eKtab
EN ع
أنماط الديمقراطية
اقرأ عينة مجانية

أنماط الديمقراطية

بقلم أرند ليپهارت

صفحة 1

استهلال الطبعة الثانية

أستشرف هذه الفرصة السعيدة بالتعبير عن امتناني لطباعة النسخة الثانية من كتاب «أنماط الديمقراطية» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1999. وهنا أود أن أعرب عن سروري بالفرصة التي صارت سانحة الآن لتقييم مدى فاعليّة النتائج التي توصّلت إليها في طبعة الكتاب الأولى، وخصوصًا في ما يتعلق بفرضية خفض القواعد والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي وجدناها في الدول التي شملتها النسخة الأولى إلى نمطٍ واضح، ثنائي الحد، على أساس التقابل بين نظام الأغلبية ونظام التوافقية في الحكم، وكذلك فرضية أن النظم التوافقية (بناءً على الحد الأول) تمتلك سجلًّا باهرًا مقارنةً بنظم الأغلبية في ما يخص صناعة السياسات وأسلوب الحكم الديمقراطي. لن يلحظ القارىء تغييرًا في تقسيم الكتاب، ولكن الأهم أن هناك تغييرًا في بيانات التحليل التجريبي بشكلٍ مهم.

وأود أن أعرض للقارىء أيضًا بعض النقاط الأساسية في النسخة الثانية للكتاب؛ أولًا إن التحليل - كما في النسخة الأولى - يوازن بين عدد الدول الست والثلاثين نفسه، ولا يختلف الأمر إلا في حذف ثلاث دول لأنها لم تعد تتمتع بالدرجة نفسها من الحرية والديمقراطية بموجب معايير مؤسسة فريدوم هاوس؛ وتلك الدول هي كولومبيا، وفنزويلا، وبابوا غينيا الجديدة التي بدّلنا بها ثلاث دولٍ أخرى هي الأرجنتين، والأوروغواي، وكوريا بعد عودتها إلى مظلة الديمقراطية في ثمانينيات القرن المنصرم.

ثانيًا، مددت الفترة الزمنية التي أخضعتها للتحليل من 1996 حتى سنة 2010، وهو ما يُعد زيادةً معقولة في الإطار الزمني لتحليل الدول الثلاث والثلاثين الأخرى وبنسبةِ 74 في المئة بالنسبة لأحدث الديمقراطيات المذكورة في النسخة الأولى مثل الهند وإسبانيا، وبنسبة زيادة جوهرية إنما أقل من الأولى بالنسبة للدول التي طالتها الديمقراطية في خمسينيات وستينيات وحتى مطلع سبعينيات القرن المنصرم، وبنسبة زيادة كبيرة تبلغ 28 في المئة بالنسبة للديمقراطيات القديمة التي شملها التحليل بدءًا من حقبة الأربعينيات.

ثالثًا، لم أدخل أي تغييرات كبيرة في تعريف المتغيّرات العشرة الأساسية وتقويمها في المقارنة بين نظامي الحكم الأساسيين؛ نظام الأغلبية ونظام التوافقية، اللهم باستثناء حالتين فقط. كما خلصت في الفصل السابع من النسخة الأولى إلى أن النظم الديمقراطية القائمة على سيطرة السلطة التنفيذية كانت سببًا في حدوث كثير من التعقيدات والعراقيل، إلا أن الأسلوب المستخدم في التحليل في النسخة الثانية أكثر بساطةً ووضوحًا. وفي الفصل الثالث عشر، اضطررت إلى تغيير معالجة مفهوم استقلالية البنك المركزي لأن حقبة منتصف العقد الأخير من القرن العشرين التي شهدت تدويلًا للبنوك المركزية - وخصوصًا إنشاء البنك المركزي الأوروبي - والتغيرات التي طرأت على كثير من مواثيق البنوك المركزية بموجب صندوق النقد الدولي - قد غيرت منحى البنوك المركزية من كونها مؤسساتٍ محلية إلى مؤسساتٍ تعمل ضمن نظامٍ عالمي. هناك تغييرٌ آخر قد يقل أهمية عن سابقه، لكن ذكره واجبٌ عليَّ، يكمن في أنني قد اختصرت حديثي عن الصراع الحزبي - الذي لا يُعد متغيرًا مؤسسيًا ولا حتى من ضمن المتغيّرات العشرة التي تضع الحد الفاصل بين نظام الأغلبية والنظام التوافقي - من حوالي ثلث الفصل الخامس إلى ملحق قصير مناسب أكثر من نهاية هذا الفصل.

رابعًا، أهم التغيرات لحقت بالفصل الخامس عشر والسادس عشر بخصوص المتغيرات التي من خلالها أقيم المقارنة بين أداء نظام الأغلبية والنظام التوافقي. لم تختلف بعض تلك المتغيرات عن النسخة الأولى، فمنها النمو الاقتصادي، والتحكّم في التضخّم والبطالة، وتمثيل المرأة، والمساواة السياسية. ولكن البيانات التي تم استخدامها قد تم استقاؤها من حقب أكثر حداثة وهي بالتالي جديدة بشكل شبه كلي. وهناك أيضًا بعض المتغيّرات مثل الإنفاق الاجتماعي والأداء البيئي التي لم تتغير رغم خضوعها لمؤشراتٍ جديدة ومختلفة. والجديد هنا أن هناك متغيراتٍ مستحدثة لم يتم استخدامها أو ذكرها في النسخة الأولى. علاوةً على ذلك، كان هناك مجال لعرض بعض نتائح تحليلات الانحدار. وبدلًا من عرض العلاقات الثنائية المتغيّرات بين النظام التوافقي وأداء المتغيّرات في الجداول وتناول أثر متغيّرات التحكّم - خصوصًا تلك المتعلقة بمستوى النمو الاقتصادي والكثافة السكانية - في متن النص، وضعت بعض الجداول الجديدة التي تعرض تحليلات الانحدار المتعددة المتغيّرات لأثر النظام التوافقي جنبًا إلى جنبٍ مع متغيري التحكم المعتمدين دومًا.

بشكلٍ عام، سيجد القارىء أن البيانات المستحدثة في النسخة الثانية أكثر إيضاحًا وحداثة من تلك التي حصلت عليها في منتصف التسعينيات وهي متوفرة أيضًا لعدد أكبر من الدول. وبشكلٍ خاص، استخدمت بامتنان قاعدتي بيانات حديثتين كليا ومناسبتين في تقويم أداء الحكومة والنظام الديمقراطي المعتمد في الدول الخاضعة للتجربة؛ وهما على الترتيب مؤشرات الحوكمة العالمية ومشروع مؤشر الديمقراطية لوحدة الاستخبارات الاقتصادية. ولم تصبح البيانات الممتازة أكثر توافرًا وحسب في العقد المنصرم بل بات الوصول إليها أسهل أيضًا. وفي استهلال النسخة الأولى كنت قد صرحت بأني لم أكن لأكتب هذا الكتاب دون اختراع البريد الإلكتروني، واليوم آن الأوان لأن أصرح من جديد أن تلك المعلومات لم تكن لتُعرض بهذا الشكل الوفير أو كنت سأعاني الكثير في الحصول عليها لولا الإنترنت الذي صارت كل المعلومات في رحابه متاحةً للجميع.

ولأخلص إلى بعض النتائج المحدّدة في هذه النسخة المنقّحة، أود أن ألفت النظر إلى ثبوت تلك النتائج وصحّـتها مما لا يدع مجالًا للشك فيها. وفي الواقع، فإن الدليل على العلاقات المتداخلة بين الخصائص العشر التي استخلصتها والمتعلقة بالتباين بين نظام الأغلبية والنظام التوافقي وعلى الأداء المتفوّق للديمقراطية التوافقية أضحى حتى أكثر وضوحًا وقوة.

يستحيل إعداد دراسة تشمل ستة وثلاثين بلدًا من دون مشاركة كثير من الخبراء المختصين بالدراسات السياسية والمقارنة. وإنني في هذه السطور أتوجه بعميق الشكر والامتنان وخالصهما لأصدقائي وزملائي الذين لم يبخلوا عليَّ بالنصيحة والمشورة. أود أن أتوجه بالشكر من جديد إلى كل من كانت له يد عون تؤازرني في كتابة النسخة الأولى لأن ما قدموه كان له عظيم الأثر في كتابة النسخة الثانية أيضًا.

كنت بالتأكيد في حاجةٍ ماسةٍ للمساعدة بخصوص الدول الثلاث الجديدة التي شملتها النسخة الثانية، وفي هذا الصدد أتوجّه بالشكر والعرفان إلى الباحثين من كوريا: تيكيون كيم Taekyoon Kim، وكيونغ ريونغ سونغ Kyoung Ryung Seong، وجونغ سونغ يو Jong-Sung You، ومساعد البحث دون س. لي Don S. Lee. وجزيل الشكر والامتنان أيضًا للباحثين من الأرجنتين والأوروغواي: ديفيد آلتمان David Altman، أوكتافيو أموريم نيتو Octavio Amorim Neto، مارسيلو كاميرلو Marcelo Camerlo، روزانا كاستيليوني Rossana Castiglioni، سباستيان إيتشمندي Sebastián Etchemendy، مارك ب. جونز Mark P. Jones، جورج لانزارو Jorge Lanzaro، أندريه مالامود Andrés Malamud، م. فيكتوريا موريلو M. Victoria Murillo، سباستيان م. ساييه Sebastián M. Saiegh، وآندرو شرانك Andrew Schrank. وخالص الشكر والامتنان أيضًا لمن حدّث التقارير من كثير من الدول المختلفة كبربادوس ودول الكاريبي: إدوارد م. ديو Edward M. Dew، فراغانو س. ج. ليدجيستر Fragano S. J. ledgister، رالف ر. بريمداس Ralph R. Premdas، وراجيندرا راملوغان Rajendra Ramlogan. ومن بلجيكا: كارل ديفوس Carl Devos، ولوك هويسي Luc Huyse. ومن الهند: براديب ك. شيبر Pradeep K. Chhibber، وآشتوش فارشني Ashutosh Varshney. ومن اليابان: يوكو كاسويا Yuko Kasuya، ميكيتاكا ماسوياما Mikitaka Masuyama. ومن موريشيوس: ديبورا بروتيجام Deborah Bräutigam، جورجين إلكليت Jørgen Elklit، شاهين مظفر Shaheen Mozaffar، ولينغانادين مورداي Linganaden Murday، وناداراجين سيفارامن Nadarajen Sivaramen. ومن نيوزلندا: بيتر إيمير Peter Aimer، وجاك فاولز Jack Vowles. ومن إسبانيا: ريتشارد غونتر Richard Gunther، وأوسكار مارتينيز-تابيا Oscar Martinez-Tapia. ومن المملكة المتحدة: ماثيو فلندرز Matthew Flinders، مايكل غالاغر Michael Gallagher، وتوماس س. ليندبرغ Thomas C. Lundberg. ومن الولايات المتحدة الأميركية: غاري س. جاكوبسون Gary C. Jacobson.

وأود أن أتوجّه بالشكر أيضًا إلى من عاونني من الأساتذة في أهم الموضوعات: كريستا هويكسترا Krista Hoekstra، هانز كيمان Hans Keman، جيليه كويدام Jelle Koedam، جاب ولدندورب Jaap Woldendorp (تحالفات مجالس الوزراء). وكذلك دانيال م. برينكس Daniel M. Brinks، إسحاق هيرزوغ Isaac Herzog، دونالد و. جاكسون Donald W. Jackson، وماري ل. فولكانسك Mary L. Volcansek (المراجعة القضائية). وكذلك كريستوفر كرو Christopher Crowe، وماورو ف. غولين Mauro F. Guillén (البنوك المركزية). وكذلك سكوت ديسبوساتو Scott Desposato، ستيفن ج. ك. لي Stephen J. K. Lee، فيليب ج. رويدر Philip G. Roeder، وسباستيان م. ساييه Sebastián M. Saiegh (القضايا الإحصائية والحاسوبية). وكذلك من الأساتذة دون ذكر اسم دولة أو تخصص: إيرنستو آلفاريز جونيور Ernesto Alvarez, Jr.، جوليان بيرنور Julian Bernauer، جوزيف هـ. بروكس Joseph H. Brooks، رويس كارول Royce Carroll، جوسيب م. كولومر Josep M. Colomer، زاكاري إلكينز Zachary Elkins، جون جيرنغ John Gerring، رونالد ف. إنغلهارت Ronald F. Inglehart، مونا لينا كروك Mona Lena Krook، سانفورد أ. لاكوف Sanford A. Lakoff، دايتر نوهلن Dietor Nohlen، مات هـ. كورتروب Matt H. Qvortrup، مانفريد ج. شميدت Manfred G. Schmidt، آلان سياروف Alan Siaroff، فابيا سوهنجن Fabia Soehngen، رين تاجيبيرا Rein Taagepera، وستيفن ل. تايلور Steven L. Taylor، وأخيرًا وليس بآخر أدريان فاتر Adrian Vatter.

وفي نيسان/أبريل 2011، قدمت ندوات لمناقشة نتائج هذه النسخة المنقحة في معهد خوان مارش في العاصمة الإسبانية مدريد، وكذلك في جامعة سوفولك. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2011، قدمت ندوة مشابهة في قسم السياسة في جامعة آنتويرب. وتلقيت كثيرًا من التعليقات والأسئلة من الحضور التي كان لها عظيم الأثر والفائدة. أود أيضًا أن أتوجّه بجزيل الشكر لويليام فروشت William Frucht، رئيس التحرير التنفيذي في جامعة ييل. وذلك لتشجيعه لكتابة هذه النسخة وتنقيحها. وكذلك لورا جونز دولي Laura Jones Dooley، التي قامت بمراجعة النسختين الأولى والثانية. وفوق كل ذلك، أتوجه بعظيم الشكر والامتنان إلى مساعدي البحث كريستوفر ج. فاريس Christopher J. Fariss ودون س. لي Don S. Lee. فقد ساعدني كريس كثيرًا كونه الاستشاري الإحصائي الذي قام بإعداد كل الأشكال من الفصل السادس إلى الرابع عشر الذي شمل أيضًا تحليل العامل الوارد في الفصل الرابع عشر. أما دون، فقد قام بجمع معظم بيانات الاقتصاد الكلي والعنف وتنظيمها في الفصل الخامس عشر. وإني في هذه السطور أوجّه إليهما التحية والشكر لما قدماه من مساعدة، وما بذلاه من جهدٍ بالغ، ولصداقتهما المشرّفة.

صفحة 2

استهلال الطبعة الأولى

كان كتابي «ديمقراطيات» Democracies، المنشور عام 1984، دراسة شاملة لواحد وعشرين نظامًا ديمقراطيًّا، في الحقبة بين العامين 1945 و 1980. وأهم ما توصلت إليه تلك الدراسة هو (1) أن أهم القواعد والتطبيقات المؤسساتية للديمقراطيات الحديثة - من قبيل تنظيم وسير عمل التنفيذيين والمشرعين والأنظمة الحزبية والأنظمة الانتخابية، والعلاقات بين الحكومات ذات المستويين المركزي والأدنى - يمكن أن تقاس وفق معيارٍ، حدُّه الأول سياسة الأغلبية majoritarianism من جهة، وحدُّه الثاني التوافقية consensus من جهة أخرى. (2) أن هذه الخصائص المؤسساتية تشكل مجموعتين منفصلتين، و (3) أن من الممكن، بناءً على هذا التصنيف الثنائي، رسم «خارطة مفاهيمية» ثنائية الأبعاد للديمقراطية حيث يتسنى لنا وضع كل نظام ديمقراطي في مكانه على تلك الخارطة. وقد كانت خطتي الأصلية للطبعة الثانية أن أعزّز هذا الإطار النظري والنتائج التجريبية، بتنفيذ تحديث يمتد بالمحتوى حتى منتصف العقد التاسع من القرن العشرين - أي بزيادة زمنية قدرها ما يقرب من 50 في المئة - مع بضعة تصحيحات وتعديلات إضافية.

على أنني عندما شرعت في هذا التنقيح أدركت أنه قد أتاح لي فرصة كبيرة لإجراء كثير من التحسينات الجذرية. فقررت ألا أضيف المواد المحدثة فحسب بل خمس عشرة دولة جديدة أيضًا، والتفعيلات الجديدة للمتغيّرات المؤسساتية، ومتغيرين جديدين تمامًا، ومحاولة لقياس مدى استقرار أوضاع تلك الدول على الخارطة المفاهيمية، وتحليلًا لأداء مختلف أنواع الديمقراطية في ما يتعلق بعدد كبير من السياسات العامة. ونتيجة لذلك، ومع أن «أنماط الديمقراطية» يخرج من رحم «ديمقراطيات»، إلا أنه قد أضحى كتابًا جديدًا كليًّا، وليس مجرد طبعة ثانية من الكتاب الأصلي.

وللقارئ الذي سبق له قراءة «ديمقراطيات»، أفصّل التغييرات الأساسية التي يشتمل عليها «أنماط الديمقراطية»:

1- يغطي «أنماط الديمقراطية» ستًّا وثلاثين دولة - أي أكثر من «ديمقراطيات» بخمس عشرة دولة. وليست هذه المجموعة الجديدة المكوّنة من ست وثلاثين دولة مجرد زيادة عددية بل هي أكثر تنوّعًا بكثير. فقد كانت الدول الأصلية (إحدى وعشرون دولة) جميعها ديمقراطيات صناعية، وكانت كلها - باستثناء واحدة (اليابان) - دولًا غربية. أما الدول الخمس عشرة الجديدة فتشمل أربع دول أوروبية (إسبانيا والبرتغال واليونان ومالطا)، لكن الإحدى عشرة دولة الأخرى - قرابة ثلث العدد الإجمالي - تنتمي إلى العالم النامي في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ. وقد كان في هذا التنوع الأكبر اختبار حاسم للنمط الثنائي الأبعاد الذي حدّدُته في «ديمقراطيات». ومن التغييرات الطفيفة الأخرى على «ديمقراطيات» أنني أسقطتُ من حساباتي الجمهورية الفرنسية الرابعة (1946-1958)، لأنها لم تدم سوى اثني عشر عامًا، وهو ما يقل عن الحد الأدنى الذي حددته بعشرين عامًا متتالية ينبغي أن تكون قد مرت على الأنظمة الديمقراطية لكل الحالات الأخرى؛ لذلك فإن «فرنسا» في هذا الكتاب تعني الجمهورية الخامسة بدءًا من العام 1958 حتى الآن.

2- كنتُ في «ديمقراطيات» قد حلّلتُ الديمقراطيات الإحدى والعشرين بدءًا من أول انتخابات وطنية أجريت عام 1945 (أو بعده بقليل) وحتى نهاية العام 1980. أما في «أنماط الديمقراطية» فتمتد هذه المرحلة حتى منتصف العام 1996. وبالنسبة إلى البلدان الأصلية (عدا فرنسا)، فلا يزال المنطلق هو النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين؛ وبالنسبة إلى البلدان الأخرى، يبدأ التحليل مع إجراء أول انتخابات بعد نيل الاستقلال أو استئناف النظام الديمقراطي - في مرحلة تمتد بين العام 1953 (كوستاريكا) والعام 1977 (الهند، بابوا غينيا الجديدة، إسبانيا).

