eKtab
EN ع
أنصت إلى ذاتك
اقرأ عينة مجانية

أنصت إلى ذاتك

بقلم مجموعة مؤلفين

صفحة 1

مقدمة المترجمة

علينا أن نواجه أزمات الحياة بأسلوبٍ فلسفي، وأن نجرؤ على النّظر إلى أعماقنا!
نسمع دائماً بأنّنا أفراد نعيش عالمنا بشكل فردي، ولكنّنا في الوقت نفسه، لا يمكننا اتّخاذ قرار خاص بنا، في الوقت الذي ينبغي علينا أن نعمل ونختار أشياءنا وحياتنا بأنفسنا إلا أننا نجد أن الآخرين هم الذين يختارون ويقررون عنا. هل واجهت نفسك يوماً وعرفت حقيقتها؟ من أنت؟ هل أنت شخص حقيقي أم مزيف؟ أصلي أم نسخة عن الآخرين أم أنك شخص حر؟ هل أنت عميق ممتلئ أم سطحي فارغ؟ ما مدى صدقك مع الحياة؟ هل تشعر بأن اختياراتك في الحياة نابعة من رغبة خاصة في داخلك، أم أنها رغبة الآخرين وأنت تعمل فقط على تنفيذها؟ كم هي النسبة المئوية التي تطبق فيها أراءك الخاصة ووجهات نظرك في الحياة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها كان قد طرحها الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيجارد قبل قرن ونصف من الزمن لكنها لم تكن واضحة بما يكفي، والآن يُعيد الكاتب الدكتور تَد هاريس المتخصص بفلسفة سورين كيركيجارد والكاتبة آنّ لاجرستروم ليكتبا عملاً عن كيركيجارد في وقفة تأمل لمدة عام، هكذا قام الدكتور هاريس بتفسير أفكار كيركيجارد والعمل على تأويلها لتلمس حياة إنسان اليوم والاقتراب من روحه، كما قامت الكاتبة آن لاجرستروم بتدوين تلك التفسيرات وتقديمها إلينا في هذا الكتاب. "أنصت إلى داخلك"، كتاب جديد بترجمات جديدة لتلك الفلسفة -القديمة-الحديثة- التي تحدث عنها كيركيجارد، إنها فلسفة تحفز الروح وتحثها على الإنصات إلى داخل النفس لمعرفة أسرارها وكينونتها.
حسب فلسفة كيركيجارد يستطيع المرء أن يمر بثلاث مراحل للتطور في حياته، المرحلة الأولى وهي المرحلة الحسية: في هذه المرحلة تقف المادة لتصبح مركزاً كبيراً لاهتمام الإنسان، فهو يعيش حياة حسيّة، مادية منذ لحظة ولادته، لحظة تذوقه حليب الأم حتى بلوغه سن الأربعين أو ما بعدها، عندها يكون قد وصل إلى تحقيق الكثير من أهدافه في الحياة، عاش، جرّب، قام بتحقيق أحلامه وأمنياته لكنه رغم كل ما توصل إليه ، إلا أنه يشعر بعدم الراحة وأن إحساساً مفاجئاً بفراغ هائل يعتصر روحه، وتراوده أفكار غير واضحة تنخر داخله، فيشعر بهدوء داخل نفسه ويخفت اندفاعه نحو الأشياء ويبدأ يتساءل: ما هذا الفراغ الهائل الذي يجتاح روحي رغم كل هذا الذي أملكه الآن؟ لماذا أشعر بالوحدة رغم وجود كل هؤلاء القريبين من حولي؟ ماذا أصنع كي تمتلئ روحي؟ إن كل الأشياء التي جمعتها وكل هذه الحياة التي أحياها ليس لها أي معنى، إنها لم تسدّ حاجة في نفسي؟ هنا ستكون بداية الطريق لدخول المرء إلى المرحلة الثانية التي أطلق عليها سورين "الجوّانية" من هنا يبدأ بالتفكير ويحاول أن يفهم ذاته فيتساءل: من أنا؟ ما المعنى من حياتي؟ وتبدأ رحلته في البحث عن حقيقة كينونته فيسعى للمعرفة والحكمة ويحاول بذل كل جهد ليفهم ذاته ويكون أكثر وضوحاً مع نفسه ليصل إلى تحقيق ما يمكن تسميتها بالجوّانية.
يقول كيركيجارد إذا رغبت في أن تكون جوّانياً عليك أن تجرؤ وتري نفسك الحقيقية: هل أنت خائف؟ يسأل كيركيجارد في الجزء الأول من كتابه "إما أو": ممّ تخاف؟ لن تتحول إلى شخص آخر، لا، وإنما ذلك الشخص الذي تتعرف إليه هو أنت نفسك! انتظر قليلاً ربما ستشعر بالفرح والدهشة الرائعة عندما ترى نفسك وكأنك إنسان آخر يُولد من جديد!.
لطالما أحببت ذلك الإنسان الحقيقي الذي لا تخدعه المظاهر ولا ينقاد وراء اختيارات الآخرين وآراءهم، هذا الشخص الذي يعيش حياته بصدق كامل سواء أمام نفسه أو أمام الآخرين فمهما كانت طريقته الحياتية وكيفما كانت اختياراته طالما كانت صادقة ونابعة من أعماق روحه فأنا احترمها، لقد أحببت دائماً ذلك الشخص الذي يمحص ويستغور داخله ويستطيع أن يقرر ويعرف؛ وبالتالي يفهم ما تحتاج إليه روحه وما لا تحتاجه. إن الأمر لجميل لكنه صعب في الوقت نفسه، ففي فلسفة كيركيجارد كل شيء يكون صحيحاً لمجرد أنك تستمع إلى داخلك وتختار بعناية فائقة ما الذي تريده.
بعد المرحلة الجوّانية وبعد أن يتعمق المرء في ذاته وفي الحياة تأتي المرحلة الثالثة والأخيرة وهي المرحلة الروحية، المرحلة الصعبة التي لم يستطع أي إنسان الوصول إليها بسهولة حتى أن سورين كيركيجارد كتب يقول أنه لم يستطع التعمق فيها لكنه تمكن من إدخال جزء بسيط من أنفه فقط وخرج منها، واكتفى بأن يعيش الحسيّة والجوّانية، أن يقرأ ويكتب الفلسفة وأن يحب كل شيء وكان هذا كافياً بالنسبة إليه.
ربما كان صحيحاً كما قال البروفيسور لارستونستام: أنه عندما يكبر الإنسان ينتظم كل شيء من تلقاء نفسه فتتراجع الأنا تلقائياً ويبدأ المرء بفهم نفسه فهماً عميقاً حتى ليشعر وكأنه جزءٌ من طاقة الينبوع الجاري أو أنه كشجرة وارفة الظلال تطرح الأوكسجين لتمنحه الحياة، إذا وصل الإنسان إلى هذه الحال يكون قد ذهب في طريقه نحو المرحلة الروحية.
لكي تصبح مثل كيركيجارد عليك أن تفكر ملياً في تفاصيل حياتك اليومية وتعكس أفكارك وما تؤمن به في تصرفاتك وتعاملك مع نفسك أولاً قبل الآخرين، يقول كيركيجارد:
-على المرء أن يعبّر بصدق عما يريد وذلك عبر اختياراته اليومية البسيطة، أن يختار بصدق تام من تلقاء ذاته ما الذي يرغب في أن يقوم به لا أن يفعل ذلك لمجرد أنه متأثر بشخص أو آخر أو يكون منقاداً لرغبة الآخرين..
أن تتصرف بأسلوب كيركيجارد في حياتك عليك أن تتعامل وتأخذ نفسك والآخرين إلى أقصى حد من الجدية والاحترام، أي أن تتعامل مع أهلك وأصدقائك، جيرانك ومن أصغر بائع في السوق إلى جميع البشر بالاحترام ذاته الذي ترغب أن يعاملونك به، كي تطبق فلسفة كيركيجارد عليك أن تبقي على آرائك وعلى القيم التي تؤمن بها من أعماقك وأن تستند إليها ولا تبدلها ولا تفتخر بها أمام الأصدقاء والآخرين، يقول كيركيجارد : من السهل جداً الانقياد وراء الآخرين لكن الأصعب هو أن تستمع إلى صوت قلبك، قف على قدميك واكتشف وجودك الفريد الخاص بك.
سورين كيركيجارد 1855- 1813
فيلسوف ومؤلف ومفكر لاهوتي دنماركي، وهو ابن لأحد الرجال الأثرياء في كوبنهايكن، بدأ دراسته في علم الأديان ليصبح كاهناً لكنه في عمر مبكر اجتاحه القلق وعذبته الشكوك فقضى حياته يبحث عن معنى الحياة، لقد فهم الحياة والوجود وأصبح بعد ذلك عراباً لمذهب الوجودية في الثقافة الغربية كلها. لم تحظ أفكار كيركيجارد بشعبية آنذاك لكن تم اكتشاف كتاباته الفلسفية عام 1900 من قبل المفكرين مارتن هايدغر وجان بول سارتر. من أهم أعماله: مفهوم القلق، إما أو، مراحل في طريق الحياة، والخاتمة غير العلمية.
أثمار عباس
مسقط/ عُمان
"كل إنسان... لديه احتياج ما، ومن
الطبيعي أن يحصل عليه، أن تكون له
فلسفة، مفهوم ما عن الهدف والمعنى
الحقيقي من حياته"
من كتاب "إما أو" سورين كيركيجارد
صفحة 2

