eKtab
EN ع
انكسارات صبي
اقرأ عينة مجانية

انكسارات صبي

بقلم د. نديم نجدي

صفحة 1

(1)

لم تأبه أمّه في ذاك اليوم الخريفي الجاف للتهديد الذي دأب في اللجوء إليه، كلما أراد أن يبتزّ منها عطايا صبي مدلَّل؛ يكره أكل اليخنة ولا يستطيب أياً مِنَ الأطعمة البيتية، وخصوصاً بعد أن استحدث «أبو سميح» زاوية في محله لبيع سندويشات دجاج وشاورما ومقانق وبطاطا مقلية. حتى إنها لم تلتفت إليه عندما خاطبها بالقول: «سأرمي نفسي عن السطح وأموت...، إنْ لم تعطيني نصف ليرة». كرّرها مرتين، قبل أن يُصدم بردّها وهي منشغلة عنه بذرّ البرغل فوق سقف بيت الحاجة «أم عارف»: «شو بعملّك... سنحزن ثلاثة أيام على الأكثر... ومِنْ ثم نكمل حياتنا بشكل عادي». بهذه الفجاجة قذفت الأم طفلها بحقيقة يصعب على رجل ناضج أن يبتلع مرارتها، ما لم تتغلَّف بعطف دين سمح كالذي يجنح إليه السواد الأعظم من الناس حتى يتقبلوا مأساتهم على أنها فرج وخلاص. غير أن هذا مطلب غبي مِنْ أمّ ليس لديها متسع مِنَ الوقت ولا مِنَ الطاقة لتهتمّ بغير إطعام عشرة أولاد؛ قدر أصغرهم أنْ يولد مصاباً بعاهة الظمأ العاطفي، ليس لأنّه حظي بمقدار مِنَ الغنج جعله يصدّق أنَّ إخوته يعيشون مِنْ أجله، فهذا سبب غير كافٍ لفهم اضطراباته النفسية التي تفاقمت أكثر في اللحظة التي قرّر والده سلخه من العائلة.
وقتذاك، لم يدرك موسى مغزى الظفر في النظرة التي رمقه بها أبوه، فور دخوله باب البيت، كما لم يعِ أنّ دفق عاطفة أمّه التي أغدقتها عليه، قبلات، وطبطبات مع ابتسامة مفعمة بالشوق المسبق إلى فقده، حالما سمعت زوجها يقول: «وافقوا على الصبي» مسألة تعنيه هو بالذات، وهي فاتحة تبدّل في مصير طفل ما زال في سنواته الخمس أصغر مِن أنْ يستوعب كيف لأم أنْ تنام قبل أن تطمئن إلى غفو ابنها.
كان لا يزال في منتهى البراءة عندما أجلسه والده في حجره توفيراً لنصف أجرة راكب، لأنه دون العشر سنوات.
بان على موسى خوف واضح من خلال تشنّج أصابع يديه المشدودتين على الممسك الحديدي للمقعد الخلفي، ومِن اتساع حدقتي عينيه اللتين راحتا تراقبان توالي المشاهد حالما انطلقت السيارة نحو بيروت بسرعة تفوق قدرته المحدودة بحدود عالم الضيعة على احتساب طول المسافة. وما أن تجاوزوا التلّة التي كان يخالها تشكل حداً فاصلاً عن بلد أخته المتزوجة في المكسيك، حتى أحسّ بوخز وحشة، وهذا ما أفسد على الصبي انبهاره بركوب السيارة. غرق في غمّه، ولم يعد يؤخذ بمشهد عدو أشجار السّرو إلى الوراء بوتيرة اصطفافها الإيقاعي على جانبي الطريق؛ رأى بيوتاً كثيرة، ودياناً وتلالاً وأشجاراً، لكنه لم يُدهش الدهشة التي أصابته حالما بان أمامه مدّ هائل من الزرقة التي تصل الأرض بالسماء. «هذا هو البحر». قالها أبوه وسكت ليمعن هو أيضاً النظر إلى ما شدّ رجلاً ريفياً، قلّما غادر ضيعته؛ فمشاويره النادرة إلى المدينة، لم تستنفد مِنَ البحر الشيء الذي يحيل مرآه إلى مشهد عادي.
بعد نصف ساعة من المسير، بان اخضرار بساتين الموز والليمون على امتداد سهل واسع أخضبته دلتا نهر الليطاني حيث هبطت بهم السيارة إلى متاهة طريق ضيّقة، شُقّت على الأرجح بدون تخطيط هندسي، فالإلتواءات الكثيرة في مساحة سهلية مسطحة، تبعث على الشك في وجود اعتبارات أخرى تتعلّق بحكم قضائي لمصلحة أحد المالكين الكبار القادرين على ليّ ذراع القانون لمنفعته الخاصة.
وما أن انحرفت مركبتهم نزولاً باتجاه المنحدر الأخير الذي يصلهم بالطريق الساحلي، حتى شعر موسى بالخوف مِنْ أن تنزلق السيارة وتهوي إلى قاع البحر، حتّى أنه استهجن كيف للناس أنْ تأمن السكنى في بيوت قريبة مِنْ هذه الزرقة الممتدة إلى حيث ثمّة مفاجآت أكيدة تنام في قعر هذا السكون المفزع. فكّر في التنين الأزرق والحيتان وأسماك القرش. تساءل عمن يستطيع منع مارد البحر مِنَ الخروج إلى اليابسة وشفط كل ما عليها. ما لبث أن هدأ، حيث راقه أن يتأمل «فقش» الموج على طول الطريق الساحلي.
وما أن توقفت السيارة أمام مبنى رمادي مؤلف مِنْ أربعة طوابق، حتى أنزل السائق حقيبتين مملوءتين بحوائج (أغراض) صبي، سيُترك في عهدة مربية غليظة. جرّته مِنْ يده بجفاء مضطرّة إلى القيام بواجب موظفة لا تحب عملها، والأصحّ، لا تحب نفسها. لقد شعر بانقباض حاد حالما أمسكته براحة يدها المكتنزة ورماً اقترن في تصوّره بقبضة أبي مرعي، جزّار الضيعة. كانت مثله سمينة. ليس في وجهها الخاوي من المشاعر ما يدل على أنها تملك ذرّة إحساس بالحب والفرح، لعلّها تعرّضت أو عرّضت نفسها لقسوة جعلتها لا تفهم معنى العطف على الآخرين.ينم من نظراتها بؤس وميل جامح إلى الثأر مِنْ قدر ولادتها أنثى بشعة.
وما أن غابت عن نظر أبيه حتّى تركته يمشي وراءها وهو ينظر إلى مريولها الأبيض الطويل، الزيّ المعتمد الذي فرضته إدارة المؤسسة على العاملات اللواتي عليهنّ واجب إخفاء إغواءات أجسادهن أمام العاملين الذكور، لكن «هدية» وهذا ما كان اسمها، اتخذته سبباً لستر نتوءات جسمها الممسوخ على هيئة فيل، غير أنه ليس فيه شيء مِنْ وداعة الفيلة والدببة. فسمنتها تبعث على الظن بأنك أمام غولة كريهة، فالحجر أقرب منها إلى الانفعال مع انكسار ولد مريض أو طفل مقطوع. بلع موسى غصته وصار مخنوقاً منذ تلك اللحظة بأعنف صدمة في حياته، حالما أودعوه سجن مؤسسة رعائية، ليس فيها رحمة ولا شفقة، وفي أحسن الأحوال تُجبر الأولاد على التقيد بمواقيت الأكل والشرب والنوم، لكنها تعجز بالطبع عن تقديم ما هو أهم لطفل يحتاج أكثر إلى العاطفة والحنين. كان موسى متحفزاً لالتقاط ما يواسي إحساسه الرهيب بالخوف مِنْ مكان غريب وموحش، عندما دشنت «هدية» سمعه بالأمر التالي «روح نقبر قعود مع الأولاد حتى يجي دورك يا غبي». منذ تلك اللحظة أظلمت الدنيا في عينيه، وصارت بلون هذه المرأة وفظاظتها.
صفحة 2
عند الساعة السابعة مساءً أدخلوهم قاعة نوم تتسع لمئة وعشرين ولداً مخنوقين بالغصّة، يأوون إلى أسرّتهم بعد قيلولة ما بعد الظهر، حيث فرضت إدارة المؤسسة على كل ولد أن يغمض عينيه عنوةً لساعتين، والويل لمن ترمش جفونه، فعقاب الكذاب حرمانه مِنَ «العصرونية»، وهي عبارة عن قطعة خبز صغيرة محشوة بالدبس أو مربى السفرجل، أو أي مِنَ الحلويات التي يحتاج إليها الأولاد ليعوضوا طاقة لم يصرفوها في التسلية واللعب أو اللهو، إنما استنفدوها في التحفّز والخوف مِنَ القصاص المنتظر في كل الأوقات، في يقظتهم... وفي نومهم... حتّى الطعام تحول إلى موعد مع العذاب بعد أن فُرض على كل ولد أن يلتهم المتوافر في صحنه، وإلا تعرّض لضربات «هدية» بعصا غليظة، كانت تعمد بعدها إلى حبس الجاني ومنعه من الخروج إلى الملعب ثلاث ساعات.
ولأن موسى كان كغيره من الأولاد لايستطيب أكل اليخنة أصلاً، كان على موعد مع الحبس ثلاث مرات في الأسبوع، خصّته «هدية» بقسط وافٍ مِن لؤمها، بعد أنْ أخفقت في منعه مرةً مِنَ التقيؤ عندما أجبرته على حشو فمه بقطعة دهن مطهوة كانت في يخنة اللوبياء.
لم تفارقه سوداويته، لأنه ليس في مقدوره أن يشكو مِنْ ألم أو جوع، ولا مجال له لأن يزفر غصّته في حضن أمه البعيدة، كما لا وجود لإخوة يحمونه من ظلم أولاد أشقياء، راقهم أن يسخروا من لهجة صبي، تمسك بلسانه الريفي تمسكه بروح الانتماء إلى دفء عائلته.
لن ينتمي موسى إلى المدينة وأهلها، ولن يساوم على «لكنة» ضيعته، بعد أن أضحت مقترنة بما هو أبعد من الخطأ والصح، فكيف لقاموس في الدنيا أن يغالط لسان أمّه التي كانت تحيق به في الليالي الباردة بأنفاسها الدافئة وهي تحدو له قائلة: «تبحشلي يا موسي». بهذا قد نفهم عجز لسان الكبار عن تصويب مخارج الكلمات التي تعلموها وهم صغار.
أجلستهم هدية القرفصاء إلى أن يحين دور كل واحد منهم لتنظيفه من القمل المتغلغل في فروة رؤوسهم. هوذا الافتراض الذي حدا بـ «هدية» إلى دهن شعر الجميع بإسفنجة كاز، تتركهم بعدها منقوعين ساعتين. ولما كانت البلّة الواحدة تدور على أربعة صبيان، شاءت الصدفة أن يكون موسى أوّل أربعة، فنال عصرة مخضبة بكمية أماتت إحساسه بنفسه. شعر بأنه خرقة بخسة وهو بين يدي امرأة بغيضة تزدري عملها ولا تهتم بنظافة أحد، كانت مدفوعة بهمّ الانتهاء مِنْ هذه القذارة المتمثلة بأولاد يتعرّضون بسبب هذه النظرة بالذات إلى تعذيب لا يوصف. كانت حصّة موسى، قرصتين في قفاه ولطمة بكعب صابونة مربّعة تسبّبت إحدى زواياها الحادّة، بانتفاخ ملحوظ في الجانب الأيمن من رأسه. لم يمتعض ولم يبكِ بعد أن شاهد بأم العين كيف كانت تهوي بقبضتها على رأس مَنْ شكا ألماً، أما مَنْ يتأفف مِنْ احترارٍ عينيه، مِنْ رغوة الصابون، فيتلقى صفعة على خدّه، لأنّه نسي أنْ يطبق جفنيه.