3- يحتوي «أنماط الديمقراطية» على تحليل لمؤسستين جديدتين: هما مجموعات الضغط والبنوك المركزية (الفصلان التاسع والثالث عشر). أما المتغيران الآخران اللذان نوقشا بشكل بارز في «ديمقراطيات» وخصصتُ لهما فصلين وهما أبعاد القضايا المتعلقة بالصراع الحزبي، والاستفتاءات - فلن أسلط عليهما كثيرًا من الضوء في «أنماط الديمقراطية». إذ أتناولهما، بإيجاز، في الفصلين الخامس والثاني عشر، وقد أسقطتُ أبعاد القضايا من العناصر الخمسة لمجموعة الخصائص الأولى لكونها، خلافًا لكل المتغيرات الأخرى، لا تُعَدّ خاصية مؤسساتية. ولا تزال المجموعة الأولى مكونة من خمسة متغيرات، لأنني أضفت نظام جماعة المصالح/(الضغط). وتوسعت في المجموعة الثانية من ثلاثة عناصر إلى خمسة، فقسمت متغيرَ الجمود الدستوري في مقابل المرونة، إلى متغيّرين منفصلين - صعوبة إجراء التعديل الدستوري وقوة المراجعة القضائية - وأضفت متغيرَ استقلال البنك المركزي.

4- أجريت مراجعة نقدية لتفعيل كل الخصائص المؤسساتية، ووجدت أنها كلها تقريبًا يمكن أن تحسَّن بل هناك ضرورة لذلك. فقد كان هدفي الأسمى تحقيق أقصى استفادة من صحة المؤشرات الكمّية - أي الإحاطة، بأكبر قدر ممكن، بـ «واقع» الظواهر السياسية، التي كثيرًا ما يصعب قياسها كمًّا. وكانت الإشكالية المتكررة أمامي وجود أسلوبَي تفعيل، لكل منهما ما يبرره. وأنا في مثل هذه الحالات دائمًا ما أختار «تقسيم الفارق» من خلال الجمع أو إيجاد متوسط البدائل بدلًا من أن أختار واحدًا مكان الآخر بصورة تعسفية نوعًا ما. وفي النهاية، وجدت أن تفعيل متغيّرات النظام الحزبي - على أساس العدد الفعلي للأحزاب البرلمانية - هو الوحيد الذي بقي كما طُرح في «ديمقراطيات». أما بقية المتغيرات فقد أدخلت عليها تعديلات، إلى حد كبير.

5- وضعتُ في «ديمقراطيات» الأنظمة الديمقراطية على الخارطة المفاهيمية للديمقراطية على أساس الممارسات المؤسساتية طوال السنوات الثلاثين أو الخمس والثلاثين قيد الدراسة؛ ولم أطرح مسألة قدر التغيير الذي طرأ مع مرور الوقت. على أن الفصل الرابع عشر من «أنماط الديمقراطية» يبحث في هذه المسألة من خلال تقسيم مدة خمسين عامًا تقريبًا (1945-1996) إلى مرحلتين منفصلتين (1945- 1970) و (1971-1996)، ومن خلال إظهار مدى التغير الذي طرأ على مواقف الديمقراطيات الست والعشرين (تلك التي أمضت عددًا كافيًا من السنوات في المرحلة الأولى) فوق الخارطة المفاهيمية من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية.

6- لعل أبرز موضوع جديد في «أنماط الديمقراطية» هو سؤال «ما الفارق؟»: هل يحدث نمط الديمقراطية تأثيرًا في السياسة العامة وفاعلية الحكومة؟ إذ يبحث الفصل الخامس عشر في العلاقة بين درجة الديمقراطية التوافقية ومدى نجاح الحكومات في إدارة الاقتصاد الكلّي (مثل النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخّم والبطالة)، والتحكّم بالعنف. ويبحث الفصل السادس عشر في كثير من مؤشرات نوعية الديمقراطية (مثل تمثيل المرأة، والمساواة، ومشاركة الناخبين)، وسجلات الحكومات في ما يتعلق بسياسات الرعاية الاجتماعية، وحماية البيئة، والعدالة الجنائية، والمساعدات الاقتصادية للبلدان النامية.

7- لقد بدأتُ «ديمقراطيات» بترسيم سريع لملامح السياسة البريطانية والنيوزيلندية كأمثلة توضيحية لنموذج وستمنستر للديمقراطية، وتناول موجز مماثل للديمقراطية السويسرية والبلجيكية كمثل على نموذج التوافقية. ويقدم «أنماط الديمقراطية» تحديثًا لهذا الترسيم السريع ويضيف بربادوس والاتحاد الأوروبي مثالين آخرين على النموذجين المذكورين.

8- قدم «ديمقراطيات» العلاقات بين المتغيرات المختلفة عن طريق تبويبات متقاطعة cross-tabulations. أما في «أنماط الديمقراطية»، فأستخدم عمومًا طريقة المخطط التشتيتي scattergrams التي تبيّن تلك العلاقات ومواقف كل من الأنظمة الديمقراطية الستة والثلاثين بطريقة أكثر وضوحًا وأكثر دقة وأكثر جاذبية بصريًّا.

9- يحتوي «أنماط الديمقراطية» ملحقًا بقيم كل المتغيرات المؤسساتية العشرة، وبُعْدَي الأغلبية - التوافقية الشاملين لكل المرحلة الممتدة بين العامين 1945 و 1996، وكذلك للمرحلة الأقصر، بين العامين 1971 و 1996. وسيسهم توافر تلك البيانات الأساسية ووجودها كجزء من الكتاب في تسهيل عمل المتخصصين الآخرين وفي استخدام هذه البيانات في إجراء مزيد من البحوث.

كان من المستحيل بالنسبة إليّ تنفيذ تحليلٍ لست وثلاثين دولة يغطيها «أنماط الديمقراطية» من دون مساعدة مجموعة من المستشارين والمتخصصين، ومن دون ابتكار البريد الإلكتروني بالتأكيد! وأنا شاكر جدًّا من استشرتهم على ما قدموه من حقائق وتفسيرات وعلى إجاباتهم الدقيقة دائمًا والفورية عن استفساراتي الكثيرة.

ففي ما يتعلق بديمقراطيات أميركا اللاتينية، أود أن أعرب عن عرفاني لمساعدة كل من هؤلاء المتخصصين: جون م. كاري John M. Carey، أوكتافيو أموريم نيتو Octavio Amorim Neto، غاري هوسكن Gary Hoskin، جوناثان هارتلين Jonathan Hartlyn، مايكل ج. كوبدج Michael J. Coppedge، براين ف. كريسب Brian F. Crisp، ماثيو س. شوغارت Matthew S. Shugart، سكوت ماينورينغ Scott Mainwaring. وكان لرالف ر. بريمداس Ralph R. Premdas دوره الاستشاري الكبير في ما يتعلق بديمقراطيات الكاريبي، ومعه كل من: إدوارد م. ديو Edward M. Dew، نيفيل ر. فرنسيس Neville R. Francis، بيرسي سي. هنتزن Percy C. Hintzen، فراغانو س.ج. لدجيستر Fragano S. J. Ledgister.

وقد ساعدني كل من براديب ك. شيبر Pradeep K. Chhibber، آشتوش فارشني Ashutosh Varshney على حل عدد من ألغاز السياسة الهندية. وبالنسبة إلى بعض الدول الصغيرة التي لم تحظَ بكثير من التحليلات، فقد اعتمدت خصوصًا على خبراء تلك الدول في تزويدي بالحقائق والإيضاحات. فعن بوتسوانا جون د. هولم John D. Holm، برايس كونيموتو Bryce Kunimoto، شاهين مظفر Shaheen Mozaffar، أندرو س. رينولدز Andrew S. Reynolds؛ وكذلك كل من رالف بريمداس Ralph Premdas، وبن رايلي Ben Reilly ورون ماي Ron May عن بابوا غينيا الجديدة. وقد استفدت من خبرات كل من ناثانيال ل. بيك Nathaniel L. Beck، وسوزان لومان Susanne Lohmann، وسيلفيا ماكسفيلد Sylvia Maxfield، وبيار ل. سيكلوس Pierre L. Siklos، وستيفن ب. ويب Steven B. Webb، في ما يتعلق بالبنوك المركزية. وكذلك كل من ميريام أ. غولدن Miriam A. Golden، ستيفان هاغارد Stephan Haggard، نيل ج. ميتشل Neil J. Mitchell، دانيال ل. نيلسون Daniel L. Nielson، آدم برزورسكي Adam Przeworski، آلان سياروف Alan Siaroff، في شأن جماعات الضغط. وبالنسبة إلى المراجعة القضائية أشكر كلًّا من مارتن شابيرو Martin Shapiro وأليك ستون Alec Stone. وعن البلدان والموضوعات الأخرى استعنت بجهود ومقترحات كلّ من: جون س. أمبلر John S. Ambler، ماثيو أ. بوم Matthew A. Baum، بيتر ج. بومان Peter J. Bowman، توماس سي. برونو Thomas C. Bruneau، غاري و. كوكس Gary W. Cox، ماركوس م. ل. كريباز Markus M. L. Crepaz، روبرت ج. كوشينغ Robert G. Cushing، روبرت أ. دال Robert A. Dahl، لاري دياموند Larry Diamond، بانايوت إ. ديميتراس Panayote E. Dimitras، غيوزيبي دي بالما Giuseppe Di Palma، جايمس ن. دروكمان James N. Druckman، سفانت و. إرسون Svante O. Ersson، برنارد غروفمان Bernard Grofman، أرنولد ج. هايدنهايمر Arnold J. Heidenheimer، شارلز و. جونز Charles O. Jones، إليس س. كروس Ellis S. Krauss، صامويلز هـ. كيرنيل Samuel H. Kernell، مايكل لافر Michael Laver، توماس سي. لوندبرغ Thomas C. Lundberg، مالكولم ماكيراس Malcolm Mackerras، بيتر ماير Peter Mair، جاين مانسبريدج Jane Mansbridge، مارك ف. بلاتنر Marc F. Plattner، ج. بينغهام باويل G. Bingham Powell، ستيفن ر. ريد جونيور Jr., Steven R. Reed، مانفريد ج. شميدت Manfred G. Schmidt، كار ستروم Kaare Strøm، ويلفريد سويندن Wilfried Swenden، رين تاجيبيرا Rein Taagepera، بول ف. وارويك Paul V. Warwick، ديميت يالسين Demet Yalcin.

كنتُ قد نظمت في تشرين الأول/أكتوبر 1997 ندوة مكثفة، امتدت أسبوعين، واعتمدت خلالها وبدرجة كبيرة على مسوّدات هذا الكتاب «أنماط الديمقراطية»، في معهد الدراسات المتقدمة في فيينا؛ وفي هذا الصدد أود أن أعرب عن شكري لما تلقيته من نصوص كانت خير معين لي من جوزيف ملشيور Josef Melchior، برنارد كيتل Bernhard Kittel، وكذلك من الطلاب الخريجين الذين شاركوا في جلسات الندوة. وفي نيسان/أبريل وأيار/مايو 1998، ألقيت محاضرات وعقدت ندوات مماثلة في جامعات شتى في نيوزيلندا: كانتربري في كرايستشرش، أوكلاند، فيكتوريا في ويلينغتون، وايكاتو في هاملتون. وهناك أيضًا استفدت من الكثير من المساهمات، وخصوصًا من: بيتر إيمير Peter Aimer، جوناثان بوسطن Jonathan Boston، جون هندرسون John Henderson، مارتن هولاند Martin Holland، كيت جاكسون Keith Jackson، ريموند ميلر Raymond Miller، نايجل س. روبرتس Nigel S. Roberts، جاك فاولز Jack Vowles.

وقد أجرى جايمس ن. دراكمان James N. Druckman، تحليل العوامل الوارد في الفصل الرابع عشر. على نحو متقن وزوّدني جاب ولدندورب Jaap Woldendorp، هانس كيمان Hans Keman، إيان بادج Ian Budge بالبيانات الجديدة عن تشكيل مجلس الوزراء قبل أن تُنشر. ولم يبخل عليّ عدد من المتخصصين الآخرين بما لديهم من بيانات لم تُنشر أو نُشر جزء منها في هذا الكتاب: بيانات خاصة بتشكيل الغرف الفدرالية من بنك المعلومات الفدرالي لدى ألفرد ستيبان Alfred Stepan وويلفريد سويندن Wilfried Swenden. وبيانات عن المسافة بين الحكومات والناخبين جمعها ج. بينغهام باويل جونيور G. Bingham Powell Jr.، جون د. هوبر John D. Huber. وبيانات كل من كريستوفر ج. أندرسون Christopher J. Anderson وكريستين أ. غيلوري Christine A. Guillory، عن مستوى الرضا عن الديمقراطية. وأخيرًا وليس آخرًا أود أن أعبر عن شكري العميق لمجهود فريقي البحثي: ناستران أفاري Nastaran Afari، ريزا أ. بروكس Risa A. Brooks، ليندا ل. كريستيان Linda L. Christian، ستيفن م. سويندل Stephen M. Swindle.