مدخل

اليوم هو الخميس وكان القس تَد هاريس قد انتهى لتوه من إعداد الشاي حين وصلت لألقي عليه التحية في "بيت المدرسة" الواقع في مقبرة "أدولف فريدريك" وسط الطريق المؤدي إلى المحطة العالمية في العاصمة السويدية استوكهولم، التقيت تّد وتحدثنا عن الحياة والبشر وكم نحن بشكل لا يصدق أن معظمنا يعيش حياته مشوشاً كالتائه لا يعرف ماذا يريد وعلى الرغم من أننا نعيش حياة آمنة في بيئة مستقرة منظمة بصورة كبيرة إلا أننا رغم ذلك لا نشعر بالأمان ونحس بأننا ضالين لا نعرف من نحن، ولا ماذا نريد؟
شرع تَد هاريس يتحدث عن سورين كيركيجارد، الفيلسوف الدنماركي الذي عاش في الفترة ( 1800) كانسورين كيركيجارد يرى (من الضروري للمرء أن يكون له معنى خاص لحياته.)
كل فرد منا يحتاج أن يكون له مفهوم ما للحياة، وجهة نظر خاصة به حول ذاته والحياة التي يعيشها، هذا ما كان يعنيه كيركيجارد. وهكذا فتح تّد هاريس النقاش حول هذا المفهوم وبدأ يقول:
- هناك شيء ما في داخلنا، نظرية ما، مفهوم ما حول الحياة والمعنى من وجودنا، هو الذي يعطينا الطاقة والدافع كي ننهض صباح كل يوم من الفراش ونواصل حياتنا، هو الذي يزودنا بالقوة لنحيا وجودنا، بدون ذلك المعنى يفقد الإنسان موطئ قدمه في الحياة ويصبح فارغاً ويشعر بالخواء.
–هل كتب سورين كيركيجارد هذا؟
سألته وأنا حتى الآن لا أعرف الكثير عن هذا الفيلسوف ولم أمنح نفسي الوقت الكافي لأفهم فلسفته.
– نعم، بالإضافة إلى ذلك كان كيركيجارد يعتقد أن المعنى من الحياة هي مسألة فردية بحتة، لا أحد يستطيع أن يبحث أو يُعَبّـر أو يفصح عنها غير الشخص نفسه.
–هل تقصد أن على المرء أن يبحث عن معنى لحياته بمفرده تماماً؟
- نعم، يرى كيركيجارد أن لكل منا هدف ما للحياة، نصنعه بأنفسنا فقط.
- لوحدنا تماماً؟!؟ ولكن ماذا عن الأشياء التي نشأنا عليها؟ ماذا عن المعتقدات، العقائد الثابتة والراسخة فينا؟ ماذا عن الأديان؟ الفلسفات؟
أقول لهاريس الذي ذهب إلى المطبخ ليجلب أقداح الشاي وبعضاً من شطائر الجبنة والطماطم وكثير من الفلفل الأسود:
- كيف لي أن أفعل من دون كل ما سبق؟ ألا يمكن أن أنظر إلى كل تلك المفاهيم وأبحث عن المعنى لحياتي؟
-كلا،لا يمكن حسب ما تعنيه نظرية سورين كيركيجارد! قال هاريس وهو يعد المائدة ثم أضاف:
-أنت لا تستطيعين أن تمضي وراء أفكار الآخرين لتجدي معنى لحياتك، ينبغي أن تبحثي أنت وحدك، إنها حياتك أنت، والمعنى منها هو معنى خاص بك أنت فيها، ولهذا السبب أنت الوحيدة فقط من تمتلك الجواب عنها، كيف، أو ماذا يفعل الإنسان كي يصل إلى فهم هذا المعنى؟ هذا ما وصل إليه كيركيجارد في سنوات مبكرة من عمره، ثم حاول بعدئذ أن يتخيل طريقة ما توصل الإنسان إلى هذا المعنى، لقد كرَّسَ سورين نفسه ووقته وهو يعد ويحسب ويُقيم لكي يفهم كيف تسير الأمور، هل هذا الطريق أو على هذا الشكل أم ذاك؟ ماذا وكيف يفعل المرء كي يستطيع أن يفهم نفسه؟ كيف يمكن له أن يعبر أو يفصح عن المعنى الخاص لحياته؟ وهكذا بمرور الوقت وبعد تأمل عميق وجد سورين لتفكيره منفذاً وصل به إلى ثلاث مراحل وتسع خطوات يمكن للمرء أن يستوعب ذاته فيها ويفهم المعنى الحقيقي من حياته ووجوده.
- هل فعل ذلك؟ هل وجد سورين طريقاً روحانياً خاصاً بنا نحن بلدان الشمال "الاسكندنافيون" كما في الروحانية الشرقية؟ تساءلت بذهول.
- كلا، إنه ليس بطريق روحاني! قال القس هاريس وأكمل: وإنما هو مجرد أسلوب، منهج يقدمه للإنسان كي يستطيع البحث عن معنى لحياته ويتعرف إلى ذاته بنفسه. بالتأكيد لم يكن سورين يرغب أن تطلق عليه صفة نبي على الإطلاق، ولم يرضَ أن يطلق على نفسه صفة عالم دين لاهوتي أو فيلسوف أو حتى معلم، ولم يرغب أن يعطي الآخرين أجوبة ما، ولا يملك وصفاً دقيقاً لماهية الحقيقة، وليس لديه تحليل معين لأي شيء، أما تلك الخطوات التسع فقد نمت وكبرت وتطورت معه خلال حياته وتجربته الخاصة وتوصل إليها عبر أسئلته الوجودية وصراعاته الخاصة حول كينونته والأشياء الأخرى الثابتة الموجودة في الحياة.
-إذاً: ما الذي توصل إليه؟
-ما توصل إليه هو: ينبغي للإنسان أن يتعلم كيف يعيش جوّانياً؟
قال هاريس هذا وهنا ضربت الكلمات في رأسي:
-جوّانياً!؟ منذ زمن بعيد لم أسمع شخصاً يتحدث عن هذا!؟ ماذا كان يقصد سورين بذلك؟
- أن تكون جوّانياً.- قال هاريس- معنى ذلك أن على المرء أن ينظر إلى الحياة وداخله، ويأخذهما إلى أقصى حد من الجدية، أن تراقب الواقع بحنو، أن تتأمل حقيقتك الجوانية والخارجية بعمق، وفي كل لحظة تمر على المرء يحاول أن يفهم كيف ترتبط الأشياء ببعضها؟ ما هي تلك العلاقة التي تربط البشر ببعضهم، ولابد أن ينسى كل الالتزامات وأن ينسى ما آمن به الآخرون من حقائق وأفكار ومعتقدات، وبدلاً من ذلك ينبغي أن يفكر بمشاعره على نحو تأملي، ماذا يُحب وما هي حقيقته، ووراء كل تلك التصرفات التي يقوم بها وما خلف كل تلك الادعاءات التي يؤمن بها في الحياة، منْ هي شخصيته بالضبط؟ كيف سيستخدم نفسه في ذلك الوجود؟ بمعنى ماذا سيعمل في حياته؟ ماذا يعرف عن أصل الحياة ومصدرها؟ نشأتها؟ ماذا يعرف عن ذاته؟ عن الوجود؟ عن ذلك الذي يطلق عليه (سورين) أحياناً اللا شيء.. العدم؟
لقد تأخر الوقت وأخذنا الحديث وبدأ الظلام يتسلل خلسة حولنا عبر شبابيك "بيت المدرسة" البيضاء الكبيرة، حمل هاريس الأكواب والأطباق ووضعها في ماكينة غسيل الصحون في المطبخ الصغير الضيق وعندما عاد من المطبخ سألته فيما إذا هناك إمكانية كتابة كتاب خاص عن منهج وأسلوب (كيركيجارد)، رغم أن هناك ما يكفي من الكتب التي نُشرت عن كيركيجارد وفلسفته بالإضافة إلى أن المكتبات العامة مليئة بعشرات الكتب التي تحاول ترجمة أفكاره، إلا أني كنت أفضل أن أقرأ كتاباً خاصاً عن طريقته التي توصل بها إلى فهم الذات، كتاب يتطرق إلى البحث عن معنى الحياة، وعن قدرتك لتكون جوّانياً، باطنياً، كتاب يُكتب لأمثالي الذين لا يعرفون شيئاً عن الفلسفة، أنا شخصياً أرغب في قراءة كتاب كهذا، كتاب موجه لهؤلاء الذين لا يَلمُونَ بالفلسفة وليسوا ذوي معرفة بأسرارها وغموضها، إذ لا يوجد كتاب كهذا، فلماذا لا نكتبه نحن؟ ما رأيك يا تًد هاريس؟
- إذاً تكتبينه أنت؟ قال تَد هاريس:
-سأتحدث أنا، وأنتِ تكتبين؟ اتفقنا؟
-نعم، اتفقنا! وهكذا بدأنا بكتابة هذا الكتاب.
إن هذا الكتاب عن سورين كيركيجارد يتضمن ثلاث مراحل وتسع خطوات جاءت بعد عدة محادثات ونقاشات طويلة هناك في "بيت المدرسة" الواقع في المقبرة، كان تَد هاريس يروي وأحياناً يرسم في دفتر الملاحظات ليوضح لي أكثر، وهكذا وبتحد تام قام تَد هاريس بإعادة تفسير وترجمة فلسفة وأفكار كيركيجارد القديمة التي لم تكن واضحة للقارئ وشرحها ووضّحها بشكل جلي وجديد ليفهمها إنسان اليوم.
لقد كتبت هذا الكتاب بعون من تجربة حياتي الخاصة وحياة الآخرين وحاولت أن أوصل أفكار الدكتور تَد هاريس والفيلسوف كيركيجارد ونقلها إلى صورة واقعية ملموسة ولتكون قابلة لاستخدامنا نحن أناس هذا العصر، وهكذا ولد هذا الكتاب، إذاً دعونا نتناول هذه الفلسفة القديمة التي مر عليها نحو مائتا عام تقريباً ولنمسك يدنا بيد سورين كيركيجارد ونسير معه في طريقه الجوّاني الذي سار عليه.
-والآن يضع سورين قبعته الغريبة على رأسه ويرتدي معطفه القديم وحذاءه القديم وسرواله الضيق الطويل ويمضي في طريقه ونحن وراءه.
-لا تنس أن تأخذ واحدة من عصيك المفضلة يا سورين!.
أنا لاغلاستروم
"....الأمر يتعلق بأن أجد حقيقة ما،
معنى يعني لي الكثير، أن أجد تلك الفكرة
التي سأكون على استعداد للعيش والموت
من أجلها. "
من دفتر يوميات سورين كيركيجارد
صفحة 3

