eKtab
EN ع
أنثاه
اقرأ عينة مجانية

أنثاه

بقلم فاطمة فهد العواد

صفحة 1

بكامل وقفة..

لا تجالس أنصاف العشاق ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة، لا تمت نصف موت، ولا تختبر نصف حل، لا تقف في منتصف الحقيقة، ولا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل، إذا صمتَّ، فاصمت حتى النهاية.. وإذا تكلمت، فتكلم حتى النهاية.. لا تصمت كي تتكلم ولا تتكلم كي تصمت.. إذا رضيت فعبّر عن رضاك، لا تصطنع نصف رضا، وإذا رفضت فعبّر عن رفضك؛ لأن نصف الرفض قبول.
النصف.. هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها..
النصف.. هو ما يجعلك غريباً، كن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك..
النصف.. هو أن تصل وأن لا تصل، أن تعمل وأن لا تعمل، أن تغيب وأن تحضر..
النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت.. لأنك لم تعرف من أنت..
النصف هو أن لا تعرف من أنت، ومن تحب ليس نصفك الآخر، هو أنت في مكان آخر في الوقت نفسه..
نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك، نصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة..
النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز؛ لأنك لست نصف إنسان.. أنت إنسان..وجدت كي تعيش الحياة.. وليس كي تعيش نصف حياة.
النصف: لجبران خليل جبران

المقدمة

مفترق طرق،
حينما نتأمل الطرق ونعتمي درباً سلكناه، فسواء كنا فيه نوراً يضاهي شدة ظلام أو بعض رماد لفتات احتراق، فإننا نحتاج دوماً إلى وضوح صورة أن نكون أو لا نكون؛ فالتمسك بأوسط الصور قد لا يسمن ولا يغني من جوع، إما بداية وإما نهاية!
من خيال واقع..
كانت بيلسان تكتب إلى الكثير والكثير من فياض..
وله تهمس بسر كل تلك الحكاية :
لتعلم يا حبيب أن أصعب ما مضيت به في هذه السطور هو «أنت».
كان ثقيلاً عليّ وجداً، أن أصوغ حُباً لغيرك وإن كان خيالاً، لذا ألزمني الجنون بك بين حين وآخر، فجعلت منك باب أمل لأن أحبه ولو قليلاً، يشبهك رجل روايتي وإن اختلف تماماً عنك..
خذ نفساً عميقاً وابدأ الركض ما بين أسوار كلماتي...
إقرأ بصمت، فلعلك تدرك كيف لك أن تتغلغل في أعماقي، وتطبع صورك في كل زاوية تحتّم على حياتي الوقوف عندها..
إقرأ هذه المرة، وكأنك لا تعرفني...
بيلسان..
8:30 مساءً
15-1-1431هـ
1-1-2010 م
صفحة 2

(1).. ورقة صفراء!