ذات صباح، وبعد مضي ثلاثة أشهر، قرّرت المديرة أن تخرج مِنْ مكتبها كي تعاين بنفسها سير العمل في المؤسسة. بدأت أولاً بتفقد «منامة» التلامذة. ظهرت بحلّة رصينة وهي تمشي مخلّفة وراءها فحيح عطر نسائي حاداً، وقد حرصت جمهرة مِنَ الأتباع والمتحذلقين على المشي خلفها، كحرصها هي على أن تظهر بمظهر غير الآبه لسماع إجابات الآنسة «هدية»، عندما راحت تشير بإصبعها إلى آخر الرواق، حيث كان من اللافت خلو الزاوية الشمالية مِنْ ثلاثة أسرّة، وبدت المديرة أنيقة وهي تتبختر بفستانها الأسود القصير، الذي انتقته على الأرجح بعناية امرأة مقرّة بقصر قامتها، وإلا ما كانت لتستعين تعويضاً لذلك بعشرة سنتيمترات مِنْ كعب صندالها، وخمسة من ارتفاع تسريحة شعرها المصبوغ باللون البني الفاتح. أمّا اعتدادها بنفسها فهو كبير إلى حدّ جعلها تقدّر قيمتها بما هو أرفع مِنْ مركزها الخسيس قياساً بأصلها (البكواتي). فأن تدير «منى الباشا» مؤسسة للأيتام هذا فائض، لا يناسب مقامها، إلّا من باب التبرّع كالذي يعمد إليه الميسورون من تقديم أعطيات ليست مجاناً على الإطلاق، غايتهم، أن يستحوذوا على كل شيء، حتى الحيّز الميتافيزيقي لإيمان الفقراء، ضاق في عيونهم. لربما أرادوا بذلك أنْ يكفروا عن ذنب اقترافهم أعمالاً شائنة، وحدهم الأغنياء يقدرون فظاعة فحواها الخلقية.
توقفت فجأة بجانب سرير موسى، وأمسكت بطرف الحرام ثم أخذت تبحلق فيه بامتعاض. اكتشتفت «منى الباشا» الخلل المريع، لقد اختفت نصف الحبكة، وهي عبارة عن خيط أحاق الغطاء بتطريزة، فكها موسى ليتسلى بربطها في أرق لياليه الطويلة... زمّت المديرة شفتيها وتمتمت بما يشي بخطب كبير، لم يدرك موسى كنهه إلّا بعد مضي ساعة، أي عندما دخلت «هدية» عليهم وهي تصرخ وتتوعد. أمسكت موسى مِنْ ياقة بيجامته وجرّته إلى حيث صار على مرأى من الباقين الذين امتثلوا لأمرها برفع رؤوسهم عن مخدات الأسرة لكي ينظروا إلى موسى وهو يُلقن درساً سيكون عبرة لهم من جراء ارتكاب المعصية تلك التي راحت تتلوها على صبي لم يفهم ذنبه، لأنه لم يُخطر بالعاقبة المترتبة على فكّ خيط من حرامه، حيث لم يحذّره أحد، وإلّا لابتكر موسى وسيلة غير هذه لقتل السأم الذي كابده صبي، اختنق من رتابة مؤسسة همجية، فرضت على الأولاد الانتظام في اللعب واللهو، على شاكلة مَنْ تدعوه إلى الشيطنة بطريقة ملائكية. ولو علم موسى بالعاقبة التي تنتظره مِنْ جرّاء العبث بغطاء سريره، لامتنع بالتأكيد عن هذه المعصية، التي وإن تجنبها فهو لن يستطيع أن يتجنّب سواها؛ فحتى النوم والشبع لهما نظامهما المضبوط بكمية محددة وفي موعد محدّد، غير أنّ العذاب الأكبر عند موسى تمثّل بالنوم النهاري أو ما يُسمى بقيلولة ما بعد الظهر وهو نشاط أدرجته الإدارة في يوميات التلامذة بغية إراحتهم من مشقّة التعلّم الذي كان جلّه نوماً بنوم في الصفوف. ولأن موسى مِنْ صنف المؤرقين بالفطرة، وهو لا يغفو أصلاً في الليل إلّا بشقّ النفس، صار يتظاهر بأنّه غافٍ انصياعاً لأوامر هدية. يطمر رأسه تحت الأغطية ومِنْ ثم يشرع في اختلاق صور ومواقف متخيلة، مرّنت ملكاته الذهنية على السباحة في عالم افتراضي، بما أدى إلى أن يصير إنساناً حالماً حتى مماته. وعندما استنفد خياله استحضار أمه وهي تضرب هدية لأنها كسرت خاطر ابنها. ولما انتهى من تفريغ نقمته بالحوار غير المتكافئ مع المديرة التي رجته أنْ يعفو عنها ويرحمها عندما سيعتقلها عند حاجز عسكري وهي تتوسل إليه بالقول: اللَّه يخليك إتركني... اللَّه يوفقك لأهلك ألم تتذكرني يا موسى... أنا مدام منى، إذ ذاك يشفي غليله بالشفقة عليها ويتركها في حال سبيلها. عندما ينتهي من هذا كله، يروح يلهو باشتياقاته واستيهاماته، إلى أنْ اكتشف مرةً أنّ بمقدوره فكّ خيط مِنْ غطائه مِنْ دون أنْ يلفت نظر أي مِنَ المكلفين مراقبة حركة الأسرّة.
صفحة 3
دأب لقتل الساعة والنصف مِنْ بعد كل يوم في التدرّب على ألعاب يدوية تعلمها مِنْ رضوان.
فقد موسى إحساسه بجسده عقب الضربة الخامسة، وتخدّر كله. إلّا روحه صارت تنزّ ألماً بعد أن بضعت هدية عاطفته بأسباب جنوحه إلى مغامرات رسمت مصير ثلاثة من زملائه ومستقبلهم... شعر بأن لا قيمة له بعد أن تعرض لمهانة أنزلت منسوب الثقة بنفسه إلى الحدّ الذي يجعلنا نفهم لماذا تمادى أنيس في تهوّره إلى حدّ المبالغة في إظهار شجاعته أمام خمسة من رفاقه حينما قفز من فوق شيّار صخري عال أودى بحياته، فبمثل هذه الثقة المهتزّة يقدم الإنسان على المخاطرة في حياته لإثبات أنّ ثمّة معنى لوجوده أقوى من (الثقة) التي تحطمت أثناء طفولته.
لم تصدق أخته ندى عينيها عندما جاءت في الموعد المحدّد، يوم السبت من كل ثلاثة أسابيع لزيارته حيث انتدبها أبوها عبر الهاتف لكي تحل محلّه، بعد أن تعذّر مجيئه من الضيعة بسبب العاصفة التي ستضرب السواحل اللبنانية، بحسب ما أخطرت به الأرصاد الجوية خوفاً مِنْ مغبّة خروج الناس مِنْ منازلهم إلّا للضرورة القصوى. بحثت ندى عنه بين الصبية من دون جدوى، فجميعهم كانوا حليقي الرؤوس، يرتدون زياً موحداً رمادياً رخيصاً وباهتاً يصل بخطوطه الصفراء والبنفسجية إلى الركبة، ذابت ملامحهم جميعاً في قالب مِنَ النظرات البائسة لموج من العيون التي تستجدي إنقاذاً من الغرق في هذا الشقاء المريع الذي يتخبطون فيه لحظة بلحظة. اقترب منها... ناداها، خافت أن ترى ولداً بمثل هذا الانكسار، قبل أن تتعرّف إليه.
حضنته وبكت وهي تردد: ماذا فعلوا بك!! لم يجب، تخدّر في استرخائه بين يديها، إنما رمقها بنظرة استنجاد طافحة بالعتب والنقمة والسخط والكره وبكل ما فاض من غصّة عتيقة، ما لبثت أن انفجرت دموعاً غزيرة بقوّة انحباس قهره الداخلي. فقد القدرة على الكلام، وصار يبكي ويبكي طوال مدّة الزيارة، كما لو أنه أراد أنْ يشكو ببكائه مرارة، أبلغ مِنْ فصاحة الكلام. فجأة سمع صوتاً غريباً، لَفَعَ سمعه بانكماش، شَعَر به، قبل أنْ يتعرّف إلى نبرتها التي عدلتها لكي تلائم حنو المربية الصالحة أمام أهالي الصبية. إنها هي هدية، بشحمها ولؤمها، مَنْ كان ينادي الناس، كي يستعدوا للمغادرة. «المدّة انتهت»، أمهلتهم خمس دقائق، قبل أن يغلق الناطور بوابة حديدية ضخمة تبعث على المقارنة بما هو أبشع مِنْ بوابة سجن «الكتراز» مع فرق أن المرء في ذاك السجن يدرك تهمته الجرمية، أمّا هنا فيشعر الطفل بأنه لم يقترف ذنباً كي تسدّ عليه منافذ الهواء الطلق، ولا يعرف سبب حجزه في مكان مظلم لا أمان فيه، ولا رحمة.
الكلّ أحسّ بتبدّل مزاجه السوداويّ، عقب زيارة قصيرة، أدت إلى انفراج أساريره، بعد أنْ فرّغ غيظه وزفر نقمته المحبوسة، منذ أنْ أُودع هذا المكان الرهيب. مجيء أخته، امتصّ شيئاً مِنْ نقمته، وهذا ما جعله يعود إلى سابق عهده يركض وينط، مما أراح المسؤولين الذين كانوا خائفين أكثر على سلامة الأطفال بدنياً؛ فانطوائيته لا تهمّهم ما لم تمنعه عن الأكل، وخوفه مِنَ النظر إلى عيون الآخرين، ليس له مِنْ دلالة في قاموس تربيتهم التي تتماشى مع التوصية التي ألقاها أبوه على مسمع المديرة التي راحت تتفاخر بما قاله لها ولي أمره؛ هذا هو ابني... وهو تحت تصرفكم... افعلوا ما شئتم به لكم لحمه... ولي عظمه...!!!