صفحة 3

الفصل الأوّل
مقدّمة
من حيث المبدأ، يمكننا أن ندير الديمقراطية وننظمها بكثير من الوسائل؛ ومن جهة التطبيق أيضًا، نجد أن كثيرًا من الأنظمة الديمقراطية تعرض لمجموعة متنوعة من المؤسسات الحكومية الرسمية، ومنها المؤسسات التشريعية والقضائية، وكذلك نظم الأحزاب السياسية وجماعات الضغط. على أننا نجد أنماطًا وترتيبات واضحة عندما ندرس تلك المؤسسات من منظور مدى اتباع قواعدها وتطبيقاتها، نظامَ الأغلبية majoritarian أو التوافقية consensus. إذ ينشأ التناقض بين الأغلبية السياسية والتوافقية، من واقع أبسط تعريف حرفي للديمقراطية - حكمالشعب أو حكم ممثلي الشعب في الديمقراطية التمثيلية - ومن الاشتراط الشهير للرئيس أبراهام لينكولن بأن الديمقراطية لا تعني فقط حكم الشعب ولكن أيضًا الحكم من أجل الشعب - أي الحكم وفق ما يريده الشعب (1) ويرغب فيه.
ويثير تعريف الديمقراطية بأنها «حكم الشعب من أجل الشعب» سؤالًا جوهريًّا: من الذي سيقوم بالحكم ولمصلحة من ينبغي أن تستجيب الحكومة في حال كان هناك خلاف بين الشعب وكانت هناك اتجاهات ومصالح متباينة؟
واحد من الأجوبة عن هذه الإشكالية؛ هو الأغلبية. فهذا هو جوهر نموذج الأغلبية الديمقراطي. واللجوء إلى حل الأغلبية بسيط ومباشر وينطوي على قدر كبير من المنطق، إذ إن منحها الحكم وفقًا لرغباتها، أقرب نموذج إلى المثالية الديمقراطية «حكم الشعب للشعب ومن أجل الشعب» من أن تحكم أقلية وتكون مسؤولة أمام أقلية.
والجواب الآخر هو أن يحكم أكبر عدد ممكن من الناس. وهذا هو جوهر نموذج التوافقية، ولا يختلف عن نموذج الأغلبية في قبول أن حكم الأغلبية هو أفضل من حكم الأقلية، لكنه يرضى بحكم الأغلبية كحدّ أدنى فقط: فبدلًا من الرضا بأغلبية ضئيلة تصنع القرار، يسعى إلى زيادة حجم هذه الأغلبية إلى أقصى حد. وتهدف قواعد هذا النموذج ومؤسساته إلى تحقيق مشاركة واسعة في الحكومة واتفاق واسع على السياسات التي ينبغي للحكومة تنفيذها. ويركز نموذج الأغلبية السلطة السياسية في يد الأغلبية - وفي كثير من الأحيان تكون السلطة لتعددية لا لأغلبية، كما سنرى في الفصل الثاني - بينما يحاول نموذج التوافقية تحقيق المشاركة في السلطة وتوزيعها، والحد منها، بمجموعة متنوعة من الأساليب. ثم إن هناك فارقًا آخر، هو أن نموذج الأغلبية يتسم بالحصرية والتنافسية والخصومة، في حين يتميز النموذج التوافقي بالشمولية والمساومة والتراضي؛ ولهذا السبب، يمكننا أن نسمي الديمقراطية التوافقية «الديمقراطية التفاوضية» (كايزر 1997، 434).
ونجد أن هناك عشرة فوارق في ما يتعلق بأهم المؤسسات والقواعد الديمقراطية يمكن اشتقاقها من مبادئ الأغلبية والتوافقية. إذ إن خصائص الأغلبية مستقاة من المبدأ نفسه، وبالتالي ترتبط به منطقيًّا، ويمكن المرء أن يتوقع تطبيقهما معًا، في الواقع؛ وينطبق الشيء نفسه على خصائص التوافقية. وبالتالي يمكننا القول بوجود ارتباط وثيق بين هذه المتغيّرات العشرة جميعًا. وقد أكدت بحوث سابقة تلك التوقّعات - باستثناء واحد أساسي، وهو أن المتغيرات تتجمع في بعدين منفصلين تمامًا (ليبهارت 1984، 211-222؛ 1997). يشمل البعد الأول خمس خصائص لترتيب السلطة التنفيذية والأنظمة الحزبية والانتخابية وجماعات الضغط. وسأشير إيجازًا إلى البعد الأول باسم «البعد التنفيذي الحزبي». ولمّا كانت أغلبية الاختلافات الخمسة في البعد الثاني مرتبطة بالتباين بين الفدرالية والحكومة الوحدوية - وهي مسألة سأعود إليها لاحقًا - فسأسمّي هذا البعد «البعد الفدرالي - الوحدوي».
وقد صغتُ الاختلافات العشرة أدناه على أساس التناقضات بين نموذجي الأغلبية والتوافقية، لكنها جميعًا متغيرات قد تكون دولٌ بعينها موجودة على أي من طرفيها أو في منطقة ما بينهما (أي بين النموذجين). وأدرجت الخاصية المتعلقة بالأغلبية أولًا، كل مرة. أما الاختلافات الخمسة في البعد التنفيذي الحزبي فهي كما يلي:
1- تركُّز السلطة التنفيذية في حكومة أغلبية، في يد حزب واحد، في مقابل مشاركة ائتلافات حزبية واسعة النطاق في السلطة التنفيذية.
2- العلاقات التنفيذية التشريعية التي تكون الهيمنة فيها للسلطة التنفيذية، في مقابل التوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية.
3- نظام الحزبين في مقابل نظام الأحزاب المتعدّدة.
4- نظام انتخاب الأغلبية غير المتكافئ في مقابل نظام التمثيل النسبي.
5- نُظُم مجموعات الضغط التعدّدية والمنافسة المفتوحة أمام الجميع بين تلك الجماعات، في مقابل نظم جماعات الضغط المُنسّقة والمؤسّسِيّة التي تهدف الى إيجاد حلول ترضي جميع الأطراف بالتشاور.
أما الاختلافات الخمسة للبعد الفدرالي - الوحدوي فهي كما يلي:
1- الحكومة المركزية الوحدوية في مقابل الحكومة الفدرالية واللامركزية.
2- تركُّز السلطة التشريعية في مجلس تشريعي واحد، في مقابل تقسيم السلطة التشريعية بين مجلسين تشريعيين لهما القدر نفسه من القوة، لكنهما مختلفان.
3- الدساتير المرنة التي يمكن تعديلها بأغلبية بسيطة، في مقابل الدساتير الجامدة التي يمكن تغييرها فقط بأغلبية استثنائية.
4- نظم يكون فيها للمجالس التشريعية الكلمة الفصل في دستورية التشريعات الخاصة بها، في مقابل النظم التي تخضع فيها القوانين لمراجعة قضائية دستورية من خلال المحاكم العليا أو الدستورية.
5-البنوك المركزية التي تعتمد على السلطة التنفيذية، في مقابل البنوك المركزية المستقلة.
واقترح منظّرو الفدرالية مثل إيفو د. دوتشاكيك (1970)، ودانيال ج. إليعازر (1968)، وكارل ج. فريدريتش (1950، 189-221)، و ك. س. وير (1946)- بالإضافة إلى نظريات كثيرة معاصرة (كولومر 2011، 85-100؛ هويجلين وفينا 2006؛ ستيبان 2001، 315-61؛ واتس 2008) تفسيرًا معقولًا لهذا النمط الثنائي الأبعاد. إذ يؤكد هؤلاء المفكرون أن للفدرالية تعريفًا رئيسيًّا وتعريفًا ثانويًّا. أما التعريف الرئيس فهو: التقسيم المضمون للسلطة بين الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية. والخصائص الثانوية هي وجود نظام تشريعي ثنائي قوي، ودستور جامد، ومراجعة قضائية قوية. وحجتهم هي أن ضمان التقسيم الفدرالي للسلطة لا يكون ناجعًا إلا إذا (1) تم النصّ على كل من الضمان والخطوط الدقيقة لتقاسم السلطة بشكل واضح في الدستور، على أن هذا الضمان لا يمكن تغييره من جانب واحد سواء على المستوى الإقليمي أو المركزي - وبالتالي تبرز الحاجة إلى دستور جامد؛ (2) كان هناك حكم محايد يمكنه حل النزاعات على تقسيم السلطة بين مستويي الحكومة - ومن هنا كانت الحاجة إلى مراجعة قضائية؛ و(3) كان هناك هيئة فدرالية في المجلس التشريعي الوطني في المناطق ذات التمثيل القوي - وبالتالي تنشأ الحاجة إلى نظام تشريعي ثنائي قوي؛ وعلاوة على ذلك (4) كان الغرض الرئيس من الفدرالية تعزيز نظام حكم لا مركزي وحمايته. ونجد هذه الخصائص الفدرالية في المتغيرات الأربعة الأولى من البعد الثاني الذي كما ذكرت آنفًا، يُسمى البعد الفدرالي - الوحدوي.
على أن التفسير الفدرالي ليس مرضيًا تمامًا، لسببين. فهناك إشكالية مفادها أنه على الرغم من كونه يفسّر تجميع المتغيّرات الأربعة في بعد واحد، إلا أنه لا يفسّر ضرورة أن يكون هذا البعد متميزًا، بوضوح، عن البعد الآخر. والإشكالية الثانية أنه لا يمكنه أن يفسّر السبب في أن متغيّر استقلال البنك المركزي جزءٌ من البعد الفدرالي - الوحدوي. وثمة تفسير أكثر إقناعًا من النمط الثنائي الأبعاد وهو التمييز بين «الوكالة الجماعية» و «المسؤولية المشتركة» من جهة، وتقاسم الوكالات والمسؤوليات من جهة أخرى، وهو ما اقترحه روبرت إ. غودين (1996، 331) (2) . فكلاهما من أشكال تقسيم السلطة، لكن البعد الأول للديمقراطية التوافقية، بتعدد تفاعلاتها مع مجلس الوزراء والمجلسين التشريعيين واللجان التشريعية واجتماعات التشاور بين الحكومات وجماعات الضغط، يتناسب بدرجة وثيقة مع نموذج المسؤولية الجماعية. وفي المقابل، فإن كلًّا من الخصائص الفدرالية الأربع ودور البنوك المركزية يناسب نموذج التقسيم من خلال الفصل بين المؤسسات: تقسيم السلطة بين مؤسسات فدرالية ووطنية منفصلة، ومجلسين تشريعيين منفصلين، ومحاكم عليا وبنوك مركزية منفصلة ومستقلة. فمن هذا المنظور، نجد أن البُعد الأول يمكن أيضًا أن يُسمّى بُعد المسؤولية المشتركة أو بعد السلطة المشتركة، والبعد الثاني بُعدَ تقسيم المسؤولية أو بُعدَ تقسيم السلطة. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذه التسميات ستكون أكثر دقة وأكثر وضوحًا من الناحية النظرية، تتميز تَسمِيتي الأصلية - «التنفيذي الحزبي» و «الفدرالي - الوحدوي» بسهولة تذكّرها. لذلك سأستمر في استخدامها في هذا الكتاب.
ولا يُعَدّ التمييز بين نوعي الديمقراطية، الأغلبية والتوافقية، مسألة مستحدثة في العلوم السياسية. والحقيقة أنني استعرت هذين المصطلحين من روبرت ج. ديكسون جونيور (1968، 10). وقد عقد كل من هانز هاتنهور وفيرنر كالتيفليتر (1986) مقارنة بين «مبدأ الأغلبية» و «مبدأ التوافق»، وصكّ يورغ شتاينر (1971) عبارة «مبادئ الأغلبية والنسبية». ويميّز ج. بينغهام باويل (1982) بين مبدأ الأغلبية ونماذج الديمقراطية «التمثيلية» عمومًا، ثم يعمد، في أعمال لاحقة، إلى التمييز بين «رؤيتين للديمقراطية»: رؤية سيطرة الأغلبية ورؤية التأثير النسبي (2000). كذلك عقد آخرون مقارنات مماثلة: روبرت أ. دال (1956) - النموذج «الشعبوي» ونموذج «ماديسون» للديمقراطية؛ وويليام هـ. رايكر (1982) - النموذج «الشعبوي» والنموذج «الليبرالي»؛ وجاين مانسبريدج (1980) - النموذج التنافسي والنموذج الوحدوي؛ وس. إ. فاينر (1975) - «السياسة التنافسية» في مقابل السياسة المركزية والائتلافية.
ومع ذلك، فمن الغريب أن هناك اتجاهًا قويًّا ومستمرًّا في العلوم السياسية يجعل مصطلحي الديمقراطية وديمقراطية الأغلبية صِنوين، ويعجز عن تمييز الديمقراطية التوافقية كبديل ونوع مشروع من أنواع الديمقراطية. ويمكننا أن نجد مثلًا واضحًا في حجة ستيفاني لاوسون (1993، 192-193) أن المعارضة السياسية القوية «شرط لا غنى عنه للديمقراطية المعاصرة»، وأن الغرض الرئيس منها أن «تصل إلى الحكم». إذ يستند هذا الرأي إلى فرض الأغلبية أن الديمقراطية تنطوي على نظام لحزبين (أو ربما كتلتين حزبيتين معارضتين) يتبادلان الحكم؛ لكنه لا يأخذ في الحسبان أن الحكومات في النظم التعدّدية الحزبية الأكثر توافقية تميل إلى أن تكون ائتلافات، وأن أي تغيير في الحكومة في تلك الأنظمة عادة ما يعني فقط تغييرًا جزئيًّا في التكوين الحزبي للحكومة - بدلًا من أن تصبح المعارضة هي الحكومة (لوندل 2011).
ويفصح الاستخدام المتكرر لاختبار «التدوير» من أجل تحديد ما اذا كانت ديمقراطية قد أصبحت مستقرة وموحدة عن وجود الفرضية نفسها عند الأغلبية. بل إن صموئيل هنتنغتون (1991، 266-267) يقترح اختبارًا لـ «تدويرين»، فالديمقراطية تعدّ راسخة إذا كان الحزب أو الجماعة التي تتولى السلطة في الانتخابات الأولية في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية، يخسر في انتخابات لاحقة، ويسلم السلطة إلى الحزب الفائز في الانتخابات، وإذا كان هؤلاء الفائزون في الانتخابات يسلمون السلطة سلميًّا إلى الفائزين في انتخابات لاحقة». ومن بين الدول العشرين صاحبة أطول تاريخ في الديمقراطية الراسخة، التي حلَّلها هذا الكتاب، وكل منها يتصف بما لا شك فيه بكونه نظامًا ديمقراطيًّا مستقرًّا وثابتًا، هناك ما لا يقل عن أربع دول - هي ألمانيا ولوكسمبورغ وهولندا وسويسرا - لم تجتز حتى اختبار التدوير الواحد للسلطة طوال نصف قرن، منذ نهاية الأربعينيات حتى العام 1996، أي إنها شهدت كثيرًا من التغييرات الوزارية، لكنها لم تعرف تسليمًا كاملًا للسلطة، وثماني دول - هي الدول الأربع السابقة نفسها إضافة إلى بلجيكا وفينلندا وإسرائيل وإيطاليا - لم تجتز اختبار التدويرين للسلطة.
وسيبين هذا الكتاب أن ديمقراطيات الأغلبية البحتة أو شبه البحتة نادرة جدًّا في واقع الأمر - فهي تقتصر على المملكة المتحدة، ونيوزيلندا (حتى عام 1996)، والمستعمرات البريطانية السابقة في منطقة البحر الكاريبي (ولكن فقط في ما يتعلق بالبعد التنفيذي الحزبي). فلمعظم الديمقراطيات سمات التوافقية التي تغلب عليها. وعلاوة على ذلك، وكما سنرى في هذا الكتاب، يمكن عدُّ الديمقراطية التوافقية أشد ديمقراطية من ديمقراطية الأغلبية في مناحٍ كثيرة.
وأقدم وصفًا للخصائص العشر المتناقضة لنموذجَي الديمقراطية، والتي ذكرتها في إيجاز، بشكل أولي وأدعمه بالأمثلة السريعة على حالات ديمقراطية الأغلبية البحتة نسبيًّا - المملكة المتحدة، ونيوزيلندا، وبربادوس - وحالات الديمقراطية التوافقية البحتة نسبيًّا - وهي سويسرا، وبلجيكا، والاتحاد الأوروبي - في الفصلين الثاني والثالث. وأعرض في الفصل الرابع، وفي صورة منهجية، للحالات التجريبية الديمقراطية الست والثلاثين، بما في ذلك الخمس المذكورة آنفًا (باستثناء الاتحاد الأوروبي)، وقد اخترتها للتحليل المقارن. ثم أحلل بمزيد من التعمّق المتغيّرات المؤسساتية العشرة في تسعة فصول تشكل الجزء الأكبر من هذا الكتاب (الفصول من الخامس إلى الثالث عشر). ويلخص الفصل الرابع عشر النتائج ويصنّف الديمقراطيات الست والثلاثين على «خارطة مفاهيمية» ثنائية الأبعاد للديمقراطية؛ ويحلّل أيضًا التحوّلات على هذه الخارطة مع مرور الزمن، ويبين أن معظم البلدان تشغل مواقع مستقرة عليها. أما في الفصلين الخامس عشر والسادس عشر فأطرح السؤال: «وماذا بعد؟». هل يشكل نوع الديمقراطية تأثيرًا، خصوصًا في ما يتعلق بصنع السياسات الفاعل ونوعية الديمقراطية؟ ويبيّن هذان الفصلان أن النظم التوافقية تحقق درجات أعلى في مجموعة واسعة من مؤشرات جودة الديمقراطية، وأن سجلها أفضل في ما يتعلق بفاعلية الحكم. وأخلص في الفصل السابع عشر إلى نظرة على نتائج هذا الكتاب وآثاره السياسية المترتبة على الدول الحديثة العهد بالديمقراطية أو تلك التي تشق طريقها نحوها.
 

صفحة 4

الفصل الثاني
نموذج وستمنستر للديمقراطية
عمدتُ، في هذا الكتاب، إلى استخدام مصطلح «نموذج وستمنستر» بالتبادل مع نموذج الأغلبية للإشارة إلى أحد النماذج العامة للديمقراطية. وقد يستخدم هذا المصطلح بشكل أكثر تحديدًا للإشارة إلى الخصائص الرئيسة للمؤسسات البرلمانية والحكومية البريطانية (ج. ويلسون 1994؛ ماهلر 1997) - حيث يجتمع برلمان المملكة المتحدة في قصر وستمنستر في لندن. وتُعدُّ النسخة البريطانية من نموذج وستمنستر المثال الأصلي والأشهر له، فضلًا عن أنه يحظى بأكبر قدر من الإعجاب. ويشير ريتشارد روز (1974، 131) إلى أن «الأميركيين افترضوا، في ثقة نبعت من عزلتهم القارية، أن مؤسساتهم، أي الرئاسة والكونغرس والمحكمة العليا - هي النموذج وهي الأصل الذي يجدر اتباعه في كل مكان». إلا أن المتخصصين الأميركيين في العلوم السياسية، خصوصًا العاملين في مجال السياسة المقارنة، كانوا ينظرون إلى نموذج الحكم البريطاني بالدرجة نفسها من التقدير على الأقل (كافانا 1974).
ومن بين علماء السياسة المشهورين الذين أبدوا إعجابهم المتحمس بنموذج وستمنستر الرئيس وودرو ويلسون. ففي كتاباته الأولى، ذهب إلى حد الحضّ على إلغاء نظام الحكم الرئاسي وتبني نظام الحكم البرلماني البريطاني في الولايات المتحدة. وحمل الآراء نفسها كذلك كثير من المراقبين غير البريطانيين للسياسة البريطانية، وقد صُدّر كثير من خصائص نموذج وستمنستر إلى دول أخرى، مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا ومعظم المستعمرات الأولى لبريطانيا في آسيا وأفريقيا والكاريبي عندما نالت استقلالها. وأشار ويلسون (1884، 33) إلى نظام الحكم البرلماني بحسب نموذج وستمنستر على أنه «الموضة العالمية».
وتتضح العناصر العشرة المترابطة لنموذج وستمنستر أو نموذج الأغلبية البرلمانية في خصائص ثلاث ديمقراطيات تقترب بشكل وثيق منه، ويمكن عدُّها نماذج أصيلة لنظام الأغلبية، وهي: المملكة المتحدة ونيوزيلندا وبربادوس. وبالطبع فإن بريطانيا، التي ظهر فيها نموذج وستمنستر، تُعَدّ بلا شك، المثال الأول والأكثر وضوحًا للاستخدام. ويُنظر إلى نيوزيلندا، في كثير من جوانبها، كأفضل تمثيل لهذا النموذج - على الأقل حتى تحولها الحاد عن نموذج الأغلبية في تشرين الأول/أكتوبر 1996. أما المثال الثالث - أي بربادوس - فهو تقريبًا مثال نموذجين عن نظام وستمنستر، وإن يكن فقط في ضوء البعد الأول (التنفيذي الحزبي) من التباين بين نموذجي الأغلبية والتوافق. وفي المناقشة التالية لخصائص الأغلبية العشر في الدول الثلاث، لا أؤكد فقط اتساقها مع النموذج العام ولكن أيضًا انحرافاتها في بعض الأحيان عن النموذج، فضلًا عن تعديلات أخرى متنوعة ينبغي القيام بها.
 

صفحة 5

نموذج وستمنستر في المملكة المتحدة

1- تركيز السلطة التنفيذية في مجالس وزراء ذات حزب أوحد وذات أغلبية ضئيلة: يُعدُّ مجلس الوزراء أكثر أجهزة الحكومة البريطانية قوة، وهو يتألف عادة من أعضاء الحزب الذي يملك أغلبية المقاعد في مجلس العموم، ولا يضم الأقلية. أما مجالس الوزراء الائتلافية فنادرة الحدوث. ففي النظام البريطاني الذي يعتمد على وجود حزبين، يتمتعان بالدرجة نفسها تقريبًا من الشعبية والنفوذ، وعادة ما نجد أن الحزب الفائز في الانتخابات لا يكسبها إلا بأغلبية ضئيلة، وتكون الأقلية كبيرة نسبيًّا. ومن ثم يُعَدُّ نظام مجلس الوزراء البريطاني الأحادي الحزب ذي الأغلبية الضئيلة، التجسيد المثالي لمبدأ حكم الأغلبية، إذ يتمتع بقدر واسع من النفوذ السياسي يمكنه من أن يحكم كممثل لأغلبية غير ساحقة ولمصلحتها. أما الأقلية الكبيرة فتُقصى من دائرة النفوذ ويحكم عليها بالجلوس في صف المعارضة.

وقد شهدنا، بدءًا من العام 1945 خصوصًا، استثناءات للعادة البريطانية الخاصة بمجالس الوزراء القائمة على أغلبية الحزب الواحد، إذ كتب ديفيد باتلر (1978، 112): «كانت الحكومات الأحادية الحزب أقل انتشارًا بكثير مما يعتقده كثيرون»، إلا أن معظم هذه الانحرافات عن النظام الشائع - التي تتمثل بالائتلافات بين حزبين أو أكثر أو مجالس الوزراء ذات الأقلية - قد ظهرت بين العامين 1918 و 1945. وكانت الأمثلة الوحيدة على أحزاب الأقلية في مرحلة ما بعد الحرب، هي أحزاب العمل ذات الأقلية في سبعينيات القرن المنصرم. وفي الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شباط/فبراير 1974، حقق حزب العمال أكثريةً، من دون أن يفوز بأغلبية المقاعد، وشكّل حكومة أقلية اعتمدت على عدم بقاء بقية الأحزاب غير موحدة من أجل إلحاق الهزيمة بها. ثم أجريت انتخابات جديدة في تشرين الأول/أكتوبر من ذاك العام، وفاز فيها حزب العمال بأغلبية صريحة، وإن تكن ضيّقة، بيد أنها تآكلت بسبب الانشقاقات وهزائم الانتخابات الفرعية، وأصبح مجلس الوزراء العمالي مجلس أقلية عام 1976. لكنه استعاد أغلبية تشريعية موقتة، عام 1977، نتيجة للميثاق الذي تفاوض عليه مع الأحرار الثلاثة عشر في مجلس العموم. فقد وافق حزب الأحرار على دعم مجلس الوزراء في مقابل التشاور معه على المقترحات التشريعية قبل رفعها إلى البرلمان. ومع ذلك، لم يدخل الأحرار مجلس الوزراء الذي ظل مجلس أقلية بدلًا من أن يكون ائتلافًا حقيقيًّا. وقد استمر ما يطلق عليه اسم ميثاق Lab-Lib (بين حزب العمال وحزب الأحرار) حتى العام 1978، ثم أُسقطت حكومة زعيم حزب العمال جيمس كالاهان عام 1979، بسحب مجلس العموم الثقة منه.

يعود الفضل في الظهور الأوحد لمجلس الوزراء الائتلافي التوافقي في حقبة ما بعد الحرب للحكومة المشكلة بعد انتخابات أيار/مايو 2010، والتي، كمثيلتها المشكلة في شباط/فبراير 1974، لم تنتج فائزًا محدّدًا بوضوح. تلقى حزب العمال، الذي يحمل بين يدي رجاله الآن مفاتيح الحكم في البلاد، هزيمة تاريخية. ولكن، والحق يقال، فإن حزب المحافظين لم يحصل إلا على كثرة بدلًا من غالبية المقاعد. ولتحقيق الهدف، ذهبا للحصول على دعم إيديولوجي من مجلس العموم الذي وافق على تكوين ائتلاف معهما وانضم إليهما فيه الحزب الليبرالي الديمقراطي الصغير نسبيًا بالمقارنة بهما. آل مقعد رئيس مجلس الوزراء إلى زعيم المحافظين، ديفيد كاميرون، وناب عنه زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي، نيك كليج. ولكن من المعهود أن مجالس الوزراء المتآلفة والمحكومة بالأقلية لا يطول عمرها كثيرًا، فهذه المهمة تؤول إليهم عندما تنتج الانتخابات البريطانية مجلسًا يطلقون عليه اسم «البرلمان المعلّق» أي البرلمان الذي لا يحمل رايته حزب أو غالبية وهي نتيجة لا تحدث عادة.

