الأحداث، لذا لم يكن صراعهما مثالاًً على صراع الإرادات وحسب بل على الصراع بين القدرة والمرونة وقابلية الحركة مع السكون والتبلد والطيش.
صفحة 8
رد الفعل الفارسي

لقد وصلت أنباء وتحركات جيش خالد إلى عاصمة الفرس في المدائن دون شك «بسبب منظومة المواصلات الرائعة المكونة من آلاف الرجال الجهيري الصوت الموزعين على مسافات مناسبة وعلى قدر وصول الصوت من قصر كسرى إلى مكان المعركة» مما يؤمن وصول أنباء المعركة إلى أسماع الإمبراطور الفارسي في قصره خلال ساعات، كما أن رسالة خالد إلى هرمز كانت في غاية الوضوح في مضمونها وغايتها، وقد أرسلها هرمز إلى المدائن لاطلاع قادته الآخرين وربما كسرى نفسه بمقدمات جيش التحرير العربي، إلا أن المحير، وبل وغير المعقول هنا، بطاءة رد الفعل الفارسي في معالجة هذا الخطر الوافد، فلو صدقنا الصورة التي يرسمها الجنرال أكرم للجيش الفارسي، بالإضافة إلى مكانة وأهمية الأبلة التي هي أحد أهم الموانئ الفارسية الرئيسية والقاعدة البرية للأسطول وهمزة الوصل مع الهند والخليج العربي، وقد أرسلت المدائن نجدات كافية وقادرة في الحساب العددي على دفع الخطر، إلا أنها لم تصل في الوقت المناسب، ولعلها آثرت السلامة والتحصن في منطقة (المذار) شمال البصرة على محور دجلة، وكأنها توقعت أن يسعى خالد إلى مقاتلتها بعد معركة كاظمة، ولو كان القائد الفارسي على درجة من العزم والكفاءة لعرف وبسهولة أن قوات خالد قد انقسمت بعد انتصارها في معركة كاظمة إلى عدة مجموعات مما كان سيسهّل على القائد الجديد «قارن» القضاء على تلك المجموعات كلاً على انفراد، وقد يعزى الأمر إلى اللامركزية في الحكم الفارسي والصلاحيات المعطاة إلى حكام الولايات والأقاليم، ولا اعتراض على اللامركزية، بل على التلهي والتشاغل بأعمال وإجراءات لا جدوى منها بدلاً عن إبداء الحزم المطلوب ولو بالحد الأدنى وبالشكل الذي يتناسب والموقف الناشئ، وهذا مما يؤكد سلامة التقدير العربي الإسلامي للموقف العام وحسن اختيار التوقيت والقادة لمهمات تحرير العراق.

المسلك غير المتوقع

المعروف في عمليات تقدير الموقف العسكري أن يتوصل القائد في النهاية إلى مسالك العمل المتاحة له ولعدوه، مع تحديد مزايا ومساوئ كل مسلك منها على انفراد وبالتالي القرار على المسلك الأفضل له من جهة والمسلك الأكثر احتمالاً للعدو، ومع ذلك وكقاعدة يتذكر القادة حكمة أو خلاصة تجارب طويلة مفادها أن لو كان للعدو أربعة مسالك عمل مفتوحة فعلينا أن نتوقع اختياره للمسلك الخامس، أو المسلك غير المتوقع، وهذه إحدى القضايا المهمة في الحرب، فما من شيء أكيد أو مضمون كلياً، وهناك وعلى الدوام ما لم يكن في الحسبان (Uncertaintly)وهكذا على القائد أن يضع نفسه في مكان عدوه محاولاً أن ينظر إلى الأمور من وجهة نظر ذلك العدو محاولاً تصور طريقته في التفكير والتصرف وردود الفعل الأقرب إلى تفكيره وشخصيته(16)، إنها مهمة مفيدة للغاية ولكنها من أشد المهام صعوبة، وهي إحدى الركائز الأساسية للقائد في بناء فكرته أو تصميمه للمعركة. لقد كانت الأبلة الهدف الاستراتيجي لخالد وهو في اليمامة، والفكرة الأولية التي ترد إلى الذهن ـ وذهن الفرس بالذات ـ أن يسلك خالد المحور الأقصر (النباج ـ الكاظمة ـ الأبلة)، ولعدم رغبة هرمز بقبول المعركة في الأبلة لذا أثر خوضها في كاظمة وهو على اقتناع بالتقائه قوات خالد هناك ولم يحسب أن بوسع خالد غير ذلك، إلا أن هذا «عرف أن الفرس سيتوقعون تقدمه على الطريق المباشر من اليمامه إلى الأبلة عن طريق كاظمة وأنهم سيضعون خططهم الدفاعية طبقاً لذلك. فقرر خالد أن لا يسير على ذلك الطريق وأن يتقدم نحو الأبلة من جنوبها الغربي كي يتمكن من المناورة بحرية على محوري كاظمة والحفير(17)، فارضاً على الفرس بذلك مسيرات شاقة. لقد كان على هرمز أن يقرر مكان المعركة ودفع خالد إلى الانجذاب نحوها «فالجيوش كالمغناطيس، إنها تنجذب إلى بعضها البعض . .» إلا أن هرمز نفسه انقاد طائعاً إلى كاظمة لمجرد افتراضه أن سيلتقي خالداً هناك فأصبح وباختياره الفريسة لا الصياد. وكان بوسع هرمز وبعد القرار على مكان المعركة الاكتفاء بمراقبة محوري كاظمة والحفير إما بمفارز خفيفة من الخيالة، أو بقوات قليلة وكافية لجر خالد وجيشه إلى حيث يريد هرمز لو كان هذا قائداً محنكاً وشجاعاً فعلاً كما يراه الجنرال أكرم.
صفحة 9
إدارة القتال على محوريّ نهريّ دجلة والفرات