وحدها مساعدة المديرة واسمها سهى مَنْ كان لديها حس عطوف. آلمها خفوت نظراته المتوقدة التي كانت تنم عن شقاء صبي فضولي. رقّ قلبها وصارت تحنو عليه كلما رأته يمشي وحده إلى جانب حائط الباحة الخارجية للملعب. في إحدى المرات تقدّمت منه، وقبّلت جبينه وحضنته، ومِنْ ثمّ صارت تشتري له الشوكولا والبيبسي والملبن... كلما رأته يمشي وحده. لقد خصّته باهتمام شديد أثار حسد زملائه عندما جلست إلى جانبه على أحد المقاعد، لتطرح عليه سؤالها الفضولي العتيق: كيف مات أبوك؟
فوجىء موسى بداية بسؤالها عما يمكن أنْ يخفّف مِنْ عطفها عليه فيما لو أجاب بعكس ظنّها، تذكّر صديقه رضوان، عندما قال له: إنهم موجودون هنا في مؤسسة خيرية تُعنى برعاية الأيتام، غير أن موسى لا يفقه معنى اليتم، ولم يلفته حديث معظمهم عن موت آبائهم. اللهم إلا ثلاثة عارف وسليم وهو. تظاهر موسى بالحزن لينفذ مِنْ ارتباكه حيال إجابة قرّر بأنه بها ستتحدد علاقته بامرأة تمثل رجاءه الوحيد، لذا حرص على ألّا يتخلّى عمّا يشي بأنه يستحق عطفها... إلى أنْ جاءت إليه بعد حوالى الشهر وفاتحته باكتشافها أنه ليس يتيماً. بدا أنها مخذولة وهي تخاطبه بالقول: لماذا لم تقل لي الصدق؟... على كل حال فعل الخير لوجه اللَّه، حسنة...!
طأطأ موسى رأسه، ومكث يفكِّر في وسيلة ما تنقذه مِنْ هذا الإحراج المقيت. أحسّ بالمهانة بعد أن فضحت الآنسة سهى ابتزازه عاطفتها. عندئذ فتق ثوب ضعفه وهم بالهرب إلى الأمام، لقد تحرّر مِنْ كوابح الظهور بمظهر ولد يستأهل الشفقة عليه حينما بدا بمظهر المحتاج إلى العطف والحنان. رجع إلى شقائه الصبياني الذي عرّضه هذه المرّة إلى تعنيف مضاعف مِنْ قِبل الآنسة سهى.
بقي موسى حائراً حيال لغز مكوثه مدة سنة كاملة في مؤسسة للأيتام، إلى أنْ وقع نظره مصادفة على ورقة مخبأة في درج خزانة أبيه.وبعد مضي عشر سنوات من تاريخ مكوثه في المؤسسة، استغل موسى فرصة انشغال أهله في أثناء موسم زرع التبغ في محلّة «السهيلة». خرجت العائلة وبقي هو لأنه أصغرهم، تسلّق حافة الخزانة وتناول بشق النفس العلبة السوداء التي تحوي سرّ الأسرار، لأنّ فيها مفتاح الخزنة المحرّمة التي أثارت فضوله مِنْ فرط إصرار أبيه على مغافلتهم كلما همّ بفتحها، استفزّه هذا الحرص غير المبرّر، إلّا لسبب عظيم، قرّر موسى استكشافه، ليجد في الخزنة أوراقاً لا تعني له شيئاً؛ حججاً بلدية وبعض المستندات التي تثبت ملكية قطعتي أرض في «النقيع»، وحفنة مِنَ الأوراق الباهتة. قرأ على واحدة منها شروط وزارة الشؤون الاجتماعية للموافقة على وهب «موسى الشبراوي» منحة تعليم مجاناً في إحدى الإرساليات الأجنبية، ومِنْ أهم شروطها أنْ يقضي الصبي سنة كاملة في مؤسسة الأيتام، كي يستوفي حقّ حصوله على واحدة من المنح الثلاث التي تبرّعت بها الوزارة الموقّرة.
صفحة 4

(2)

لم يكترث سليمان بادئ الأمر لغياب موسى؛ حتّى وإن استشعر وحشة افتقاد أخيه، إلّا أنّه قرّر أنْ يتغلّب على عواطفه التي كانت تهتاج كلما حنّ إليه عند المبيت، حالما يدخل وحده إلى حيث كانا يلهوان في مخدعهما قبل النوم على ما يمكن أن تشاهده بين جروين صغيرين يتعاركان فوق سريرهما الذي تحول إلى حلبة مصارعة. كانت الأمّ تعمد إذ ذاك إلى توبيخهما بصوت خفيض، كي تنقذهما مِنْ غضب والدهما الذي كان يضربهما إذا ما تماديا في الضجيج والصراخ.
خفت غيظ سليمان بمرور الوقت، ولم يعد متحسّراً على منح موسى أفضلية تتصل بأسباب غير التي ساقتها الأم لإقناع ابنها بالشروط غير المتوافرة له، لأنّ فرق السن في رأيه لا يعد سبباً وجيهاً لرفضه هو وقبول أخيه. اشتاق إليه كثيراً، وهذا ما صار يدفعه عقب كل زيارة يقوم بها أبوه إلى الاستفسار عما إذا حمل إليه كيسي «الفستقية والسمسمية».
بعث إليه سليمان مرّة تسع «كلل» حصل عليها بأسلوبه الخاص مِنْ ابن عائلة ميسورة يُدعى فراس، استدرجه للرهان على لعبة «الطرة والنقشة» ولما خانه الحظّ وخسر، طلب سليمان إليه أن يقرضه إياها لمدة يومين. وحين رفض الصبي أن يتخلّى عن حقّه، عاجله سليمان بلكمة قويّة، طرحته أرضاً. وهذا ما أتاح له الهرب بالكلل التي لمها عن التراب.
كان معروفاً بأن سليمان شرس بطبعه، وهو ليس كأخيه مطلقاً. «سبحان اللَّه على خلقه... أيعقل أن يولد هذان الاثنان مِنْ بطن واحدة». بهذا الاستغراب كانت الحاجة «أم ناهل» ترد على ما كانت تسمعه من خبريات حول ممارسات سليمان واعتداءاته، في حين بانت على موسى منذ سنواته الأولى، تصرفات شخص غريب الأطوار. يقلّد جديّة الكبار ويتمثّل بوقارهم وعبوس نظراتهم، حتّى تخاله رجلاً بهيئة طفل؛ وقد تحسبه قزماً ما لم تشاهد لمعان عينيه الذي يشي ببراءة الولد المغتبط حماسة في اللعب مع أولاد مثله، ألفوا غرابته بالرغم من عدم فهمهم لعلّة تفرّده بنظرات بعض المارة الذين لفتهم منظر ولد لا يشبه نفسه...! ولطالما ورّطته تكشيرته المعهودة في عداوات، لا تلبث أن تتلاشى بعد أن يعتاد الأولاد عليه كواحد منهم، له ما لهم، ما دام يقبل الخسارة بالتجهّم نفسه لقبوله الربح في ألعابهم المتنوعة التي إذا ما فرضت قسمة الأولاد، فهو حتماً رئيس إحدى الفرقتين، يوزّع الأدوار على أفراد جماعته ويأمرهم بلهجة حازمة تنمّ عن ثقة العارف بما يتهامس به أفراد الفرقة الثانية. لهذا تجده لا يتحمس للألعاب الفردانية؛ لأنّ «الغميضة» ليس لها رئيس، كما أن كرة القدم تتطلب قوّة بدنية ولياقة غير متوافرتين في جسده النحيل. ففي هذه الحالة تراه هو المدرّب، يتقمّص الدور كما لو أنه خلق ليكون قائداً في توجيهاته التي تنمّ عن صدق الحالة التي يعيشها وهو يأمر هذا وينصح ذاك.
«لقد وضع اللَّه سرّه في أضعف خلقه»، هذا ما كانت تكرره الحاجة «أم خليل» كلما صادفت أخاه سليمان يركل تنكة مِنْ هنا ويشد حبلة مِنْ هناك. إذ قلما شاهده أحد يمشي كالناس. حتى وصل الأمر «بأبو هاني الشعيباني» إلى أن راح يصفه بالشقاء المنتقى في شكل إنسان ممسوس بروح جنّ. صرح برأيه هذا عندما أخبرته امرأته بعثورها على دجاجتهم «الحلطة» نافقة في الحاكورة بضربة حجر... ولأنّ صيت مشاغباته، لا تحتاج إلى دليل... فإذاً هو من اعتدى على قن أم نبيهة، وهو حتماً مَنْ تسلّل إلى زريبة وهيب الشتوي في الليل التي فُقِدَ فيها جدي العنزة الكحلة، حتّى دالية السيّد أبي إبراهيم التي سُرقت في خلال اليومين اللذين قضاهما سليمان عند أخته في بيروت «لم تسلم مِنْ يده الطويلة» بحسب ما قالته أم صبحي؛ هذا قبل أن تتأكّد خبرية غيابه عن الضيعة، مما أبقى لغز السرقة مفتوحاً أمام تكهنات، لم تذهب إلى أبعد مِنْ احتمال أن يكون هو مَنْ أوصى بها لأحد الصبية. أما في حضوره فباتت الأم تتوجّس في كل ظهيرة تمرّ، مِنْ دون أن تطمئِنّ إليه، عبر شكوى تدل على أثره الصاخب أينما حلّ.
«شو بدي إعمل بهالصبي خلق هيك متل العفريت..». بهذه اللازمة التي ما برحت الأم تكرّرها على مسامع المشتكين، أعفت خديجة ابنها من تلك الرذالة التي خلقه اللَّه بها. إلّا أنها كانت مدركة في قرارة إحساسها به وهو في بطنها، أنّ أمثاله عاصون على الإصلاح. لذا سلّمت أمره إلى ربّها، علّ الزمن يخفّف مِنْ غلو تماديه، بعد أن فشلت كل محالاوت ثنيه عن شيطناته. كان أصغر حينما جرّبت حرمانه من الحلوى بحسب لائحة ممنوعات، أدرجها الطبيب في وصفة طويلة، منعته عن السكر ـ والشوكولا ـ الفواكه المجفّفة و... و... إلخ.
ولما يئست لجأت الأم إلى عرّافة تُدعى «أم رهام» علّها تشفيه بأرواح الأنبياء والأئمة الصالحين. سألتها في البداية: بماذا توحمت وأنتِ حبلى به؟
ولما كان السؤال أصعب مِنْ أن تتذكّره امرأة أنجبت عشرة أولاد، راحت الأم تستنبش ذاكرتها المشوشة بزحمة هموم كثيرة. قالت: «إيه تذكّرت «مقادم ماعز»... [وأردفت] لا واللَّه محتارة بينه وبين أخوه مفيد». وسكتت على ما يظهر مِنْ شرود نظراتها نحو ماضي الذاكرة؛ تركيز فائق، علّها تلتقط قرينة ما تحسم بها لغط تشوشها، بقيت على هذه الحال مستغرقة بضع ثوانٍ قبل أن تنطق بالقول: «كان موسم... موسم... موسم... حصاد العدس... اشتهيتها وقتذاك مع أنه لم يسبق أن خطرت على بالي؛ لأنّ مذاقها زنخ، ولأني أكره شعوري بفكرة التهام إنسان قوائم حيوان، كان يمشي وله روح. فهذا يخيفني ويقرفني...!» وقبل أن تسترسل الأم بعيداً إلى ما لا تحتاج إليه «أم رهام»، قاطعتها على ما يستدل من الكلام، بأنها التقطت سرّ مطابقة سلوك سليمان مع المعنى الباطني لـ «توحيمة» الأمّ بمقادم عنزة ممسوسة بروح جنّ. وقالت: لا مفرّ من أنْ تصطحبيه إلي غداً لنقوم بالعملية التي لن تتطلب أكثر من ثلاث جلسات، كي نحصل على النتيجة الأكيدة، ونطرد منه هذا المسّ العفريتي... واللَّه الشافي... [وأردفت]: لا تنسي أنْ تقصّي لي خصلتي شعر من فروة عنزة.