ومن بعد جفاء سنين قاسيتها بعده أصبحت في يوم أزفر ألذ ذكرياتي، انتشيت بكل ماضٍ يسكن أعماقي، غنيت لفيروز بصوت نحيب كما لو أنني أشرع بنسف كل أوجاعي على طرقات كسوتها ثوب سواد!
سمعتني كما لو كنت صدى يعم أرجاء عالم بأسره لا يضم إلّا أنا، سمعتني أغني بلا شعور أهدهد قلبي على وجع ألم به.
أهواك بلا أمل وعيونك تَبْسُم لي
وورودك تغريني بشهيِّ القُبل
أهواك ولي قلب بغرامك يلتهب
تدنيه فيقترب تقصيه فيغترب
في الظلمة يكتئب ويهدهده التعب
فيذوب وينسكب كالدمع في المقل
في السهرة أنتظر ويطول بي السهر
فيسائلني القمر يا حلوة ما الخبر
فأجيبه والقلب قد تيمه الحب
يا بدر أنا السبب أحببت بلا أمل
وآهٍ يا أنا ما الذي سأعيشه بعد!؟ مُت في الهوى وقلبي رهيف أهلكته بكل عناء، دام نبضي يرتعش في كل خلية تسكنني،آهٍ، لو أنّ القلب يقمع كل حيّ عاش فيه!
وهل يكون؟
وبين ما أنا فيه وحالي المُريب، سمعت أمي تصرخ تنادي عليَّ: بيلسان؛ يا صغيرتي؛ سُفانة اتصلت منذ قليل. قلت لها تعاود الاتصال خلال ساعة ونصف لأنني أنتظر خالتك تتصل من لندن.
هدأت من روعي قليلاً وكأنني أستكشف لتوي كيفية الزفير والشهيق، لم أتكلف في الرد، فقط همست لها: حسناً يا أمي.
وقفت أتأملني، أتحسس ملامحي، لا أدري كيف استنكرت شكلي، فعيناي بريقهما وكأنه سماء يشوبها دخان أسود، اصفرار وجهي بات لي كما الطفل حين ينازع مرضاً ألم به، لكن ذاك من أصابني بكل البؤس ألا يعلم أي حال تركني به؟
سحقاً لكل رجل يظن نفسه سيداً في الحب يجعل من أنثاه كما لو كانت تمثالاً!
تتحمل جنونه، كبرياءه، وغروره، وتكابد بعيش حبه كما لو أنها تعيش من وعلى أنفاسه. لست أفهم لمَ نضع لهم تصنيفاً كيميائياً خطيراً، فلا حياة قامت وجالت إلّا به، فأي أوكسجين نتنفسه بهم، وأي حياة نعيشها لأجلهم!؟
أظن رئتنا تعاني التهاباً حادّاً، فنحن لا نتنفس سوى سموم تفتك بنا ولا يبقى في أحشائنا سوى خلايا ترسم صورهم في أعيننا وتكتب كل حكايتنا على جبيننا، وبهم نحن مفضوحون!
فالظاهر لم يكن كما المخفي، لا، فهذا الأخير هو أعظم وأعظم، أذكر أنني صغت له رسالة بعد تزامن فراقنا ولا أدري كيف أبكيت الورق، اشتكاني القلم وبعثرني الألم، فكان كل نبض يبكي ويصرخ وكأنه يقول لي: كفى يا بيلسان كفى أرجوك!
في أول يوم شعرت أنه رحل ولم يعد لي حبيب؛ فحكايتي مع رجلي المستحيل انتهت، كتبت في ليل الأربعاء 22/12/2011م، في أول فصل الشتاء، وكانت المرة الأولى التي أشعر فيها بقسوة شهر ديسمبر كما لو كان يلسعني بشرار برودته، فلا حضن يضمني ولا دفء يحويني، فمن كان أصبح ماضياً، ماضياً لذيذاً!
وفي ورقة صفراء رسخت في أسطرها سيل حبر أسود كتبت فيه لحبيبي فَيّاض: بين نور قمر واختباء قدر، كنت أتغنى بصحبة ألمٍ، عناؤه غيابك، أداعب ليلي بلحظات عشتها معك، أبعثر نفسي بين حواجز البعاد، وأقمع نفسي بين حنايا ذكرياتك، قل لي أي ريح هذه التي لم تنتشلني إليك بعد!؟
صفحة 3
بت ثقلاً على أوهامي! ولا أعلم كيف لصدري أن يُطلق تغاريد أنفاس وأنت الأوكسجين الذي أتنفسه، ليتك تعلم أني أختنق بك حُباً، يا سيدي الغالي هوناً عليّ، فأنا لم أعد أفهم نفسي ولا أدري ما الذي يعتري جوفي، كل ما أملك سقته لك هدية، قلبي وروحي وما أملك إلّا قليلاً، تمايلت نحوك كما لو أنني أرقص على حافة الهاوية، أشعلت قناديل قلبي بنيران عشقك حتى بات نزفي ألواناً كلها رمادية، أَلم تفهم بعد أنني أنبض بروح كلها لك!؟
يا رجل حياتي المستحيل، بربك قل لي أي حب أسكنته فؤادي!؟ أي فوضى أهديتها لحياتي!؟ بت أنام على فيض انسكاب عيني علّها بما تفيض تروي ظمأ أحلامي بك، يا هذا أيني، أنا، من حياتك، ألا أملك قليلَ شعور، أي شعور ينتشلك منك إليّ …
يا عنيد؛ أُنثاك حلق بها كل الجنون بلاك، أتعبها السباق نحو حياة لا أظنها تعانقها، ملّت الاتزان نحو قوة تمقت فيها جوفاً ركيكاً بكل ما يعنيه من ضعف وانكسار، قل لي لو أنني بكيتك سائلة، أَتُرى الحب يهدينا صوراً لها مدى يعكس خيالات لا بد لها أن لا تكون!؟ فبربك كيف لي أن أختبئ من حقيقة ظاهري بك!؟