هكذا يبدأ بسؤال!؟؟؟

قد يبدأ الأمر هكذا بسؤال، في لحظة ما، في يوم ما من أيام حياتك العادية وأنت جالس في مكان ما تشعر بأن هناك إحساس خفي مغلوط في داخلك، ينتابك هاجس غير مُريح وتشعر بأن هناك شيء غير مضبوط في داخلك، إحساس يواصل الحفر داخلك ولا يدعك وشأنك.
إن الحوافز الخارجية "المادية" في الحياة عديدة لا تعد ولا تحصى ولا تدع المرء يعيش بهدوء مع نفسه فهي واقفة هناك تلوح وتنادي دائماً وأبداً ولا يستطيع المرء أن يتركها أو يتخلى عنها بسهولة خصوصاً في وقتنا الحالي والأشياء الهائلة التي يمكن لها أن تُلهي المرء وتشغله عن ذاته حتى وإن حاول تغيير اهتماماته والقيام بأشياء أخرى جديدة ومهما عمل وكيفما فعل سيواصل الشعور بعدم الراحة ورغم كل التصرفات التي يقوم بها إلا أنه لا يشعر بالراحة أبداً ولا يتحسن داخله إطلاقاً، ثم بعد فترة تعود إلى نفسه الهواجس مجدداً ويشعر بقلق غامض لا يعرف مصدره أو ما هي أسبابه فينتابه شعور مشوش يَقضقض داخله، إحساس ضبابي لا يعرف كنهه شعور بعدم الارتياح، شيء ما يظل يَقرُض ويقرض لا يعرف ما هو إلى أن يتوقف ذات يوم فجأة وربما في وقت متأخر من الليل فينتابه شعور بالجرأة فيبدأ بالإنصات إلى داخله، وبمزاج هادئ رائق يستمع إلى صوت داخلي يسأله بهدوء بعبارة ذات خمس كلمات:
- ما هو المعنى من حياتك؟ هنا يبدأ الشخص بالتفكير:
- نعم، هذا صحيح، ما هو حقاً المعنى الحقيقي لحياتي؟ إنه ليس بسؤال غريب من نوعه، ولا هو بسؤال مربك أو محير، لقد طُرح منذ قرون بعيدة لكن لا أحد يذكر ذلك، لقد بدأ الإنسان يسأل هذا السؤال منذ أزمان بعيدة، منذ زمن الكائن الذي يسمى إنساناً، منذ أصبحت لديه القدرة على التخيل والتأمل كل بصباح بأن هناك غداً سيشرق صباح جديد، لكن لا أحد يذكر ذلك أبداً.
- هل هذا كل شيء؟ يسأل المرء نفسه، ألا يوجد هناك شيء آخر؟
من ناحية سورين كيركيجارد الفيلسوف الكبير جاء سؤاله عن معنى الحياة في وقت مبكر جداً، أول مرة أحس بهذا السؤال عندما كان في سن الثانية والعشرين.
بوسعك الآن رؤية سورين، إنه أمامكم هناك في غرفة الأولاد في الشقة الكبيرة الواقعة في شارع نيتورف 2 في كوبنهايكن، إنه العام 1835 وسورين يمسك بأمتعته ويَحزم حقيبته ليرحل.
لقد كان سورين يمتلك كل ما يطلبه ويتمناه الشاب الصغير في ذلك الوقت، كان والده ميشيل بدرسن قد عمل طويلاً إلى أن جمع ثروة كبيرة وأصبح من أغنى أغنياء كوبنهايكن وكان لديه طموح كبير أن يكمل جميع أولاده تعليمهم العالي، وهاهو سورين يذهب إلى الجامعة ليدرس اللاهوت وهكذا بدأ بدراسة علم الأديان لعله يصبح قساً لقد قرأ ودرس لكنه لم يبالغ بدراسته وكان يأخذ قسطاً كبيراً من الراحة ويحتفل كثيراً وأحياناً يذهب إلى المحاضرات بدون رغبة فقد كانت لديه صعوبة في أن يفهم لماذا يجمع كل تلك المعلومات وماذا سيفعل بها؟ ماذا ستضيف له تلك المواضيع والدراسات العلمية؟:
– بماذا ستفيدني تلك المعلومات التي أدرسها في الجامعة؟ ماذا ستضيف لي إن استطعت أن أشرحها أو أفسر تلك التعاليم المسيحية التي أعرفها في الأساس؟ إلى ماذا سيفضي بي الحال إن عرفت الكثير عن تلك المعاني وعن الظواهر الطبيعية في الكون؟ وعندما لا يمكن لتلك المواضيع أن تعني لذاتي ولنفسي شيئاً، ولا تعطي لحياتي أي معنى عميق، لماذا أقروها؟! يكتب هذا كيركيجارد في كتابه "يوميات الأخضر".
لم يعد هناك شيء يلامس قلب كيركيجارد، ولا شيء يؤثر عليه أو يشعره بالحماس كالحماس الذي يشعر به الكثير من شباب اليوم، كانت آراؤه سابقة لعمره، فمنذ عامه العشرين كان يشعر بأن أغلب الأشياء ليس لها معنى وأنها عديمة الفائدة:
-لماذا أعيش؟ بدأ يسأل نفسه!
-ما هو المغزى من حياتي؟ أنا شخص يقف هكذا على علامة استفهام كبيرة؟!
وهكذا قرر سورين أن يترك المدينة ويسافر بعيداً إلى الريف، سافر إلى "غيلاليه" قرية الصيادين، فبعد أن اكتشف أن كل شيء بلا معنى وما هو إلا خُدع زائلة هرب إلى الطبيعة ووجد أن العزاء الوحيد هو أن يكون هناك بين أحضان الطبيعة المتجددة دائماً وأبداً وأن يتعلم منها ويبحث عن ذاته فيها، وكما كتب في رسالة إلى نسيبه بيتر وليام لوند الذي تزوج بإحدى قريباته يقول : إن سبب رحلته إلى الريف هو العودة إلى الطبيعة، وهناك سيركز انتباهه إلى داخله ويلقي نظرة إلى أعماق روحه، إنها نظرة تفحص عميقة ربما يصل بها إلى تفهم ما لأصول الدواخل الإنسانية، هذا ما حصل مع العالم إسحاق نيوتن عند جلوسه مع الطبيعة، إنه يوم عادي من أيام العطلة الصيفية، بدا وكأنه حدث عادي لكنه أصبح واحداً من أهم الأحداث التاريخية التي أثرت على مجرى الحياة الإنسانية كلها، لقد استلهم إسحاق نيوتن مصدر طاقته ونظريته حول الجاذبية الأرضية من جلوسه تحت شجرة التفاح، كان نيوتن جالساً تحت الشجرة يتأمل عندما سقطت تفاحة من أعلى الشجرة إلى الأرض، فخطرت له الفكرة وجاء بنظريته تلك، كذلك سورين كيركيجارد ترك المدينة ورحل إلى قرية "غيلاليه" حيث الريف الساحر والطبيعة الخلابة، جلس سورين هناك أياماً حيث استطاع أن يعبّـر عن نفسه وشكَّل الأساس الأول لفلسفته الوجودية.
-إذ لم أجد معنى للحياة في حياة المرح والاستمتاع التي أعيشها في كوبنهايكن ولم أجد ذلك المغزى في دراساتي للعلوم والمعارف التي قرأتها في الجامعة قد أجدها مع الطبيعة!.. الأشجار!
صفحة 4
فكّر سورين بهذا وهو يتمشى مُتَمهلاً بين الطبيعة مرتدياً صندله وهكذا بعد عدة أسابيع من التَجَوَّل في الريف والغابات، بين البحيرات والسير إلى شاطئ البحر وزيارة كل الأمكنة التاريخية والأثرية اسْتَسْلم كيركيجارد وعاد إلى المدينة وشعر أن تلك الأمكنة إلى الآن لم تُلامس قلبه من الداخل ولم تُؤثر عليه بشيء ولم تُحرك أي إحساس في داخله، وهكذا في الأول من أوغست سنة 1835 صدر كتابه الأخضر، كتب تلك العبارة التي ستدخل تاريخ الفلسفة:
".... ينبغي أن أجد شيئاً ما، فكرة تعني لي الحقيقة، ينبغي أن أجد تلك الفكرة التي أنا على استعداد في أن أعيش أو أموت من أجلها!"
إنها مجرد كلمات بريئة جاءت خربشات من أفكار شاب صغير لكن هذه الجملة بما تحمله من معاني أحدثت طفرة عقلانيّة فكرية كبيرة وأثرت في الفكر الغربي والعالم كله.
"أنا سورين كيركيجارد، لقد اكتشفت حقيقة وهي أنني لا أحتاج أن أبحث عن معنى لحياتي خارج نفسي، وليس بالضرورة أن أخضع لاعتبارات الآخرين وآرائهم المعتدين بها وأسير وراءهم أو أؤمن كما آمنوا هم بها، لقد تعلموا بأنفسهم وصدّقوا ووجدوا المعنى الحقيقي من حياتهم بأنفسهم، لكن، أنا لن أتبعهم...لا.. لا.. أنا منْ سيبحث عن حقيقة معنى حياتي وأنا من سيجد الطريق، أنا وحدي من يمكن له أن يقرر ما هو الصحيح وما هو الخطأ، أنا وحدي من سيجد المعنى الحقيقي،أنه موجود هنا في داخل نفسي ولا يمكن لأي شخص آخر أن يجده لي،ولا يمكن أن أجده في أي مكان آخر غير داخلي أنا!".
وهكذا حَزَمَ سورين أمتعته وعاد إلى بيته في المدينة مرة أخرى، لقد عرف الآن ماذا يفعل، إن الأسابيع التي قضاها في الريف في "غيلاليه" قرية الصيادين جعلته يعرف ماذا يريد وقد منحته تلك المسافة الفكرة التي ساعدته أن يفكر، يتخيل نفسه أنه "سيعيش ويموت من أجلها" لقد أكتشف المغزى من حياته وينبغي عليه أن يحاول إيجاد طريقة ما ليعرف الإنسان عليها ويحاول أن يعينه كيف يجد لنفسه طريقة يكتشف بها معنى لحياته.
لقد رأى سورين حسب المعلومات التي جَمَعها أنه من واجب حياته أن يفحَصَ ويدقق كيف تعمل ذاته وذوات الآخرين؟ ما الذي يكوّن إنساناً؟ ما الذي يجعل معنى لحياته، وما هي الطريقة لتحقيقها؟ كيف يمكنه أن يحقق معنى لحياته؟ ماذا نفعل حتى نجد ذلك المعنى؟ ماذا وكيف سنتصرف وأي سلوك سنسلك لكي نتوصل إلى ذلك المعنى؟
بعد أن عاد سورين من الريف إلى مدينة كوبنهايكن أصبح يعرف عن أعماقه أكثر، وازداد إصراره لمعرفة المزيد عن الذات أكثر مما كان عليه في أي وقت مضى، جلس هناك وباشر العمل على بحثه العلمي الكبير حول مفهومه الشخصيّ للذات الجوّانية، وهكذا لبث عشرين عاماً يعمل في هذا المجال، أصبح شديد الهوس في التعمق بالذات الإنسانية، أخذ يتقرب إلى الناس أكثر وأكثر، وكان يبذل كل يوم وكل لحظة من أوقاته، الجهد الكبير ليتفهم الذات الإنسانية وكيف تعمل، تماماً كالباحثين في عصرنا الحالي بدأ يبحث في كل شيء، نقّب في جميع الكتب، دَرَسَ.. تأمل.. تخيل وحلم.. جرب أساليب جديدة لم يعرفها من قبل، حاول واختبر وسأل نفسه إزاء تلك الاختبارات، وأخذ يتلمس بخيال عارم طريقه ويتحسسه ليشعر ما تشعر به النفس، دخل سورين إلى مكتبة جامعة كوبنهايكن وبحث عن المعلومات كالباحثين عندما يبحثون عن المعلومات في الأنترنت بحث في مختلف المواضيع واطلع على جميع الكتب والدراسات، قرأ جميع الفلسفات، علم الأحياء – البيولوجيا- الثقافات، الأديان السماوية، علم الطب، الأدوية، كان يقرأ كل كتاب تلمسه يده أو يحرك مشاعره بعمق، قرأ كل ما هو إبداعي مميز وأصبح على علم شامل بجميع المعارف والعلوم، قرأ نوعاً ما عن الرأسمالية وقليلاً هنا وقليلاً هناك، وكان يضع خطاً تحت أي موضوع يجده مُثيراً فيقوم بتدوين التعليقات حول المواضيع المؤثرة ويشرع في مناقشتها مع كل من يتواجد قربه، سواء أكان أحد أصدقائه أو معارفه، معلمين، قساوسة، وكان يتناقش حتى مع الغرباء الذين يلتقيهم في الشارع، كان يقتحم الجميع ويتحدث إليهم باجتياح جامح دون أي عوائق أو كوابح، يناقشهم بطريقة شرسة، وهكذا جَرّب وأخذ يختبر كل ذلك على حياته مع ذاته شخصياً وعلاقتها بالآخرين.
كان سورين كيركيجارد في مناقشاته مع الناس يحثهم دوماً على حرية الرأي والتعبير عما يرغبون به بحرية خالصة دون التأثر بأحد ما، لم يتحقق حثه في وقته آنذاك ولكن بعد مرور 130عاماً على تلك الأفكار تمرد الشباب وقامت الثورة الطلابية الكبيرة في أوربا خلال ستينات القرن الماضي، وبعد مرور 140عاماً على أفكار سورين جاءت فترة السبعينات وحرية التعايش بين الرجل والمرأة دون زواج وزواج المسيار والمساكنة وبعد مرور 150عاماً على كانت ثمانينيات القرن التاسع عشر وحرية الأديان وممارسات الدين بشكل شخصي، 160عاماً ظهرت الثورة الرقمية والديجيتال والأنترنت.
– أي رجل حضاري كنت يا سورين؟ كم كنت ستعجب بالأنترنت وكم كنت ستكتب مدوناتك بأفكارك الحرة تلك وطريقتك الشرسة مع الكلمة والمعنى.
لقد وصل كتاب يوميات سورين إلى 7000 صفحة وكتب عدداً كبيراً من المقالات و40 كتاباً كتبها جميعاً بطرق مختلفة ذات مواضيع ومواد رائعة وتحت أسماء مستعارة مثل: فيكتور أرميتا، فيجيميوسهاوفينسيس، كونستانتينكونستانتييوس، يوهانس دي سيلنشو، يوهانس كليماكيوسوانتي-كليماكاس.
وتستند جميع تلك الكتب إلى القاعدة نفسها والأساس ذاته وموضوعها الإنسان وكيف عليه حقيقة أن يكون هو نفسه، وأن هناك ضرورة ملحة لبحثه عن معنى لحياته ويكتشف حقيقة لمعنى وجوده.
صفحة 5