ولما فشل سبيل علاجه «بالروحانيات»، فقد أهله الأمل وقرروا أن يتآلفوا مع منغصات العيش في ما كتبه اللَّه لهم، مع ولد شقي وعاق، يسخر مِنْ ورع الكبار ويغتبط لمغافلتهم، فضلاً عن جنوح ابن الثاني عشر بطبعه، إلى التمرّد، وتجربة مقدرته على تجاوز ما كانوا يخيفونه به.
صفحة 5
كان سليمان في هذا العمر الذي يعمد فيه المراهق إلى الثأر من ممنوعات الكبار التي طوقت روحه بقوّة انفجاره في وجه ترتيباتهم وانتظاماتهم، وأيضاً حرصهم على سلامة مقتنيات، صار يعبث بها سليمان ليندّد بهم وبأشيائهم، فيمتلئ بالفرح مِنْ تدميرها وتكسيرها سعياً إلى استنشاق الشغف المتطاير مع تبعثر زجاج النوافذ، تماماً كما جرى يوم قرّر في ليلة شتوية باردة مع ثلاثة مِنْ رفاقه، أن يقفزوا من فوق سور مدرسة الضيعة، ليرشقوا نوافذها بالحجارة، انتقاماً لزميلهم جميل، بعد أن اقتصّ منه الناظر بثلاث مساطر، ضربه بها على قفا يده، عقاباً على خربشاته التي شوّهت زاوية مقعده البنيّ. ولكان مرّ الاعتداء بدون ضجة كبيرة، لو لم يفضحهم «أبو شكيب» عندما رآهم مصادفة أثناء عودته من السهر في بيت ابن خاله «أبو جابر». خاف بداية من رؤية ظل يتحرّك في عتمة ليلة دامسة. لكن تعرفه إلى سليمان مِنْ صوته، أثبت التهمة على رفاقه الباقين، فشكاهم إلى أولياء أمرهم، فاستشاط الآباء غضباً مِنْ هذ التخريب الذي تجاوز قدرتهم على تحمل «جرصة» اجتماعية مدوية... بعدها اختفى سليمان مدّة شهرين عن أنظار أهل الضيعة، فسرت في غيابه تكهنات وخبريات، منهم مَنْ قال إنّ أباه فقد أعصابه بعد أن سمع بالخبر، فضربه بقسوة، وقذفه بكل ما وقع تحت يده وهو يصرخ ويكيل له الشتائم... فكان أن بضع جبينه بجرح بالغ، أدخلوه في إثره مستشفى «الشفاء». وبعضهم ذهب إلى القول بأنّه بقي مربوطاً في زريبة «أبو حميد» عشرين يوماً... و.. و... إلى أن ظهر يمشي في سوق الأحد برفقة أمّه وهو ذاوٍ ومهزوم، حيث بان عليه بياض الحبس، وقد تلوّنت عيناه بشراسة الانكسار. كانت يده اليسرى لا تزال محاطة بالجص ومعلقة إلى رقبته، عندما استفاق «أبو شكيب» صباح أحد الأيام ليجد العجلات الأربع لسيارته «البيجو 404» مثقوبة بسكين. حامت الشبهة حوله، على الرغم من أنّه «عسراوي»، وحدها الشفقة عليه أنقذته مما هو ضالع به في نظر جميع أهل الضيعة.
لم يشك أحد في أخيه موسى، نظراً إلى خصاله المختلفة وإلى خلو إضبارته السلوكية من أية سابقة مِنْ هذا النوع. لم توجه إليه أصابع الاتهام على الرغم من الغضب اللافت في نظرات موسى ونقمته التي كانت تبرز فجأة على محياه كلما مرّ ببيت أبي شكيب، البعيد عن بيت أهله مسافة ثلاثين هكتاراً مربعاً لـ بيدر الحاج «معروف الأميركاني»، حيث توزعت بيوت «الدفلاية» كلّها حول تلك الفسحة المملوكة لرجل انقطعت أخباره، بعد أنْ ركب البحر وهاجر إلى أميركا تاركاً لزوجته بنتاً وسبعة صبيان، تناسلوا فأنجبوا بدورهم ذرية أولاد، جلّهم يعيش في عوز، ينتظرون استعادة مجد جدّهم الضائع، ريثما تبتّ المحكمة بالدعاوى المرفوعة فيما بينهم على حصّة كل حفيد مِنْ إِرثٍ فقد نصف قيمته بسبب احتدام الخلاف بين ورثة تباعدت القربى بينهم إلى أن صار لتوقيع ابن «سنيّة العرجا» رأي قانوني حاسم في قسمة الأراضي.
حاول إبراهيم وهو أعقل أحفاده فض المشكلة المستحكمة بين أهله وأقاربه. قصد مرفأ صيدا، وسافر على متن باخرة محمّلة بالمواشي إلى تركيا، علّه يجد مِنْ اسطنبول سفينة تحمله إلى أميركا. لم يعد هو أيضاً. انتظرته زوجته سبع سنوات، ولما فُقد أمل العثور على أي أثر له، عمد الشيخ سليم إلى تطليقها بالثلاث شرعاً، ومن ثمّ زوّجوها إلى ابن عمها نعمان الذي أنجب منها أربعة صبيان كان أحدهم «بهيج الشبراوي» والد موسى وإخوته التسعة. ومن الطبيعي أن تتحول أميركا عندئذٍ في مخيال أهل الضيعة إلى خطّافة رجال؛ تُقدّر قيمتها بهالة احتجابها بعيداً خلف البحار، حيث ابتلعت رجلين، ملكا مسحة العالم الأجنبي القابع هناك وراء صقيع المحيطات.
وصلتهم خبرية وحيدة من تلك الديار الغريبة، لم يتبينوا صدقها بسبب حاجة أهل «الدفلاية» إلى خبر ما يغيث توقهم إلى الإجابة عمّا حلّ بشخصين عزيزين منهم. نقلها «أبو سميح» عن شخص مجهول باقي الهوية اسمه طوني، كان يرتدي بذلة رسمية ويعتمر طاقية خواجات تتلاءم مع صفات الرجل «الأميركاني»، وتتدلى مِنْ جيب سرواله سلسلة ساعة فضية. والحكاية تقول إنّ الرجل فوجئ بكنية أبي سميح، ولما سأله الأخير عن السبب، راح الغريب يحدّثه وهو يلتهم سندويش الفلافل بنهم من يشتهي الطعام البلدي، كيف أنه التقى شخصاً يُدعى الحاج «إبراهيم الشبراوي» في متجر مجوهرات دخله بعد أن لفته اسم المحل المخطوط على لافتة مضاءة بأحرف كهربائية نافرة «Hajj chibrawi». أما بقية الخبرية فتقول أن الحاج إبراهيم عشّاه في بيته وتركه يرحل في منتصف ليلة جليدية، مِنْ دون أن يدعوه للمبيت عنده. وأردف طوني الغريب معلقاً على ما نقله أبو سميح عن لسانه: «يبدو أنه صار مثلهم متخصّلاً، بخصالهم، وذلك بتأثير من زوجته الشقراء الطويلة التي عرّفها إبراهيم بي بشيء مِنَ الخجل. قال الغريب وتابع: كانت وديّة أكثر منه، جلست معنا خمس دقائق، قبل أن تستأذن وتنصرف بلباقة إلى الجناح العلوي من بيتهم الفخم.... بدَت لي أكبر منه بحوالى عشر سنوات، أنجبت منه صبياً، يشغل اليوم منصباً رفيعاً في الدولة. سمعتُ أن «أنطوني الشبراوي» عين مستشاراً لحاكم مدينة نيويورك... وختم أبو سميح قائلاً: دَعَوْتُه إلى بيتي. كنت أنوي أن أقيم مائدة عشاء لجميع أهل الضيعة على شرفه. لكنه اعتذر متأسفاً ورحل بسبب ضيق الوقت، لكن خبث أبي سعيد لم يعفه منْ استفسار قارص، غمز منه إلى بخل محدثهم وسأله: «أخبرنا كم تقاضيت ثمن سندويش الفلافل...»!
تناقلت بيوت «الدفلاية» هذه الخبرية فملأتها حماسة جذبت شبابها للسفر إلى أميركا. صارت قبلتهم، وتحوّلت إلى ما يشبه الإسفنجة التي امتصّت آمال جيل يحلم بالثراء والزواج بامرأة شقراء غريبة كالحاج إبراهيم، وهذا ما أثار حفيظة الأمهات الساخطات على الحظّ البائس لبناتهن المتروكات لقدر شحّ العرسان. عريس واحد لكل ثلاث بنات. وهذا ما حدا بالحاجة أم فهد إلى أن تصف أميركا بالعاهرة الجميلة، فقالت متوجهة إلى زوارها أثناء وداع ابنها فهد: «لو صوروا لي إياها ذهب وألماس... اللَّه يلعن أميركا واللي اكتشفها. لأنها سوسي بتنخر عقول شباب «الدفلاية» بتغويهن متل الشرمو... وبتسحبهم لعندا... وما بعرف شو بتعملهن حتى تخليهن ينسوا الليّ خلفوهن».
تبدّلت «الدفلاية»، ولم تعد هي نفسها في العقدين الأخيرين، دبّت فيها نهضة عمرانية، تحوّلت بأهلها مِنَ بيوت الضيعة القديمة، المتلاصقة فوق هضبة مطلّة على واديين من جهة الشمال والشرق، إلى بيوت جديدة انتشرت فوق التلال وعلى السفوح لمغتربين آثروا بناء منازل فخمة فوق هكتارات مستقلة، وبعيدة مسافات كانت تعدّ حتى الأمس القريب مرتعاً للضباع والخنازير البرية ولأعراس الجنّ وأصوات العفاريت.