2- هيمنة مجلس الوزراء: تضم المملكة المتحدة نظام حكم برلمانيًّا، أي أن مجلس الوزراء يعتمد على ثقة البرلمان. ونظريًّا، وبسبب قدرة مجلس العموم على التصويت ضد أي مجلس وزراء وإطاحته من الحكم، فإنه «يسيطر» على مجلس الوزراء. إلا أن العلاقة معكوسة في واقع الأمر. فلأن مجلس الوزراء يتألف من قادة حزب أغلبية متماسك في مجلس العموم، عادة ما يكون مدعومًا من الأغلبية التي تكوّنه، ويستطيع، في ثقة، الاعتماد على الاستمرار في الحكم وضمان الموافقة على اقتراحاته التشريعية. ومجلس الوزراء يتمتع بهيمنة واضحة مقارنة بالبرلمان.

ولأن القيادة القوية لمجلس الوزراء تعتمد على مساندة الأغلبية في مجلس العموم وعلى تماسك حزب الأغلبية، فإن مجالس الوزراء تفقد بعض هيمنتها عندما يغيب أي من هذين الشرطين أو كلاهما. وقد شهدت سنوات حكم حكومات الأقلية في السبعينيات، خصوصًا، زيادة كبيرة في عدد الهزائم البرلمانية للمقترحات المهمة لمجلس الوزراء. وأحدث هذا الأمر تغيرًا في الرؤية التقليدية التي تقوم على ضرورة لجوء مجالس الوزراء إلى الاستقالة أو حل مجلس العموم والدعوة إلى انتخابات جديدة، إذا ما عانت هزيمة بسبب تصويت برلماني لسحب الثقة أو بسبب أحد مشاريع القوانين ذات الأهمية المحورية بالنسبة إلى مجلس الوزراء. وباتت القاعدة الجديدة غير المكتوبة أن التصويت الصريح بسحب الثقة وحده هو ما يستلزم الاستقالة أو إجراء انتخابات جديدة. وقد استعيدت هيمنة مجلس الوزراء، بدرجة كبيرة، في الثمانينيات تحت القيادة القوية لرئيسة الوزراء المحافظة مارغريت تاتشر.

ويوضح كل من الموقفين الطبيعي والاستثنائي أن النظام الثنائي الأحزاب هو الذي يوفّر الهيمنة التنفيذية، لا النظام البرلماني. وفي النظم البرلمانية المتعدّدة الأحزاب، نرى مجالس الوزراء - وهي غالبًا مجالس ائتلافية - أقل هيمنة على مقاليد الأمور (بيترز، 1997). وبسبب تركّزالسلطة في مجلس وزراء مهيمن، أطلق الوزير السابق لورد هيلشام (1978، 127) على نظام الحكم البريطاني اسم «الدكتاتورية الانتخابية» (3) .

3- النظام الثنائي الأحزاب: يهيمن على السياسة البريطانية اثنان من الأحزاب الكبيرة: حزب المحافظين وحزب العمال. وتتنافس أحزاب أخرى على الانتخابات وتفوز بمقاعد في مجلس العموم - خصوصًا حزب الأحرار الذي بات يُسمى بعد اندماجه مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي، نهاية الثمانينيات، حزب الديمقراطيين الأحرار (يقع في الوسط السياسي، بين العمال إلى اليسار، والمحافظين إلى اليمين) - بيد أن هذه الأحزاب لا تتمتع بالاتساع الكافي الذي يخولها تحقيق انتصارات كبيرة. فالأحزاب الصغيرة، مثل الحزب الوطني الإسكتلندي، والقوميين الويلزيين وأحزاب أخرى في إيرلندا الشمالية، لا تتمكن مطلقًا من الفوز بأكثر من بعض الأصوات والمقاعد. الحزبان الرئيسيان يستحوذان على الأغلبية العظمى من المقاعد، وهما من يشكلان مجالس الوزراء، على النحو التالي: حزب العمال بين العامين 1945 و 1951، ومن ثم بين العامين 1964 و 1970، فبين العامين 1974 و 1979، فمن العام 1997 إلى 2010. أما حزب المحافظين فقد سيطر على مجلس الوزراء بين العامين 1951 و 1964، ومن ثم بين العامين 1970 و 1974، فبين العامين 1979 و 1997. وكانت هيمنة هذين الحزبين بارزة خصوصًا بين العامين 1950 و1970؛ إذ لم يسبق أن فازا معًا بأقل من 87,5 في المئة من الأصوات و 98 في المئة من المقاعد في مجلس العموم خلال الانتخابات السبع التي أجريت خلال هذين العقدين.

وكانت سنوات ما بين الحربين العالميتين مرحلة انتقالية حلّ فيها حزب العمال محل حزب الأحرار كواحد من الحزبين الكبيرين، وفي انتخابات العام 1945، فاز حزبا العمال والمحافظين معًا بنحو 85 في المئة من الأصوات ونحو 92,5 في المئة من المقاعد. وقد تراجع التأييد لهما كثيرًا بعد العام 1970، إذ راوح نصيبهما المشترك من الأصوات الشعبية بين 65 في المئة فقط (عام 2010) وأقل من 81 في المئة (عام 1979)، بيد أنهما واصلا الفوز بحد أدنى قدره 93 في المئة من المقاعد من العام 1974 إلى العام 1992، وحوالى 86 في المئة من المقاعد من العام 1997 إلى ما بعده. وكان حزب الديمقراطيين الأحرار المستفيد الرئيس من ذلك، خصوصًا في ما يتعلق بالأصوات بدلًا من المقاعد. فقد فاز في الانتخابات الأربع التي أجريت ما بين العامين 1997 و 2010 بمتوسط 20 في المئة من الأصوات العامة - لكنه لم يفز قط بأكثر من 10 في المئة من مقاعد مجلس العموم.

4- نظام الأغلبية وعدم التناسب في الانتخابات: يعد مجلس العموم من الهيئات التشريعية الكبيرة التي راوح عدد أعضائها بين 625 عام 1950 و 659 منذ العام 1945. ويتم انتخاب الأعضاء في الدوائر الفردية وفقًا لطريقة التعددية، التي يُشار إليها في بريطانيا عادة باسم نظام «الأول الذي ينجح على القائمة» first past the post، فيفوز المرشح الذي يحصد أغلبية الأصوات، وإذا لم تكن هناك أغلبية، يفوز المرشح الذي يحصد أكبر عدد من الأصوات.

ويترتّب على هذا النظام نتائج عديمة التناسب: إذ تقدم انتخابات العام 2005 أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا. فقد فاز حزب العمال بأغلبية برلمانية مطلقة قدرها 355 مقعدًا من أصل 646 مقعدًا، بنسبة 35,2 في المئة فقط من الأصوات. وخلال كل الانتخابات التي أجريت من تشرين الأول/أكتوبر 1974 إلى العام 2005، نال الحزب الفائز أغلبيات واضحة من المقاعد، بما لم يزد قط عن 44 في المئة من الأصوات. وقد أطلق دوغلاس و. راي (1967، 74) على هذه الأغلبيات كافة، صفة «الأغلبيات المصطنعة» - التي نشأت في شكل مصطنع من النظام الانتخابي نتيجة أكثرية الأصوات لا أكثر. والواقع أن كل الأحزاب الفائزة منذ العام 1945 قد ربحت بفضل هذه الأغلبيات المصطنعة.

ومن ثم قد يكون من الأدق أن نطلق على المملكة المتحدة اسم «ديمقراطية تعددية» pluralitarian بدلًا من «ديمقراطية أغلبية». بل إن عدم التناسب الذي تتسم به طريقة التعددية قد ينجم عنها فائز فشل في الفوز بأكثرية الأصوات: فقد فاز المحافظون بأغلبية مقاعد واضحة في انتخابات العام 1951 ليس فقط بأقل من أغلبية الأصوات بل وبأصوات أقل مما نال حزب العمال.

وكان النظام الانتخابي غير المتناسب أكثر إيذاءً للأحرار والديمقراطيين الأحرار، الذين نادوا طويلًا بطرح شكل من أشكال التمثيل المتناسب Proportional Representation (PR). ولكن نظرًا إلى أن نظام التعددية قد عاد بمكاسب كبيرة على المحافظين والعمال، ظل هذان الحزبان على تبنيهما النظام القديم غير المتناسب. ومع ذلك، ثمة إشارات بالتوجّه نحو التمثيل المتناسب. فمثلًا، تم تبني هذا النظام في كل الانتخابات التي أُجريت في إيرلندا الشمالية (باستثناء انتخابات مجلس العموم) بعد احتدام النزاع البروتستانتي - الكاثوليكي، مطلع السبعينيات. وعقب النصر الانتخابي لحزب العمال عام 1997 مباشرة، قرر مجلس الوزراء الجديد برئاسة توني بلير أن تجرى انتخابات العام 1999 لممثلي بريطانيا في البرلمان الأوروبي وفق نظام التمثيل المتناسب - بما يجعل المملكة المتحدة على قدم واحدة مع جميع الأعضاء الآخرين في الاتحاد الأوروبي. كذلك يُستخدم نظام التمثيل المتناسب في انتخاب الجمعيات التشريعية الإقليمية الجديدة لإسكتلندا وويلز. والواضح إذًا أن مبدأ التناسب لم يعد مرفوضًا كما كانت عليه الحال في السابق. ومع ذلك، من الحكمة الاستماع إلى الكلمات التحذيرية لغراهام ويلسون (1997، 72) الذي يشير إلى أن للحزبين الكبيرين تاريخًا طويلًا من تفضيل الإصلاحات الأساسية، لكنهما يتخليان عنها بمجرد وصولهما إلى السلطة، فيقول: «سيتخليان عن تغييرات، كالإصلاحات الانتخابية التي ستصب في غير مصلحتهما». وكجزء من ثمن الانضمام إلى حكومة كاميرون عام 2010، حصل الديمقراطيون الأحرار على وعد بإجراء استفتاء على إصلاحات انتخابية. إلا أن الخيار الذي كان سيقدم إلى الناخبين لم يكن التمثيل المتناسب، ولكن ما يُسمى التصويت البديل، وهو مثل التعددية، أسلوب انتخاب للأغلبية (راجع الفصل 8). أكثر من ذلك، فموافقة المحافظين لم تشمل وعدًا بمساندة هذا الإصلاح البسيط نسبيًّا في الحملة من أجل الاستفتاء. وفي النهاية، شُنَّت حملة نشطة عليه، فرفض الاقتراح بفاصل يفوق 1:2 في أيار/مايو 2011 (كورتروب 2012).

5- تعددية جماعات الضغط: من خلال تركيز النفوذ السياسي في يد الأغلبية، يرسي نموذج وستمنستر للديمقراطية نمطًا يقوم على وجود حكومة ومعارضة، ويتسم بالتنافس والندية، في حين يتسم نظام جماعات الضغط المألوف في نموذج الأغلبية بالمنافسة والصراع. وهو نظام التعددية المتاحة للجميع، ما يتعارض مع النظام المؤسسي corporatism لجماعات الضغط الذي تعقد فيه اجتماعات دورية بين ممثلي الحكومة واتحادات العمال ومنظمات أصحاب العمل للتوصل إلى اتفاق على القضايا الاجتماعية الاقتصادية؛ ويطلق على هذه العملية من التنسيق اسم عملية التوافق concertation، وعلى الاتفاقات التي يتم التوصل إليها اسم المواثيق الثلاثية tripartite pacts. وتُنسَّق عملية التوافق إذا كان هناك عدد صغير نسبيًّا من جماعات الضغط الكبيرة والقوية في كل من القطاعات الرئيسة - وهي العمالة وأصحاب العمل والمزارعون - وإذا كان هناك تنظيم علوي قوي في كل من القطاعات التي تتولى تنسيق الاتجاهات والاستراتيجيات المرغوب فيها لكل قطاع. أما التعددية، في المقابل، فتعني تعددية جماعات الضغط التي تمارس ضغوطًا على الحكومة على نحو تنافسي وغير منسّق.

فنظام جماعات الضغط في بريطانيا هو نظام قائم على التعددية وهذا أمر لا شك فيه. والاستثناء الأوحد لذلك هو العقد الاجتماعي للعام 1975، المتعلق بالأجور والأسعار والذي أبرم بين حكومات العمال واتحاد العمال الرئيس (مؤتمر الاتحادات التجارية) والاتحاد الرئيس لأصحاب الأعمال (اتحاد الصناعة البريطانية). وقد سقط هذا العقد بعد عامين، عندما فشلت الحكومة في الحصول على موافقة الاتحادات على قبول قيود إضافية على الرواتب، وفرضت سقفًا على الرواتب في شكل أحادي الجانب. وقد اتسم عقد الثمانينيات بمواجهات سيئة بين الحكومة المحافظة لمارغريت تاتشر واتحادات العمال - وهو ما يتعارض في شدة مع فكرة النظام المؤسسي والتوافق الآنفي الذكر. ولم يتغير شيء كثير في ظل حكومة العمال التي تولّت السلطة بين العامين 1997 و 2010. وكما أشار مايكل غالاغر ومايكل لافر وبيتر ماير (2011، 467، 471)، فبريطانيا «تُعَدّ غالبًا واحدةً من الأمثلة الكلاسيكية على النظام الأكثري لا المؤسسي. ويتوقعون أن تخلي البلاد عن شكل أساسي لتمثيل جماعات الضغط أم غير مرجّح إلى حدّ كبير.

6- حكومة وحدوية ومركزية: تُعد المملكة المتحدة دولة وحدوية قائمة على المركزية. وتؤدي الحكومات المحلية مجموعة من الوظائف المهمة، بيد أنها تخضع للحكومة المركزية، وسلطاتها لا يضمنها الدستور (كما يحدث عادة في النظم الفدرالية). وعلاوة على ذلك، فإنها معتمدة ماليًّا على الحكومة المركزية. ولا توجد مناطق جغرافية أو وظيفية ذات ترسيم واضح يمكن منع نفوذ الأغلبية البرلمانية ومجلس الوزراء عنها. وقد خلصت اللجنة الملكية للدستور برئاسة اللورد كيلبراندون - عام 1973 إلى أن «المملكة المتحدة هي أكبر دولة وحدوية في أوروبا ومن بين الدول الصناعية الكبرى الأكثر مركزية في العالم» (كما ورد في بوش 1994، 60).

وتجدر الإشارة إلى استثناءين. الأول هو أن إيرلندا الشمالية كان يحكمها برلمانها ومجلس وزرائها الخاص بدرجة كبيرة من الحكم الذاتي - على نحو يفوق ما تمتعت به معظم الدول في النظم الفدرالية - اعتبارًا من العام 1921، عندما نالت جمهورية إيرلندا استقلالها، وحتى فرض لندن الحكم المباشر عام 1972. ومن الأمور ذات الدلالة أن إلغاء الحكم الذاتي لإيرلندا الشمالية عام 1972 كان ممكنًا، من خلال قرار بسيط تصدره أغلبية البرلمان. أما الاستثناء الثاني فهو الانتقال التدريجي نحو استقلال أكبر لإسكتلندا وويلز - أي «التنازل عن السلطة» devolution كما أطلق عليه البريطانيون. ولكن وجب الانتظار حتى أيلول/سبتمبر 1997 حتى جاءت نتيجة الاستفتاءات الشعبية في إسكتلندا وويلز أخيرًا بالموافقة على إنشاء مجالس النواب الإسكتلندية والويلزية المتمتّعة بالحكم الذاتي وحق الانتخاب المباشر (ترنش 2007). بيد أن التنازل عن السلطة لم يسِرْ يدًا بيد مع اللامركزية في إنكلترا، وهي إلى حد كبير أكبر الأجزاء الأربعة المكونة للمملكة المتحدة وأهمها. فقد دفعت مجلة إيكونوميست اللندنية إلى القول إنها «لا تزال أكثر نظم الغرب مركزية» (غانيش 2010).

7- تركيز السلطة التشريعية في هيئة تشريعية ذات مجلس واحد: بالنسبة إلى تنظيم الهيئة التشريعية، كان مبدأ الأغلبية القائم على تركيز السلطة يعني ضرورة تركيز السلطة التشريعية في مجلس واحد. وفي هذا الجانب، تنحرف المملكة المتحدة عن نموذج الأغلبية الخالص. ويتألف البرلمان من مجلسين: مجلس العموم، الذي يُنتخب شعبيًّا، ومجلس اللوردات، الذي يتألف أساسًا من أفراد سلالة النبلاء، لكنه يضم أيضًا عددًا كبيرًا ممن يطلق عليه لقب لوردات مدى الحياة ولا يتم توريث ألقابهم life peers وتعيّنهم الحكومة. وقد أخرج قانون مجلس اللوردات للعام 1999 كل سلالة النبلاء، إلا 92 نبيلًا، بحيث يشكل الأعضاء المعيّنون الآن الأغلبية العظمى في هذا المجلس. وتبدو العلاقة بينهما غير تناظرية: إذ تعود كل الصلاحيات التشريعية إلى مجلس العموم. والسلطة الوحيدة التي يحتفظ بها مجلس اللوردات تتمثل بتأخير التشريع، فيمكنه تأخير مشاريع القوانين المالية شهرًا واحدًا، ومشاريع القوانين الأخرى عامًا. وقد أرسي حد العام الواحد هذا عام 1949، وذلك بين الإصلاح الكبير الأول سنة 1911 وسنة 1949، وكانت صلاحيات اللوردات التأخيرية تمتد نحو عامين، ولكن خلال الحقبة التي بدأت عام 1911 امتنع اللوردات عن فرض مدد تأخير طويلة.

ومن ثم، وعلى الرغم من أن الهيئة التشريعية البريطانية الثنائية التمثيل bicameralism تنحرف عن نموذج الأغلبية، إلا أنها لا تنحرف كثيرًا: ففي المناقشات اليومية في بريطانيا، تشير كلمة «البرلمان» في شكل حصري إلى مجلس العموم، ويمكن أن يُطلق أيضًا على النظام الثنائي التمثيل غير المتناظر اسم النظام شبه الأحادي المجلس near-cameralism. وعلاوة على ذلك، قد يتم تقليص صلاحيات اللوردات أكثر. ونلمس خصوصًا، في حزب العمال ميلًا قويًّا إلى الإصلاحات التي تراوح بين إلغاء حقوق التصويت للأعضاء الوراثيين، وحتى إلغاء مجلس اللوردات. فالتغير من النظام شبه الأحادي إلى الأحادية الكاملة للمجلس التشريعي لن يكون خطوة صعبة، إذ يمكن اتخاذها من خلال أغلبية بسيطة في مجلس العموم، وقد يتأخر سنة واحدة فقط إذا ما اعترض اللوردات.

8- المرونة الدستورية: لبريطانيا دستور «غير مكتوب» بمعنى أن ليس هناك وثيقة واحدة تحدد بالتفصيل بنية المؤسسات الحكومية وصلاحياتها وحقوق المواطنين. بل يُحدّد هذه المسائل عدد من القوانين الأساسية - على غرار الماجنا كارتا (الميثاق الأعظم للحريات) لسنة 1215، ووثيقة الحقوق لسنة 1689 وقوانين البرلمان لما بين العامين 1911 و 1949- ومبادئ القانون العام common law والأعراف والتقاليد. وقد ترتب على كون الدستور وثيقة غير مكتوبة اثنان من التداعيات المهمة. الأول أنه يجعل الدستور مرنًا بالكامل نظرًا إلى إمكان تغييره في البرلمان على غرار أي قانون آخر - من خلال الأغلبية العادية لا الأغلبية الساحقة، كأغلبية الثلثين، التي تشترطها كثير من الديمقراطيات الأخرى لتعديل دساتيرها المكتوبة. ومن الاستثناءات الطفيفة لهذه المرونة أن معارضة من مجلس اللوردات قد تؤخر التغييرات الدستورية، عامًا واحدًا.