أيها المجنون، بت لي كأغانٍ من زمن عتيق، أطرب لها ثم أبكي، أبكيك حباً وأغنيك شوقاً، أراقص به نبضاً احتواك وأعزم لحنَ عذاب لا أظنه لغيري طريقاً، كنت أظن أنني بالحب امرأة يهيم بها أميرٌ بين الرجال، لكنني لم أكن سوى عجوزٍ شابت قهراً وماتت وجعاً، وبرغم هذا فأنا يا حبيب، معك أشعر بتناقض فريد، فبحبك ضعف بقوة متناهية، أَلأنني بك أحيا أملاً جديداً..!؟ فيا من يسكن خلايا دمي رفقاً بقلب أحبك إلى حد الهلاك.
***
اعتدت بعد كتابة أي خطاب أعده له أن أنهض وأقف صامدة باتجاه مرآة، وكأنني وضعتها لمثل حالتي هذه؛ كانت تتوسط جداراً أسود اللون لا شيء يضاهيه عتمة، مرآة، أطرافها زُينت بكريستال يضيء بريقاً كما لو كان النور نوره فقط، كنت أتعمد أن أرتدي أجمل ما لدي وأضع أحمر الشفاه الصارخ، وأكتحل مما يجعلني أبدو بعكس ما أظهر عليه حتى أكون وأنتصر على نفسي، تصدقون!
وما ينقصني سوى أن أعد لي طعاماً شهياً وكأنني أحتفل..
لا أدري ما يعنيه فعلي هذا لكنني بحق أشعر بحال جيد وكأنني انتهيت منه!
سفانة اتصلت بي وأنا بحال أحسن، هاتفتها مُبتسمة: أهلاً بالحبيبة، اشتقت إليكِ كيف هو حالك؟
ـ بخير يا حبيبتي، ماذا عنكِ، لا أدري لمَ شعرت بأنكِ لستِ على ما يرام!؟
بيلسان اسمعيني جيداً، بصراحة أخشى أن أخسرك..
وفجأة زادت من علو صوتها قائلة: يا رفيقتي إياك أن أشعر بأنك قد تغيبين عني، أنا أحتاجك أكثر فكفاك جنوناً، صدقيني لا نحتاج إلّا قوة، وما حالي بأفضل يا صديقة، فأنتِ لي من السماء سحابة تمطرني أملاً وتملأني فرحاً.
قاطعتها على الفور، أعرف شعور سفانة وما يدور في خلدها، فهي صديقة طفولة، هي توأم الروح، قلت مجاهدة حشرجة كادت تفضحني: أحبك والله، سفانة لا أحد يفهمني غيرك، مُحال أن أغيب عنك أبداً، لا تخشي فراقي، لن يكون إلا بقدر الموت يا حبيبتي أتفهمين؟ أنتِ لي أخت وأجمل صديقة.
سمعتها تزفر وكأنها تلفظ عناء اعتصر روحها: فواز عاد وأرسل إليّ، ولستُ أدري ماذا أفعل!؟
لم أحتمل فكرة أنني لا أزال أحبه وبقوة! بيلسان أَتظنين ندى فعلت خيراً بي؟
قاطعتها وبشدة قلت : سفانة، وهل ترين أنتِ في فواز أي خطوة تهديك نجاحاً في رسم حياة عائلة وأطفال؟
تعلمين بأن فكرة ارتباطك به من المحال، أنتِ وهو لا تتناسبان أبداً، أبداً.
صفحة 4
يا سفانة انسيه.. فواز هذا لا يناسبك، انتهينا ثم بربك ماذا لو...
ـ أجابتني هلعة وكأن الذي سأقوله حدث: سأموت، أقسم بربي أنني سأموت.
فواز الفتى الأسود كما أسميته يا بيلسان..
آآآآه لا أعلم متى سننتهي من غباء محيطنا، ويلي من بؤس مجتمعي، وما به الأسود أَليس إنساناً يملك قلباً؟
فأنا لا أظن أحداً كما فواز، رأيت فيه رجلاً بكل ما تحمله المعاني.
وها أنتِ برجل تشهد له كل العوائل لكنه أيضاً لا يناسبك أبداً.
وأصبحت تعتلي بي صراخاً.. أنتِ أيضاً أكثر مني غباءً، ليس تعلقاً برجل بمثل عمر والدك، لا بل حتى تسعَيْنَ لهدم منزل عائلة لا تملك سوى ظل رجل!
آآآه يا سفانة لقد أصبتِ مني مقتلاً بحق، وماذا أيضاً أخبريني من أنا؟
كنت أصرخ في أعماقي أتحايل على صبري، وشعرت بيديَّ تتقطعان إثر التحامهما بعضهما ببعض.. سكنت الحرارة جسدي حتى كانت في خارجه واشتعلت بي نار في أعماقه.. سفانة تظن بي أنني فرحة لحالي لكنني لا أتعمد إلّا إسقاط صور فواز في داخلها!
تعلم هي أنه مستحيل، لكنها تمضي اختناقاً بلعنة الحب!
الحب.. ترى ماذا يكون!؟
هل هو أغنية بصوت أم كلثوم، أم قصائد من بوح مجنون!؟
أم هي حكاية ممطرة إثر دموع نزفها عاشق كان بالحب ملعوناً!؟
عشاق وسهارى وأرواح غنّت حتى حلّقت بصور كانت كلّها تحت اسم الحب.
حكايتي ليست من أساطير الزمن العتيق أو حتى الجديد.. أظنني فصل بعد زمان اختصني أنا وهو فقط، يناصفني تعايش ظاهر لقشور الحب الكثير لكنني لُب صورة أخشى انطباعها على ورق أصفر، وبحبر داكن، تارة أحمر وتارة أخرى كان وكأنه أسود!
صفحة 5