صفحة 6
هكذا تحوّلت الضيعة كلها صوب الغرب ناحية «الجورة التحتا، والخرّار والجلالي الصفر»، هناك تشكَّلت الدفلاية الجديدة، تاركة للزواريب القديمة صمت أيام زمان، لكن لايزال لمقام النبية فيها هالة تقديس مستمدة مِنْ جهل أهل «الدفلاية» بنسب النبية وتاريخها، فلا يعرف الناس عنها غير ما يرونه مِنْ قبّة ترابية، نَبَتَ فوقها عشب دهري، لا يُمسّ، لئلا يُدنسّ سرّ اللَّه المدفون في مقام، أضحى قبلة نذور مختلفة. إضاءة شمعة لمن لم ينجب ذكراً. وشمعتين لأم تستجدي الشفاعة لابنها الغائب، أمّا البنت التي شارفت سنّ العنوسة، فعليها أن تمشي حافية إلى حيث رجمة مِنْ حجارة الصوان، قبالة المقام تماماً، ومن ثم عليها أن تركع هناك مدة نصف ساعة، تتضرع في خلالها إلى الله كي توفق إلى عريس يحميها من تعاسة الوحدة في أيامها المتبقية. وحدها خديجة أم موسى بقيت على ارتيابها وشكها في حقيقة المقام. لأن الله أرفع مِنْ أن يقترف تصرفاً من هذا النوع ويُرسل نبيّة مِن جنسهن، فالأنثى لا تحتفظ بسرّ. وهي أصلاً مدنّسة بدماء الطمث، تغوي الذكور وتدفعهم إلى ارتكاب الرذيلة والفاحشة. لكن مِنْ فرط ما حُكي عن استجابة نبيّة «الدفلاية» لنذور أهلها ودعواتهم، صارت مقصد المعوزين من ضيعة «برج الدوري» و«النفاحة» و«الخشّة» ولكثيرين ممن سمع بمعجزة شفاء أبي فهيم مِنْ خبل صدمة قاسية، أفقدته عقله مِنْ جرّاء مرأى ليلي، قِيل فيه إنه شاهد في العتمة حيواناً هجيناً، له رأس تمساح وجسد خنزير، ولما أعيا الأطباء في محاولاتهم ولم يُشفَ، أخذوه إلى مقام النبيّة، ومرغوا وجهه بتراب القبّة. لم يمضِ يومان حتّى عاد إليهم بعقل صاف ومتقد. حتى «أبو نجيب المعّاز» استنجد بإعجازها للبحث عن كبش قطيعه الذي افتقده عند المساء. فتّش عنه في المسالك الوعرة «لجلالي السمر والرفيد». قضى الليل كله ينادي في البراري «الزعرت والأغبر»، ولما لم يجد له أثراً، لجأ إلى النبيّة، ونذر بأن يوزّع لحم جدي العنزة الكحلة على المحتاجين، إن أعاده اللَّه إلى قطيعه سالماً، فوجده في اليوم التالي على باب الزريبة.
بعد ذلك تحوّلت القبّة الترابية للمقام مزاراً مقدّساً، لا يضاهيه سوى الكلام عن جلالة اللَّه القدير الشافي الرحيم والعليم؛ ولأنها كما في اعتقاد أهل الضيعة كلهم باتت تحوي كل ما لا يعرفونه عن أنفسهم، صار لها مهابة خاصة، الكل صار يتوقّر المرور مِنْ أمامها، بالبسملة والحمدلة، حتى الصبية أدركوا بأن اللعب بالقرب مِنْ مرقد الأسرار قد يزعجها ويثير غضبها، لذا تحوّلت زواريب البيوت المهجورة إلى مخبأ لعبة «الغميضة وعسكر وحرامية». إلاّ نادر «الجبان» بحسب ما صار يناديه سليمان وشلّته، ولطالما وجدوه متكوراً على نفسه خائفاً من ظله، في كل مرّة تنتهي اللعبة من دون أن يظهر له أثر. أمّا لماذا كان يصرّ على مشاركة الصبية في ألعاب قد تعرّضه لسخرية أضعفهم، فهذا يعود إلى الفرح الذي كان يستشعره في داخله عندما يرى الآخرين يقدمون على ما يفزع منه. ولأنه بات يمثل عبئاً على كل فرقة تشفق عليه وتضمّه إليها، صار رفاقه يصدونه، في المرات القليلة التي يأذن له أبوه في الخروج للعب معهم، بدبلوماسية فاقعة. كأن يجلسوه على مصطبة قريبة مِنْ فسحة اللعبة ويجعلوه مراقباً لهم.
كان الجريء بينهم يتوغّل في العتمة الدامسة إلى حيث يُسمع مِنْ صوب المقبرة القديمة رعب الهمسات التي تتحدث عن أنها مسكن للأرواح. تستفيق في الليل لتتفقد ما فعله الناس في النهار؛ قِيل إنها كانت مدفناً لليهود، قبل أن تختم قصّة مشاركتهم لنا مع هجرة القسم الأكبر، لتبقى قلّة منهم خائفة مِنَ الظهور حتّى في الإعلان عن موتها. إلّا قبّة نبيّة «الدفلاية» لم يغامر أي من الصبية في الاقتراب منها. عبثوا بكل شيء، حتى المسجد لم يسلم مِنْ مغامراتهم لاستكشاف أسباب الرهبة التي احتلّت حيّزاً كبيراً في إيمان أهلهم.
سليمان هو مَنْ كسر حاجز الخوف لديهم، حينما دخل باحة الصلاة مِنْ دون أن يمتثل للأمر المكتوب على المدخل «عليكم بخلع الأحذية». استفز فضوله في اليوم ذاك، صندوق عتيق مزيّن بزخرفات وترصيعات أندلسية. خلع قفله ليجده فارغاً إلّا من مسابح وأقراص وثلاث نسخ مِنَ القرآن الكريم. كان عزيز مُزعجاً للشلّة في تباهيه الدائم بجرأته على الوصول إلى «بيت الشلهوب» الأبعد عن الضيعة والأقرب إلى المقبرة القديمة، ولمّا استاء سليمان مِن اعتداد غيره بما يجب أن يبقى حكراً له وحده، دبّر له مكيدة محكمة أثناء عودته في ليلة مقمرة مِنْ صوب زاروب صفيّة، حيث وزّع قبل وصوله، الأدوار على الباقين في إطار خطّه، قضت بأن يبول صبيّان وراء الحائط، قبل ثوان مِنْ وصوله، لينساب البول نزولاً على شاكلة أفعى تسعى نحو قدمي الآتي مِن جهة عزيز المستنفر بأحاسيسه المتوجسة، كأي إنسان طبيعي يرتاب من أيّ حركة غير منتظرة في صمت الليالي الحالكة. أجفله مرأى الحركة الغريبة على الأرض، فراح يصرخ وهو يركض أفعى. أفعى. أفعى. لاقاه بقية الصبية في الطرف الثاني من الزاروب، فأخبرهم وهو يلهث عن «الحيّة» التي خرجت بطولها الذي لم ينتهِ مِنْ خربة «أبو زيدان»... عندئذ اصطحبوه إلى حيث ثأر الجميع مِنْ تبجحاته بالضحك المستثار مما رواه سليمان بسخرية لاذعة «هيدا زرّوق يا بطل...».
لم يتورع هؤلاء الصبية عن مدّ أيديهم والتطاول على كل شيء، فتحوّلت الضيعة كلّها بسطوح بيوتها وزواريبها، بحقولها ومشاغلها، حتّى الأماكن الموقّرة تحوّلت مسرحاً لنزوات التجريب عندهم. فلم يكترثوا لتنبيهات أهلهم ما داموا أصغر مِنْ أنْ يدركوا حجم العناء الذي بذله «أبو سمير الفطينة» كي يدّخر ثمن مضخّة المياه، حينما عمدوا ببراءة خالصة إلى استكشاف سر الحصانين المحشورين داخل علبة حديدية، لا يتعدى قطر دائرتها عشرين سنتمتراً، ليتفاجأوا بعجقة توصيلات كهربائية، أدّت إلى ضخّ المياه بقوّة الحصانين اللذين سمع بهما عزيز في السهرة التي كان يتحدّث فيها أبوه عن تلك العجيبة التي اشتراها أبو سمير من بيروت.
ولم ينوِ موسى إيذاء «أم دقمان» حينما دهس حقلها المزروع بشتلات الفول، وسواها بالأرض في أثناء تفتيشه عن عصفور «البو الحن» الذي أصابه على غير عادة بحجر نقفة موفقة، ومِنْ ثم انكب على غير هدى فوق هشيم الاخضرار، علّه يلتقط ذاك الشيء الذي يسمح له بالردّ على عزيز الذي دأب في اتهامه بأنه أفكح لا يصيب بغلاً قبرصياً. ولما أخذ سليمان طناجر الألمنيوم مِنْ فوق كومة الحطب في دارة «أبو هدير»، لم يفكّر لحظة في سبيل غير توفير ثمن فخَّين يصطاد بهما عصافير «البوبليق»، وقد حطمها حتّى بدت غير صالحة للاستعمال فور سماعه صوت «أبو عامر الجوياني» ينادي «ألمنيوم عتيق للبيع... صرامة عتيقة للبيع!». كل الأشياء صارت مباحة عندهم بتلقائية اندفاع صبية متحمسين لالتقاط العالم في كفّ واحتجاز أشيائه في قفص عصفور.
صفحة 7
غرّهم العبث بتحذيرات أهلهم، حتى إنهم انشدّوا إلى التلصص على رهبة الخالق مِنْ خلال التحرّش بممنوعات مخلوقاته، دأبوا في التسلية بالسخرية مِنْ كل الأشياء؛ حتّى أرواحهم جعلوها مسرحاً للعبث، عبر ألعاب متهوّرة أمدّتهم بشغف استكشاف الخطر في السير على حافة شيار وادي النبعة، والقفز من فوق شجرة «الدلبة». ولا عجب إن كان لكل شخص في هذا الطور فائض مِنَ الطاقة، لا يتمّ صرفه بالرويّة، إنّما يُستنفد بالعجالة والتهوّر؛ لهذا يموت البعض... وينجو بعضنا الآخر ليتذكّر «صبيناته»، منبهاً ومحذراً أبناءه مِنْ مغبّة الخوض في ما اختبر خطورته بنفسه؛ وكما استمع هو إلى أبيه مِنْ دون أن يمتثل لنصائحه، يعاود ابنه خوض التجربة نفسها، فيرتكب الحماقات ذاتها التي إن أتيح لها أنْ تتراكم وتختمر، ستخلق منه رجلاً ناضجاً وقوراً، ينظر إلى ماضيه بعين ثاقبة وعقل راجح على النحو الذي جعل «غالب الهسّي» يندم على ما فعله يوم فكّ رسن حمار أغبر، طوّل له صاحبه في خراج بلدة «الخشّة»، ومِنْ ثم أتى به إلى نهر الليطاني، ليستكشف كيف لكائن بحجمه أن يموت غرقاً. أثقل خرجه بالحجارة وامتطاه مع صبي آخر، وطلب إلى ثالث أنْ يجرّه إلى لجّة مياه عميقة. كانا يضحكان بطريقة هستيرية عندما راحا يتناوبان على إغراق رأسه في المياه، عاودا الكرّة أكثر مِنْ عشر مرّات، إلى أن نفق.
تحوّلت البراري كلّها عند هؤلاء الصبية مرتعاً لمغامرات شقية طعمها بطعم لذّة الاختبار؛ ركضوا في حقول ضيعتهم ووديانها من دون أن يستشعروا حرّ النهارات الصيفية ولا صقيع الليالي الباردة، ما داموا يغبّون شوقهم إلى الضحك والخوف والمباغتة. سبحوا مع الأفاعي في بركة حميد المعتكرة بوحل مجرى ينبوع ترابي، كان يجفّ في آذار مِنْ كل سنة، غير آبهين لخطر لدغها.