الموقف الفارسي

فور تلقي عاصمة الفرس «المدائن» أنباء دخول وتحركات جيش التحرير الإسلامي في جنوب العراق سارعت بتحريك جيش قوي من القوات الفارسية النظامية ومن قوات القبائل العربية وأسندت قيادته إلى (قارن بن قريانس) وكان مساوٍ لهرمز في المكانة والرتبة والقلنسوة، وكُلف بالتقدم جنوباً على ضفة دجلة اليمنى (الغربية) حتى وصل المذار (وهي بلدة تبعد مسيرة أربعة أيام عن البصرة) وليس من الواضح لدينا أن كان قد كلف بنجدة هرمز أم البقاء في (المذار)، التي وصلها فعلاً وتقدم منها إلى نهر المذار أو الثني (والعرب تسمي كل نهر ثني) واجتازه عند نقطة اتصاله بدجلة بعد أن كان قد عبر دجلة إلى الضفة اليسرى (الشرقية) وهنا جاءته أنباء كارثة كاظمة وهلاك هرمز، كما بدأت فلول الفرس بقيادة الأميرين (قباذ) و(أنوشجان) بالوصول والانضمام إلى قوته، فقرر التوقف مستنداً بظهره إلى نهر المذار بانتظار جيش خالد، ورغم الهزيمة والموقف الحرج يقول الجنرال أكرم عن الفرس . . « لم تكن معنوياتهم (عالية) كما كانت في كاظمة لكنهم كانوا رجالاً شجعاناً وكان رد فعلهم ناجماً عن الغضب وليس من الخوف بسبب الهزيمة التي حلت بهم، وكان (قباذ) و(أنوشجان) متشوقين للمعركة مرة أخرى ولم يصدقا ومعهما قارن هزيمة جيش امبراطوري واندحاره في معركة على أيدي قوات المسلمين غير المثقفة والبسيطة القادمة من الصحراء ولم يدركوا أن جيشاً إسلامياً رفيع المستوى قوي العقيدة هو الذي خاض معركة كاظمة لا قوة من العرب غير المتحضرين، وكان قارن حكيماً في إسناد قواته إلى النهر، إذ بوسعه خوض معركة جبهوية من النوع الذي يحبه الفرس ويناسب تدريبهم ونظامهم (18).