الوجود "الحقيقة"

"تقدم وأظهر نفسك من خلف الشجرة!"
يعتقد الكثير من البشر أنهم يستطيعون العيش دون الحاجة لمعرفتهم إلى أين يمضون في حياتهم، ويتصورون أنهم ليسوا بحاجة إلى التفكير ملياً في حقيقة وجودهم، ولا يحاول أي منهم أن يفهم ما المعنى الحقيقي من حياته فهم يعتقدون أن ما هم عليه يكفيهم للعيش في هذه الحياة دون الحاجة إلى أن يؤثروا أو يتأثروا، إنهم يحيون حياتهم هكذا: يستيقظ الواحد منهم صباح كل يوم يتناول فطوره ويذهب إلى العمل، يتسوق وفترة الظهيرة يتناول غذاءه وفي المساء يشاهد التلفزيون ثم يذهب ليلاً إلى فراشه وينام، وهكذا ينهض صباح اليوم التالي مرة أخرى ويتناول فطوره ويذهب إلى العمل، يتسوق، يتناول الغداء وفي المساء يشاهد التلفزيون ثم ليلاً يذهب إلى الفراش وينام، وهكذا هو على هذه الحال كل يوم وربما في إجازاته يسافر يقضي عطلته الصيفية في أي مكان آخر أو ربما يقوم بعمل بعض التصليحات في منزله أو يذهب إلى السينما لمشاهدة الأفلام أو يلتقي بأحد أصدقائه وهكذا إلى آخره ثم يذهب إلى الفراش ليلاً ينام وفي صباح اليوم التالي ينهض وهكذا تعود دورة حياته تسير على هذا المنوال كل يوم وكل شيء يسير على ما يرام دون التفكير بشيء آخر.. إذا كانت حياة الإنسان تجري على هذا النحو فلن يتوصل إلى طريق سليم لفهم نفسه أو معرفة ذاته وسيشعر في الوقت نفسه بأن هناك شيء ينقصه وأن ثمة حيرة في نفسه وروحه ولا يدرك لماذا.
لقد جاء سورين كيركيجارد بفلسفته الوجودية هذه وأكد على أن حياة الإنسان لم تكن تسير بهذه الصورة أبداً، لا، لا يعتقد بذلك، في الوقت نفسه لم يكن لديه أية فكرة أو رأي معين حول اختيارات البشر لحياتهم اليومية لأن حياة البشر اليومية هي تخص الشخص نفسه وهي ليست مشوقة أو مُثيرة للاهتمام بشكل خاص، إذا قمت بتغيير عملك على سبيل المثال تترك العمل، وبدلاً عنه، تذهب لإكمال دراساتك الجامعية أو الدراسات العليا أو على سبيل المثال تشاهد الأفلام السينمائية في البيت مقابل أن لا تذهب إلى السينما العامة أو المسرح، تقوم بترميم منزلك بدلاً من هدمه وبنائه من جديد، تُنضد أثاث منزلك وتجددها بدلاً عن رميها وتأثيث البيت من جديد، عدم السفر في الإجازة السنوية إلى خارج البلد وتستعيض عنها بالتنزه داخل البلد، وهكذا يمكن أن نجد أمثلة كثيرة ووصفاً جيداً عن حياة سورين الخاصة، لكن سورين كان على قناعة تامة من أن هذه الأشياء السطحية سواء استبدلها المرء أو أعاد ترتيبها من جديد فهي غير كافية لفهم الذات وأنها مجرد مظاهر خارجية لا تكفي لتدبير وتنظيم أمور النفس من الداخل، ويرى أنه سيأتي يوم يصرف النظر عن أي شيء لدى المرء ومهما كانت الحياة التي يعيشها سواء كان يعيش حياة هادئة مُسالمة أم مغامرة صاخبة، راضية مريحة أم شاقة متعبة سيأتي اليوم ويسأل نفسه:
-لماذا أعيش؟ ما المغزى من حياتي؟!
يرى سورين أن البحث عن معنى الحياة أمر طبيعي لدى الإنسان فهو لا يستطيع أن يتجنبه أو يتجاهله إنه تطور طبيعي حَتميّ لا مفر منه في حياة البشر فهو ينمو ويكبر فيه تماماً كنمو الجسم وتدّرج عمر الإنسان وكبره، وكيفما كان جسد الإنسان وكيف يكون، كيف كان صغيراً وكيف يكبر تدريجياً بمرور الزمن من تلقاء نفسه فهو ينمو من طاقته الخاصة من قوته الجوّانية الخاصة به، كذلك ذوات البشر ترغب أيضاً في أن تنمو وتتطور لتُعانق المزيد من الحقائق في الحياة وتَحْضُن الواقع كي تحصل على معنى لحياتها ونفسها، لقد أكد سورين أن الإنسان لا يمكنه أن يجد معنى لوجوده خارج حدود ذاته، إن البحث عن معنى الحياة موجود في طبيعته الإنسانية.
يرى سورين أن الشخص كما قال الفيلسوف اليوناني أفلاطون هو إنسان وليس قطعة أثاث، إنه عبارة عن روح وليس كرسياً، إن الكرسي لا يحتاج إلى شيء ليشعر بالراحة إنه ليس بحاجة إلى أي شيء ليكون راضياً أو غير راضٍ، مقتنعاً أو غير مقتنع ولا يحتاج ليفكر بمن صنعه ومن وضعه، فلقد اقترح بعض الأشخاص بالاتفاق معاً ولا خلاف على ذلك بأن يُنجِّروا ذلك الشيء ومن ثم تم الوقوف على هذا الشكل فصُنِعَ على هذه الطريقة وأُطلِقَ عليه اسم "كرسي" إنه مجرد كرسي سواء قمت بتحريكه يميناً أو يساراً أو قلبته فوق أو إلى تحت، ترميه من أعلى أو تطرحه أرضاً لا يهم في ذلك فمهما فعلت به فهو يبقى كرسياً ليس لديه أي رد فعل لشيء، ولا يرغب في شيء، ولا ينمو ولا يتطور ويظل فقط قطعة أثاث صنعها نجار لا أكثر ولا أقل وكذلك الحال مع الشجرة، البيت، الحائط، السيارة، الكرة، وغيرها من الأشياء الجامدة وإلى حد ما بعض الحيوانات، كل هذه الأشياء وغيرها تختلف عن الإنسان، إنه يختلف عنها فهو لم يكن ككرسي أو كشجرة أو كرة أو بيت وإنما هو عملية، إنه عملية تسجيل، تدوين، يتصرف، يتعامل مع الحياة، يتفاعل معها يؤثر ويتأثر بها، له فعل ورد فعل، إنه في تغيير متواصل ومستمر بشكل دائم على مدى الحياة التي يعيشها، يكون يوماً على وضع معين ثم بعد فترة هناك إمكانية تغيره ليكون على وضع آخر، ولا يسعه إلا أن يتساءل باستمرار، إن الإنسان لا يتوقف عن التساؤل من أنه كيف يكون على ذلك القدر الكبير من التغيير؟ لو تغيرت غداً كيف سيكون شكلي؟ وكيف سأكون أنا؟ أن تلك التغيرات التي تطرأ عليه هي التي تُثير اهتمامه، إن تغيير صورته بين الحاضر وبعد سنوات، بين أنا اليوم وأنا الغد، تلك التساؤلات وذلك الاندماج المتغير العجيب المبني بداخلنا بين أنفسنا والعالم هو الذي يجعلنا نبدأ بالبحث عن معنى الحياة، هذا ما يعتقده سورين، لقد دَرَسَ سورين وتعلم بنفسه وبدأ ينظر من حوله، فتش في علاقاته بين الأصدقاء والمعارف، راقب الكثير من البشر ودوّن ملاحظات كثيرة، كتب في دفاتر يومياته مجموعة كبيرة من الأفكار والأحاسيس، آراء، نظريات، اعتقادات، قصصٍ، حكايات، وأخذ يقارن في كل مرة بين أي رأي أو أي حديث ذي مغزى معين ويطابقه برأيه أو بحديث آخر وبمرور الوقت ومع كل تلك المحاولات والمناقشات رأى سورين أنه يمكن أن يتفهم كيف تعمل ذاته وذات الآخرين، في أي الافتراضات؟ وما هي الاشتراطات التي ينبغي أن يعمل عليها الإنسان ليكون هو ذاته؟ أي الاختيارات ينبغي أن يعمل عليها؟ وأي تعامل أي تصرف وأي سلوك ينبغي على المرء أن يسلكه كي يزيد من تطوير فهمه لداخله؟ وأي الطرق التي ينبغي أن يمضي بها قدماً من أجل التقدم لفهم داخله أكثر؟ بعد فترة توصل سورين إلى فهم معين، وبدأ يعرف أي الخيارات التي ينبغي العمل عليها، ماذا يحتاج المرء ليسير أعمق في طريقه ليتطور داخله، وجد سورين أن هناك ثلاث مراحل حسيّة يمكن للمرء أن يعرف عبرها كيف تعمل ذاته وكل مرحلة من هذه المراحل توصل إحداها إلى الأخرى، المراحل هي:
المرحلة الأولى هي (المرحلة الحسية)، والمرحلة الثانية (المرحلة الجوّانية)، والمرحلة الثالثة هي (المرحلة الروحية)، يرى سورين أن لكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث لها خطوات، وكل خطوة منها تؤدي إلى الوصول إلى الخطوة الأخرى.
صفحة 6

"الحسيّة، الجوّانية، الروحانية!"