باتَ موسى يعاني عند كبره رهاب النظر إلى صورة الأفاعي، مع أنه جازف كالبقية في الغطس معها في الحوض نفسه. كانت بهجتهم في النجاة مِنْ سمّ الأفاعي تفوق الثمن المترتّب على مخالفة وصيّة أهلهم بعدم النزول للسباحة في بركة حميد، يتقبلون عقابهم كما لو أن الأمر يستأهل القيام بتلك المغامرة الشائقة التي فضحتها أم سليمان أوّل مرّة من تحوّل لون السروال الداخلي لابنها، مِن الأبيض إلى الأحمر. ركب الأولاد صهوة الشغف ليستحصلوا على ما يسلي أرواحهم التائهة بين نزوات عابرة وقِيم كابحة. لا يكبحهم مانع من اغتراف كل ما يخطر على بالهم بالنهم نفسه الذي أدى بـ «أبو الدبس» وهو لقب أطلقه سليمان على «أيهم الفاعور» بعدما سمع أمّه تقول: «ما بعرف شو صايبو هالصبي... ما بيقدر ينام طالما أنّو في البيت لحسة دبس خروب» إلى أنْ يمتطي ظهر ثور أكحل نجا مِنْ هيجانه بأعجوبة، مع أضرار بسيطة اقتصرت على ثلاثة كسور في يده اليمنى. كانوا يختلسون لذائذهم بفرح المنتصر على خوفه مِنْ تحذيرات الكبار. بقي ثمّة شيء لافت عندهم تمثّل بذاك الحرم أو تلك الرهبة التي احتلّت حيّزاً مؤثراً في نفوس الصبية مِنْ بيت «أبو الشلهوب»، وهو عبارة عن غرفتين قديمتين، كانتا مسقوفتين بفنود، مقتطعة مِنْ شجر «الزلنزخت» المرّ حتى على سوس الخشب وهذا ما جعل أهل القرى يستخدمونه سقوفاً يسندون به الطين الممدود فوق جدران حجارة صوانية، نبتت بين شقوقها طحالب وأعشاب دهرية يشبه اخضرارها الاخضرار الذي كان يظلل قبب قبور الموتى. أحاطه أهل «الدفلاية» بهالة خوف، نسجتها حكايا بعضهم عن صراخ أرواح تستغيث، سمعها «أبو منير» في منتصف ليلة دامسة، بالإضافة إلى ما نقله «أبو هاني» بعد حوالى شهرين عن همسات وأصوات غريبة داخله. إلى أنْ ضجت الضيعة كلها بخبرية «إِمّ شاهين» عن ظل رجلين عملاقين رأتهما عند الساعة الثانية صباحاً بأمّ العين يحنيان ظهريهما ليمرا مِنْ تحت قنطرة البوابة، قبل أنّ تبتلعهما العتمة.
صدّق أهل «الدفلاية» تلك الخبريات بسبب اختفاء صاحب «تلك الخربة» فجأة؛ وهو رجل سبعيني، انقطعت أخباره قبل عشرين سنة، ظهر خلالها مرتين، واحدة لأم هاني في ليلة باردة، رأته متكئاً على جذع شجرة الجوز في دارته المهجورة، وقد كسا هيئته بياض لحية طويلة، تكاد تلامس الأرض، اختفى بعدها في غضون لحظات، ثم ظهر في المرّة الثانية لأبي عدنان بصورة طيف وهو يرتدي عباءة بيضاء، لم يرَ منه الداعي إلّا عينين جاحظتين، كانتا تبرقان كعيني قطّ، مِنَ الطبيعي أن يتحوّل بعدها، هذا المكان إلى مرتع لأوهام واستيهامات غريبة، أثارت هلع صبية، تشبعت رؤوسهم في الليالي القارسة بحكايا أجدادهم عن الجنّ الذي يستهويه السكن في بيوت مهجورة. قِيل إنه يختفي، ومِنْ ثم يعاود الظهور بصورة قططة وكلاب. رآه أبو سامي مرّة على شاكلة أفعى تسعى عند المغيب نحو بيت «الشلهوب» وأردف يقول: «لم أقتلها... لأنني أدركت بحدسي الإيماني والحمد للَّه، أنها جنّ بصورة حيّة». لقد تحوّلت تلك الخبريات إلى مادة دسمة للألسن التي تناقلتها بشكل أدّى بذاك البيت إلى أنْ يصير مرتع أوهام، أو دهليز رعب ورهبة من شدّة التحليلات التي شذبت منه وأوّلت فيه الكثير، إلى درجة، أدّت بكل شخص اضطر للمرور بقربه إلى تلاوة سورة الكرسي مرتين، أو أن يتحصن بتعويذة الشيخ عبد الحفيظ. وهي عبارة عن ديباجة سور قرآنية مطوية في ورقة على طبقات، على كل مؤمن أن يلفّها حول زنده، كي يحتمي مِنْ أرواح بيت مسكون بكائنات غريبة. كاد الشيخ أنْ يبتدع مذهباً خاصاً لنفسه، بناه على سرّ هذا البيت الذي تحوّل إلى مقرّ مقدّس، يقصده المؤمنون للتبارك بلمس الحائط الشمالي لمرضى السرطان، والحائط الجنوبي لمرضى القلب. أما الأعشاب النابتة بين شقوق الحجارة، فيتمّ قطعها، لكي يحرقها الأحياء على قبور موتاهم، رحمة بهم وشفاعة لهم عند اللَّه.
«إنشاللَّه بيطلعلك جنّ بغرفة نومك...!» بهذا خاطب عزيز سليمان ردّاً على تحدي الأخير له بالقول: «إنت إنت يا مدّعي... خفت مِنْ زرّوق نادر... شو نسيت؟ على شو بعدك مشنخر منخيرك لـ فوق... بتراهن منك خمس كلل وخمسين مني. إذا ما تجرأت على تعليق هذه الحديدة على بوابة بيت الشلهوب». كان يدرك سليمان مقدار الهلع الذي يصيب زملاءه لمجرّد التفكير في الاقتراب مِنْ ذاك البيت المرهوب. لذا استغل خوفهم ليمارس عليهم في أثناء ألعابهم الليلية سطوة الاختباء بمحاذاته. فيكسب، مع أنه ليس عنيداً، فيباس رأسه يشكّل سبباً مضافاً على تأثّره بالآراء الإلحادية لأكبر أخوته هاني الذي سافر إلى فرنسا ليكمل تخصصه الجامعي بفرع لم تحفظه أمه (بيقولولو بالفرنجي «كونمي») هكذا كانت ترد على نسوة الصبحية حينما يسألنها عمّا يفعل ابنها في الخارج وتردف: ريتو يقبرني إنشا اللَّه... ما عاد إلو صفوف هون... خلصهن كلّهن. عم بيعمل شي بالاقتصاد بقولولو «كونمي» كانت تقصد Economie. رجع في العطلة الصيفية متأنقاً ذا هندام أوروبي، ومتأبطاً ثقة شاب ريفي عاد تواً مِنْ باريس إلى مسقط رأسه في ضيعة نائية تفوح مِنْ أزقتها رائحة بعر الماعز؛ فالحياة الباريسية عصفت ببساطة «ابن الدفلاية» فحولته إلى إنسان لا يشبه نفسه. بعد أن نسي أصله وهو ابن فلّاح يعتاش من زراعة التبغ.
صفحة 8
«شو صايبو هالصبي بيمشي وبيحكي معنا متل اللي شامم ريحة خرا» هكذا تمتمت «أم فتحي» منفعلة، بعد أن مرّ أمامها مِنْ دون أن يرمي التحية عليها، جرياً على عادة أهل «الدفلاية». خاب أملها بمن كان له نصيب الرضاعة مِنْ بزّها أربعة أيام وختمت بالقول: «إنسان بلا وفا» سمعه الجيران يتلاسن مع أبيه المستاء مِنْ تعمّده كسر التقليد المتّبع في استقبال الضيوف المهنئين بعودته سالماً، ليومين. كسر كلمة أبيه وذهب إلى بيروت لأسباب، ادّعى هاني أنها هامة جداً. والحقيقة أن شاباً في مقتبل العمر مثله، لن يجد أهمية أكبر من اللقاء مع فتاة لبنانية تواعد على شرب القهوة معها في مقهى «الدبيوبو» وهو في باريس. ردّ عليه والده بالقول: «مَنْ قال لك إن في الدنيا شيئاً أهمّ مِنَ الحفاظ على كرامة أهل الضيعة... ما فعلته غير مقبول أبداً». ولما حاول هاني أنّ يقنع أباه، أنّ هذه تقاليد بالية، لا تؤخّر ولا تقدم في الحياة العملانية، ردّ عليه أبوه بغضب وقال: هذه تقاليد بالية عندهم... أمّا عندنا فلا.... أوفدتك إلى تلك البلاد الباردة، لتصير فهمان وتزداد علماً... على كل حال صدق اللي قال: «لا رجاء بمن نسي أصله». صحيح أن هاني تبدّل تبدلاً لافتاً مِنْ جرّاء تلوثه بأبّهة المدينة وعجقتها التي عجنته على ما أدّى به إلى إعادة ترتيب أولوياته تبعاً لبطء الوقت في «الدفلاية» وسرعته في باريس؛ إلّا أنه حافظ على رصانته وصار أكثر هدوءاً في مواجهة الانفعالات العاطفية لأهل ضيعته، وهذا ما زاده احتراماً، كان يمكن أنْ يتضاعف لو تعامل بحنكة أكبر، مع بيئة ريفية ترفض عادات الأوروبيين وتقاليدهم الاجتماعية، لكنها تقدر أفضليتهم في كل ما عدا ذلك، أي في صناعة السيارات والطيارات والأدوية؛ فابن الثالثة والعشرين لا يزال أطرى مِنْ أن يظهّر اقتداره المعرفي بصورة متواضعة. كانت تملأه الحماسة إلى درجة أثارت إعجاب سامعيه وهم يصغون إلى كلامه المنطوق بصدق فائق.... ولطالما شدّهم إليه بطلاقة لسانه وهو يتحدّث في السياسة والفلسفة، وفي كل ما لم يفهم منه أهل الضيعة سوى أنّهم أقلّ مِنْ أن يدركوا المغزى العميق لكلمات المتعلمين.
ولكونه قادراً على فكّ ألغاز الدين، في نظر أخيه سليمان، سأله الأخير رأساً عن سرّ البيت المسكون. فردّ هاني بابتسامة «صفراوية» وشت باكتناهه معلومة يجهلها أهل الضيعة، ولمّا ألح سليمان على أخيه أن يبوح إليه بإجابة صريحة، سأله هاني عن المغزى الذي يمكن أن يكون قد دفع أم شاهين المتزوجة حديثاً برجل لا تحبّه على نشر إشاعة مِنْ هذا النوع، أعمت العيون عن الالتفات إلى مكان قريب مِنْ بيتها، ولما أبدى سليمان استغرابه من الإجابة عبر سؤال، لم يفِ حق الإجابة المباشرة بصريح العبارة أجابه هاني ساعتئذٍ قائلاً: «لا تصدّق مثل هذه الإشاعات، فهذه تهيأت، تنطلي على أصحاب العقول البسيطة، فلا جنّ ولا إنس يسكن بيت الشلهوب... أطلقت أم شاهين تلك الإشاعة في البداية لتطمس نظر أهل الضيعة عن مخبأ خلوتها العاطفية مع عشيق له اسم وجسم،... إنه سمير اللحام، ومِنْ بعدها استرسلت أقاويل الناس في نسج حكايا ومزاعم عن رؤى وخيالات وهمية... هل توضحت لك الصورة»؟.