كما أصدر كسرى أمراً بتحشد المقاتلين في العاصمة الإمبراطورية عدا المرابطين منهم في المناطق المتاخمة لإمبراطورية بيزنطة، وأمكن حشد أول جيش خلال بضعة أيام. كان الفرس يرون أن العرب سيتقدمون ـ بعد معركة كاظمة ـ على محور الفرات كي يظلوا قريبين من الصحراء إذ لا يعقل أن يواصلوا التقدم على محور دجلة أو بين النهرين، كما اختار الفرس (الولجة) كمنطقة تحشد رئيسية لهم لإيقاف العرب، ودحرهم ومنعهم من التقرب إلى الحيرة. أنيطت قيادة هذا الجيش إلى (الأندرزغر) الذي كان حاكماً عسكرياً لولاية خراسان، وهو فارسي من مواليد المدائن وقد ترعرع بين العرب ويمتاز عن أبناء طبقته بحبه للعرب «حباً حقيقياً(19). كانت مهمة الأندرزغر التقدم على الضفة الشرقية لدجلة حتى (كسكر) فإن التقى المسلمين قاتلهم وإلا عبر دجلة واتجه غرباً إلى (الولجة) على الفرات، وكان الأندرزغر قد أرسل وهو بعد في المدائن عدة مبعوثين إلى القبائل العربية في المنطقة للانضمام إليه، وأكمل خط سيره إلى (كسكر) ثم إلى الولجة حيث أقام معسكره هناك. كما ضم إليه من تصادف وجوده من فلول جيش قارن بع هزيمتهم في معركة المذار (معركة النهر) وكما سيرد بيانه.

كذلك تم تشكيل جيش جديد في المدائن أنيطت قيادته بإحداى الشخصيات العسكرية البارزة (بهمن جاذويه) وهو ممن حازوا القلنسوة الذهبية «قبعة الماريشاليه» وأُمر حال إكمال تحشد جيشه بالحركة إلى الولجة على أن يسلك الطريق المار بين النهرين وأن يضم إليه أكبر عدد ممكن من القبائل العربية على أن يتولى (أي بهمن) قيادة جميع القوات الفارسية في الولجة حال وصوله وأن يتولى بهذه القوة الهائلة تدمير القوات الإسلامية في معركة واحدة. وقد تأخر في حركته لعدة أيام بعد جيش الأندرزغر كما أنه لم يكن على عجلة من أمره، كما يبدو.
صفحة 10
مواقف القوات العربية

انتهت معركة كاظمة باندحار الفرس وهزيمة فلولهم باتجاه محور دجلة ونجح خالد بالاستيلاء على مدينتي كاظمة والأبلة واستولى على غنائم هائلة وسبى كثير، والكثير من الخيول والسلاح كما أمر قواته بمطاردة فلول الفرس ووجه المثنى وأخاه نحو حصن ونهر المرأة وتابع المثنى فلول الفرس نحو المذار كما نشر خالد العيون والأرصاد في المنطقة لإبقاء الفرس تحت رقابته الشديدة، كما استخدمت خيالة المثنى الخفيفة في المطاردة وتحقيق التماس مع الفرس حتى وصل موضع المذار وبعد أن أدرك المثنى متانة وضخامة القوات الفارسية أرسل رسولاً إلى خالد بـ (وجود قوة معادية كبيرة عند نهر الثني)، كما أمر خالد أحد قادته وهو (معقل بن مقرن) بالسيطرة على الأبلة وسار خالد نحو المذار واجتمع بالمثنى في 3 نيسان 633 (1 صفر 12هـ)، وبعد استطلاع شخصي لموقع الفرس لم يجد مجالاً للالتفاف حول جناح الفرس كما لم يجد وسيلـــــــة



لإغراء أو إجبار الفرس بترك الموقع المستند على النهر لذلك لم يجد بداً من خوض المعركة مع الفرس بالأسلوب التقليدي أو الهجوم الكتلوي بعد بدأت المعركة بسيل من المبارزات الفردية، كان قارن قد أبقى عدداً كبيراً من القوارب جاهزة في دجلة وقريباً من مواقع قواته. ولا تتوفر تفاصيل كثيرة عن كيفية انفتاح القوات الإسلامية وأين كانت خيالة المثنى وكلما نعرفه أن خالداً وضع كلاً من عاصم بن عمرو وعدي بن حاتم الطائي لقيادة الجناحين في مقابلة قائدي جناحي الفرس (قباذ) و (أنوشجان) واختار خالد بن الوليد وقارن بن قريانس قيادة قلب قوتيهما.