(2).. .. الرجال من المريخ والنساء من الزهرة..!!

يُقال أن لا شيء في الحب مستحيل، وها أنا أعيش كل المستحيلات في حياة كنت فيها بحب وكل الحب، قد يكون ليس من السهل أن أضع صور حياتي مقياساً لحالة معينة ولا سيما إن كانت حباً، لكن أيضاً أنا أؤمن بأن تجاربنا هي دليل خبراتنا وأنا عشت حياة بأكملها ليست بالقليلة لو اختيرت في سرد نبض احتوته رواية! كثرت أمنياتي وصحت بآخرها: ليت الأشواق لم تكن يوماً كما الأشواك تغرس في القلب وترمي به إلى الجحيم، فأي قلب هذا أجده ينساق نحو حنين قاتل وشوق جارف لأحباب اتجاههم قد يكون مُعاكساً! ولا يتعبني سوى أنه ينظر إلى الآفاق كما لو أنَّ الحبيب بين السحب وسيل من ندى الأمطار،ولا أدري أنحن فعلاً نتمسك بدرب شاق لا نجد منه إلّا كل عناء!
يُفجعني خبر أن كتاب د.جون غراي [ الرجال من المريخ والنساء من الزهرة ] بتوقيع في طرف نهايته:
«الدليل الرائع لفهم الجنس الآخر».
هو الكتاب الأكثر مبيعاً! إذن ما بنا لا أحد منا يفهم الآخر؟ولمَ نراهم لا يفهمون أننا من دونهم نموت! أولمْ يقل د.جون:«عندما يحب رجل امرأة، فإنه يحتاج دورياً إلى أن ينسحب قبل أن يتمكن من الاقتراب، إنه يشبه الحزام المطاطي المشدود، حيث أنه ينأى بنفسه ثم يعود بنفسه...».
ومتى يا جون متى، حتى تموت، قل لي أَتموت حتى يعود ذاك المجنون!؟ أي فعل يمارسه هؤلاء الحمقى، فالمرأة لا تفهم لا ولن تفهم أن يبعد عنها حبيبها، فهي لا ترى فيه إلّا أنه يكرهها! هذه حقيقة أيضاً يغفل عنها جميع الرجال؛ قُل لهم يا د.جون: ميتون نحن بلاهم ميتون! أوليتك تُسعفنا بكتاب: أيها الغافلون إنهن بكم هائماتٌ!؟ آه يا د.جون كنت قد أسهبت في أنه: «عندما تكون متضايقة يشرح لها لماذا هو على حق، ولماذا يجب ألا تكون مُتضايقة».
وقلت: «نشعر بأننا غير محبوبات لأنهم لا يؤيدوننا في مشاعرنا، وبدلاً من ذلك يجعلوننا نشعر بأننا على خطأ وغير مدعومين...»، أصبت لكننا أيضاً نود أن نفهم لمَ يرون أنفسهم لا يخطئون أبداً، لا ندري، فهل لأنهم ذكور فقط، لن نبالغ لو وصفناهم جميعهم في حالة أخطائهم كما لو كانوا أُسوداً تزأر!وها أنت يا دكتورنا العظيم تُفيدنا علماً بأن حُلفاءك أيضاً هذه المرة.
[الرجال لا يرغبون في أن يُحسنهم أحد].
«أفضل أسلوب لمساعدة الرجل لكي يتحسن هو التخلي عن محاولة تغييره بأي أسلوب».
سأعترف لك يا د.جون أنت وأمثال جنسك (قد يكون أحد منا فعل ما لا يجب أن يُفعل وهذا وارد، وكثيراً)، لكننا أيضاً عندما أحببناهم هِمنا بهم كيفما كانوا وبمثل ما يكونون في مُجمل حالتهم، رجل ثائر، أسد جائع، وطفل عنيد بهيئة رجل مُكابر! صدقني هم لن يحتاجوا أبداً لأن يكونوا مثاليين معنا، حُبنا لهم قد يفوق ظنهم فيما لو تخلوا عن الغطرسة والنرجسية التي في بعضهم!يظنون فينا عكس ما نحمله لهم، ينسون أننا فقط نطلب القليل.. القليل!، فقط بعض اهتمام.. وحبّاً له شأن احترام.
من الممكن أنَّ الإسهاب بالمشاعر التي تسكن أعماقهم تجعلهم في صورة الضعيف! ولا أدري لمَ يُصرون على أن تكون مشاعرهم تجاهنا سراً يجب أن لا يُفضح! ومما كنت تقول أيضاً: [مثلما المرأة خائفة من التلقي يكون الرجل خائفاً من العطاء].
نخاف ونخاف ونخاف...بربكم ما الذي نفعله بأنفسنا؟
مستاءة، مما أجده في استكشاف أجناسنا، فنحن مريبون إلى حد أننا مساكين، وجِدَّاً والله، نفتقر إلى كل شيء (الحب، الأمان، العطاء، الصدق...)لكنني أيضاً أكره فينا حالاً جعل منا سبباً في كل ما نحن عليه، فعلاً نحن أول من يُساهم في خلق تعاستنا وبأيدينا، وجعلنا فاشلين بهذا القدر من السوء رغم أننا قد نفهم أن هناك أموراً عديدة تجعل منا أقوياء وأحياناً طغاة متغطرسين لكن دائماً ما يكون منها شأن حرفة تنحت وتصقل منا انكساراً مُريباً، ولهذا نبقى عاجزين عن كل شيء.
أذكر حديثاً جمعني بالقاسم المشترك بيني وبين سفانة «صديقتنا ندى»، وكأني أبث لها شكواي ببعض من الأماني الضائعة من عدمها هنا.
أريد رجلاً بحبه لي أضع حياتي في كفة ميزان هو يقرر ما في كفته الآخرى، أريد حُباً ينتشلني من صور باتت لروحي كئيبة، رجلاً أبيع لأجله الدنيا ومن فيها، وكأن ما من أحدٍ هنا يا ندى.
صفحة 6
صديقتي سئمت حباً لا يعني إلّا أنه يقتلني، فقط لو تعلمين أني في كل مرة أشتاق إليه فيها أود لو أنزع قلبي وأتركه له، فما أفادني إلّا بعشق رجل أدماه بوجع لا يرحم.
ـ أجابتني بطريقة الفلاسفة: الحب لن يكون يوماً درع آمان لاختراقات الحنين وثورة عشق دفين، الحُب يورطك ولا يُغنيك عن الوجع الكثير، لذا أيقنت أنَّ الحب لا يحمى الأغبياء...