لم يخبر سليمان أحداً، فتسلّح بهذا الاكتشاف الحصري ليتمادى أكثر في إثارة هلع رفاقه، مرّة من خلال الأصوات الغريبة التي راح يقلّد بها نواح امرأة ثكلى مِنْ مخبئه في حلكة ليلة دامسة كان يحتجب في عتمتها خلف سور بيت الشلهوب. ومرةً أخرى عبر رشق المارّة بحجارة صغيرة كانت تقع على رؤوس الناس وقع الرهبة الصادرة مِنْ بيت مسكون بالجنّ. صار يستفيق في الليل ليتسلّى في إخافة القاطنين بالقرب مِنَ البيت المسكون. فتحولت الضيعة كلها مرتعاً لشقاء صبي، لم يتوانَ في العبث بكل شيء، حتّى إنه لم يتوانَ في التسلل إلى دارة «أبو عدنان» القريبة من بيت «الشلهوب»، إذ كان متأكداً أنّ بمقدوره، أخذ كل أغراض البيت مِن دون حاجة لأن يحذر استفاقة قاطنيه، فنشل فردة جراب عن حبل الغسيل ليحفظ فيها كلل أخيه موسى، ومضى في حال سبيله. ولما استفاقت «أم عدنان» في صباح اليوم التالي، لتجد فردة جراب مفقودة، قرّرت أمام زوجها على الفور، بأنّ هذا ليس مِنْ فعل آدمي، فاللص يسرق الفردتين. أقسمت بعدها إنها لن تبيت ليلة واحدة في بيتها.
تنعّم صبية الدفلاية بدفء حياة طليقة مِنْ قيود المساحات الضيّقة، حتى صار للعالم طعم الإحساس برحابته، فاستحال الكون كله مسرحاً لأحلامهم السارحة نحو آفاق بعيدة، لا يحدها التشكّل ذاك الذي عينته سلطة أب كابح أو نظام رادع. خلقوا عالماً أجمل مِنْ عالم الكبار، لا رقابة فيه ولا التزام يمنعهم من الفوز بالشغف الذي يتلاشى حالما يمسكونه بأيديهم، يسعون إلى المتعة الهاربة أمام سعي أولاد يودون الامتلاء باللحظة التي تعقب النجاة من خطر المغامرة التي سيّرت عزيز على فند سنديانة مقصوفة فوق بئر الشفع. كان الأولاد يبحثون عن غبطة النجاة مِن عضّة الكلب الذي هجم على سليمان، بعد أن رشقوه بحجرين. ولم يكترثوا إن تعرّض أحدهم للآلام الناجمة عن لسعة عشرة دبابير كالتي صيّرت موسى منتفخاً كطبل. وإلا ما كان ليمتشق سليم قصبته الطويلة ويعاود التحرّش بوكرها مرّةً ثانية.
لعل الصبية بطبيعتهم يتلهفون على تسجيل انتصارات للهو بما جعل شكري لا يلتفت أسبوعاً كاملاً إلى أكواز الرّمان في السلّة التي وضعتها أُمّه على طاولة المطبخ، لأنه كان متشوقاً إلى التلذذ بطعم سرقتها هي نفسها مِنْ شجرة جارهم أبي هيثم. وما أتاح لهم القيام بمثل هذه المغامرات الشائقة، تلك المساحة البعيدة عن رقابة أمهات، ليس بمستطاعهن الاهتمام بشيء غير توفير ضرورات العيش لأفراد أسر ريفية مكونة مِنْ عشرة أولاد أو أكثر؛ حيث شاء القدر لأصغر عائلة في «الدفلاية» أن تقتصر على أرملة وخمسة أطفال، بعد أن فُقد أبوهم مِنْ جرّاء زلّة قدم في وعر «الأرنبة». سقط على رأسه مِنْ فوق شيّار صخري عال ومات...!
وبطبيعة الحال، فالأهل في العائلات الريفية مضطرون إلى السهو عن تفاصيل الحياة اليومية لأبنائهم الذين يستغلونها فرصة لاختبار مقدرتهم على اكتشاف سرّ موجودات الطبيعة، يتركون أنفسهم للبراري كي تتكفل وديانها وسهولها برعاية نشأتهم على الفطرة التي أيقظت في نادر إحساساً غريباً بجسده، حالما شاهد ثوراً ينطّ على بقرة...
ولما قرّر سليمان وعزيز التشبّه بما كانت تفعله أمهما عند دق اللحمة النيّة، جاءا بصغار قطة شاردة، وراحا يدقان رؤوسها ببراءة مَنْ لا يدرك كنه القتل، كانوا يلهون بلعبة تقليد الكبار على ما كاد يودي بحياة موسى، عندما استلّ عزيز سكيناً ليحزّ بها رقبته في لعبة ذبح العجل. لكن شاء القدر أن ينقذه في اللحظة الأخيرة، عندما صودف مرور رجلين غريبين، أسرعا لإنقاذه، حالما رأيا صبياً يهمّ بذبح صبي آخر وهو مكبل اليدين والرجلين.
سقط هيثم تحت حوافر الحمار الذي فاز بالسباق، فنجا بأعجوبة مِنْ عملية استئصال الطحال. وبعد حوالى شهرين قفز سامي من أعلى فند في شجرة كينا عتيقة وكسر يده اليمنى، كل هذا بحثاً عن شغف المبارزة والتحدّي، في هذه الأثناء سلخوا موسى من هذا الخضم المسلّي وزجّوا به مرة ثانية في نظام مدرسة داخلية تابعة لراهبات «الكتلة المقدّسة».
صفحة 9

(3)

أن يُنقل صبي مِنْ حضانة مؤسسة خيرية للأيتام، تعيش على صدقات الأغنياء وتبرعات الميسورين، ممن يودّ تبييضاً شرعياً لكسب ماله بالحرام... إلى إرسالية مسيحية، تَنْعَمُ بكل الأسباب التي دفعت المسلمين إلى أن يتسابقوا إلى حجز مقعد دراسة لأبنائهم فيها، ثمّة فرق نوعي، حاله كحال جندي تجاوز عذاب التدرّب، وانتقل إلى الخدمة العسكرية في مواقع صعبة إلّا أنها أهون من اجتياز المرحلة الأولى خلال رحلة شقاء مرّة، تبدّل فيها كمّ القساوة لا نوعها؛ فوخز النظرة الأولى طبع ملامح امرأة قصيرة بهيئة صارمة ليس فيها ما يدلّ على ذرّة عطف أو حنان. كانت ترتدي عباءة سوداء خالية من أيّ حسّ بالذوق اللطيف، إنما بالعكس، كان ثوبها يبعث على الرهبة والخشية مِنْ هندام، يبدو أنّه صمّم لتغطية قسمات أنثى، ليس لها إلّا أنْ تحارب عيبها الإنساني كامرأة.
عندما سألت موسى.. ما اسمك؟ خرجت الكلمات مِنْ فمها جافة وخاوية مِنْ رطوبة أيّ انفعال عاطفي، ويبدو أنها أتقنت التحدّث بإيقاع مهني بارع ليس فيه ما يحثّك على أن تتخيلها وهي تغنّي أو تتأوّه، كان لا يزال ممسكاً بكفّ والده عندما تلقى صفعتها الأولى على شاكلة ضحكة متكلفة. أخفت امتعاضها الكبير مِنْ واجب رعاية طفل ريفي، ليس بالمستوى اللائق، على ما بَان من ثياب ابن مزارع قرّر أنْ يتحدى فقره عبر المبارزة بسيف ابنه «أسرع إلى صفك...».
بهذه اللهجة الصارمة، دعته الراهبة كي ينضمّ إلى زملائه الجدد، غير أنّ والده استبقاه لحظة، كي يتلو عليه نصائح سريعة، لم يسمع منها موسى سوى « سآتي لزيارتك بعد أسبوعين» ومِنْ ثمّ قبّله قبل أن يهمس في أذنه قائلاً: «إذا سألك شخص عن ثمن الكتب والقرطاسية... ذكّره بأنك مقيم في هذه المؤسسة على نفقة وزارة الشؤون الاجتماعية»، ومضى أبوه مِنْ بعدها، مطمئناً إلى مرتجى تعلم ابنه في مدرسة رهبانية، استبقى فيها موسى منغصاً بخوف دهري، علق داخل قلبه.
وما أن دخل باب الصفّ، حتّى أصيب موسى بالارتباك من جرّاء نظرات التلامذة ووشوشاتهم التي تلقفته بطريقة جعلته يتعثّر بحقيبة مركونة كانت إلى جانب المقعد القريب مِنْ كرسي المعلمة التي دلّته بإصبعها على مكانه في الزاوية الأخيرة مِنْ غرفة الصفّ، تلبّدت نفسه بغمّ الاغتراب عن مكان، أحسّ فيه بسوط رقيب متربص بأيّة مخالفة، كما لو أُتي به إلى هذا المكان ليُحاسب على أخطاء، يحيا الولد بارتكابها. رافقه هذا الشعور عشر سنوات، بقي خلالها سجين خوفه من الزلل، بعد أنْ شاهد بأمّ العين، كيف عوقب «العكوش»، على مرأى مِنْ كل التلامذة، لأنّه أذنب في القفز من فوق حائط الملعب إلى بستان الليمون. جرّه الناظر بياقة قميصه، ومِنْ ثم أوقفه على المنصّة التي كان يراقب منها حسن سير اصطفاف التلامذة في طوابير مستقيمة. بدا «العكوش» بهيئة بائسة على ما يثير الشفقة مِنْ حال صبي، ولن يتأثر بالضرب تأثّره بجلد النظرات الشاخصة إليه كمذنب، تلا مِنْ بعدها الناظر «جميل» تهمة العكوش على مسمع مِنْ كل التلامذة. دبّ الفزع في قلوبهم مِنْ احتمال أن ينال أي منهم قسطاً مما سيناله ذاك المسكين. ولأن آلام النظرة الهاتكة أقوى مِنْ ضربات العصا، قرّرت الإدارة إيقافه ثلاثة أيام متتالية على المنصّة الرئيسية، لكي تُذكّر به كجانٍ.
لكنّ «العكوش» لم يعتبر قطّ، بل ازداد شراسة بعد أن اكتسب مناعة تدريجية ضد التأثّر بأي عقاب. انفرجت قسمات وجهه التي كانت منقبضة في اليوم الأوّل فقط... إلى أن صار في اليوم الثالث استعراضياً في السخرية مِن الطلاب الذين يرمقونه بوجل عندما كانوا يمرون من أمامه. حتى إنه توجّه إلى أشطر زملاء صفّه واسمه عارف بالقول: «خايف تحكي معي... شو أنا قاتل قتيل! [وأردف] هي أول نصف ساعة مِن العقاب صعبة، أما الباقي بصير متل مضغ العلكة لا واللَّه بقلك بتصير حلوة الوقفة هون»!
أبدى عارف استغرابه بكلام، أراد به «العكوش» أن يظهّر نفسه متميّزاً ولو بالمشاغبة والمشاجرة اللتين تعوضانه حرمانه من نجومية التفوق في الدرس التي كانت لـ «عارف» وثلاثة من الممتثلين لنداء الواجبات المدرسية.
واجه موسى صعوبة في التكيّف مع نظام الحياة الداخلية في مدرسة رهبانية، قوانينها صارمة وممنوعاتها كثيرة. ووجد نفسه مقرباً من أربعة طلاب وهم «جوزيف، رضوان، عقيل ونايف». انتقوا بعضهم بعضاً بتلقائية القاسم المشترك لمنح خمسة صبيان مساعدة تعليمية على نفقة وزارة الشؤون الاجتماعية.