كان قارن أول من خرج طلباً للمبارزة وعندما هم خالد بالخروج له سبقه فارس آخر هو معقل بن الأعشى وتمكن من قتل قارن فخرج القائدان قباذ وأنوشجان فقابلهما قائداً جناحي المسلمين فقتل عدي بن حاتم قباذ وقتل عاصم أنوشجان، عندها أمر خالد بشن الهجوم العام فاندفع المجاهدون لمهاجمة جيش الفرس الأكثر عدداً، ورغم انهيار معنويات الفرس وحصرهم في ذلك الجيب حتى لا مجال لديهم بالحركة أو الانسحاب كما يشاؤون إلا أنهم كما يبدوا قاتلوا دفاعاً عن حياتهم ونجحوا بصد صولات المسلمين الأولى ولفقدهم قادتهم الثلاث سرعان ما انهارت صفوفهم وأسرعوا نحو النهر، وقد نجا الكثيرون منهم بالوصول إلى القوارب وعبور النهر وقد تمكن المسلمون من قتل الآلاف منهم وبلغ عدد القتلى حوالي الـ (30) ألف رجل ولعدم امتلاك المسلمين لوسائط العبور توقفت المطاردة والمعركة معاً على ضفة النهر وكانت غنائم المسلمين في هذه المعركة تزيد على غنائم كاظمة.

وزع خالد بعض الحاميات الصغيرة للسيطرة على المنطقة كما أمر (سويد بن مقرن) بفتح مقر له في (الحفير) كأمير أو حاكم للمنطقة وأناط به مسؤولية جباية الجزية، ولم ينسى بث العيون والأرصاد وراء جيش قارن لمتابعة تحركاته.

وكانت معركة المذار (النهر) نصراً رائعاً للمسلمين وتأكيداً لقدرات خالد بن الوليد وبراعته في المناورة إذ نجح بتدمير جيش فارسي كبير أحسن إعداده وإختيار موقع المعركة، أي أن الفرس هم الذين اختاروا مكانها ولعدم تيسر فسحة كافية للمناورة لم يجد خالد بداً من خوضها، إلا أنه أدرك عندها ضخامة الموارد الفارسية وقدرتهم على حشد الجيوش ولعله تذكر ساعتها تحديد مقر الخلافة للعمليات بمحور الفرات والحيرة أو تجنب الدخول في العمق الفارسي، ونجح خالد حتى الآن بدحر الفرس في معركتين كبيرتين حشدوا لهما قوات ضخمة. «كان يفكر بطريقة منطقية، فهو أول قائد مسلم ينطلق على رأس قيادة مستقلة والاصطدام بقوات دولة قوية»، كان خالد استراتيجي بارع في تقديره للموقف، كما وزع شبكة اختار عناصرها بدقة من الجواسيس والعيون معتمداً على القبائل العربية التي بدأت تقتنع بفكرة تحريرها من نير الفرس وبدأت المعلومات (المواقف) تصله تباعاً عن تحركات أعدائه، وعرف بتحرك الأندرزغز من طيسفون (المدائن) وعن العناصر العربية في جيشه ومن التحق به من قوات قارن التي نجت من معركة المذار، كذلك جاءته بعض المعلومات عن جيش (بهمن جاذويه)، والهدف النهائي لكل هذه التحركات (الولجة) أو (الشطرة حالياً) (20).

بين الكوت والناصرية، ولم يكن من السهل غربلة مثل هذه المعلومات بسرعة كما تأخر وصول الكثير منها بسبب طبيعة المنطقة وصعوبة التنقل فيها لكثرة القنوات و(البثوق) والبساتين ولم يكن بوسع خالد التحرك بسرعة نحو الولجة لسببين:

أولاً. انتشار قواته على مساحة واسعة، والحاجة إلى راحة قواته.

ثانياً. صعوبة التنقل من المذار إلى الولجة أي عبور الرافدين في الوقت الذي لم يعتد فيه خالد استخدام السفن كما لا يملك منها شيئاً.

لذا قرر خالد العودة من حيث أتى وكان ذلك بعد شهرين من دخوله العراق سيما وأنه أمن حماية كافية لطريق مواصلاته بالحاميات التي تركها في الأبلة وكاظمة والحفير مفضلاً ذلك على الطريق (العرضاني) والأقصر بين المذار والولجة تجنباً لعبور الأنهر والأهوار، وعبر خالد دجلة العوراء (شط العرب) على الجسر الأعظم بعد أن أصدر تأكيدات جديدة لحامياته بالحذر والتنبه لتحركات الفرس كي لا يؤتى من خلفه.

وكانت المعضلة الكبرى التي تشغل كل تفكير خالد هي الطريقة التي سيواجه بها جيشي (الأندرزغر) و(بهمن جاذويه) في الولجة. أما الأندرزغر فلعله كان يتعجل لقاء خالد قبل وصول بهمن جاذويه وتوليه قيادة الجيشين ولعل الأندرزغر كان يحلم بنصر سريع يكفل له قلنسوة الشرف.