وما أن انتهت من فلسفتها العظيمة حتى رحت ألاحقها بمرارات لم تكن بحاجة لسماعها مني على الأقل في حالتي تلك.
فهي تريدني أن أسمع بعقلي بعيداً عن هذيان قلبي وتسيده لكارثة هواي لفياض.
لا أدري صدقاً، قد يكون حظي أنني أحببت رجلاً لا يهمه إن متُّ فيه أو بدونه، أو أنّ المهم أن أموت معه على أن يموت مع غيري.
تعرفين يا ندى ربما يظن بأن جرم الغياب قد يُدرب روحي على الفقد بطريقة أو بأخرى من دون أن يحسب حساب لتعلّقي به أكثر بذنب الانتظار الذي اقترفته معه!
رأيتها تحاول الإفصاح دون حدوث أي ضجيج لا أحتمله بأعماقي أكثر مما أنا فيه وعليه..
قالت بهدوء: قد يكون غيابه رحيلاً منذ البداية لكنكِ أنتِ من يُعيده في كل مرة يرحل فيها..
ـ كيف، لمْ أفهم ما تقصدين يا ندى؟
ـ أجابتني بهدوء أكبر: أعني أنّ الإفراط في العطاء منكِ له يجعله في موقف صعب كالرحيل أو ربما يُرعبه فقد العطاء المندفق عليه، أو أنه يخجل البوح بالرفض الصريح ومن غير المعقول أن يردّ بمثل ما أنتِ عليه معه. ثم نادتني وكأنها ترجو الإنصات بعمق: بيلسان، أنتِ هبة لمن يحبه الله.. فمن الصعب جداً لفظ نعمة عظيمة كأنتِ، في عطائكِ له لم يتخلل ذلك أيّة مصالح، كل ذلك كان بدافع الحب، وذاك وحده نادر غير أنه لا يقدر بثمن، حبكِ له تعدى حدود الكرم.
مُسرفة أنتِ في كل شيء معه، ولا أظن بأعظم من انتظاركِ له وهو لا يأتي أبداً.
وأنا أسمعها، شعرت برغبة في البكاء دون توقف ولا أدري لمَ! حاولت التماسك وهممتُ بالتبرير الذي أنهك حقيقتي معه: اسمعيني يا ندى ربما لأني لا أفهم الانتظار في (كيف، متى وإلى) فلا الذنب ذنبه أو حتى هو ذنبي.. مات أبي ولاأزال أنتظره.
بعد آهات أطلقتها شعرت بها تحرقني قالت: لا أدري حقاً.. قد أبدي برأي لا يُعجبك رغم أني لا أعني فيه فيّاضك ذاك بأم عينه، هو رأي خاص بمجتمعي الفقير برجالات الحب، وذاك صدقيني قد لا يختلف عن غيره مع كل المحبة لكِ يا مجنونة.
ـ وما هو؟
استدارت نحوي كأنها تبحث عن ردة فعل تقرأها في عيني: اسمعيني جيداً، ما لا يعلمه الكثير بأن الرجولة الحقيقية نادرة، فالذكور يملأون المحيطات، وأي ذكر لا يستطيع الحفاظ على أنثاه هو حتماً ناقص رجولة، فالرجولة تتطلب مقاييس ثقيلة جداً لا يحتملها أي ذكر!
لم تجد مني أي رد فعل، كنت أنصت بذهول، ندى باتت كسفانة تفلسف الأشياء وكأنها تحاول أن تشدني نحوها أكثر، ربَّتت على كتفي سائلة: أتفهمين عليّ أم ماذا؟
ـ لم أناقشها عن شخص فياض، فقد علمت ما تطرقت إليه فأجبت: إذن أنتِ نسيتِ المشكلة الكبرى، وهي بأن معظمهم لا يدرك الفرق بين الذكر والرجل، ففي داخل كل رجل (ذكر) لكن من الصعب جداً أن نجد داخل كل ذكر (رجلاً)، الذكر تُملي عليه رغباته وشهواته كلّ أفعاله، والرجل الشهامة والأصالة تتسيّد حكايته.
سألتني بطريقة وكأنها تُفتش عن إجابة تختم بها الحكاية: إذن أجيبيني يا حبيبتي أهو يدرك مدى حبك إياه؟
أجبتها بهدوء: ربما..
تابعت تُعدد فصولاً كانت ثابته لي معه: لو أنه يعلم ما الذي يزيد أنثاه وجعاً لما كان هذا حالك معه، بيلسان أشعر بأن كل شيء بك له، عالقة أنتِ به حد الثمالة.
لا أدري ما أصابني لحال كنت فيه أهذي: أنا متورطة به جداً، صوته يا ندى لا يزال رنينه في أذني يُشاكس كل خلية تسكنني، برغم أنه منذ البداية لم يكن الرجل الذي أحببت قط، لم يكن يُحبني كأي عاشق مجنون أو حتى أنه يدللني كرجل يُتقن الحب لأنثاه، لم أشعر به كأب يحميني ولم ينهرني كأخ، وأبداً لم يكن كأي صديق وبرغم كل ذلك أحببته يا ندى.. أحببته جداً.
أجيبيني أنتِ يا ندى، أكنتُ غبية حينما وهبته فوق عمري أحلامي حتى أصبحت بعده بلا عمر أمضي به كحال البشر، فلا أحلام أملك ولا حياة أستطيع أن أتقبل أنفاسها بدونه، هو قتلني بلا رحمة.
أتعرفين، أعظم ما في ابتلائي به هو أنني أحبه إلى الحد الذي يُنسيني نفسي.
صفحة 7
أوقفتني بحدة:بيلسان، إيّاكِ والعودة إليّه.. إيّاكِ.
تابعت البوح إليها وأنا أسابق غصّة البكاء بين الكلام وانسكاب حرقة الوجع بالدموع: وإن عدت إليه في كل مرة هو يغيب، فأنا لمْ أكن امرأه رخيصة حينما أوشكت البكاء إليّه راجية بقاءه. أنا فقط كنت أماً لصغار أنجبتهم ذات حلم به، فخشيت اليُتم قدرهم وأنا يتيمة وأفهم كيف يُولد طفل بلا أب.
ندى: أخاف شعوري به يضطرني لأن أقسم بأني أنجبته وأنا لاأزال عذراء، فكأن روحه تنفث في رحم قلبي وأنجبته!
ـ بيلسان بربّكِ ما هذا الجنون.. أرفقي بنفسك أرجوك.
أتدرين، أشعر بأنه جعلني من أكثر الناس كذباً على أنفسهم، أوهم نفسي بأنه أحبني ولو قليلاً؛ حتى لا أبكي نفسي وجعاً لا يُمكنني بعده الصفح عنه، ياه يا صديقتي، به كنت أماً ترجو السعادة لصغيرٍ كان لديها كل الحياة، ففي الحب نحن النساء نحبهم رجالاً ونتورط بهم أطفالاً، فالطفولة بالرجل أشبه بالورطة تجعل منا عذراوات وكأنما الحب تجاوز بنا شغاف القلب إلى حدّ الإنجاب!