بالنظر إلى أن العملية هي عبارة عن "التأثير، التغيير، التفاعل" فهي حسب رأي سورين جزء من الإنسان وقد تأتي أو تحصل من تلقاء نفسها أي قد يشعر بها الإنسان وحده تماماً على سبيل المثال إن لقاء الطفل مع العالم يُثير لديه الدهشة والعجب مما يُوقظ تساؤلات كثيرة داخل نفسه تلفت انتباهه إلى أمور أعمق حول الذات الإنسانية وهذا ما يجعله يتحرك ليدرس ويتحقق أكثر ويكشف حقائق أعمق عن الذات مما يدفعه إلى أن يتصرف ويتعامل بناء على أساسها مما يؤدي إلى منحه تجربة أكبر ويدفعه إلى ابتكار تساؤلات أخرى جديدة تساهم في تقدم خطواته إلى الأمام وتدفعه لابتكار أسئلة أخرى تُزيد في فهمه لذاته وتدفع به نحو الداخل أكثر وأكثر، لإدراك المعنى الحقيقي للذات والحياة.
كذلك اكتشف سورين، بأن هناك ثلاثة أمور قد تُسبب بعض الصدمات للمرء فيقع فيها في عمر مبكر من حياته مما تسبب في توقف وعرقلة سير "العملية" لديه، إن أول تلك العقبات هي التربية، لقد رأى سورين أن التربية القاسية وحياة الطفولة الصعبة قد تُشكل جزءاً من تلك العقبات فتعيق طريق تطور المرء وتمنع وصوله إلى الجوّانية وقد لاحظ سورين ذلك لدى الآباء الصارمين والقساة عندما يفرضون عادات معينة ومفاهيم متشددة على أبنائهم تتسبب في تشويه نفسياتهم الغضة وتقف حائلاً في طريق فهمهم وتقدمهم فلا يعود الابن يرى الأشياء بوضوح أو على حقيقتها مما يسبب عدم فهمه لداخله، أما الأمر الثاني فهو الأعراف والتقاليد، لقد وجد سورين أن الأعراف والتقاليد المتعصبة هي واحدة من تلك العقبات التي تُقيد المرء وتفرض عليه تعاليم صارمة مما تُحجر عقله وتحشوه بمفاهيم العار والتحريم وتحول كل شيء عنده إلى قيود للعقاب وتدمير الذات الإنسانية تحت طائلة التخويف والتهديد وغيره، لقد رأى سورين أن الأشخاص ذوي المعتقدات البائدة والتقاليد المتزمتة يعيقون تطوير المرء ووصوله إلى فهم ذاته وذات الآخرين، ولقد أدرك ذلك في وقت مبكر وأعدّ قواعد وأساسيات ضد تلك الأخلاقيات ووقف ضد جميع تلك التنشئات الاجتماعية الخاطئة السائدة آنذاك، أما الأمر الثالث الذي اكتشفه سورين هو التكيّف، لقد كتب سورين يقول أن صعوبات التكيّف وعدم قدرة الشخص على التكيّف هي أيضاً أحد تلك العراقيل التي تؤدي إلى إيقاف العملية لديه، وكذلك حذر سورين من احتياجنا المدمن والمزمن أو الوقوع في أحد تلك العقبات بشكل أبدي.
إن تلك العقبات الثلاثة ومضاعفاتها هي التي تُتلفْ عُدًة وأدوات البحث عن الذات، وهي التي تقوم بتبلد الذات وتدمير حساسيتها الجوّانية وتُخرب المسار الذي يؤدي إلى التناغم المتآلف في داخلنا مما تجعلنا نفقد الإحساس بالوضوح وعدم قدرتنا على الانفتاح أو حب الاستطلاع الذي سيفضي إلى فهم الذات، وبالتالي إذا خسرنا هذا كله سنصبح ضعفاء ونكون في وضع حرج.
في النهاية يرى سورين أن السقوط في أحد تلك العقبات تجعل المرء في حالة انفصال تام عن داخله، تفقده قدرة الانصات إلى ذاته وتضيع فرصة الارتقاء والتطور للوصول إلى الذات، وهكذا يبقى عالقاً يراوح في مكانه لا يمكنه الانتقال إلى مرحلة أخرى مما يشعره ذلك بالاغتراب، ويشعر بالاغتراب مع نفسه ومع الآخرين، وهكذا يصبح غريباً عن نفسه، ومع كل شيء حوله وكل يوم يزداد شعوره بالاغتراب عن ذاته وحياته أكثر وأكثر.
لقد لاحظ سورين شيئاً هاماً ووجد طريقاً يمكن أن يحرر الإنسان من نفسه ليجد ذاته وأطلق عليه أسم "جوهر الداخل" وهو أن على المرء أن يطلق العنان لنفسه ويخرج من تلك الدائرة الضيقة التي وضع نفسه فيها ويتعرف إلى ذاته وأن يترك جميع التعاليم القديمة التي تلقاها من الآخرين ويتحرر من دائرة المعتقدات والنظريات الثابتة والأفكار المتزمتة التي حصل عليها وأن يبعد عن رأسه كل تلك الأعراف والتقاليد التي تربى عليها وأن يتحرر من كل تلك المفاهيم القديمة التي عبؤوا رأسه بها ويتعرف على ذاته هو وأن يطالب ويحث رفاقه في الإنسانية أن يتحرروا هم أيضاً منها وليستوعبوا ويدركوا جيداً بأنهم أناس أحرار.
"-اكتشف ذاتك! واخرج معها في مغامرة طويلة، فتش عنها بجدية وابحث عن حقيقة وجودك!".
لم يستمع إلى سورين وفلسفته إلا القليل من الناس، ومعظم الذين استمعوا إليه لم يفهموا أو يستوعبوا ما كانت تعني أفكاره تلك، وبدلاً عن ذلك بدأ الناس باستجوابه والافتراء عليه وترويعه وإرهابه بكل الوسائل ومنع أفكاره من الانتشار واستمر الآخرون في اضطهاده حتى لحظة مماته عام 1855، لقد توفى سورين كيركيجارد عن عمر يناهز الثانية والأربعين.
-هل يستطيع المرء أن يعثر على حقيقة وجوده بمفرده بشكل شخصي؟ هل يتمكن الإنسان من الوصول بصورة فردية بحتة إلى معنى حياته دون الاستعانة بأحد، أو دون طلب المساعدة من أحد والديه أو هل له أن يسأل مُعلميه أو أحد علماء الدين، الكهنة، أحد القساوسة؟ هل يمكن للمرء أن يطلب المساعدة من أحد هؤلاء الأشخاص الذي ذكرتهم؟
-كلا! مستحيل أن يحصل هذا! لكن سورين لم يستسلم أبداً، وكان مقتنعاً تماماً بأنه على حق وأنه ببساطة تامة مؤمن بأن هناك وسيلة ما لكل فرد بشكل شخصي يمكن له أن يكون هو نفسه، هو ذاته. لقد مضى ما يزيد عن 200 عام على كتابات سورين وكتبه العديدة ومنذ ذلك الزمن إلى يومنا هذا حدثت تغيرات كثيرة في الحياة ولكن هل تعتقد يا سورين أننا مستعدون الآن لنستمع إلى أفكارك؟ هل ترى أننا في سنة 2000 إنسان القرن الحادي والعشرين قد توصلنا إلى ما يكفي لنكون فضوليين ونتعرف إلى منهجك ذاك الذي أتيت به؟ هل نحن مستقلون الآن بما فيه الكفاية، ومستعدون، ولدينا من الاكتفاء الذاتي لنفهم ما جئت به؟ أم أننا سنكون ثائرين أيضاً ونشعر بالاستفزاز من كوننا غير قادرين على تقبل أفكارك وعقليتك تلك؟ ما رأيك؟ هل نحاول؟ هل نجرب؟ هل سنبدأ من البداية تماماً من تلك اللحظة التي كنت قد رأيتها أنت، من المرحلة الأولى وأحاسيس الإنسان ومواجهته ولقائه الأول مع العالم؟
"فكرتي الأساسية هي في وقتنا...
هي أن المرء قد نسي ما معنى
وجوده!."
من كتاب سورين كيركيجارد- لم تنته. "
صفحة 7

المرحلة الأولى

الحسيّة! تلك هي المرحلة الأولى
هنا لديك فلسفة حياة، تعلمك مفهوم: استمتع بالحياة... "
من كتاب" إما أو"سورين كيركيجارد.

الخطوة الأولى!

في مواجهة العالم

مستشفى داندريد تاريخ 10 مايو 1985 الساعة الواحدة وخمس وعشرون دقيقة، ولدت طفلة صغيرة خرجت لتوها من رحم أمها ووضِعتْ بحرص وعناية فائقة على بطن أمها، لحظات ثم بدأت الطفلة تتحرك وتتذمر بعض الشيء فتحت عيناً واحدة لتنظر، ثم بعد ذلك فتحت العين الأخرى، وفي حركة نصف دائرية حاولت الطفلة أن تدور برأسها وتحوله من جهة إلى أخرى لترى ما حولها، ثم بدأت تتململ على نحو أخرق وتقوم بمحاولات حمقاء بالبحث عن شيء ما وقليلاً قليلاً عثرت عليه، إنه صدر أمها، ثم بدأت تمص الحليب وترغرغ.
إن بحث الإنسان وسعيه وراء معنى الحياة بالتأكيد أول شيء يبدأ به، هو"الإحساس" والإحساس آتٍ من حسيّة الجسد، ليس بوسع الإنسان أن يكون موجوداً بدون جسده، والجسد له احتياجاته وبدون تلك الأشياء الواقعية، الملموسة لا يمكن للجسد أن يكون، لا يستطيع أن يكون أو يتدبر أمره هكذا من الفراغ، لا يمكن للجسد أن يحيا ويعيش بدون تلك المادة الملموسة أبداً.
عندما يولد طفل ما في الدنيا فإنه لا يبحث عن حقيقة الحياة فقط، بل هو يبحث أيضاً عن أي شيء ملموس محسوس يحسه وأقرب شيء يلمسه هو صدر الأم، إن صدر الأم يعني الحليب وبالتالي معناه الحياة، الأم والأب معناه الأمان، لعب الأطفال والمكعبات معناه العلم، المعلومات والتعلم.
نظرة إلى الطفل في محاولاته للنهوض من أحضان والديه لمواجهة العالم، إنه يحاول الخروج تدريجياً وببطء شديد يبدأ يلاحظ الأشياء من حوله، تماماً كالرحال المستكشف في رحلته الاستكشافية يبدأ بمراقبة الأشياء محاولاً التعرف عليها وفي كل محاولة يجرب التمييز بينها ليقوم بفهمها واستيعابها:
-إن تلك الأشياء التي يتكرر مرورها من أمامي كل يوم، ماذا يمكن لها أن تكون؟ يتساءل الطفل دون كلمات وعندما ينظر إلى يديه أي اكتشاف مدهش يتوصل إليه وأي شعور رائع بالارتياح والرضا عندما يدرك أن هذه اليد هي يده هو، ثم تأتي بعد ذلك الخطوة التالية ويتساءل:
-لدي يد، كيف يستخدم المرء هذه اليد؟ وذات يوم تتعرض يده عن طريق الصدفة للإمساك بشيء ما دون أن يعرف، أو ربما يضع أحد والديه شيء ما في يده فيدخل هنا في مواجهة شخصية خاصة، فيأتي الفهم:
-آه.. يمكن لليد أن تمسك بالأشياء!. ثم بعد فترة يأتي الاكتشاف المذهل الآخر فيدرك الطفل من نفسه:
-هكذا إذن، أنا أستطيع أن أمسك الأشياء بيدي وأن أتركها أيضاً! ثم يجرب مرة بعد أخرى ويمسك بالأشياء ويتركها لتسقط من يده مراراً وتكراراً، إن هذا هو مجرد معنى الحياة بالنسبة إليه في تلك الفترة.
ما معنى أن يسافر شخص لأول مرة في حياته لزيارة بلد ما على سبيل المثال إلى لاوس أو كازاخستان مقارنة بلحظة خروج الطفل من رحم أمه ويواجه العالم الخارجي لأول مرة، إن لحظة اكتشاف المسافر للبلد أو الأمكنة التي يزورها لأول مرة أو يزور جبالاً بعيدة أو يمر على أنهار جديدة أو وديان نائية، إن اكتشافه ذلك لا يُشكل أي معنى أمام لحظة اكتشاف المولود الخارج حديثاً من رحم أمه ولحظة اكتشافه للعالم، إن لحاف القطن الذي يلف به جسد الطفل يبدأ يتحسس جلده، ملمسه أو عندما يشم رائحة لم يعرفها من قبل أو حين ينصت إلى الأصوات فهو يستمع إلى جميع الأصوات في بداية الأمر وكأنها مختلطة، متداخلة ببعضها لا يمكنه التمييز بينها ولا يعرف كيف يميز بين صوت أبيه وصوت أمه، لكنه بعد فترة يستطيع التمييز بين الأصوات ويبدأ بتمييز صوت أمه عن صوت أبيه، أصوات أشقائه عن أصوات العصافير، صوت المذياع عن صوت محرك المركبة، وهكذا يستمر طوال الوقت في حالة اكتشاف دائم للعالم، إن تلك الأحاسيس الفريدة والإثارة الحسيّة التي تواجه الطفل بدءاً من ملمس القطن إلى الروائح التي يشمها إلى استماعه للأصوات، كل تلك الاكتشافات والأشياء الجديدة التي تسترعي ان تباهه وتسحبه انتباهه وتسحبه من عالمه المرتبط بأمه إلى داخل نفسه وتجره إلى عالم "الأنا" الخاصة به، وعندما يصبح الطفل مع نفسه أمام هذه الأشياء الموجودة خارج نفسه يشعر بالافتتان ويبتهج لها وبهذا يتحول بعد أن كان طفلاً وماما- فقط والعالم الخارجي ممثلاً بالاكتشافات الخارجية إلى أم وطفل و – أنا والعالم-.
إذا بدأ شخص ما بالبحث عن معنى حياته، حسبما يرى سورين فينبغي عليه أن يبدأ من هناك من المرحلة التي بلغها، أي ليبدأ من احتياجاته، ما الذي يحتاج إليه في هذه اللحظة، وحتى في أعمق لحظات بحثه، لم ينكر سورين الأساليب الأخرى الهامة التي تشكل أساس بحثه وهي الاحتياجات، وقد أكد سورين أن اكتفاء الإنسان وسد احتياجاته هي التي تجعله يشعر بالرضا والطمأنينة، إن إشباع احتياج الإنسان يجعله سعيداً في حياته، فالإنسان يأخذ متعته من الأشياء التي يحتاجها، ويؤكد كيركيجارد-ليس البحث عن المعنى من الحياة هو ضروري وهام فحسب- أن ما يحتاجه.. المرء ضروري وهام أيضاً، أينما وُجدت احتياجاته يكون موجوداً هناك، والذي يستمتع به، أينما تكون هذه الحاجة يكون موجوداً هناك، أي بمعنى أن ما أستمتع به أنا قد لا يجد غيري متعة فيه، الشيء الذي أحتاجه أنا قد لا يحتاج إليه غيري، كل شخص يوجد حيث احتياجاته، فالذي يعيش في قصر ولديه كل شيء يختلف عن ذلك الشخص الذي لا يملك شيئاً وبالتالي فاحتياجات صاحب القصر لا تشبه احتياجات ذلك الشخص الفقير، كل شخص واحتياجاته ومكانها، أينما تكون يكون هو، أين ما يكون هو تكون هي.
صفحة 8