9- غياب المراجعة القضائية: يتمثل الأثر الآخر المهم لأي دستور غير مكتوب في غياب المراجعة القضائية، إذ لا توجد وثيقة دستورية مكتوبة لها صفة «قانون أعلى» يمكن المحاكم من خلالها اختبار دستورية التشريعات العادية. وعلى الرغم من أن البرلمان يقبل قواعد الدستور غير المكتوب ويشعر بوجوب التقيد بها، إلا أنه ليس ملزمًا بها رسميًا. وفي ما يتعلق بتغيير الدستور وتأويله، يمكن عدُّ البرلمان - أي الأغلبية البرلمانية - السلطة المطلقة أو السيادية. وفي التعبير الشهير الذي أطلقه أ. ف. ديسي (1915، 37-38)، «لا تعني السيادة البرلمانية أكثر أو أقل من هذا، أي إن للبرلمان، وبموجب الدستور الإنكليزي، الحق في تشريع أي قانون أو عدم تشريعه؛ وعلاوة على ذلك فلا يوجد شخص أو جهة يخوله القانون حق تخطي تشريع البرلمان أو تجاهله».

ويتمثل أحد الاستثناءات للسيادة البرلمانية في أن بريطانيا، عندما انضمت إلى الجماعة الأوروبية - وهي منظمة ما فوق قومية وليست مجرد منظمة دولية - عام 1973، قبلت قوانين المنظمة ودساتيرها، باعتبارها سلطات تفوق سلطة البرلمان في ما يتعلق بكثير من الجوانب السياسية. ونظرًا إلى أن السيادة تعني السلطة العليا والمطلقة، لم يعد من الممكن النظر إلى البرلمان باعتباره متمتعًا بسيادة كاملة. كذلك أدخلت عضوية بريطانيا في الجماعة الأوروبية - التي يطلق عليها الآن اسم الاتحاد الأوروبي - تشريعًا بالمراجعة القضائية على كل من محكمة العدل الأوروبية والمحاكم البريطانية: «إن سيادة البرلمان ينتقص منها حق مؤسسات الاتحاد الأوروبي في التشريع للمملكة المتحدة (من دون موافقة مسبقة من البرلمان) وحق المحاكم في إصدار أحكام بجواز القوانين المستقبلية للبرلمان (من حيث قانون الاتحاد)» (كومبس 1977، 88). وبالمثل، كانت بريطانيا عضوًا في الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان منذ العام 1951، وكان قبولها الفقرة الاختيارية الخاصة به عام 1966، منح المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ حق مراجعة أي إجراء من الدولة وإبطاله، بما في ذلك التشريع، إذا رأت أنه ينتهك حقوق الإنسان التي يحصّنها الاتفاق (كابيليتي 1989، 202؛ جونسون 1998، 155-58).

10- بنك مركزي تسيطر عليه السلطة التنفيذية: تتحمّل البنوك المركزية المسؤولية عن إصدار السياسات النقدية، وتتمتع البنوك المستقلة في نظر كثيرين، بقدرة أفضل على السيطرة على التضخم والمحافظة على استقرار الأسعار من البنوك المعتمدة على السلطة التنفيذية. ومع ذلك، فإن استقلالية البنك المركزي تتعارض في شكل واضح، مع المبدأ الذي ينص عليه نموذج وستمنستر والمعتمد على تركيز السلطة في يد مجلس وزراء أغلبية، أحادي الحزب. وكما هو متوقع، لم يكن لبنك إنكلترا القدرة على العمل في شكل مستقل، إذ كان خاضعًا لرقابة مجلس الوزراء وسيطرته. وخلال عقد الثمانينيات، زادت الضغوط الرامية إلى جعل بنك إنكلترا يتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية. وقد حاول اثنان من وزراء المال المحافظين إقناع زملائهم باتخاذ هذه الخطوة الكبيرة بعيدًا عن نموذج وستمنستر، بيد أن نصيحتهما رُفضت (بوش 1994، 59). ولم يمنح بنك إنكلترا قدرة مستقلة على وضع أسعار الفائدة إلا عام 1997- في واحد من أول القرارات التي اتخذتها الحكومة العمالية المنتخبة في ذلك الحين. تقاس درجة استقلالية البنك المركزي عادة بمقياس وضعه أليكس كوكيرمان، يراوح بين حد أدنى صفر، وحد أقصى 1 (راجع الفصل 13). وقد ارتفعت نتيجة البنك المركزي البريطاني بين العامين 1997 و 1998 من 0,27 إلى 0,47 - مشيرة إلى زيادة ذات دلالة في استقلاله، وإن كانت، على سبيل المثال، لا تزال أقل من النتائج السويسرية والألمانية 0,64 و 0,69، خلال الجزء الأكبر من التسعينيات (بوليلو وغيلان 2005).

لا تبدل التغيرات الأخيرة في السياسة البريطانية الشخصية العامة لبريطانيا كمثال رئيس لديمقراطية الأغلبية. وكما يقول ماثيو فليندرز (2010) - على ذكر العنوان الرئيس والثانوي لهذا الكتاب - إن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان مرحلة من «التحوّل الديمقراطي» و «تعديل الأغلبية»، أكثر من أي تحول أساسي بعيدًا عن نموذج وستمنستر.

صفحة 6

نموذج وستمنستر في نيوزيلندا

صُدّر كثير من خصائص نموذج وستمنستر إلى الدول الأعضاء الأخرى في الكومنولث البريطاني، بيد أن دولة واحدة فقط تبنت فعليًا النموذج بالكامل، وهي نيوزيلندا. وقد حدث تغيّر كبير بعيدًا عن نموذج الأغلبية، عام 1996، عندما أجرت نيوزيلندا أولى انتخاباتها بنظام التمثيل المتناسب PR، لكننا يمكن أن نجد في نظامها السياسي قبل العام 1996، مثالًا ثانيًا معبرًا عن الطريقة التي يعمل بها نموذج وستمنستر.

1- تركيز السلطة التنفيذية في مجالس وزراء أحادية الحزب ذات أغلبية ضئيلة: فطوال ستة عقود، من العام 1935 وحتى منتصف التسعينيات، كان لدى نيوزيلندا مجالس وزراء أغلبية أحادية الحزب من دون استثناءات وبلا انقطاع. وقد هيمن حزبان كبيران - هما حزب العمال والحزب الوطني - على مقدرات السياسة فيها، وتناوبا على السلطة. وتشكل مجلس الوزراء الأحادي الحزب بعدما عانت آخر انتخابات تعددية عام 1993 سلسلة من الانشقاقات وأصبح لمدة وجيزة مجلس وزراء شبه ائتلافي (ائتلاف مع أحدث المنشقين)، ثم مجلس وزراء أقلية أحادي الحزب، وأخيرًا ائتلاف أقلية - بيد أن كل هذه المجالس غير المعتادة ظهرت في المرحلة الأخيرة من الانتقال إلى النظام الجديد المختلف عن نظام وستمنستر (بوستون، ليفين، ماكلي، روبرتس 1996، 93-96). وقد حدثت الانحرافات الأخرى الوحيدة عن حكومة الأغلبية الأحادية الحزب قبلها بمدة، إذ كان في نيوزلندا مجلس وزراء ائتلافي خلال الحرب من العام 1915 إلى العام 1919، وكان هناك ائتلاف آخر في السلطة من العام 1931 إلى العام 1935.

2- هيمنة مجلس الوزراء: في هذا الصدد كذلك، كانت نيوزيلندا مثالًا قويًّا لنموذج وستمنستر. فكما هي الحال خلال معظم حقبة ما بعد الحرب في المملكة المتحدة، أدى اجتماع النظام البرلماني للحكم والنظام الثنائي الأحزاب ذي الأحزاب المتماسكة إلى جعل مجلس الوزراء يهيمن على السلطة التشريعية. وبحسب تعبير المتخصص في العلوم السياسية ستيفن ليفين (1979، 25) «أسهم النظام الثنائي الجامد في تركيز السلطة داخل مجلس الوزراء الذي يتشكل من أعضاء البرلمان... وينتمي إلى حزب الأغلبية».

3- النظام الثنائي الأحزاب: كان هناك حزبان كبيران يسيطران في شكل كامل وفعلي على منظومة الأحزاب، وقد شكلا كل مجالس الوزراء خلال العقود الستة الممتدة من العام 1935 وحتى منتصف التسعينيات: حزب العمال (1935-1949، 1957-1960، 1972-1975، 1984-1990) والحزب الوطني (1949-1957، 1960-1972، 1975-1984، وبعد عام 1999). وقد تركزت السياسة الحزبية حصريًّا على القضايا الاجتماعية الاقتصادية - إذ مثل حزب العمال يسار الوسط والحزب الوطني يمين الوسط. وعلاوة على ذلك، وعلى خلاف ما يحدث في بريطانيا، كانت الأحزاب الأخرى غائبة تمامًا عن مجلس النواب النيوزيلندي. وفي إحدى عشرة عملية انتخابية من أصل سبع عشرة عملية أجريت بين العامين 1946 و 1993، تقاسم الحزبان الكبيران كل المقاعد؛ وفي خمسة انتخابات، حاز حزب واحد فقط من الأحزاب الأخرى مقعدًا أو مقعدين؛ وعام 1993، حاز حزبان صغيران مقعدين لكل منهما (من أصل تسعة وتسعين مقعدًا). إن نظام نيوزيلندا الثنائي الأحزاب كان، بالتالي، نظامًا حزبيًا ثنائيًا صافيًا تقريبًا.

4- نظام الأغلبية وعدم التناسب في الانتخابات: انتُخب مجلس النواب وفقًا لنظام التعددية في الدوائر الفردية. وكانت السمة الوحيدة غير العادية هي أنْ كانت هناك أربع دوائر كبيرة خاصة، تتقاطع جغرافيًّا مع الدوائر الأصغر العادية، التي كانت مخصصة لأقلية الماوري Maori (تشكل 12 في المئة من السكان). وقد استتبعت هذه الدوائر الأربع انحرافًا عن نظام الأغلبية الذي يتّصف به نموذج وستمنستر، نظرًا إلى أن هدفها كان ضمان تمثيل الأقلية. واعتبارًا من العام 1975، كان جميع الناخبين من الماوريين يتمتعون بحق التسجيل والتصويت إما في الدائرة المعتادة وإما في دائرة الماوري الخاصة حيث يقطنون.

وكما هي الحال في المملكة المتحدة، تمخّض نظام التعددية عن نتائج غير متناسبة حادة، خصوصًا في الأعوام من 1978 إلى 1981. ففي انتخابات العام 1978، فاز الحزب الوطني بأغلبية واضحة، قدرها واحد وخمسون مقعدًا من أصل اثنين وتسعين مقعدًا، على الرغم من أنه لم يفز لا بأغلبية الأصوات الشعبية - إذ بلغت نسبة التأييد له 39,8 فقط - ولا بالأكثرية، نظرًا إلى أن التصويت الشعبي لحزب العمال بلغ 40,4 في المئة؛ ولم تأت نسبة 17,1 في المئة من الأصوات التي حصل عليها حزب الضمان الاجتماعي إلا بمقعد واحد. وفي انتخابات العام 1981، فاز الحزب الوطني بأغلبية برلمانية أخرى بلغت سبعة وأربعين مقعدًا من أصل اثنين وتسعين، ومرة أخرى بأصوات أقل من حزب العمال، على الرغم من أن النسب المئوية على التوالي كانت قريبة: 38,8 و 39,0؛ وقد فاز حزب الضمان الاجتماعي بنسبة 20,7 في المئة من التصويت الشعبي - أكثر من نصف عدد الأصوات الذي حازه أحد الحزبين الكبيرين - إلا أنه شغل مقعدين فقط. وعلاوة على ذلك، كانت كل حالات الأغلبية البرلمانية اعتبارًا من العام 1954 مصطنعة، إذ تحقق الفوز فيها بأقل من أغلبية الأصوات الشعبية. وفي هذا الصدد، كانت نيوزيلندا، وعلى غرار المملكة المتحدة، ديمقراطية تقوم على التعددية أكثر منها على الأغلبية.

5- تعددية جماعات الضغط: إن نظام جماعات الضغط في نيوزيلندا، وعلى غرار بريطانيا، واضح التعددية. وكانت نيوزيلندا، وعلى غرار بريطانيا مرة أخرى، تعاني مستويات عالية من الإضرابات - وهو ما يؤشّر إلى المواجهة والصدام أكثر منه إلى التوافق بين العمال والإدارة. وفي الدراسات المقارنة للنظام المؤسسي corporatism ونظام التعددية، حاول كثير من الباحثين القياس بدقة مدى كون أنظمة جماعات الضغط في الديمقراطيات الصناعية مؤسّسيّة أو تعددية. وكانت تقديراتهم تتفاوت بدرجة كبيرة في ما يتعلق بأقلية من هذه الدول، ولكن في بريطانيا العظمى ونيوزيلندا كان التفاوت بسيطًا: فكلتاهما تنتمي إلى الطرف الأكثري المتطرف من الطيف التعددي - المؤسسي. (ليبهارت وكريباز، 1991؛ سياروف 1999).

6- الحكومة الوحدوية والمركزية: كان «قانون منح دستور نيابي لمستعمرة نيوزيلندا الذي أَقرّه البرلمان البريطاني عام 1852» قد أدى إلى نشوء ست ولايات بسلطات حكم ذاتي وصلاحيات واسعة مقارنة بالحكومة المركزية، بيد أن هذه الولايات أُلغيت عام 1875. واليوم نظام الحكم وحدوي ومركزي - وهذا، بالنسبة إلى بلد يقل عدد سكانه عن أربعة ملايين نسمة لا يثير الاستغراب طبعًا، أكثر مما تثيره المملكة المتحدة بعدد سكانها الأكبر بكثير والذي يبلغ تقريبًا ستين مليون نسمة.

7- تركيز السلطة التشريعية في نظام تشريعي أحادي التمثيل: لمدة قرن من الزمن، كانت نيوزيلندا تتمتع بهيئة تشريعية ثنائية التمثيل، وتتألف من مجلس أدنى منتخب ومجلس أعلى معيّن، بيد أن المجلس الأعلى فقد تدريجًا سلطاته. وقد أدى إلغاء هذا المجلس عام 1950 إلى تغيير النظام الثنائي التمثيل غير المتناظر إلى نظام أحادي التمثيل بحت.

8- المرونة الدستورية: على غرار المملكة المتحدة، ليس في نيوزيلندا وثيقة دستورية واحدة مكتوبة. وقد تشكَّل دستورها «غير المكتوب» من عدد من القوانين الأساسية - كقوانين الدستور للأعوام من 1852 و 1986، والقوانين الانتخابية للأعوام من 1956 و 1993، وقانونوثيقة الحقوق للعام 1990- والأعراف والمواثيق (4) . وبعض الأحكام الرئيسة في القوانين الأساسية «محصّنة» ولا يمكن تغييرها إلا بأغلبية ثلاثة أرباع الأعضاء في مجلس النواب أو بتصويت الأغلبية في استفتاء عام؛ بيد أن هذه الحصانة يمكن نزعها بالأغلبية العادية، بحيث يسود، في النهاية، حكم الأغلبية. ومن ثم، وعلى غرار البرلمان البريطاني، يتمتع برلمان نيوزيلندا بالسيادة. وأي قانون، بما في ذلك القوانين التي «تعدّل» الدستور غير المكتوب، يمكن تبنيه بحكم الأغلبية العادي. وكما قال أحد خبراء القانون الدستوري في نيوزيلندا «إن المبدأ المحوري الذي يقوم عليه الدستور هو عدم وجود قيود قانونية مؤثّرة على ما يمكن للبرلمان أن يسنّه بالآلية التشريعية الاعتيادية» (سكوت 1962، 39).

9- غياب المراجعة القضائية: تعني سيادة البرلمان كذلك، كما هي الحال في بريطانيا، أن المحاكم لا تملك الحق في المراجعة القضائية. فمجلس النواب هو الحَكَم الأوحد الذي يمكنه الفصل في دستورية تشريعاته.

10- بنك مركزي تحكمه السلطة التنفيذية: كتب أندرياس بوش (1994، 65) أن نيوزيلندا كانت تاريخيًا «بلدًا ... درجة استقلال بنكه المركزي متدنية جدًّا» وفي الفترة الممتدة حتى عام 1989 يصنف بنك نيوزيلندا الاحتياطي أدنى تصنيف مؤشرًا إلى درجة استقلال ذاتي تقل عن تلك التي لنظيره البريطاني. وقد زاد قانون البنك الاحتياطي لسنة 1989 من استقلال البنك، ولكن بقدر ضئيل: حيث ارتفع مؤشّر كوكيرمان لاستقلالية البنك من 0,24 إلى 0,31 - وهو أقلّ بكثير من مستوى بنك إنكلترا بعد 1997. (كوكيرمان، ويب، نيابتي 1994؛ بوليلو وغيلان 2005).

ومع استثناءين فقط - هما المقاعد البرلمانية المخصصة لأقلية الماوري والتحوّل المبكر لاستقلالية البنك المركزي - كانت الديمقراطية في نيوزيلندا، وحتى سنة 1996، ديمقراطية أغلبية، ومن ثم فإنها كانت مثالًا أفضل من نموذج وستمنستر للديمقراطية البريطانية. في الواقع، وخاصة على ضوء مجالس وزراء الأقلية والهزائم المتكررة لاقتراحات مجلس الوزراء في بريطانيا في السبعينيات، كان بوسع ريتشارد روز أن يزعم بحق أن نيوزيلندا كانت «المثال الوحيد على النظام البريطاني الحقيقي» (مراسلات شخصية، 8 نيسان/إبريل، 1982). ورغم ذلك، فإن تبني نظام التمثيل المتناسب وإجراء أول انتخاب للبرلمان على أساس هذا النظام في تشرين الأول/أكتوبر 1996 قد استتبع تحوّلًا جذريًا عن نموذج وستمنستر.

عارض الحزبان الكبيران نظام التمثيل المتناسب، بيد أنهما ساهما عن غير قصد في تبنيه. وكانت القوة الدافعة الأولى هي استياء حزب العمال من نتائج انتخابات سنتي 1978 و 1981، والتي فاز فيها الحزب الوطني بأغلبيات برلمانية ليس فقط بأقل من 40 في المئة من الأصوات الشعبية، ولكن أيضًا بأصوات تقل عما ناله حزب العمال. وعندما عاد حزب العمال إلى السلطة في عام 1984، عيّن لجنة ملكية للتوصية بتحسينات للنظام الانتخابي. وكانت الشروط المرجعية للجنة واسعة للغاية، ولم توصِ بتعديلات صغيرة فحسب بل أيضًا بتغيير جذري في نظام التمثيل المتناسب، بالإضافة إلى إجراء استفتاء شعبي حول تبنيه أو عدم تبنّيه. وقد حاولت الحكومة الانحراف عن هذا الاقتراح من خلال تحويله إلى لجنة برلمانية، رفضته - كما هو متوقع - وأوصت بدلًا منه ببعض التغييرات الطفيفة. وكانت الحملة الانتخابية لسنة 1987 قد وضعت التمثيل المتناسب مرة أخرى على الأجندة السياسية: وعد رئيس الوزراء العمالي بأن يترك المجال للناخبين لاتخاذ قرار في هذا الموضوع في استفتاء شعبي، بيد أن حزبه تراجع عن التزامه بعد إعادة انتخابه. وسعيًا لإحراج حزب العمال، أصدر الحزب الوطني الوعد نفسه بشكل انتهازي في الحملة الانتخابية لسنة 1990، وعندما فاز بالانتخابات، لم يستطع التنصّل من احترامه. ومن ثم دعم الناخبون مرتين نظام التمثيل المتناسب في الاستفتاءات الشعبية التي أُجريت في كل من عامي 1992 و 1993 (جاكسون وماكروبي 1998).