هذه المرة أوقفتني مُجبرة: كُفي عن الحديث عنه، فأنا أشعر بالأسى على حب أهداكِ كل هذا الوجع، بيلسان ثمة صور في الوفاء تُشكل إهانة وتقلل من شأن الكرامة لإنسانيتنا، فالحياة كريمة لا تقبل الذل، وهو فعل بك ما يكفي، فماذا بعد كل هذا يا بيلسان ماذا؟
أتذكرين حكاية السيد (علوان) حينما تشكل الوجع بنا جميعاً إلى الحد الذي لم نفهم به معنى سقف الكفاية، كحكاية يشوبها الحزن الأسود من رجل يكتب لامرأة تركته خلفها زاهداً بالحياة، مُفرطاً في الاندثار نحو زوايا الموت الضيقة، وأنتِ تذكرينني به، كلاكما يُخيط حروف رواية لأشخاص ربما كانت لا تدرك معنى أن يكتب المرء حُباً بمثل رواية، وكأن الحُبّ خُلق ليكتب دونما أن يُعاش، بيلسان أخشى عليكِ بأن تكوني بشأن جنونكِ هذا عارية تماماً من أي ثوب طُرز بالسعادة.
قاطعتها بأمل تلك الحكاية: علوان في سقف الكفاية كتب متوسداً الوجع لأنثاه حتى عادت، ومن يدري يا ندى ربما يعود مثلما عادت مها، فأنا والله أكتبه حُباً وشوقاً وكأني على الدوام أنتظره، كتبت إليه رسائل عديدة، وفي المساء ذاته الذي قادني إليّه بحروف أشواق ونبض حب، أنغامه لحن لا يعاد وكأن أحلامي تراقصت على أمل أغناني وبحبه أرواني، وكأنه أجمل سكون له صدى ينعش الروح، كان يدرك بأي أنثى أكون وبأي رجل هو، تعرفين لو أنني لم أحتفظ به في أعماقي ولم أتركه يتجول بين خلاياي لما شرعت بولادة حرف يسكنه هو.
أكتب كثيراً يا ندى، أكتب إليه بشتى حالاتي بين هدوئي وغضبي، وبين صراع عقلي وروحي، بين ثورة ذاكرتي وقليل جداً من نوبات طالها النسيان يوماً ما.
تحدثت وهي تحاول أن توقظني مما غرقت فيه: ربما يظنك نسيتيه، فغيابه يحتمل هذا.
ـ كيف والحنين يقصف أعمارنا بمجرد احتياجها لبعض من كثير نسيان، فلا أدري إن كان يظن بأن النسيان كفيل بأن يمحي الجراح كأن يطعمني بقليل من فرح على طبق ذاكرة يُقدم في العمر في كل مرة نحتاج فيها أن نُخلق من جديد، ربما لو أصابني الخرف، أغضب كثيراً في غيابه حتى أدركت بأن الغضب مذنب أيضاً بالذاكرة، ففي الحقيقة هو يجعلنا نتذكر ما نرغب بنسيانه.. فلا ننسى.
شاركتني حديث النسيان وكأنها تخبرني بآسى: نحن لا نشقى إلّا بذاكرة وضيعة تلتصق بقمم الذاكرة وكأنها تنتقم منّا لذات حاضر أضعناه أو ماضٍ فَرّ من أيدينا.
ـ أتعرفين كنت أدعو الله بأن يهبني منه لطفاً ورحمة تنعش روحاً به ماتت أو ينفث في روحي نسائم نسيان تحلق بي إلى الحياة من جديد، فتباً له، ابتليت بهواه، أنسى الكثير ولا أنساه، مريضة أنا به، فكل خلية في جسدي تذكرني به ولا أنساه.
أمسكت يدي وهي تقول: ياه، أحزن كثيراً لحال النساء يتقوقعن انتظاراً وترقباً لحب انتهى قبل أن يبدأ، تعاطينا مع الحب مُريب لأننا نفرط به، وغالباً ليس هناك من يستحق، فالحب فقير جداً للرجال.
أتساءل متى سأكون أنثى للنسيان بعدما أحلامي به فاقت الواقع بكثير، تعدت الفستان الأبيض بأربعة أطفال، ثلاثة منهم يشبهونه، وواحد فقط يُناصف الشبه فيما بيني وبينه.. أتراه يكون طفلنا الأول؟
لو أنه يعلم ماهية انتظاري إليه تُرى أكان يعود؟ وأنا التي انتظرته كثيراً أزرع أطفالنا أحلاماً وأطوق الأماني به بين مشيب وسلالة أحفاد ولكنني لم أحصد سوى الغياب.
صرخت بي باكية: لو أن الغياب امرأة لوأدته، ولو أنّ الحُبّ رجل لقتلته.
أتعرفين، بت أشعر بأن الغياب رجل فاسق، ذو قلب أجوف، أسود الوجه، والانتظار امرأة عجوز، شاحبة مُصفرة القلب، ذات عينين دامعتين، تكتنز الملح بين جروح عميقة وليتها تموت!
كانت تتحدث بغضب أربكني حتى بكيت.. لكني هذه المرة بكيتك لحاجة وددت بها أن تُخبرني أكنت أملك منك قليل شعور، على سبيل المثال، حُباً يشبه ود الأصدقاء أو حتى احتراماً يكتنزه بعض من الغرباء، آه يا فيّاض ليتك تُخبرني كيف لي أن أجدك في كل مكان، ما أن تفيض ذاكرتي بك إلّا وكنت مُبعثرة في جميع الأرجاء حتى لو أنني أشرع أبواب كتاب وجدتك فيه، أخبرني بأي شيء أخبر به ندى بأنك أحببتني كثيراً، ولو أنك تشعر كم أحتاج لأن أمضي صوب النسيان حيث لا أعرفني، أرجوك قل لي أين يُباع النسيان لأشتريه بعمر مضى وإياك، دُلني حيث لا ذاكرة تُبكيني ولا حنين يُفزعني، أو حتى صديق يخذلني ولا أنت تتركني، فبربك كيف أمضي حيث لا أعرفني، أمن طريقة لديك؟
اقتربت تضمني بشدة وكأنها تَربت على أوجاعي حتى هدأت.
ثمة حقيقة أدركتها، نحن لا نبكي إلّا حُباً أنهكه سوء أدب في الغياب.
صفحة 8