المادة، الجسد

"الجسد مادة لا حدود لها"
إن المادة هي أساس وجود الإنسان! لقد رأى سورين كيركيجارد أن أهمية المادة-الجسد- لا تقل أهمية عن الأشياء الأخرى في الحياة بل إنها على نفس القدر من أهمية أشياء العالم الأخرى كالسياسة، العلم، الدين والثقافة وغيرها، إن المادة هي أساس وجودنا لقد بُني الإنسان في الأساس من المادة وكنا نسمي أمهاتنا التربة التي خلقنا منها، لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل أننا قد تشكلنا في أجسادهن من الخلية والسائل وكل جزيء بُني في جسدنا هو مادة، بدون تلك المادة لا وجود للجسد أصلاً، بدون الجسد ليس هناك دماغ نفكر به ولا مشاعر وأحاسيس نفرح أو نحزن بها، بدون ذلك الجسد بدون تلك المادة الملموسة لا وجود لنا من الأساس! يقول سورين.-أنا أعلم أنك فعلت هذا، يا سورين! أعرف أنك لم تكن من ذلك النوع، الفيلسوف الروحاني الذي يعتقد أن الزهد من شأنه أن يجعل منك موجوداً أو أنك تحرم نفسك وتمتنع عن احتياجات كثيرة كي تجعل من نفسك أكثر مصداقية لتفهم معنى وجودك، لا لست من هؤلاء.
–اسمعوا! أنا لم أتناول وجبات طعام رئيسية منذ ست سنوات ولم أذق طعم النوم لعدة شهور!.
لا! هذا ما لا يعتقد به سورين. عندما كان سورين يقضي صباحاته يفكر في جوهر الإله كان يطمح بسعادة أن يقدم له وجبات طعام لذيذة:
-لماذا لا أفكر بالغداء وأشبع بطني أتمنى أن آكل الآن شريحة لحم من الإوز البري، أو صدر دجاج مشوي مع السبانخ، وقطع خبز وفاصولياء! ويجلس يتخيل ويحلم:
-ماذا لو يقدم لي حمام مُحمر مع سمك السلمون مع جعة كبيرة وكأس نبيذ وفنجان من القهوة وكل هذه الخدمات توصلها لي السيدة أندرسن عند الباب!.
بعد أن يتناول سورين غداءه يتمشى قليلاً، ويتمتع بالنظر إلى الناس والطبيعة والأشياء وربما في طريق عودته إلى البيت يمر على أحد المحلات وقد يشتري ستارة جميلة ليضعها في صالته ثم بعد ذلك يتضح بأنه اشترى شيئاً لم يكن بحاجة إليه.
في عالم سورين، لا تختلف المادة العقلية الفكرية عن الروحية أي أن المادة الملموسة لا تختلف عن الروحي المحسوس إنهما يسيران معاً في تناغم متحد لا انفصال بينهما أبداً فالمادي والروحي يتقاسمان الجزء من الكل وهما جزء في سلسلة من دائرة داخل دائرة لا ينفصلان عن بعضهما وكل دائرة تحتضن الدائرة الأخرى، في داخل الدائرة الأولى هناك المادة وهي ذلك الجزء الواقعي الملموس للإحساس وخارج تلك الدائرة قليلاً هناك الدائرة الأكبر وهي الجوّانية وهي التي تغلق على الدائرة الأولى وتمسك بها وتحضنها هنا نجد عقلية البشر ونوعياتهم وقدراتهم الفكرية والذهنية، وما مدى اختلاف الوعي وقدراته من شخص لآخر، ونجد مدى قوة الفعل وإرادة الفعل لدى البشر ونعرف الأشخاص مسلوبي الإرادة من الأشخاص ذوي العزيمة والإصرار القوي، نرى مقدرة أشخاص على فهم الآخرين وأشخاصاً عاجزين لعدم قدرتهم على تحليل أي شيء، نجد هنا قوة الطاقة لدى الإنسان وقدرته على الفعل، النفاذ، أو التأثير، أو التخيل والقدرة على الإبداع، ذلك الإبداع العميق الصادق الذي لخصه سورين كيركيجارد بكلمة واحدة وأطلق عليها "الجوّانية" وهكذا وخارج حدود الدائرتين، الدائرة المادية والدائرة الجوّانية هناك الدائرة الثالثة وهي الدائرة الكبيرة التي لا حدود لها تلك هي الدائرة الأخيرة التي تجاوزت كل حدود المظاهر الخارجية والجوّانية والتي لا يستطيع أحد منا أن يدرك أو يمكنه أن يستوعب مدى أبعادها الأبدية، الروحانية والتي رأى سورين أنها الدائرة اللانهائية التي ليس لها بداية ولا نهاية وقد فهم أبعادها وأطلق عليها بالدائرة الروحية الأبدية أو الكاملة.
المادي/ الحسي، الجوّاني، الروحاني، ثلاث مراحل في تطور الإنسان، ثلاثة أبعاد من الواقع نفسه، وجهات نظر ذات أبعاد مختلفة من الحياة إلا أنها في النهاية هي نفسها.
- ولكن ما هو الأفضل؟ إلى أين نحن ماضون يا سورين؟ إلى أين ينبغي علينا أن نتوجه؟ أين يجب أن نكون لنحقق ذلك؟
- لا أعرف! يجيب سورين، ويُدير رأسه ليكمل طريقه وهو يسير في إحدى ساعات تنزهه اليومي حول مدينة كوبنهايكن.
- لكن لحظة، من فضلك انتظر قليلاً! ألا تعتقد أن هذه المراحل الثلاث تشكل تسلسلاً هرمياً؟ في بداية الأمر يبدأ الإنسان بالإحساس المادي ثم بعد ذلك يأخذ خطوة إلى الأمام ويصل إلى الجوّانية ثم من المحتمل أن يستمر بالسير إلى أبعد من ذلك ليصل إلى الروحانية، هل هذا كاف؟ أقصد هل هذا أقصى ما يستطيع أن يصل إليه المرء؟ سورين يهز رأسه بنعم.
- هل كتبت إلينا يا سورين؟ هل كتبت إلى إنسان اليوم، نحن في سنة2000 ، ألم تكتب بأننا نحن البشر لا نزال إلى الآن لم نتعد حدود تلك التربية التعسفية؟
- هل تطلب مني أن أجلس وأقرر وأضع نفسي حاكماً على حياتك؟ هل ترغب في أن أكون دكتاتورياً سلطوياً وأكون قاضياً على حياتك؟ هل تريد أن أكون أكثر تسلطاً وأبيعك مختلف تقنيات السعادة وأصبح من هؤلاء الذين يبيعون تقنيات وأساليب السعادة لتصبح أنت سعيد في حياتك؟ ومجرد أن أقول لك أعمل كذا وكذا فقط وأنت تفعل، وهكذا تسير حياتك ويسير كل شيء لديك على ما يرام؟لا! هل تريد أن تجد معنى الحياة؟ إذن ينبغي أن تفعل ذلك بنفسك، ينبغي أن يأتي ذلك بناء على تقييمك الخاص، ينبع من شرطك الخاص الذي تفرضه مشاعرك واحتياجاتك أنت، أن تجد معنى الحياة يأتي ذلك بناء على تقييمك أنت للحياة ينبغي أن ينبع من مشاعرك أنت،من احتياجاتك أنت، أن تجد معنى الحياة هو عليك أن تسأل نفسك:
ما الذي أراه مهماً أو غير مهم لحياتي أنا؟ ما هو الوجود الصحيح الذي يخص علاقتي أنا مع نفسي؟ ما هي هذه المرحلة التي تكون مرتاحاً وراضياً معها، وتشعر بأن هناك إحساس ما بالعدالة داخل نفسك، إحساس بالإنصاف وتشعر بأنك صحيح من الداخل وعلى صواب دائماً.
بطريقة أو بأخرى، سورين يعني ويقول مراراً وتكراراً ويُشير في مؤلفاته إلى أنه لا يريد أن يكون معلماً لأحد وأنه لا يريد أن يكون له تلاميذ أو أن يصبح أي شخص تابعاً من أتباعه، إن هدفه الوحيد هو حمل الناس على التفكير لوحدهم بأنفسهم لإيجاد طريقهم الصحيح الخاص بهم، فيقول كيركيجارد: إن طريقي ليس هو الطريق الوحيد، إنه طريق صحيح بالنسبة لي أنا وهناك طرق خاصة بك أنت وحدك وعليك أن تجدها بنفسك!.
من ناحية أخرى أخذ سورين يُحبك شركاً، مصيدة فلسفية ليوقع بها البشر كي يجعلهم يفكرون لوحدهم بأنفسهم وهكذا وبعيداً عن كل معتقدات ومفاهيم الآخرين الجاهزة حول الحق والباطل وحول الخير والشر، الصح والخطأ، يأخذ سورين الشخص حتى يوصله إلى منطقة يحصل بها على ما يريده هو نفسه، وهكذا يبدأ المرء باتخاذ خطواته الأولى تلقائياً من تلك الواقعية الحسية الملموسة التي كان قد عكس بها رد فعله الداخلي فينتقل من مرحلة كان فيها إلى ما سيصبح عليه، وهناك يكون قد اتخذ خطوة واقترب في تفكيره من معنى الحياة، هذا ما يعتقده سورين. لكن سورين لا يرغب في أن تفعل ذلك بناءاً على أوامر منه أو أن تنفذ ذلك لمجرد إعجابك بما قاله ذلك المفكر القديم، لا، بل إنه يرغب في أن يتطور المرء ويصل لهذا الفهم بمفرده، من نفسه هو، أن يختار ذلك وفقاً لخياره الحر الخاص والنابع من إرادته الحرة وحده. ولكن حتى لو أن سورين ادعى بأن تلك المراحل الثلاث هي طرق موضوعية إلا أنه لا يرى أن هناك مرحلة هي أفضل من الأخرى، لذا ينبغي على المرء أن يكتشفها بالترتيب الصحيح، وينبغي عليه على أية حال أن يُسيطر على ذلك العالم الحسي ذي القيم الحسية كي يمضي قدماً ليصل إلى الجوّانية، ثم بعد ذلك ينبغي عليه أن يُنمي الجوّانية كي تصبح لديه المقدرة ليبحث عن الروحانية.
"بيت الأنا" لها ثلاث طوابق! يكتب سورين كيركيجارد، الطابق السفلي هو "القبو" والطابق الثاني هو المنزل وصالة المعيشة وغيره والطابق الأخير هو السطح، إن هدف أي إنسان قبل السكن في المنزل،هو استعراض ذلك المنزل ثم يختار السكن في ذلك الطابق الواسع المريح الذي سيقدم له الخدمات الجيدة والذي سيحصل فيه على الراحة الكافية ولكن تبقى لديه طوابق أخرى في متناول يده، لكنه لا يشغلها، إلا أنه يتفحصها جميعها جيداً ذلك لأنه على المدى البعيد ربما يستغلها ذات يوم، بالطبع إنه بيته والطوابق التي لا يشغلها هي تابعة له لكنها تقف هناك فارغة لا يستعملها لكنه يفحصها جيداً ويبدأ بتفحص القبو بدقة وعناية فائقة لدرجة أنه لن يمضي حياته وهو يتساءل ماذا يختبئ في ذلك الطابق التحتاني؟