وكان شكل التمثيل المتناسب الذي تم تبنيه واستخدامه في انتخابات 1996 نظامًا على طراز النظام الألماني، يتم فيه انتخاب خمسة وستين عضوًا بالأكثرية في الدوائر الفردية - وتشمل خمس دوائر ماورية خاصة - وخمسة وخمسين عضوًا من خلال التمثيل المتناسب من القوائمالحزبية. كان لا بد من تخصيص المجموعة الثانية من المقاعد الخمسة والخمسين للأحزاب بشكل يجعل النتيجة الإجمالية متناسبة بقدر الإمكان (5) . هذا النص المهم جعل النظام الجديد نظام تمثيل متناسبًا بشكل واضح وكامل، على الرغم من أن المصطلح النيوزيلندي الذي يُطلق على هذا النظام هو «نظام تناسب العضوية المختلطة» MMP، وهو ما يدل ضمنًا على أنه مزيج من نظام التمثيل المتناسب وشيء آخر. وقد حكمت القواعد نفسها الانتخابات التالية، مع أن عدد الدوائر الفردية ودوائر الماوري، بالإضافة إلى عدد المقاعد المخصّصة للقوائم الحزبية، قد خضع لتعديلات طفيفة.

وقد أدت أول انتخابات بالتمثيل المتناسب إلى تحوّل متنوّع الأبعاد في السياسة النيوزيلندية على الفور (فاولز، إيمير، باندوتشي، كارب 1998). أولًا، كانت نتيجة الانتخابات أكثر تناسبية من نتائج انتخابات التعددية السابقة. وكان الحزب الأكبر، وهو الحزب الوطني، لا يزال هو الأكثر تمثيلًا، ولكن بنسبة أقل من ثلاث نقاط بالمئة؛ حيث فاز بـ 33,8 في المئة من الأصوات و 36,7 في المئة من المقاعد. ثانيًا، تمخّض عن الانتخابات نظام متعدّد الأحزاب مع حصول ستة أحزاب على التمثيل في البرلمان، وعلى نحو غير مسبوق. ثالثًا، وعلى خلاف ماجرى في أي انتخابات أخرى في مرحلة ما بعد الحرب، لم يفز أي حزب بأغلبية المقاعد. رابعًا، وعلى النقيض من سلسلة مجالس وزراء الأغلبية السابقة أحادية الأحزاب، دخل الحزب الوطني في ائتلاف مع الحزب الأول في نيوزيلندا، الممثل الرئيسي للأقلية الماورية، الذي فاز بسبعة عشر مقعدًا، وتشمل كل المقاعد الماورية الخاصة الخمسة. وقد ظل مجلس الوزراء هذا يتمتع بدعم المجلس التشريعي، لكن كل مجالس الوزراء التي تلت كانت ائتلافات أقلية أو مجالس وزراء أقلية لحزب واحد.

وبسبب هذه الانحرافات المهمة عن نموذج الأغلبية، لم تعد نيوزيلندا في مرحلة ما بعد سنة 1996 مثالًا جيدًا، ناهيك بأن تكون المثال الأفضل - على «النظام البريطاني الحقيقي». ومن ثم، وحسب تعبير (كورت فون ميتينهايم، 1997، 11) «إن المملكة المتحدة تبدو الآن الدولة الوحيدة التي احتفظت بالخصائص المحورية لنموذج ويستمنستر». بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن كل التغيّرات الحاصلة في نيوزيلندا بعد سنة 1996 لها علاقة بالبعد التنفيذي الحزبي executives-parties لنموذج الأغلبية، والذي يتألف من الخصائص الخمس الأولى للخصائص العشر للنموذج، وأنه، وبصفة خاصة في ما يتعلق بهذا البعد، تظل لكثير من المستعمرات البريطانية السابقة مؤسسات يغلب عليها نموذج وستمنستر. والمثال المثير للاهتمام والواضح على ذلك بصورة خاصة هو بربادوس.

صفحة 7

نموذج وستمنستر في بربادوس

بربادوس هي جزيرة صغيرة في الكاريبي ويبلغ تعداد سكانها حوالى ربع مليون نسمة. وهي تضم «مجتمعًا شديد التجانس» ينحدر معظم أفراده من أصول أفريقية (دونكان 1994، 77). وقد حازت استقلالها من بريطانيا في عام 1966، ولا يزال فيها «مناخ سائد من التقاليد والثقافة البريطانية» (مولر، أوفرستريت، إيزاكوف، لانسفورد 2011، 116) - وكثيرًا ما يُطلق على بربادوس اسم «إنكلترا الكاريبي الصغيرة».

1- تركيز السلطة التنفيذية في مجالس وزراء أحادية الحزب بأغلبية ضئيلة: منذ استقلالها عام 1966، كانت بربادوس تضم مجالس وزراء أغلبية أحادية الحزب. وكان الحزبان الكبيران فيها - حزب عمال بربادوس BLP وحزب العمال الديمقراطي DLP - هما القوتين المسيطرتين على السياسة في بربادوس، وكانا يتناوبان على السلطة فيما بينهما. وعلى خلاف حالة بريطانيا ونيوزيلندا، لم تكن هناك استثناءات أو تأهيلات لهذا النمط ينبغي الإشارة إليها. وفي الواقع، فإن هذا النمط يعود إلى الحقبة الاستعمارية. فمنذ نشأة حق التصويت الشامل وحكومة مجلس الوزراء في مطلع الخمسينيات، لم ينقطع تتابع مجالس وزراء الأغلبية الأحادية الحزب.

2- هيمنة مجلس الوزراء: كانت مجالس الوزراء في بربادوس تتمتع بدرجة الهيمنة نفسها التي يتمتع بها المثالان السابقان في نموذج وستمنستر. كما أن مصطلح الدكتاتورية الانتخابية، والذي صكّه لأول مرة اللورد هيلشام تعبيرًا عن الحالة البريطانية، يناسب أيضًا النظام السياسي في بربادوس بشكل جيد (باين 1993، 69). ومن بين الأسباب الخاصة التي ترجع إليها هيمنة مجلس الوزراء في بربادوس، الحجم الصغير للهيئة التشريعية. فالمجلس التشريعي في بربادوس يتضمّن أربعة وعشرين عضوًا فقط منذ عام 1966 وحتى عام 1981؛ وقد زاد هذا العدد بشكل طفيف إلى سبعة وعشرين في عام 1981 وإلى ثمانية وعشرين في عام 1991 وإلى ثلاثين في عام 2003. ومن ثم فإن كثيرًا من المشرّعين هم من أعضاء مجلس الوزراء، وهو ما يعني، كما أشار تريفور مونرو (1996، 108)، أن حوالى ثلث أعضاء المجلس التشريعي «هم في الواقع محرومون دستوريًا من اتخاذ موقف مستقل وحاسم في ما يتعلق بالسلطة التنفيذية».

3- النظام الثنائي الأحزاب: سيطر الحزبان الكبيران على السياسة الحزبية في بربادوس منذ استقلالها، وقد شكّلا معظم مجالس الوزراء: حزب العمال الديمقراطي، إلى اليسار من الوسط، من عام 1966 إلى 1976 ومن عام 1986 إلى 1994، ومن عام 2008 إلى ما بعده، وحزب عمال بربادوس الأكثر تحفّظًا، خلال الحقبة من عام 1976 إلى 1986 ومن عام 1994 إلى عام 2008. وفي ثمانية انتخابات من العشرة التي جرت منذ عام 1966، لم تفز أي أحزاب أخرى بأي مقاعد؛ فلم يفز سوى حزب صغير بمقعدين في عام 1966، وفاز حزب صغير آخر بمقعد واحد في عام 1994. وتتّضح قوة نظام الحزبين في مصير أعضاء البرلمان الأربعة الذين انشقوا عن حزب العمال الديمقراطي الحاكم في عام 1989 وشكلوا حزبًا منفصلًا. وكما يقول توني ثورندايك (1993، 158)، إن هذا الحزب الجديد لم يستطع أن يتغلّب طويلًا على نظام «الأول الذي ينجح على القائمة» first past the post في نموذج وستمنستر، وعلى ثقافة الحزبين في بربادوس. ففي الانتخابات التي جرت في كانون الثاني/يناير 1991، خسر مقاعده الأربعة.

4- نظام الأغلبية غير المتناسب للانتخابات: وفي الانتخابات التي كانت تجري قبل حقبة الاستقلال، ومنها انتخابات عام 1966، والتي جرت قبل أشهر عدة من نيل الاستقلال الرسمي، استخدمت بربادوس نظام التعددية ولكن ليس في الدوائر الفردية المعتادة. فبدلًا من ذلك، استخدمت الدوائر الثنائية الأعضاء (إيمانويل 1992، 6؛ دونكان 1994، 78)؛ وهي تنزع إلى زيادة عدم التناسب في نتائج الانتخابات، نظرًا لارتفاع عدم التناسب مع زيادة عدد الممثلين المنتخَبين لكل دائرة في نظم التعددية. ومنذ عام 1971، جرت كل الانتخابات بنظام التعددية في الدوائر الفردية، بيد أن عدم التناسب الانتخابي ظل مرتفعًا. فعلى سبيل المثال، وفي عام 1986، فاز حزب العمال الديمقراطي بأربعة وعشرين مقعدًا من سبعة وعشرين (88,9 في المئة)، بنسبة 59,4 من الأصوات، وفي عام 1999 فاز حزب عمال بربادوس بستة وعشرين مقعدًا من 28 (92,9 في المئة) وبنسبة 64,9 في المئة من الأصوات. وفي ثلاثة انتخابات جرت في عام 1966، تم «اصطناع» الأغلبيات البرلمانية من أغلبيات التصويت، بيد أنه في الانتخابات السبعة الأخرى، كانت أغلبيات المقاعد «مكتسبة» بشكل حقيقي بأغلبيات التصويت الشعبي. وعند النظر إليها بشكل متوازن، كانت بربادوس ديمقراطية تعددية بدرجة تقل عن بريطانيا ونيوزيلندا. وعلاوة على ذلك، وعلى خلاف البلدين الآخرين، لم تمر بربادوس بأي حالة من الأغلبية البرلمانية التي تحقّق الفوز فيها على أساس انتهائها إلى المرتبة الثانية في التصويت الشعبي.

5- تعددية جماعات الضغط: مرة أخرى، وعلى غرار المملكة المتحدة ونيوزيلندا، كان في بربادوس نظام لجماعات الضغط يقوم على التعددية أكثر مما يقوم على النظام المؤسسي خلال العقود الأولى التي تلت الاستقلال. وفي عام 1993، تفاوضت الحكومة وأرباب العمل واتحادات العمال للتوصّل إلى ميثاق بشأن المرتبات والأسعار، وقد تضمّن هذا الميثاق تجميدًا للأجور. وجُدّد هذا الاتفاق الثلاثي مرات عدة، ودام خمسة عشر عامًا.

6- خصائص البُعد الثاني (الفدرالي - الوحدوي) لنموذج الأغلبية: في بربادوس نظام حكم وحدوي ومركزي - وهو ليس أمرًا مفاجئًا بالنسبة إلى دولة صغيرة لا يزيد عدد السكان فيها على ربع مليون نسمة - ولكن عند النظر إليها من زاوية الخصائص الأربع الأخرى للبعد الفدرالي - الوحدوي، نجدها غير متناسبة مع نموذج الأغلبية البحت. وفي بربادوس هيئة تشريعية ثنائية التمثيل تتألف من المجلس التشريعي المُنتخَب شعبيًا ومجلس شيوخ معيّن يمكنه تأخير القرارات الصادرة وليس نقضها - وهي حالة من ثنائية المجالس اللامتناظرة. وفيها أيضًا دستور مكتوب يمكن تعديله فقط من قِبَل أغلبية الثلثين في كلا المجلسين. ويمنح الدستور، بشكل صريح، المحاكمَ حق المراجعة القضائية. وأخيرًا، فإن لدى البنك المركزي لبربادوس ميثاقًا يمنحه درجة متوسطة من الاستقلالية في السياسة النقدية؛ حيث كانت نتيجة كوكيرمان مستقرة عند 0,38 - أعلى من تلك الخاصة بالبنك المركزي في نيوزيلندا والبنك المركزي البريطاني قبل 1997. (كوكيرمان، ويب، نيابتي 1994؛ بوليلو وغيلان 2005).

ويقول أنتوني باين (1993) إن المستعمرات البريطانية السابقة في منطقة الكاريبي لا تشكل مثالًا على اعتماد نموذج وستمنستر بل على اعتماد نموذج «وستمنستر مكيّف». وكما يتضح لنا في حالة بربادوس - وكذلك في حالة ديمقراطيات الكومنولث الأخرى في المنطقة - فإن هذا التكيّف أثّر بصفة رئيسة في البعد الثاني من نموذج وستمنستر. وفي البعد الأول (التنفيذي الحزبي)، ظل نموذج وستمنستر على حاله تمامًا دون تغيير. وكون بربادوس تنحرف عن نظام الأغلبية في ما يتعلق بمعظم خصائص البعد الفدرالي - الوحدوي فهذا لا يعني، بالطبع، أنها تنحرف إلى درجة تجعلها مثالًا جيدًا على النموذج المقابل الخاص بديمقراطية التوافق consensus democracy. ومن أجل توضيح النموذج التوافقي، سأتحوّل في الفصل التالي إلى أمثلة كلّ من سويسرا وبلجيكا والاتحاد الأوروبي.

صفحة 8

الفصل الثالث
النموذج التوافقي للديمقراطية
يرى التأويل القائم على الأغلبية للتعريف الأساسي للديمقراطية أنها تعني «حكم الأغلبية من الشعب»، وحسب هذا التأويل فإن على الأغلبية أن تحكم وعلى الأقلية أن تعارض. ويتعارض مع هذه الرؤية النموذج التوافقي للديمقراطية. فكما أشار عالم الاقتصاد، الحائز جائزة نوبل، السير أرثر لويس (1965، 64-65)، إن حكم الأغلبية والنمط السياسي الذي يحمله بين طياته والقائم على وجود حكومة في مواجهة معارضة يمكن النظر إليه باعتباره خلوًا من الديمقراطية نظرًا لأنه مبدأ يقوم على الإقصاء. ويقول لويس إن المعنى الرئيسي للديمقراطية هو أنه «ينبغي على جميع المتأثّرين بقرار معيّن أن تتوفّر لهم فرصة المشاركة في اتخاذ هذا القرار إما بشكل مباشر وإما من خلال ممثّلين مُنتخبَين»، أما معناه الثانوي فهو «وجوب أن تسود إرادة الأغلبية». فإذا كان هذا يعني أن تقوم الأحزاب الفائزة باتخاذ كل القرارات الحكومية وأن على الخاسرين أن ينتقدوا فقط وليس لهم أن يحكموا، والكلام لا يزال لـ «لويس»، فإن المعنيين غير متوافقين: «فاستبعاد الجماعات الخاسرة من المشاركة في صنع القرار أمر ينطوي على انتهاك واضح للمعنى الرئيسي للديمقراطية».
ويحق للمدافعين عن مبدأ الأغلبية الرد بأنه يمكن حل مشكلة عدم التوافق تلك بناءً على شرطين، فبداية، إن استبعاد الأقلية أمر يمكن التخفيف من وطأته إذا تناوبت الأغلبية والأقلية على الحكم - وذلك إذا أصبحت أقلية اليوم أغلبية في الانتخابات التالية، بدلًا من أن يُحكم عليها بالبقاء دائمًا في خانة المعارضة الدائمة. وتلك هي الطريقة التي كانت تعمل بها أنظمة الحكم القائمة على حزبين في نيوزيلندا وبربادوس. بيد أنه كانت هناك حقبات طويلة ظل خلالها أحد الحزبين الرئيسين خارج السلطة: كحزب العمال البريطاني خلال الأعوام الثلاثة عشر الممتدة من عام 1951 إلى 1964 والأعوام الثمانية عشر الممتدة من عام 1979 إلى 1997، وحزب المحافظين البريطاني خلال الأعوام الثلاثة عشر الممتدة من 1997 إلى 2010، والحزب الوطني النيوزيلندي لمدة 14 عامًا من 1935 إلى 1949، وحزب العمال النيوزيلندي لمدة 12 عامًا من 1960 إلى 1972، وحزب العمال الديمقراطي في بربادوس خلال الأربعة عشر عامًا الممتدة من 1994 إلى 2008.
وحتى خلال هذه الحقبات الطويلة من الإقصاء عن السلطة، يمكن للمرء، وبكل معقولية، أن يقول بانعدام التعارض بين الديمقراطية وقاعدة الأغلبية نتيجة لوجود شرط ثان، ألا وهو الحقيقة التي مفادها أن البلدان الثلاثة هي مجتمعات متجانسة نسبيًا وأن لا فروق كبيرة بين الرؤى السياسية لأحزابها الرئيسة نظرًا لميلها إلى البقاء قرب خانة الوسط من المجال السياسي. ومن ثم فإن إقصاء حزب واحد عن السلطة قد لا يكون ديمقراطيًّا من زاوية معيار «حكم الشعب»، ولكن إذا كانت مصالح الناخبين وما يفضلونه تخدمها بشكل معقول سياسات الحزب الآخر في الحكم، فإن النظام يقترب من تعريف الديمقراطية القائم على «الحكم للشعب».
أما في المجتمعات الأقل تجانسًا، فلا ينطبق أي من هذين الشرطين. فالسياسات التي تدافع عنها الأحزاب الرئيسة تتشعب فيما بينها بدرجة أكبر، وتأتي ولاءات الناخبين لتتخذ طابعًا أكثر صرامة على نحو متكرّر، وبما يقلّل من احتمالات تناوب الأحزاب الرئيسية على الحكم. وفي المجتمعات التعدّدية بصفة خاصة - وهي المجتمعات التي تتّسم بوجود انقسامات حادّة داخلها على الصعيد الديني أو الأيديولوجي أو اللغوي أو الثقافي أو العرقي بشكل يجعلها عمليًا مؤلفة من مجتمعات فرعية لكل منها أحزابها السياسية وجماعات الضغط الخاصة بها ووسائطها الخاصة للتواصل - نجد أن المرونة اللازمة لتحقيق الديمقراطية القائمة على الأغلبية غائبة. وفي ظل هذه الظروف، نجد أن حكم الأغلبية لا يكون غير ديمقراطي فحسب، بل يتسم أيضًا بالخطورة، نظرًا لأن الأقلية التي يتم حرمانها بصورة متكررة من الوصول إلى الحكم سوف تشعر بالاستبعاد والتمييز ضدها، وقد تفقد ولاءها للنظام السياسي. فمثلًا، في المجتمع التعدّدي لإيرلندا الشمالية، والمقسّم إلى أغلبية بروتستانتية وأقلية كاثوليكية، نجد أن حكم الأغلبية أدى إلى فوز الحزب الوحدوي الذي يمثل الأغلبية البروتستانتية في كل الانتخابات وتشكيله كل الحكومات خلال الحقبة من عام 1921 إلى 1972. وقد استحالت الاحتجاجات الكاثوليكية الرهيبة في أواخر حقبة الستينيات حربًا أهلية بين البروتستانت والكاثوليك لم يُسيطر عليها إلا بعد تدخّل الجيش البريطاني وفرض الحكم المباشر من لندن.
وفي معظم المجتمعات ذات الانقسامات الداخلية العميقة، على غرار إيرلندا الشمالية، نجد أن حكم الأغلبية يحمل معاني ديكتاتورية الأغلبية والحرب الأهلية أكثر مما يحمل معاني الديمقراطية. إن ما تحتاجه مثل هذه المجتمعات هو نظام ديمقراطي يشدّد على التوافق بدلًا من المعارضة، ويقوم على الاحتواء وليس الاستبعاد، ويحاول توسيع حجم الأغلبية الحاكمة بدلًا من الاكتفاء بالأغلبية الضئيلة: أي ديمقراطية توافقية. وبرغم ميلها إلى مبدأ الأغلبية، أقرّت مجالس الوزراء البريطانية المتعاقبة بهذه الحاجة: حيث أصرت على تحقيق مبدأ التمثيل المتناسب في كل الانتخابات التي تمت في إيرلندا الشمالية (فيما عدا تلك الخاصة بمجلس العموم) على أن تكون قائمة على ائتلافات تقوم على تقاسم السلطة السياسية بين البروتستانت والكاثوليك، وذلك كشرط لإعادة الاستقلال والحكم الذاتي السياسي لإيرلندا الشمالية. ويُعد مبدأ التمثيل المتناسب وتقاسم السلطة من العناصر الرئيسة التي تضمّنها الاتفاق الخاص بإيرلندا الشمالية الذي تم التوصل إليه عام 1998. وبالمثل، يوصي لويس (1965، 51-55، 65-84) وبقوة بنظام التمثيل المتناسب، والائتلافات الاستيعابية، والنظام الفدرالي لكل المجتمعات التعدّدية لغرب أفريقيا. ومن الواضح أن النموذج التوافقي يُعد مناسبًا أيضًا للبلدان الأقل انقسامًا ولكنها تظل غير متجانسة، وأنه بديل معقول وصالح عن نموذج وستمنستر حتى في المجتمعات المتجانسة إلى حدّ ما.
والأمثلة التي استعنت بها هنا لتوضيح النموذج التوافقي هي نماذج سويسرا وبلجيكا والاتحاد الأوروبي - وجميعها كيانات متعدّدة الأعراق. وتُعد سويسرا أفضل مثال: فهي باستثناء واحد فقط تقترب بشكل مثالي من النموذج الصرف. كما نجد في بلجيكا كذلك نموذجًا جيدًا، خاصة بعد أن أصبحت رسميًّا دولة فدرالية في عام 1993؛ ولذا أوليت نمط السياسة البلجيكية اهتمامًا خاصًّا في الفترة الأخيرة. ويُعدّ الاتحاد الأوروبي من المنظمات فوق القومية - أي أنه أكثر من مجرد منظمة دولية - بيد أنه ليس دولة سيادية، أو ليس بعد. وبسبب الوضعية الوسطية للاتحاد الأوروبي، نجد محللي حالة الاتحاد الأوروبي يختلفون حول دراسته كمنظمة دولية أو كدولة فدرالية أولية، بيد أن تلك النظرة إليه باعتباره دولة فدرالية أولية باتت أكثر شيوعًا (هيكس، 1994، 2005). وهذه أيضًا نظرتي: فإذا اعتبرنا الاتحاد الأوروبي دولة فدرالية، نجد أن مؤسساته قريبة بشكل ملحوظ من النموذج التوافقي للديمقراطية. وسأتناول النماذج السويسرية والبلجيكية أولًا، واحدًا بعد الآخر، ثم أتحوّل إلى مثال الاتحاد الأوروبي.
 