فرزوا أنفسهم عن الباقين خلال مدّة وجيزة، ليتعصبوا في زمرة، تعاركت مع كل مِنْ يعتدي على أيٍّ منهم. فتحوّل سلوكهم إلى قضية وجود، بين قلّة تكافح لفرض الاعتراف بأحقية وجودها في مؤسسة، يستدل مِنْ أقساطها المرتفعة على أنها للأغنياء؛ وكثرة تنأى بنفسها عن لوثة الاختلاط مع مَنْ لا يتحدر مِنْ طبقة غنية تزدري الفقراء، ولا ترى في موسى ورفاقه إلّا وجوداً عرضياً لثلّة من الأشقياء الذين يستثيرون العطف وهم ينظرون بانكسار ولهفة إلى ما يتناوله الآخرون مِنْ شوكولا فاخرة كألواح Twix - Mars إلخ...
كانوا يستفزّون النقمة عليهم حالما يتفوّق أحد منهم في سباق رياضي، أو مسابقة علمية، كما جرى تماماً يوم فاز موسى بسباق الجري مسافة ألف متر، بحذاء بال، رتقه أبوه برقعتين اثنتين، حفّزتاه على بذل أقصى ما عنده، لينتصر على ماركتي adidas و Nike لأحذية منافسين تخلّفوا عن اللحاق به مسافة، نفهم معها الفرق بين دوافع المقهورين وكوابح المُنعمين.
لم يتحمّل «حليم قهوجي» الخسارة، فما كان أمامه إلّا أن يستهزئ بحذاء موسى، عندما راح يتبختر ببذلته الجديدة وبغرور مَنْ حسب نفسه أرفع من أن تنال الخسارة من مقامه كابن تاجر مقتدر، لا يمكن أنْ يهزمه شخص وضيع كموسى. لذا رمى إليه قطعة نقود بطريقة فظّة، على ما يمكن أن تراه في سلوك بعض الحمقى وهم يعطون شحّاذاً. عندئذٍ هجم عليه موسى كثور هائج ولكمه على وجهه، بعد أن أعمت الإهانة بصيرته عن احتساب العاقبة المترتبة على كسر أنف تلميذ «مجلوق». لأول مرة نال رأفة الناظر «جميل»، فاقتصر عقابه على زربه فرصتين متتاليتين فقط، ليس تقديراً لفوزه بالميدالية الأولى في السباق، بل لأن لكمته قد فرّغت شيئاً مِنْ غضب الناظر المشحون بالنقمة على تبجحات حليم الغليظ.
صفحة 10
لانَ موسى في السنوات الأربع الأولى وتهذّبت تصرفاته حتى صار منصاعاً للأنظمة الصارمة في مؤسسة تربوية، في قمّة أولوياتها، احترام القوانين والالتزام بروزنامة يومية حدّدت وقت النوم في الساعة الثامنة مساءً، والنهوض في السادسة والنصف صباحاً، مِنْ بعدها بنصف ساعة عليهم أن يتناولوا وجبة الفطور... إلى أن يرنّ جرس العودة إلى الصفوف في الثامنة صباحاً، تستمر حتى الثانية والنصف من بعد الظهر، تتخللها فرصتان، العاشرة للراحة واللعب، والواحدة لتناول طعام الغداء. وهكذا... إلى أن يحين موعد عصرونية التلامذة الذين يبيتون في المدرسة في الساعة الثالثة من بعد الظهر، وهي عبارة عن قطعة خبز محشوّة بمربى المشمش أو الحليب المحلّى أو الدبس بالطحينة... يعقب ذلك وقت راحة، يستمر حتى الرابعة والنصف، تلتئم بعدها صفوف التلامذة الداخليين مِنْ جديد لتحضير فروض اليوم التالي ودروسه، وهكذا دواليك... ممنوع عليك أن تجوع بين وجبة وأخرى، والحرام الأكبر أن تمدّ يدك إلى المائدة قبل أن تنتهي الراهبة ماري مِنْ مباركة الطعام بترتيلة كلام بيزنطي، وتصوّر كيف على التلامذة أن يرددوا وراءها بخشوع كلاماً غير مفهوم، وهُم جياع. ممنوع أن تترك قطعة دهن في صحنك، حدث هذا قبل أنْ يتقيأ موسى على المائدة، لأن الراهبة أجبرته على مضغها بالقوّة. ليس مِنْ حقك أنْ تقلق ساعة النوم، بعد أن تطفئ الراهبة الضوء، لتتمشّى بين الأسرّة، ربع ساعة بغية مراقبة رقاد التلامذة.
كان جلّهم يغمض عينيه ويسرح بخيَاله نحو استرسالات مشوّقة، تنوّم البعض وتوقظ البعض الآخر، ممن يتحين فرصة خروجها لينهض من سريره، حالما يسمع الباب قد أغلق، ومن ثم يشرع بعدها في النطّ فوق سريره حتى يتعب.
ذات مرّة، قرّرت زمرة الشرّ، حسبما وصفت الراهبة ماري صحبة الخمسة، عقيل وموسى ورضوان ونايف وجوزيف أن يلتمّوا، والأدق، رضوان مَن اقترح عليهم خطة الاستفاقة في منتصف الليل لإقامة وليمة «قرقشة» بسكويت وراحة الحلقوم وشوكولا وبيبسي؛ حذّرهم من مناداة بعضهم بعضاً بأسمائهم، واستعاضوا عنها بألقاب صيّرت موسى فجلة ورضوان بصلة، جوزيف أرنب، وعقيل جرّافة أما نايف فبغل، وذلك خوفاً من أن يشي بهم جميل العرّ، وهو تلميذ مقيّد مِنْ داخله بالخوف مِنَ المعصية. نبذه زملاؤه بسبب وشايته بالآخرين، ويبدو أنه وجد في هذه الآفة هوية خاصة جعلته ينتقم لنبذه من تلامذة كانوا أصغر مِنْ أن يتقنوا فنّ إنقاذه من هذه الرذيلة التي تسلّط بها عليهم ليثأر منهم. وهكذا كلما زادوا من تجنّبه وامتنعوا عن إشراكه في ألعابهم ومغامراتهم، توغل هو أكثر في الوشاية بهم إلى أن صار صبياً مدسوساً. لذا، مِنْ حسن حظّهم أنه لم يستفق في تلك الليلة على تحلقهم بجانب سرير نايف، فشرعوا في قضم البسكويت بنهم ولذّة مستمدة مِنْ شعورهم بمذاق تمرّدهم على رتابة الانتظام في قوانين المدرسة، علماً أنه كان في مقدورهم أكلها هي نفسها في الملعب وفي أثناء الفرص تحت سقف النظام، لكنهم آثروا أن يثوروا ضد النظام عبر الأكل، لعلّهم كانوا يودّون أن يتسلّوا بالخوف والتحفّز بحيث غمرت وجوههم غبطة الانتصار بهذا الاختلاس الذي أرادوا أن يتحدّوا به التزاماً مقيتاً، ضيّق الخناق على رقابهم حتى باتوا ألدّ أعدائه؛ انتفضوا ضد مبتغى صبّهم في قوالب نمطية، فبركتها الإدارة لإنتاج فرد ملائم لمواصفات التربية الحسنة.
كان الخمسة يتحلقون متقابلين على شكل دائرة، عندما سقطت قطعة الشوكولا من يد رضوان وتسمّر نظره على ما يشي بخطب ما وراء موسى، بعدها تبدّلت هيئة نايف بطريقة لم تترك للباقين مجال السؤال عمّا التفت إليه موسى رأساً... وإذ بمخلوق أسود، لم يشعروا بمجيئه، وجدوه فجأةً منتصباً فوق رؤوسهم وهو ينظر إلى ما يفعلون، ولأنّه باغتهم هكذا، مِن دون أن يسمعوا وقع خطواته، أصيبوا في اللحظة الأولى بهلع عظيم طمس عقلهم وإحساسهم بتمييز الحقيقة من الوهم، خمّنوه عفريتاً أو كائناً مِنْ جنس غير آدمي، ذلك أن رعبهم مِنَ العتمة كان قد تغذى بما سمعوه في حكايا أجدادهم عن الأشباح والجن والكائنات الغريبة. أضاف عليها صفوان خبرية طازجة عن خبث جنية ذات أظفار طويلة ظهرت لأمّه في منتصف ليلة باردة على شكل هلامي أبيض، صاروا بعدها متوجسين مِنْ أن تظهر لهم جنيّة مثلها في كل ليلة، ولأنهم كانوا موسوسين بهذا الظهور في كل لحظة، أغمي على نايف، فاختفى في أثره الطيف الأسود وذاب في العتمة.
حافظ رضوان على حسّ المبادرة لديه، وبقي إلى جانب نايف حتى استفاق برشّة ماء على وجهه، بعدها اندس كلاهما كالباقين، تحت أغطية سريريهما، علّ النهار يبدّد رعب الليلة الفائتة.
ابقوا الأمر في ما بينم سرّاً مخافة أن يشكوهم أحد إلى الإدارة. إلى أن سرّب نايف الواقعة إلى راجي بصورة معدّلة على النحو التالي: «بينما كنت ذاهباً إلى المرحاض في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ظهر أمامي كائن غريب، له عينا بومة، ورأس ثور بلا رقبة كان رأسه ملتصقاً بجسد كله أسود، لا كسم له، وليس لحجمه مقدار، إذ كان يتقلّص ويتمدد مع كل تنهيدة، كدودة تصارع قدر دوسها بحذاء طفل»، وأردف يقول: لم يتعرض لي المخلوق العجيب بكلمة، لكنّه كشّر عن أسنان طويلة، بدت لي كأنياب ذئب. تلاشى مِنْ بعدها بلمح البصر.
دب الهلع في قلوب التلامذة بعد أن نشر نايف خبراً، قصد به إشراك الباقين في الخوف الذي كان يعانيه في مساء كل ليلة. هكذا تساوى الجميع في الرعب من احتمال ظهور ذاك المخلوق على أي منهم. وصار إذا ما اضطر أحدهم للذهاب إلى المرحاض وقت النوم، عليه أنْ يوقظ زميلين لمرافقته، ومَنْ لم يجد متبرعاً، كان يبول في قنينة بلاستيكية وفت بالغرض مدّة طويلة.
سهت الإدارة عن هذه الفوضى مدّة شهرين، قبل أن تعود الراهبة «ماري» وتستدرك، عبر إجراءات، بنتها على ما زودها به جميل العرّ مِنْ معلومات يومية حول ما يجري في ليالي الأولاد. فأُنيرت الممرات الجانبية، وفرض على ثلاثة موظفين التناوب في السهر عليهم حتى مطلع الفجر حصراً في قاعة النوم. حتى إنها أجرت تعديلاً نوعياً وغير مسبوق في استدعائها عدداً من طلبة القسم الثانوي، كي يشاطروا صغارها النوم في القاعة نفسها، على أمل أن يتبدد الرعب الذي استبدّ بالأولاد إلى درجة انعكس هبوطاً فاضحاً على نتائجهم المدرسية.