ويعتقد سورين أن كل مرحلة جديدة تمر بها وتتوغل في داخلها وتتعمق في أعماقها أكثر سوف تتقدم وتتركها وراءك، إنسان داخلي، هو حسّي بطريقة داخلية، إنسان روحاني لديه المُتع الحسّية والجوّانية ذات الأبعاد الروحانية، أين ما تكن كن إن ذلك أمر جيد، لكن واصل البحث عن ذاتك ولن تخسر.
صفحة 9
دعونا الآن نستريح من الفلسفة ونعود إلى الأمور الواقعية الملموسة لنعد إلى تلك الطفلة الصغيرة، الآن بدأت تتحرك لقد مرت سنة واحدة على حياتها وقضت مدة مناسبة في اللمس والسمع والتذوق وتناولت أنواع الطعام، قضمت، شَربت لمست تحسست الأشياء، بدأت تداعب العالم من حولها،،عانقت حضنت،شدت الشعر، ألقت نظرها على الأشياء، والآن بدأت تتكلم، لفت نظرها الضوء المعلق في السقف وأول كلمة نطقت بها هي:
- دو!
اي ضوء، ثم بعد ذلك تقول:
- أنـــــاك!
أي هناك-نعم،هناك ضوء معلق.
ثم بعد عدة شهور تبدأ تُشير إلى الضوء وهي الآن أصبحت على دراية منه فتقول:
- إنه لي!
هكذا قالت الطفلة، إنه لي! إنها تعتبر الضوء أحد ممتلكاتها.
إن الكبار لا يُقيمون اعتباراً لعلاقة الأطفال بالأشياء، إنهم يعتبرونها أموراً بسيطة ويقللون من أهميتها، هذا ما قاله المعلم البولندي جانوز كورزاك.
كما أكد كورزاك أن الكبار يسمون ملكيات الأطفال ألعاب أي أن كل الأشياء التي يسهل على الطفل امتلاكها هي للعب معها وذلك مقارنة بالأشياء المهمة في الحياة، أي على العكس من الأشياء الأساسية التي قد تُشكل خطورة على حياة الطفل، كأدوات المطبخ، الكومبيوتر، الأثاث، الكهربائيات وجميع الأشياء الخطرة، لكن بالنسبة للأطفال ليس الأمر هكذا، أن كل شيء حوله بصرف النظر سواء أكان لعبة أم لا، سواء أكان دباً أم سكيناً أو شوكة طعام، طباخاً أم ضوءاً، كل تلك الأشياء والأدوات يستعملها الطفل كي يفهم نفسه فبمساعدة تلك الأشياء تتشكل ويتكون ذاته، أنه يتفحص بيته من الأساس، يبدأ تحققه من داخله، يتعلم الاختلاف ويقارن، بينما يوجد داخل نفسه وذلك الموجود خارجها.
عندما ينظر الطفل إلى الماء في حوض الاستحمام، يجد الطفل نفسه هناك بين قطرات الماء العديدة يأتيه الطفل إحساس قليل بالواقع، ينتابه هاجس آخر غير الحقيقة الكبيرة المتجسدة في مفهوم الأنا، فيشعر بذاته، أن ذلك الذي من حولي هو جزء مني أنا. هذا ما قصده كورزاك.
ولكن هل الأطفال الصغار هم فقط من يتواجدون هناك ويجدون حقيقتهم؟ وهل هذه هي الخطوة الأولى في طريق سورين؟
- أوه، كلا! نحن جميعاً متواجدون هناك،وبعض منا تقريباً متواجد دائماً، وأغلب البشر يجدون أنفسهم للحظات قليلاً وأحياناً لا يجدونها، ربما تجد نفسك في محل للأثاث عندما تضع يدك على قطعة قماش كنبة ما، تشعر بأنها قطعة أثاث غير عادي لا تستطيع أن تمسك نفسك عن لمسها ولا تقدر أن تكف عن تمسيد ذلك القماش ذي الملمس الناعم الجميل، أنت هناك عندما تقوم بتصليح سيارتك،عندما تستمتع في حفظ الأكواب النادرة الجميلة، أنت هناك عندما تشعر بالواقع، عندما تستيقظ ذات صباح مشرق، تخرج من خيمة على الجبل وتشم رائحة الأشجار والزهور، عندما تكون على البحر وتشم رائحة الطحلب وأعشاب البحر ومن بعيد هناك في الخلف ترى بقايا الثلج على قمم الجبال، كان سورين في ذلك الإحساس عندما كان جالساً في حديقة الجادة في شارع فريدريك سبيرغ وهو يشرب القهوة ويدخن السيكار وينظر بحذر إلى الناس، ويراقب هؤلاء البشر الريانين، ممتلئي الأجساد، ينظر إلى هؤلاء ذوي البشرة الجميلة، يتحرى عن هؤلاء الناس المبتهجين، المرحين، وأولئك السعيدين، النشيطين، وهؤلاء الثرثارين الذين يتكلمون لغات عديدة، كان ينظر سورين إلى حليقي الرأس وذوي الأشكال الغريبة لقد وجد سورين نفسه هناك عند مراقبته للبشر وهو ينظر ويراقب النساء العاملات اللاتي يعملن هناك.
إن الكثير من المهن تتطلب حسية وجدية عالية، هناك مهن تحتاج إلى وجود علاقة واضحة لها مع الطبيعة والأشياء، هناك الباحث الذي يبحث ويتفحص في الوثائق والحقائق، المهندس المعماري يحتاج إلى تحقيق دقيق بتفاصيل عمله، البستاني يتطلب عمله الإحساس بالأرض والتربة وما تحتاج إليه وما ينفعها وما يضرها، وكذلك صاحب المتجر وموظف البنك الذي يتطلب عمله أقصى الجدية كي يدير الأوراق المالية هكذا كل الذين يعملون تتطلب علاقتهم بأعمالهم علاقة حسية عالية كي يستطيعوا أن يُديروا عمالهم.
لكن هذه العلاقة الحسية هي ليست للأشياء فقط، بل هي مطلوبة لكل أشكال العلاقات الموجودة خارج إطار نفسك كالعلاقة مع الآخرين، العلاقة مع الحيوانات، الأمكنة، النظريات، كل تلك العلاقات هي جزء من الترابط الحسي الذي يربطك معها، أن تقدم خدمات، أن تعتني بشيء ما، بشخص ما، أن تُحب، أن تتفحص وتضع المسافة التي بيني وبينك، هذا أيضاً شكل من أشكال الحسية، عندما أكبر وأتغير، كيف سأصبح شخصاً آخر؟ في أي سن ينبغي على المرء أن يتوقف ولا يضطر إلى القفز في حضن والديه، أو يكف عن سحب شعر والدته؟ كم المسافة التي أقترب بها من إنسان آخر؟ متى أقترب ومتى أبتعد؟ أين أجد الحدود التي أتحرك بها؟
عندما كنت جالساً على مصطبة في الهند لأستريح للحظات بالقرب من بئر فيشيناي جلست إمرأة مسنة مجهولة كبيرة السن بالقرب مني كانت أسنانها متساقطة، وكانت ترتدي سارياً من القطن لونه أخضر ومن دون أن تسأل ولا حتى محاولة إلقاء نظرة تفحص، أمسكت بيدي وأخذت يدي وبثبات وضعتها عند خدها لحظات ثم وضعتها في حضنها لتستريح وهكذا جلسنا صامتين وأنا وأنا لا أعرف ماذا تنتظر مني أن أفعله الآن أحسست بأن هناك خلط في ذهني وأصبحتُ مشوشاً لا أعرف ماذا أفعل؟
إن أي عمل جديد تقوم به أو أي غرفة تدخلها مليئة بأشخاص مجهولين لا تعرفهم تلقي أولاً نظرة تفحص، تكون أنت مثل ذلك المستكشف البريطاني دافيد ليفينجستونا الذي سار وراء نهر الكونغو متتبعاً طريقه حتى وصل إلى منبعه الأول إلى شلالات فيكتوريا، تبدأ بملاحظة الأشياء الجديدة كالمستكشف تسجل، تكتشف تلك القارات البعيدة غير المكتشفة من قبل أفراد آخرين، تراقب، تختبر نفسك، تجرب ذلك الجزء الجديد الذي لم تجربه من قبل، تتعرف إلى أشخاص جدد، تبحث أو تسعى لمعرفة معلومة جديدة بطريقة طفل عمره خمس سنوات، تكون حسية أيضاً، ما هذا؟ ما اسمه؟ لماذا يفعلون هكذا؟ كيف يعمل ذلك؟ حتى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم روحانيون، كانوا في الأساس حسيّون، يقول سورين، أو هذا ما كان يعنيه سورين.
أن يكون المرء مهتماً بالشكل، العادات، التقاليد، الطقوس، القوانين، الملابس وغيرها من المظاهر الخارجية– أكثر مما يكون مهتماً بالداخل، أكثر من أن يتفحص رؤيته الخاصة لتلك الأبدية، إنها طريقة حسيّة للتدين، أن يبحث المرء عن ذاته، أن يدقق في نفسه أن يكون على اتصال مباشر مع العالم، إنه لقاء مباشر مفعم بالفضول والاستمتاع باللحظة الحاضرة، ذلك ما خرج به سورين في البحث عن ذاته، إنه لا يُقيّم ولا يضيف أي قيمة كبيرة إلى مفاهيم ما، ولا ينتقص من قيمة الحسيّة ولا يُدينها ولا ينتقدها ولا يعطي أحكاماً على أي شيء منها، أن تكون قادراً على أن تُدهش أو تفرح، أن تبتهج إلى ما هو خارج نفسك فإن هذه هي واحدة من مكافآت الحياة، في اللحظة التي يلتقي فيها المرء وتجتمع الحسية مع البيئة المحيطة به، يكون هو والعالم فقط، ليس ما قبلاً قبل ولا بعد، ليس هناك سبب لذلك ولا تفكير ولا وساوس أو تأملات مثقلة عن الذات ومطالبها، ماذا حدث وماذا سيحدث، هكذا تعيش كما كتب سورين في تلك الحالة المباشرة والفورية فقط.
"إن أغلب البشر يركضون وراء
المتعة بشكل أعمى لدرجة أنهم يمرون
من قربها ولا يلحقون الإحساس والتمتع بها!.
إما أو"
صفحة 10

الخطوةالثانية !