صفحة 9

النموذج التوافقي في سويسرا وبلجيكا

يمكن وصف النموذج التوافقي للديمقراطية في ضوء عشرة عناصر تتناقض تناقضًا صارخًا مع الخصائص العشر لنموذج وستمنستر. فبدلًا من تركيز السلطة في أيدي الأغلبية، يحاول النموذج التوافقي أن يتقاسم السلطة وينشرها ويحدّها بطرائق عدة.

1- تقاسم السلطة في مجالس ائتلافية موسّعة: على النقيض من ميل نموذج وستمنستر إلى تركيز السلطة التنفيذية في مجالس وزراء تتألف من حزب واحد وأغلبية ضئيلة، فالمبدأ التوافقي هو إفساح المجال لكل الأحزاب المهمة، أو لمعظمها، بتقاسم السلطة التنفيذية في تحالفات ائتلافية واسعة. ويقدم المجلس الفدرالي، وهو السلطة التنفيذية الوطنية السويسرية، المؤلف من سبعة أعضاء، مثالًا ممتازًا على هذا التحالف الموسّع: فحتى عام 2003، استحوذ كل من الأحزاب الثلاثة الكبيرة، وهي الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الراديكالي، على ربع عدد المقاعد في المجلس الأدنى للهيئة التشريعية خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتقاسمت هذه الأحزاب مع حزب الشعب السويسري، الذي نال ثمن عدد المقاعد، المناصب التنفيذية السبعة، بالتناسب، يطلق عليه المعادلة السحرية 1:2:2:2، التي تم إرساؤها في عام 1959. وبعد انتخابات 2003، أصبح الحزب الديمقراطي الاشتراكي هو حزب الغالبية، حيث حصل على مقعد إضافي على حساب الحزب المسيحي الديمقراطي. وبرغم ذلك، لم يعمر التحالف الموسع طويلًا، ففي عام 2007، انتهى التحالف عندما لم يتم ترشيح كريستوفر بلوتشر - الذي كان عضوًا في المجلس الاتحادي منذ عام 2003 - وانتُخب مكانه أحد مرشحي الحزب الآخرين. أعلن الحزب الديمقراطي الاشتراكي أنه لم يعد يفوّض عضوي المجلس في تمثيله، ومن ثم صار الحزب معارضًا. وعلى الرغم من ذلك عاد التحالف الموسع من جديد في كانون الثاني/يناير 2009 (تشيرتش وفاتر، 2009)، وثمة معيار إضافي غير رسمي في تقاسم السلطة يتمثل في تمثيل الجماعات اللغوية في تناسب صارم مع أحجامها: أربعة أو خمسة أعضاء يتحدثون بالألمانية، وعضو أو اثنان يتحدثان بالفرنسية، وفي كثير من الأحيان، متحدث أوحد بالإيطالية.

ويقدم الدستور البلجيكي مثالًا على أحد المتطلبات الرسمية التي تنص على ضرورة أن تشمل السلطة التنفيذية ممثّلين للفئات اللغوية الكبيرة. فلأعوام طويلة، جرت العادة على تشكيل مجالس وزراء تضم أعدادًا متساوية تقريبًا من الوزراء يمثلون الأغلبية المتحدثة بالهولندية والأقلية المتحدثة بالفرنسية، وقد أصبح ذلك قاعدة رسمية في سنة 1970. ويشترط الدستور الفدرالي الجديد مرة أخرى: «أن يضم مجلس الوزراء عددًا متساويًا من المتحدثين بالفرنسية والهولندية مع إمكانية استثناء رئيس الوزراء». (ألين وايرجيك 1994). وهذه القاعدة لا تنطبق على التركيب الحزبي لمجلس الوزراء، بيد أنه كان هناك فقط نحو أربعة أعوام من حكم الحزب الواحد في حقبة ما بعد الحرب العالمية، ومنذ عام 1980 فصاعدًا كانت جميع مجالس الوزراء عبارة عن ائتلافات تتألف من نحو أربعة أو ستة أحزاب.

2- التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية: لا يُعتبر النظام السياسي السويسري برلمانيًا ولا رئاسيًا، فالعلاقة بين المجلس الفدرالي التنفيذي والهيئة التشريعية يشرحها أستاذ العلوم السياسية السويسري يورغ شتاينر (1974، 43) على النحو التالي: «يُنتخب أعضاء المجلس فرديًا لمدة ثابتة قدرها أربعة أعوام، ووفقًا للدستور، لا تستطيع الهيئة التشريعية التصويت بحجب الثقة خلال هذه المدة. فإذا رفض البرلمان أحد المقترحات الحكومية، فليس لازمًا أن يستقيل العضو الراعي لهذا المقترح أو المجلس الفدرالي كهيئة». وهذا الفصل الرسمي بين السلطات جعل كلًّا من الهيئتين التنفيذية والتشريعية أكثر استقلالية، وجعل العلاقة بينهما أكثر توازنًا من العلاقات بين مجلس الوزراء والبرلمان في نماذج بريطانيا ونيوزيلندا وبربادوس، والتي يهيمن فيها مجلس الوزراء هيمنةً واضحة. إن المجلس الفدرالي السويسري يتمتع بالقوة، بيد أنه ليس الأعلى.

وفي بلجيكا نظام حكم برلماني يضم مجلس وزراء يعتمد على ثقة الهيئة التشريعية، كما هي الحال في النماذج الثلاثة الأولية لنموذج وستمنستر. وعلى الرغم من ذلك، فإن مجالس الوزراء البلجيكية، ولأسباب يرجع أغلبها إلى كونها تشكل ائتلافات موسعة وغير متماسكة، لا تتمتع إطلاقًا بالدرجة نفسها من الهيمنة التي تتمتع بها نظيرتها في نموذج وستمنستر، وتميل إلى علاقة عطاء وأخذ حقيقية مع البرلمان. إن كون مجالس الوزراء البلجيكية هي مجالس قصيرة العمر أمر يشهد بمركزها الضعيف نسبيًا: فخلال الحقبة بين عامي 1980 و 2010، مثلًا، كان هناك تسعة مجالس وزراء تتألف من ائتلافات مختلفة متعدّدة الأحزاب - بمتوسط عمر لا يزيد على حوالى ثلاثة أعوام لكل مجلس وزراء.

3- النظام المتعدّد الأحزاب: تضم كلّ من سويسرا وبلجيكا أنظمة حكم متعدّدة الأحزاب دون أن يظفر أي منها بوضعية حزب الأغلبية. وفي انتخابات عام 2007 للمجلس الوطني السويسري، فاز اثنا عشر حزبًا بمقاعد برلمانية، بيد أن أغلب هذه المقاعد - وهي مئة وسبعة وستون مقعدًا من أصل مئتين - حازتها الأحزاب الأربعة الكبرى الممثلة في المجلس الفدرالي. ومن ثم فقد جاز لنا أن نقول إن نظام الحكم في سويسرا يضم أربعة أحزاب.

وحتى أواخر حقبة الستينيات، تميَّزت بلجيكا بنظام ثلاثي الأحزاب يتألف من حزبين كبيرين - الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي - والحزب الليبرالي المتوسط الحجم. لكن هذه الأحزاب الرئيسة دبّت فيها الانقسامات منذ ذلك الحين على أسس لغوية، وبرز كثير من الأحزاب اللغوية الجديدة في الساحة. إضافة إلى هذا، ظهر خلال الأعوام الأخيرة حزبان أخضران، أحدهما يتحدث بالهولندية والآخر يتحدث بالفرنسية. وكان نحو دزينة من الأحزاب بمقدورها عادة الفوز بمقاعد في مجلس النواب، أحد عشر منها كانت مهمة بما يكفي لضمّها إلى مجلس وزراء أو أكثر من مجلس وتعد بلجيكا من الدول الديمقراطية الحديثة التي فيها أكثر الأنظمة الحزبية انقسامًا (سويندن، برانس، ودي وينتر 2009، 8).

ويمكن إرجاع نشوء النظم المتعددة الأحزاب في سويسرا وبلجيكا إلى عاملين: الأول هو أن في البلدين مجتمعين تعدّديين منقسمين على طول عدّة خطوط من الانشطارات؛ الدين والطبقة واللغة. أحد الفروق بين سويسرا وبلجيكا هو أن الاختلافات اللغوية كان لها أثر ضئيل فقط في النظام الحزبي السويسري، بينما كوّنت الفارق الأكبر بالنسبة إلى الأحزاب البلجيكية. لقد كان حزب الشعب السويسري يتمتع بالقوة بشكل خاص بين المزارعين البروتستانت، لكنه وسع من انتشاره وحصل على دعم كبير من الناخبين بوصفه حزبًا يمينيًا شعبويًّا مناهضًا للهجرة. هذا الوصف يناسب أحد الأحزاب القومية الفلمنكية الصغيرة في بلجيكا أيضًا (باويلز 2011). كما أن في كلا البلدين أحزابًا خضراء صغيرة ولكنها مؤثّرة.

4- التمثيل المتناسب: يتمثل التفسير الثاني لنشوء النظم السياسية المتعددة الأحزاب في سويسرا وبلجيكا في أن نظمها الانتخابية المتناسبة لم تمنع ترجمة الانقسامات المجتمعية إلى انقسامات في النظام الحزبي. فعلى خلاف منهج التعددية، والذي يميل إلى التمثيل المفرط للأحزاب الكبيرة والتمثيل المتدني للأحزاب الصغيرة، يتمثل الهدف الأساسي للتمثيل المتناسب في تقسيم المقاعد البرلمانية بين الأحزاب بشكل يتناسب مع الأصوات التي تتلقاها. وكلا المجلسين الأدنيين لكلتا الهيئتين التشريعيتين يُنتخب بنظام التمثيل المتناسب.

5- مؤسّساتية جماعات الضغط: ثمة اختلاف بين خبراء المؤسّساتية حول درجة المؤسّساتية corporatism في سويسرا وبلجيكا، لسبب رئيسي في ذلك هو أن الاتحادات العمالية في هذين البلدين أقل تنظيمًا وتأثيرًا من المؤسسات الاقتصادية. ويمكن حل هذا الاختلاف بالتمييز بين نوعين من المؤسّساتية: المؤسّساتية الاجتماعية التي تهيمن فيها الاتحادات العمالية، والمؤسّساتية الليبرالية التي تشكّل فيها جمعيات أصحاب الأعمال القوّة الأكبر. ويستخدم بيتر ج. كاتزنشتاين (1985، 105، 130) سويسرا وبلجيكا مثالين على تلك الأخيرة، ويخلص إلى أن سويسرا «هي المثال الأوضح لخصائص المؤسّساتية الليبرالية». فكلا البلدين يوضح العناصر العامة الثلاثة للمؤسّساتية: التوافق الثلاثي وجماعات الضغط الكبيرة نسبيًا والقليلة نسبيًّا والاتحادات البارزة. ويقول جيرهارد ليمبروش (1993، 52) «إن قوة جمعيات السويسرية البارزة قوة ملحوظة، ومن المعترف به عمومًا أن تماسك اتحادات الضغط السويسرية يفوق تماسك الأحزاب السياسية السويسرية». وعلاوة على ذلك، يذهب كلاوس أرمينجيون (1997) إلى أنه بالرغم من أن مدى المؤسّساتية وفاعليتها في الكثير من الدول الأوروبية كانت تعاني تدهورًا في التسعينيات، إلا أنها تظل قوية في سويسرا. أما التعاون الثلاثي في بلجيكا فقد بدأ بالمعاهدة الاجتماعية التي تمت في عام 1944، و «لم يتغير نظامها المؤسّساتي تغيُّرًا جوهريًّا» منذ ذلك الحين (ديشوفر 2009، 193).

6- الحكومة الفدرالية واللامركزية: تعتبر سويسرا دولة فدرالية، وتنقسم فيها السلطة بين الحكومة المركزية وحكومات عشرين كانتونًا وما يطلق عليه تسمية ستة كانتونات نصفية نشأت عن انشقاقات في ثلاثة كانتونات موحّدة في السابق. وللكانتونات النصفية ممثّل واحد فقط بدلًا من اثنين من الممثلين في الهيئة الفدرالية السويسرية، وهو مجلس الولايات. وهي تحمل فقط نصف ثقل الكانتونات التقليدية في التصويت على التعديلات الدستورية؛ وفي معظم الجوانب الأخرى، نجد أن وضعيتها تساوي وضعية الكانتونات الكاملة. كما تعد سويسرا أيضًا من أكثر البلدان لامركزيةً في العالم.

وقد كانت بلجيكا دولة وحدوية ومركزية لمدة طويلة، بيد أنه اعتبارًا من عام 1970 اتجهت تدريجًا نحو اللامركزية والفدرالية؛ وفي سنة 1993، أصبحت دولة فدرالية رسميًا. والفدرالية التي تتبنّاها بلجيكا هي «فدرالية فريدة» (فيتزموريس 1996) وذات «بنية تعقيد بيزنطية» (ماكراي 1997، 289)، نظرًا لأنها تتألف من ثلاث مناطق محددة جغرافيًّا هي الفلاندرز ووالونيا والعاصمة الثنائية اللغة بروكسل - ومن ثلاثة مجتمعات ثقافية غير محدّدة جغرافيًّا - هي المجتمعان الفلمنكي والفرنسي الكبيران، والمجتمع الألماني الأصغر حجمًا بكثير. وقد كان السبب الرئيسي لإنشاء هذا النظام المؤلف من طبقتين هو أن منطقة بروكسل الثنائية اللغة تضم أغلبية كبيرة من الناطقين بالفرنسية، بيد أنها محاطة بالفلاندرز الناطقين بالهولندية. وثمة تداخل كبير بين المناطق والمجتمعات، بيد أنها لا تتطابق تمامًا. فلكل منها هيئته التشريعية والتنفيذية، باستثناء أن حكومة المجتمع الفلمنكي تعمل أيضًا في فلاندرز كحكومة للمنطقة الفلمنكية.

7- ثنائية المجالس القوية: يتمثل المبرر الرئيس لإرساء هيئة تشريعية ثنائية التمثيل بدلًا من هيئة أحادية التمثيل في ما يمنحه من تمثيل خاص للأقليات، والتي تشمل الولايات الصغرى في النظم الفدرالية، وذلك في هيئة ثانية أو مجلس أعلى. ويتعين تحقّق شرطين إذا أُريد لتمثيل هذه الأقلية أن يكون ذا معنى: الشرط الأول هو ضرورة أن يُنتخب المجلس الأعلى على أساس يختلف عن طريقة انتخاب المجلس الأدنى. والشرط الثاني هو ضرورة أن يكون له قوة حقيقية - تقترب في الظروف المُثلى من قوة المجلس الأدنى نفسها. ولقد تحقّق هذان الشرطان في النظام السويسري؛ حيث يعتبر المجلس الوطني هو المجلس الأدنى ويمثل الشعب السويسري، ومجلس الولايات هو المجلس الأعلى أو الفدرالي الذي يمثل الكانتونات، حيث لكل كانتون ممثّلَان ولكل نصف كانتون ممثل واحد. ومن ثم فإن الكانتونات الصغيرة تحظى بتمثيل أكثر قوة في مجلس الولايات من المجلس الوطني. وعلاوة على ذلك، فإن نظام المجلسين السويسري متناظر: «المساواة المطلقة بين المجلسين في كل أمور التشريع» قاعدة مقدسة للغاية (لندر 2010، 51) في سويسرا.

ويتمتع مجلسا البرلمان البلجيكي - مجلس النواب ومجلس الشيوخ - بصلاحيات متساوية في بلجيكا ما قبل الفدرالية، بيد أنهما تشكّلا بشكل متناسب، ومن ثم كانا متماثلين للغاية في بنيتهما. ويأتي مجلس الشيوخ الجديد، الذي انتُخب للمرة الأولى في 1995، ليمثل الفئتين الثقافيتين اللغويتين، بيد أنه يظل متناسبًا في تكوينه في الغالب، ولم يُصمّم لتوفير التمثيل المفرط للأقلية الناطقة بالفرنسية والألمانية. وعلاوة على ذلك، فإن أربعين فقط من بين أعضائه السبعين يتم انتخابهم بشكل عام، كما تم تقليص صلاحياته مقارنة بمجلس الشيوخ القديم؛ فمثلًا، لم يعد يملك صلاحيات في إقرار الميزانية (دي ونتر ودومونت 2009، 102؛ ديشوفر 2009، 171-172). ومن ثم فإن الهيئة التشريعية الفدرالية الجديدة لبلجيكا مثال على نظام ثنائي التمثيل ضعيف نسبيًا لا قوي.