(3).. ..الشبيه يجذب إليه شبيهه..

بصورة أساسية، ينص قانون الجذب على أن الشبيه يجذب إليه شبيهه![1]
تباً للجاذبية!
أكره كوني أنجذب نحو شخص وكأنه مغناطيس ألتصق بأطرافه خشيةَ ألا أقع، لكنني كثيراً ما أقع حتى أكون حُطاماً! أذكر أنني كنت في ذاك الوقت في بداية العشرين من عمري، رأيته يسلك طريقه إليّ، واثق الخُطى قائلاً بصوت أذابني، حسبتني أسمعه من ذبذبات تخرج من مذياع مُشكلاً لي صوتاً خرافياً، تملكني صوته حقيقة رغم أنه لم يقل شيئاً مفيداً وقتها:
ـ إذا سمحتِ أخبري والدتك بأنه حان موعد تسديد القسط للإيجار وإلّا..
قاطعته وقتها بجراءة، قلت وأنا أنظر إليه: وإلّا ماذا يا سيد فيّاض، ستطردنا يا كريم الأصل والذوق؟ تفاجأ بالطبع، فهي المرة الأولى التي تجمعنا معاً من بعد ما كبرت. لمحته يتأملني وكأنه يحفظ أدق تفاصيلي، لكنني تجاهلته ومضيت إلى الداخل منادية أمي تلقاه بقسط الإيجار... كان شكله لافتاً لأنه رجل جذاب، شعره الممزوج بالبياض أضاف إليه هيبة ملائكية، جسم رياضي، وأناقة فائقة، وآه من عطره كأنه مُخدر، ولا أدري هل لأنه يمزج أنفاسه أم لعبق ريحه تأثير خاص فقط! فأنا أشتمُّه بشدة حينما أثمل به في غفوة حلم يجمعني به وصغار تجمعنا، تجاوزت كثيراً كل الأحلام لأنني في حلمي ذاك أنجبت منه ابنتين أسميتهما كما نُحب يارا وسارا... طفلتاي تشبهان أبيهما تماماً، يارا فقط لها عيني نفسها ودائرة وجهي ذاتها لكنها توحي بشكله أيضاً، أما سارا، تقتلني تلك الصغيرة، تأخذ منه كل شيء أنفه، عينيه، وحِدَّة النظرة، شعره ولونه، إلا أنها تبدو لي قصيرة إلى الآن فقد تأخذ القصر مني!
فياض لم يكن رجلاً عادياً قطّ، فهو يُثير فيّ كل الشعور حتى في غيابه، ولا أظن لأي رجل أن يصل مداه في صقل محبوبته، لنحت حبه على جدار قلب من حرير كان ولم يكن إلّا به ينبض!
من أول مرة رأيته فيها شعرت أنه يشبهني وكثيراً، رأيت فيه صورة مني، يهذي بطريقتي العجيبة، يؤمن بالحزن وضرورة تواجده في الحياة، لكنني بت أخاف عليه فهو دائماً ما يختزن همومه وكأنها كنز لا بد بأن لا يُفقد، أشعر به منهكاً، وجِدَّاً، لكنه يخفي عني كل حقيقته وحينها لا يمكن أن يكون إلّا طفلي المدلل، يغمرني الخوف ويفيض كل حناني رغم مسافات تبعدني عنه حينما يقول لي: أنا مُتعب يا بيلسان صدقيني أنا مُتعب بحق وبالأخص عندما أكون مُتحاملة عليه أو في حالة ثوران جعلني هو به يزيد دلالاً يراوغني بدهاء الرجال المعتاد ويجعلني بدلاً من عاشقة غاضبة إلى أم هلعة تبكي طفلها البعيد عنها وكثيراً! فحبيبي بارع في خلق روح الولع والاشتياق إليه ولو من آخر أطرافي كأن يمتص كل أوكسجينٍ ينبض بخلاياي، وكأنه يُحرم أنفاساً أطلقتها لغيره حتى لو كانت لأجل أن أعيش.. أظنه وجب عليّ العيش له فقط! وأنا وهو، أعتقد أننا نمضي بفكرة تجعلني أشفق علينا وكثيراً، فالناس يمضون مختلفين عنا، يضحكون ويبكون ليس لأن اللحظة أرادت ذلك فقط، بل لأنهم يريدون أيضاً! أما نحن فنبكي ونضحك أحياناً لأن الحياة ترُيد منا ذلك.
أنا وفياض نعيش مُسيرين وبأي طريق نقع فيه يصعُب علينا الرحيل... بدأت أراني معه عُقدة لا تنفك ولا تنحل! التحم بنا سحر الحب! رغم أنني متأكدة أن فياضاً لم يحبني قط أو أنه أحبني قليلاً جداً، هو فقط اتبع سر الجاذبية التي جمعتنا معاً من دون أن نتعمد اللقاء! عرفته بطريقة تختلف عن بدايات القصص، وجدته مختلفاً عن كل الرجال، إلّا أنني استوعبت، وأخيراً فياض كان رجلاً ككل الرجال!
يا معشر النساء أُنصتنَ إليَّ بحذر:
هناك في القلب شأن غرفة كلها عتمة إن بدأت اشتعالاً لا تنتهي! عتمة تطوق بنا إن زار زواياها أي رجل، فلا تأمن إحداكن الحب، فالحب كالبحر، عندما نغرق لا يُمكننا أن ننجو إلّا موتاً، فيا ليتنا بالحب كُنّا رجالاً، ليتنا عندما أحببنا كُنَّا على الأقل بنصف عقل يُملي علينا نوراً ويضيء لنا عندما نتوه بين سراديب العشق المميتة.
أختي نوران قالت لي مرة: بيسو سئمت الروايات لأنها تجعلني أكره الحب أكثر مما أحبه، لأنها أحياناً إما تجعل الحب عظيماً وفي واقعنا عكس ذلك وإما أنها تضعه في عقد لا تنجلي، يكفي أنني أشعر في كل رواية أحاول قراءتها، أنّ الحزن هو سيد كل سطورها وكأن ما من شعور غيره! أكاد أصدق فيما لو كانت الكتب تُباع بتلك الكمية الوافرة من الحزن المبعثر بين الصفحات كنظام يوحد الشعور لدى الشعب بأكمله لكانت آلية الشعور من منبع ركيك السعادة وملتهب بالتعاسة، فالحقيقة أن البشر لا يستهوون إلّا الحزن!
واستدارت نحوي بأكملها وقالت بصوتها الرخيم : بيلسان كُفي عن القراءة والكتابة ولو ليومٍ، واسترسلت وكأنها تداعبني: «أكاد أرى قلبك يرفرف نحو أحدهم، أَأنتِ عاشقة؟!» بربك يا أخيّة أخبريني كيف هو الحب؟ «على الأقل أخبريني ما اسمه!».
آآآه يا نوران، أتريدينني أخبرك عن سر فياض واسمه ذي المعنى الوافر بالعطاء! فهو كريم مع أجمع الناس إلّا أنا يتباخَل عليّ بكل ما احتاجه منه.
صفحة 9
رأيتها تقترب مني أكثر وأكاد أحترق وأنا حيرة من سؤالها، فأنا وحدي لا أملك أي جواب..
كنت دائماً ما أفكر فيما لو كان اسم فياض بغيره، ترى ما الذي يناسبه، فلأنني دائماً ما أنعته بالأسد، همست ذات ليلة إلى سفانة سيكون ابني من فياض (جروان) تماماً كما يجب أن يكون اسم صغير الأسد.
ضحكت كثيراً، وقالت حتى يصح له القول إجباراً: «هذا الشبل من ذاك الأسد».
إذن يا أم جروان.. كيف لأصغر بدوي حينها أن يعترف بأن اسم أمه بيلسان؟
يا سفانة ولمَ التعقيد؟ الجيل القادم سيتقبل كل شيء جديد، صدقيني، وغداً ترين سيستنكرون اسم حصة وصيتة وغيرها من أمثال تلك الأسماء العتيقة!
أذكر أنها غضبت مني كثيراً لأن اسم أمها كان حصة تظنني أعيبه، قالت لي، وكأنها تود أن تلتهمني وتلفظني خارج الغرفة: اسم أمي جميل كجمال روحها على الأقل، واضح أنها بدوية أصيلة ومن خير القبائل، أظنك نسيتِ أصل أمك يا بيلسان!
لم أنس قط أن أمي فلسطينية الأصل، وكيف لي أن أنسى وأنا في كل فصل دراسي بعد مجلس الأمهات، حشد كبير من الطالبات يلتم حولي: أَأمك عربية يا بيلسان، وكأن العرب فقط هم السعودية!؟
نوران المسكينة أخذت تلوح بيدها وكأنها تتعمد كسر الصورة التي أغرقت فيها: بيسوو نحن هنا إلى أين يا أختي، كل هذا لأنني طلبت أن أعرف اسمه؟
تصنعت الضحك، وجِدَّاً: مجنونة أنتِ يا نور حياتي، أَلم تسمعي شاعر العشاق نزار قباني حينما قال:
لا تسألوني... ما اسمهُ حبيبي
أخشى عليكمْ.. ضوعةَ الطيوبِ
زقُّ العبيرِ.. إنْ حطّمتموهُ
غرقتُمُ بعاطرٍ سكيبِ
والله.. لو بُحتُ بأيِّ حرفٍ
تكدَّسَ الليلكُ في الدروبِ
لا تبحثوا عنهُ هُنا بصدري
تركتُهُ يجري مع الغروبِ
ترونَهُ في ضحكةِ السواقي
في رفَّةِ الفراشةِ اللعوبِ
في البحرِ، في تنفّسِ المراعي
وفي غناءِ كلِّ عندليبِ
في أدمعِ الشتاءِ حينَ يبكي
وفي عطاءِ الديمةِ السكوبِ
لا تسألوا عن ثغرهِ..
أوقفتني تصفر وتصفق : آوووه يا بيلسان، أيقنت الآن أنكِ عاشقة من رأسك حتى قدميكِ.ضحكتْ، وقلت لها آخر شطر من القصيدة : فلن أبوحَ باسمهِ حبيبي.
صفحة 10