أن تجمع الأشياء

كنا على متن السفينة بعد أن عبرنا الحدود، رسونا على رصيف الميناء على منفذ نستطيع الخروج منه بسهولة إلى الحديقة العامة، عند منطقة الأرخبيلات الساخنة والصخور العارية، كان في السفينة ثلاث أسرة وملحقاتها ستكون لنا منزلاً، وفي الوقت نفسه هي طريقة لتنقلاتنا بين البلدان في الأسابيع الصيفية المقبلة، تلك هي المرة الأولى التي نسافر بها على متن السفينة، سنوات ونحن نفكر بالسفر لكننا لم نفعل، سنة، سنتان وثلاث وأربع سنوات والسفينة واقفة هناك عند الشاطئ دون حراك، ببساطة شديدة كنا لا نطيق العمل والسفر على متنها.
عندما يتقدم الإنسان ويتطور إحساسه من "انظر إلى هناك" إلى "هذا لي أنا" كما في مثال الطفلة الصغيرة، معنى ذلك أنه في الخطوة الثانية من طريقه إلى المرحلة الحسية، يبدأ بجمع الأشياء وبدلاً من أن يقول: " انظر إلى ذلك الذي هناك" يتطور الإحساس إلى "هذا خاصتي، إنه لي أنا"، إن العالم الخارجي، الطبيعة، الأشياء والبشر، كل هؤلاء لم يعودوا موجودين للاكتشاف فقط، وإنما هم أشياء موجودة يستطيع أن يستعملها بنفسه، أولاً وقبل كل شيء يمتلك تلك الأشياء من أجل البقاء حياً، ثم بعد ذلك تتحول إلى شيء موجود من أجله، ليمتلكها هو لنفسه، إن الأطفال الصغار يتعلمون سريعاً كيف ينظرون ويُقيّمون الأشياء التي لديهم ليحصلوا على أشياء أخرى أيضاً، يعطيهم الامتلاك قوة واهتماماً كبيرين وأحياناً أشياء أخرى، على سبيل المثال طفل يحصل على أصدقاء أكثر وذلك لأنه الوحيد الذي يملك رفشاً، مِسحاة عند حفرة الرمل، أو أنه الوحيد الذي يملك لعبة جديدة حاسوب أو غيره يتجمع حوله مجموعة كبيرة من الصغار لينظروا ما هذه اللعبة، أو ربما اشترى علبة حلوى كبيرة في وقت الاستراحة وفجأة يتحسن سلوك أصدقائه المنافقين معه ويصبحوا أكثر قرباً وتمسكاً به، وذلك ليحصلوا على بعض الحلوى منه، تملك منزلاً جميلاً، لديك سيارات فاخرة، ملابس، قوارب، حصة في شركة ما، شيكات وغيرها من الأشياء المادية وبمساعدة تلك الأمور والأشياء المحيطة بك يقوى شخصك، إن الأشياء مرتبطة مع الأشخاص، الفاعل والمفعول به، المستند والمسند إليه، أنت تكبر وتأخذ مكاناً أكبر في الحياة، تصبح أغنى والحياة تعطيك فرصة أخرى لإمكانيات ومعانٍ جديدة لها، لقد كان سورين نفسه، يحب الأشياء وكان ولعه المادي الكبير هو الكتب، وقد كان التلميذ سورين يذهب إلى سوق الكتب في شارع ريتزلس رقم 280 في كوبنهايكن ثلاث مرات بالأسبوع هناك حيث محل لبيع الكتب "مكتبة" كان يتأمل ويقتني الكتب وأحياناً يشتري كتاباً واحداً وعندما تكون محفظته مليئة بالنقود يشتري ما يريد وأحياناً عندما تكون محفظته فارغة كما حدث في 10 فبراير 1836 وقع في حب أعمال غوته الأدبية الكاملة واشترى 55 كتاباً وليس لديه أية نقود بعث بجرأة تامة الفاتورة إلى أبيه ليدفعها له، لقد كان سورين يشتري الكتب في انتظام كامل كان يذهب إلى محل بيع الكتب ثلاث مرات في الأسبوع أي 52 أسبوعاً في السنة وفي كل زيارة كان يشتري كتابين معنى ذلك أنه يشتري ما يعادل 300 كتاباً سنوياً وقد كانت قيمة الكتاب الواحد 200 كرون دنماركي، وإذا حسبنا قيمة الكتاب في حساب اليوم يصبح ما يعادل 60000 كرون في السنة الواحدة وحتى لو كان سعر الكتاب أرخص من هذا في ذاك الوقت لكأن تتخيل رد فعل الأب ميشيل بدرسن عندما كان يتلقى الفواتير وتتدفق عليه ديون مكتوب عليها اسم ولده سورين، أوراق مسطر عليها سطر وراء سطر ملاحظات مكتوب فيها كم تبلغ مشتريات ولده، وحتى لو كان ذلك الشاب يعشق الكتب ومولع بالقراءة والكتابة يعترف في دفتر يومياته بأنه قد اشترى بعض الكتب لا لشيء وإنما لمجرد اقتنائها:
".... لا عجب في أن أقول لكم بأن هناك العديد من الكتب التي اشتريتها لم أقرأها ووضعتها في البيت فقط والبعض الآخر اشتريته بسبب تأثري بعنوانه الرائع الممتاز" ولقد كتب سورين في 7 فبراير 1839 :
"لقد أغرمت إلى حد بعيد بهذا الكتاب ولقد شغل فكري عنوانه الرائع ولكنني لم أقرأه، لقد أحببت عنوانه فقط إنه للكاتب أنتون غونتر اسمه "فلسفة موت جوست!"
عندما ينشغل المرء بكتاب ما ولا يقرأه من بين الأشياء التي يعملها يقوم بتجليده مرة أخرى فيغلفه بقطعة جلد أو قطعة قماش لماع وغيره.
عندما توفى والد سورين ورث سورين وأخيه ثروة كبيرة وبيت من الحجر في محطة كوبنهايكن لقد باع الأخوين البناية وبدأ سورين بالإنفاق الكثير وبدد أموالاً كثيرة، اشترى سورين شقة كبيرة وسكنها لفترة محددة ثم عاش في شقة ذات خمس غرف وبدأ بتأثيثها وتجهيزها بأثاث منزل جميل، اشترى ستائر للشبابيك من نسيج الحرير، جمع الكثير من أكواب القهوة ذات النقوش النادرة وأصبحت لديه خزانة كاملة مليئة بالأكواب المُميزة، طلب من النجار أن يصنع له خزانة جديدة للملابس وطلب من الخياط أن يخيط له ملابس جديدة فخاط له الكثير من الملابس، صنع لنفسه أحذية جديدة لدى صانع الأحذية، وظف بعض المستخدمين لخدمته أخذ يتناول ألذ الأطعمة والمأكولات، اشترى صناديق كاملة من السيكار من محلات الأم-سيدخن أجود أنواع السيكار، استأجر العربات عند ذهابه إلى المقاهي والمسارح:
-كنت أنفق كثيراً، أعترف بذلك الذنب لقد بددتُ أموالي كلها!. يكتب سورين في دفتر يومياته، وعندما مات عام 1855 عن عمر يناهز 42 عاماً لم يملك ولا كروناً واحداً في جيبه وقد ترك مجموعة أثاث فقط، كتب، 30 قنينة نبيذ و599 ريكسدالر وهي "عملة سويدية قديمة".
نحن البشر لا نجمع الأشياء فقط وإنما قد يكون لدينا التوق أيضاً للدراسة، للعلم والمعرفة أو قد نتحرق شوقاً للسفر والترحال أو لكسب خبرات جيدة، إن كل ما يوجد هناك خارج أنفسنا، والذي نختاره نحن نرغب أن نغني أنفسنا به فنحن نريد كل شيء يجعلنا نشعر بحال أفضل، بوضع أهم، أكثر أماناً، أي كل شيء يمكن أن يتلخص بكلمة "أفضل وأكثر".
لقد كتب سورين عن (دون جوان وعشيقاته الألف وثلاثة عشيقة) وعن القيصر الروماني (نيرون) الذي كانت لديه قوة كبيرة وسلطة عالية لكنه يرغب في الحصول على المزيد أكثر وأكثر، وعن ذلك الشاب (فاوست) الذي يبيع روحه للشيطان كي يحصل على المعرفة أكثر وأكثر، ماذا لو كان سورين يعيش يومنا هذا ماذا ستكون تعليقاته عن عمليات التجميل ( لمايكل جاكسون) الغير معقولة أو ماذا سيكتب عن اندفاعات المجتمع الهائجة حول البضائع الاستهلاكية وشرائهم للمواد بكميات هائلة؟ كون المرء يريد أشياء أو أنه يرغب في امتلاكها ليست مشكلة، يقول سورين، إنها مجرد أشياء، ممارسات، أفعال يومية مميزة بالنسبة له يستطيع أن يفعلها لكن المشكلة أن المرء مهما امتلك ومهما فعل لا يكتفي، إن أول كتاب اشتريته كان شيئاً رائعاً وكذلك الكتاب الثاني والثالث، لكن عندما يكون المرء مثل سورين ويملك 2748 كتاباً ولا يزال يرغب بالمزيد تبدأ هنا الأنا تفقد السيطرة على نفسها وبدل من أن تبني ذاتها تفتح هوة كبيرة لها يصعب غلقها أو ردمها، كتاب بعد آخر تتسع الهوة أكثر وأكثر، كتاب واحد لم تعد تكتفي به ولا يعطيك شعوراً بالرضا أو الشبع، يبدأ المرء يراهن فيوظف كل طاقته ليركز على عمله يضع كل قوته وطاقته على عمل ما وبشكل دائم وأبدي يعمل وكأن عصا واقفة فوق رأسه تحثه على ذلك، لا يرغب في التوقف أبداً، إن ذلك الذي يحصل عليه المرء أو يحققه ويصل إليه لا يقتنع به ويرغب بالمزيد أكثر، كل ما حصل على شيء صعد إلى خطوة بعدها ويرغب بالمزيد، أنت تركز اهتمامك وتغامر بكل طاقتك لترى جميع الأفلام السينمائية الجديدة ثم تلتقي بشخص ما يكون قد رأى أفلاماً أكثر منك بكثير.
إذا ركزت على الجمال يقول سورين يمكن أن تكون متأكداً بأنك ستخسره وذلك لأن الجمال هكذا واسع وهَش وحساس وسريع الانكسار.