8- الجمود الدستوري: في كلّ من بلجيكا وسويسرا دستور مكتوب في هيئة وثيقة أحادية تضم القواعد الأساسية للحكم - يمكن تغييرها فقط من خلال أغلبيات خاصة. ويستلزم إدخال أي تعديل على الدستور السويسري موافقة في استفتاء شعبي، ليس فقط من أغلبية الناخبين في البلاد، بل وكذلك من الأغلبية في أكثر الكانتونات. وتُمنح الكانتونات النصفية نصف الثقل عند الحساب على أساس كل كانتون على حدة؛ وهو ما يعني أنه بالإمكان، مثلًا، تبني أي تعديل دستوري إذا وافق عليه ثلاثة عشر كانتونًا ونصف الكانتون ورفضه إثنا عشر كانتونًا. إن الشرط الخاص بموافقة أغلبية الكانتونات يعني أن بوسع سكان الكانتونات الأصغر وأنصاف الكانتونات، والتي تمثل أقل من 20 في المئة من إجمالي التعداد السكاني السويسري، نقض أي تغييرات دستورية.

وفي بلجيكا، ثمة نوعان من الأغلبيات الساحقة. وتستلزم كل التعديلات الدستورية موافقة أغلبية الثلثين في كلا المجلسين التشريعيين. وعلاوة على ذلك، فإن القوانين المتصلة بتنظيم المجتمعات والمناطق وصلاحياتها لها وضع شبه دستوري ويكون من الأصعب إقرارها وتعديلها: بالإضافة إلى أغلبية الثلثين في كلا المجلسين، فإنها تستلزم موافقة الأغلبية داخل الجماعة الناطقة بالهولندية وداخل الجماعة الناطقة بالفرنسية في كلا المجلسين. وتمنح هذه القاعدة الناطقين بالفرنسية قدرة نقض فعّالة للأقلية.

9- المراجعة القضائية: تنحرف سويسرا في أحد الجوانب عن النموذج التوافقي البحت: فمحكمتها الدستورية، وهي المحكمة الفدرالية، لا تملك حق المراجعة القضائية. وكانت إحدى المبادرات الشعبية التي حاولت طرح هذا الحق قد رُفضت بشكل حاسم في استفتاء شعبي جرى في عام 1939 (كودينغ 1961، 112). وقد وضع البرلمان في الاعتبار إنشاء محكمة دستورية كجزء من عملية الإصلاح القضائي في عام 2000. ولكن لم يكن هذا الاعتبار جزءًا من عملية الإصلاح المطبقة وقتها (فاتر 2008، 22-23).

ولم تكن هناك مراجعة قضائية في بلجيكا، هي الأخرى، حتى عام 1984، عندما افتُتحت محكمة التحكيم الجديدة. وكانت المسؤولية الرئيسة للمحكمة تتمثل في تفسير الأحكام الدستورية المتعلقة بفصل السلطات بين الحكومات المركزية والمجتمعية والإقليمية. وقد توسّعت سلطتها بشكل كبير من خلال التنقيح الدستوري لعام 1988، ويمكن النظر إلى محكمة التحكيم الآن كمحكمة دستورية أصيلة. (دي ونتر ودومونت 2009، 109).

10- استقلالية البنك المركزي: كان يُنظر إلى البنك المركزي السويسري لمدة طويلة باعتباره من أقوى البنوك المركزية وأكثرها استقلالية، جنبًا إلى جنب مع البنك المركزي الألماني وبنك الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة. وقد بلغت درجة استقلالية البنك المركزي بناء على مؤشّر كوكيرمان 0,63 منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي (فاتر 2008، 26). وعلى النقيض، اعتُبر البنك الوطني البلجيكي لمدة طويلة من أكثر البنوك المركزية ضعفًا. ومع ذلك، فقد تعزّزت استقلاليته في مطلع التسعينيات، خلال المدة نفسها التي شهدت التحوّل إلى النظام الفدرالي، ولكن بصفة خاصة كنتيجة لمعاهدة ماستريخت، الموقعة في عام 1992 والمصدّق عليها في عام 1993، والتي ألزمت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعزيز استقلالية بنوكها المركزية. أما في عام 1993، فقد ارتفعت درجة استقلالية البنك المركزي بناء على مؤشّر كوكيرمان من 0,17 لتبلغ 0,41 (بوليلو وغولين 2005).

صفحة 10

النموذج التوافقي في الاتحاد الأوروبي

لا يمكن تصنيف المؤسسات الرئيسة للاتحاد الأوروبي إلى أجهزة تنفيذية وتشريعية وقضائية ونقدية بالسهولة التي صنّفنا فيها الدول السيادية الخمس التي تناولناها حتى الآن. وينطبق هذا خاصة على حالة المجلس الأوروبي (لا ينبغي الخلط بينه وبين مجلس الاتحاد الأوروبي الذي سيأتي وصفه لاحقًا) والذي يتألف من رؤساء حكومات الدول السبع والعشرين الأعضاء - أكثر الزعماء السياسيين البارزين في أوروبا (كريباز وشتاينر 2011، 287) - والذين يجتمعون مرتين على الأقل سنويًا. إنه أقوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ومعظم الخطوات التي تمت في طريق إنشاء الجماعة الأوروبية، أو الاتحاد الأوروبي اعتبارًا من عام 1993، بدأت من المجلس الأوروبي. وكانت رئاسة المجلس مناوبة بين الأعضاء كل ستة أشهر، لكن معاهدة لشبونة في عام 2007 جاءت برئيس دائم للمجلس الأوروبي - يسمى أيضًا رئيس الاتحاد الأوروبي - يُنتخب لمدة عامين ونصف العام. وكان أول رئيس، انتُخِب في عام 2009، هو رئيس الوزراء البلجيكي هيرمان فان رومبي. ومن بين المؤسسات الأخرى، تعمل المفوضية الأوروبية ذراعًا تنفيذية للاتحاد الأوروبي ويمكن تشبيهها بمجلس وزراء؛ أما البرلمان الأوروبي فهو المجلس الأدنى للهيئة التشريعية؛ فيما يمكن اعتبار مجلس الاتحاد الأوروبي المجلس الأعلى لهذه الهيئة. ونجد المسؤوليات التي تضطلع بها محكمة العدل الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي واضحة من أسمائها فلا حاجة إلى شرحها.

1- تقاسم السلطة التنفيذية في مجالس وزراء ائتلافية موسَّعة: تتألف المفوضية الأوروبية من سبعة وعشرين عضوًا، لكل منهم مسؤولية وزارية معينة، وتعيّنهم حكومات الدول الأعضاء. ونظرًا لأن كل الدول السبع والعشرين المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي ممثّلة في المفوضية، فإن المفوضية تعتبر ائتلافًا دوليًا واسعًا ودائمًا. ومن الناحية العملية، تعتبر المفوضية أيضًا ائتلافًا يوحّد أقطاب اليسار والوسط واليمين في الطيف السياسي في أوروبا.

2- توازن السلطتين التنفيذية والتشريعية: عقب كل انتخابات برلمانية يتم إجراؤها كل خمس سنوات، يتعيّن الموافقة على المفوضية الأوروبية الجديدة من خلال تصويت في البرلمان الأوروبي. وللبرلمان كذلك القدرة على رفض المفوضية، ولكن بأغلبية ثلثي الأعضاء. ويملك البرلمان صلاحيات قوية في وضع الميزانيات، قوّتها معاهدة لشبونة لعام 2007؛ ففي 95 في المئة من التشريعات الأوروبية، أصبح البرلمان مشرّعًا مشاركًا متساويًا مع مجلس الاتحاد الأوروبي الأكثر قوة والمكوّن من وزراء من حكومات الدول الأعضاء السبع والعشرين. ويطلق جورج تسيبيليس وجانيت موني (1997، 180) على هذا المجلس «المكافئ الأوروبي لمجلس تشريعي أعلى». ومن الواضح أن المجلس هو الأقوى بين المؤسسات الثلاث. وإجمالًا، تعتبر المفوضية أقرب إلى شريك مكافئ في النموذج التوافقي من مجلس وزراء مُهيمن في نموذج وستمنستر.

3- النظام المتعدّد الأحزاب: تضمّن البرلمان الأوروبي بأعضائه البالغ عددهم سبعمئة وستة وثلاثين عضوًا، سبعة أحزاب معترفًا بها رسميًا (يشترط أن يتألف كل منها من خمسة وعشرين عضوًا بحد أدنى من سبع دول للاعتراف بها) بعد انتخابات 2009. وكان أكبر هذه الأحزاب هو حزب الاشتراكيين الأوروبيين (أكثره من الديمقراطيين المسيحيين) الذي يستحوذ على ما يقرب من 36 في المئة من المقاعد في البرلمان - أي أقل بكثير من أن يشكل أغلبية برلمانية. أما الحزب التالي من ناحية الحجم فكان الحزب الاشتراكي بحوالى 25 في المئة من المقاعد، يليه الليبراليون بحوالى اثني عشر مقعدًا. ولم يحصل أي من الأحزاب الأخرى على أكثر من 10 في المئة من المقاعد. ونجد أن التفتّت السياسي أكبر مما يظهر عليه في هذا النموذج المتعدّد الأحزاب نظرًا لأن الأحزاب في البرلمان الأوروبي أقل تماسكًا وانتظامًا بدرجة كبيرة من الأحزاب في البرلمانات الوطنية. وتتغيّر البنية الحزبية لـ «المجلس الأعلى»، وهو مجلس الاتحاد الأوروبي، مع تغير مجالس وزراء الدول الأعضاء، كما تتغير أيضًا حسب الموضوع الخاضع للمناقشة، والذي يحدد أيًّا من الوزراء سيحضر أي جلسة؛ فمثلًا إذا كانت السياسات الخاصة بالمزارع على جدول أعمال المجلس، فسيحضر على الأرجح جلسات هذا الموضوع وزراء الزراعة الوطنيون. ويُعتبر المجلس، من الناحية العملية، هيئة متعدّدة الأحزاب في الوقت نفسه.

4- التمثيل المتناسب: كان البرلمان الأوروبي يُنتخب انتخابًا مباشرًا منذ عام 1979، ومن المفترض أن يتم انتخابه في كل دولة وفقًا لنظام انتخابي موحّد، بيد أن الدول الأعضاء لم يتسنَّ لها الاتفاق على نظام بهذه الصفة. ومع ذلك، فإن الطريقة السائدة تطالعنا كأحد أنواع التمثيل المتناسب، ويُستخدم التمثيل المتناسب في كل الدول الأعضاء، بما في ذلك بريطانيا العظمى منذ 1999. ومع ذلك، يؤدي التمثيل المفرط للدول الصغيرة والتمثيل المهمّش للدول الكبيرة في البرلمان الأوروبي إلى قدر من عدم التناسب. فألمانيا كان لها ستة وتسعون مندوبًا في البرلمان الأوروبي ولمالطا ستة مندوبين فقط، مع أن عدد سكان ألمانيا أكبر من عدد سكان مالطا بحوالى مئتي مرة. وفي هذا الصدد، يجمع البرلمان الأوروبي، في هيئة تشريعية واحدة، مبادئ التمثيل المتناسب والتمثيل الوطني المتساوي، والمتجسدة، على سبيل المثال، في سويسرا في صورة هيئتين منفصلتين للتشريع.

5- مؤسّساتية جماعات الضغط: لم يطوّر الاتحاد الأوروبي بعد منظومة مؤسّساتية متكاملة، ويرجع السبب الأقوى في ذلك إلى أن أغلبية القرارات الاجتماعية الاقتصادية لا تزال تتخذ على المستوى الوطني أو تخضع للنقض الوطني. ومع اتجاه الاتحاد الأوروبي بدرجة أكبر نحو تحقيق التكامل، فإن مستوى المؤسّساتية سوف يرتفع على الأرجح. وفي كتاب مايكل ج. جورج المعنون «المؤسساتية الأوروبية؟» نجد أن علامة الاستفهام جاءت مقصودة، وقد أجاب جورج عن هذا التساؤل بالنفي متحدثًا عن الوضع الحالي، بيد أنه يرى كذلك عناصر مؤسساتية في قطاعات معينة فضلًا عن رؤيته توجّهًا واضحًا نحو إقرار درجة أكبر من المؤسساتية. ومن العوامل المهمة أن المفوضية الأوروبية فضلت طويلًا نظام تفاوض مؤسساتيًا مع جماعات الضغط. فمثلًا، رعت المفوضية سلسلة من المؤتمرات الثلاثية الأطراف خلال السبعينيات، ورغم أن هذه المؤتمرات لم تثمر عن إضفاء الطابع المؤسسي على المساومات الثلاثية الأطراف، «إلا أن المفوضية لم تتخلَّ قط عن هدفها في دفع حوار بين الشركاء الاجتماعيين وتحسين مشاركتهم في آلية صنع القرار في الجماعة الأوروبية» (جورج 1996، 139). وتصف فيفيان أ. شميدت (2006، 104) نظام جماعات الضغط الأوروبي الحالي بأنه أغلبي أكثر مما هو مؤسساتي، لكنها تقول أيضًا «يتمتع الفاعلون المجتمعيون الأوربيون بأغلبية هي أكثر تقاربًا وتعاونية من تلك الأغلبية العالية الموجودة في الولايات المتحدة». بالمثل، ولكن بتعبير أكثر إيجابية، تجد جيردا فالكنر (2006، 223) أدلة على أن «البدائل المؤسساتية لشبكات السياسة ليست غريبة على الاتحاد الأوروبي».

6- الحكومة الفدرالية واللامركزية: مقارنة بالمنظمات الدولية الأخرى، يتصف الاتحاد الأوروبي المتخطي للحدود القومية بوحدته ومركزيته الكبيرة، ولكن مقارنة بالدول القومية - حتى اللامركزية منها كسويسرا - يظل الاتحاد الأوروبي «كونفيدراليًا» أكثر منه «فدراليًا» فضلًا عن كونه شديد اللامركزية.

7- ثنائية التمثيل القوية: يتمثل المعياران اللذان يحكمان ثنائية التمثيل القوية في أن مجلسي التشريع متساويان في القوة ومُختلفان في البنية. وينطبق على هيئة الاتحاد الأوروبي التشريعية المعيار الثاني دون صعوبات: حيث يتمتع المجلس بتمثيل متساوٍ للدول الأعضاء ويتألّف من ممثّلين للحكومات الوطنية، فيما يتم انتخاب البرلمان انتخابًا مباشرًا من الناخبين ويتم تحديد حجم الوفود القومية حسب تعداد السكان. وفي الهيئات التشريعية الوطنية، تميل الانحرافات عن القوة المتساوية إلى أن تصب في صالح المجلس الأدنى. وفي الاتحاد الأوروبي، يأتي الأمر بشكل معاكس: فالمجلس الأعلى (المجلس) يكون أكثر قوة من المجلس الأدنى (البرلمان)، حتى بعد معاهدة لشبونة التي جاء ذكرها من قبل - بشكل لا يتوافق تمامًا مع النموذج التوافقي، وحتى بدرجة أقل مع نموذج الأغلبية.

8- الجمود الدستوري: يتألف «دستور» الاتحاد الأوروبي من المعاهدة التأسيسية للجماعة الاقتصادية الأوروبية، والموقّعة في روما في عام 1957، ومن سلسلة من المعاهدات السابقة والتالية. ونظرًا لأن هذه المعاهدات دولية، فلا يمكن تغييرها إلا بموافقة كل الأطراف الموقّعة عليها. ومن ثم فهي تتّسم بالجمود الشديد. بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم القرارات المهمة في المجلس تستلزم إجماعًا؛ وبالنسبة إلى المسائل الأقل أهمية، أصبح من الشائع منذ الثمانينيات اتخاذ قرارات بـ «تصويت الأغلبية المؤهلة»، أي بأغلبية الثلثين وبواسطة نظام تصويت مرجّح (يشبه التخصيص المرجّح للمقاعد في البرلمان الأوروبي).

9- المراجعة القضائية: تعتبر محكمة العدل الأوروبية من المؤسسات المهمة في الاتحاد الأوروبي. وللمحكمة حق المراجعة القضائية، وبوسعها الحكم بعدم دستورية كلّ من قوانين الاتحاد الأوروبي والقوانين الوطنية إذا ما انتهكت المعاهدات المتنوّعة للاتحاد. وعلاوة على ذلك، فإن أسلوب المحكمة إزاء مهامها القضائية كان خلّاقًا وناشطًا. وقد كتب أليك ستون سويت (2004، 1) أن المحكمة «ليس لديها منافس كأقوى هيئة فوق قومية في تاريخ العالم، وعلى مستوى عالٍ مقارنة بأقوى المحاكم الدستورية في أي مكان».

10- استقلالية البنك المركزي: صُمّم البنك المركزي الأوروبي، الذي بدأ العمل في عام 1998، بحيث يكون بنكًا مركزيًّا متمتعًا بدرجة عالية من الاستقلالية؛ وفي الواقع، فقد كتبت مجلة الإيكونوميست (في عددها الصادر في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 1997) تقول: «إن دستوره يجعله البنك المركزي الأكثر استقلالية في العالم». فهو حامي العملة الأوروبية الموحّدة، اليورو، المتداولة في سبع عشرة دولة من أعضاء الاتحاد الاوروبي. بلغ رصيد البنك الذي حسبه كرستوفر كرو وإيلين إي. ميد 0,83 على سلم كوكيرمان وهذا أعلى بكثير من رصيد أيّ من البنوك الوطنية المركزية المذكورة في وقت سابق في هذا الفصل وفي الفصل الثاني.

وفي بداية هذا الفصل، كنت قد أكّدت أن نموذج الأغلبية لا يتوافق مع احتياجات المجتمعات التعدّدية ذات الانقسام الداخلي الشديد. ومن الواضح أن الاتحاد الأوروبي يشكّل مجتمعًا تعدديًّا: «إن الفروق الوطنية العميقة والمتأصّلة، والتي تعد اللغة إحداها، لم تختفِ في أوروبا ولن تختفي» (كيرشنر 1994، 263). فلم يكن مستغربًا أن تتوافق مؤسّسات الاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة مع النموذج التوافقي أكثر مما تتوافق مع نموذج الأغلبية (كولومر 2010، 67-72 وهيندريكس 2010، 76-77). ويتكهّن كثير من المراقبين بأن يتحوّل الاتحاد الأوروبي في النهاية إلى دولة فدرالية، نتيجة لتبني عملة مشتركة بخاصة. فعلى سبيل المثال، يؤكد مارتن فيلدشتاين (1997، 60) أن «الأثر الجوهري طويل الأجل المترتّب على تبني عملة موحّدة سوف يكون خلق اتحاد سياسي، أي دولة فدرالية أوروبية مسؤولة عن السياسة الخارجية والأمنية لأوروبا، فضلًا عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية المحلية الحالية». فإذا نما الاتحاد الأوروبي وتحول إلى دولة أوروبية ذات سيادة، فإن مؤسساته سوف تتغيّر على الأرجح . فالبرلمان الأوروبي مثلًا سوف يصبح، على الأرجح، هيئة تشريعية أكثر قوة، لكن ليس من المرجح أن ينحرف بعيدًا عن النموذج التوافقي، ومن المؤكد تمامًا أنه سيتخذ شكل ولايات متحدة فدرالية أوروبية.