(4).. قد نحتاج يوماً عيداً ثالثاً!!..

كنت مع أُختيّ وصديقتيّ سفانة وندى نلتم حول طاولة الطعام حيث أعددت وليمة عشاء نجدد فيها عهد الصداقة.
أذكر أن الابتسامة عانت حتى تُفارق شفاهنا وكأن السعادة من حولنا طوق نجاة من أي حزن! كنت أعددت طبق المعكرونة الذي تحبه ندى كثيراً وسلطة الناتشوز التي تتلذذ بها سفانة، لم أتكلف بالأطباق، رتبت الطاولة بالشموع، وتعمدت إنصافها بالورد الجوري الأحمر، وضعت الأواني عند طرف الطاولة لأنني أردت الجميعَ يتلاحم حتى بالحركة، وددت أن نشعر أكثر بأننا واحد، ودودون وبسطاء أكثر رغم جو الطاولة في منتصفها.
وأثناء ما كنا نغذي عصافير بطوننا وكأننا لأول مرة نرى فيها طعاماً برغم أنني لم أكن طباخة ماهرة، لكنني أجيد أصنافاً أحبتها مني صديقتاي ولا أظنني أجيد غيرها.
أُختاي ريمان ونوران كانتا تتشاركان معنا أطراف الحديث وهذه المرة كنا نتحدث عن الدارج في الحب، إن صح التعبير بين البنت والبنت وبين العكس ومثله!
ـ ريمان كانت تقول منفعلة : بيسو أتصدقين أنني اكتشفت إحدى طالبات فصلي مغرمة بسميرة!
ـ قالت ندى باستنكار: سميرة الخشنة!؟
أجابت نوران ساخرة: نعم سميرة المسترجلة يا ندوووش.
لم أفهم بعد ما الذي يجعل من فتاة تغرم بفتاة!
أي عقل هذا وأي حب يجعلهم في صورة قذارة وحقارة! بغضِّ النظر عن الخشونة التي تتمركز في جوف فتاة يفترض فيها أنها ناعمة أو على الأقل تحترم أنوثتها، أنا أتقبل فكرة فتاة تلتحم برجل حتى لو بدون وجه شرع أو عين صواب، لأنها فطرة وغريزة في الجنسين على الأقل سيكون أمراً طبيعياً.
قطعت الحوار متعمدة، لأنه بصراحة أغضبني واستفزّني كثيراً ثم إنني لا أحب من أختيّ الخوض في حديث كهذا: أعتقد أن هذا الحوار مستفز بما يكفي هذا أولاً، ثم إنني معكن هنا لأجل أن نستمتع وليس لنتقرّف مما يحكى أو يفعله الحمقى في كل مكان، ثم يا أختيّ العزيزتين لا سميرة ولا مجنونتها محض اهتمام لدي أنا وصديقتي أليس كذلك؟ وغمزتُ لسفانة حتى تؤيدني بما أن ندى هي المتحمسة معهن!
سفانة ردت مبتسمة: هذا صحيح، لكن أخبروني أي كتاب سنختاره الليلة لأجل أن نختبر عقلياتنا يا حسناوات؟
كانت ندى مستاءة لأنها على حد تعبيرها: يا الله سئمت الفلسفة يا سفاحة الفكر صدقيني (الحياة لا تحتاج أكثر من البساطة، فالفلسفة أحياناً مزعجة).
أختي ريمان كانت تبتسم وهي ترى من ندى كل هذا الضجر سألتها: ما بكِ يا حلوة؟
أجابت ندى وبسرعة : توافقني الرأي لكنها تخشى التأييد المباشر.
ريمان انغمست في الضحك وهي تحاول أن تجيب: لا والله لكنني أرى أنّ التناقض في ثلاثتكن عجيب، سفانة فيلسوفة، وندوش مغامرة ولا تأبه سوى أنها فقط تعيش كيفما يحلو لها كما أنني أشعر بأنها العجب بعينه.
تدخلت نوران متحمسة: وبيلسان حالمة عاشقة رومانسية، أختي تشعرني بأنها وردة بيضاء بعبيرها الفواح في بستان رجل كله خضار، كنت أستمع وأنا أبتسم فقلت بصوت مكتوم: آه يا فياض حتى أختي أحبتك رغم أنها لم تعرفك إلا من انعكاسك في ظاهري.
كانت ندى قد اقتربت مني وهمست: يبدو لي أن سرك بات متعرياً أمام كل البشر، فيا عاشقة زمانك كوني حذرة فأنتِ إلى الآن في وضع حرج، على الأقل حاولي إخفاءه، إكرهيه بالظاهر يا بيلسان، تعلمي كرهه حتى لو كذباً، إكذبي على نفسك، إبغضي حبك له لثوانٍ فقط ما بين أهلك، وحتى أنا لا أود أن أرى حبك هذا الذي يشعرني أنني أمقت فياضاً وكل الرجال بسببك، فأي حب أنتِ تحبينه، فوالله إني أشعر أنك انتهيتِ به ومعه! صدقيني ما تعيشينه بفياض أرفضه أنا في أن يكون حباً.
الحب الحقيقي يهدينا حياةَ أملٍ وفرحاً لا ينجلي يا بيلسان.