صفحة 1
تقدمـــة الديوان
بقلم:
الأستاذ الشاعر جمال حمد (1)
عرفت الدكتور معتصم الخضر مذ كان زميلي في جامعة القدس المفتوحة - فرع طولكرم، رجل مبدأ طموحا وصاحب فكر خلاق، وهو باحث ممتاز يقضي معظم وقته في القراءة - كما أعلم - ورغم انهماكه في الأدب الإنجليزي فهو من عشاق الشعر وله باع طويلة فيه، وشارك في العديد من الندوات الأدبية ونشر الكثير من القصائد في مواقع كثيرة·
وشاعرنا الذي كتب الشعر العمودي إلى جانب الشعر المحدث، يصدر من فكر عربي إسلامي في شعره الذي لا يصعب تلمسه على القارئ، وهذا يبرز في كلماته وعباراته وعناوين قصائده، حتى إن عنوان ديوانه: انتصارات هابيل وهزيمة الطغاة، تفوح منه هذه المعاني التي استوحى منها كثيرا من قصائده، كما استلهم بعضا من قصائده من الشعر العربي الموغل في القدم، فها هو في قصيدة: رفح الصمود، يقول مثلا:
سعى الأعداء لا يألون جهدا
لكسر إرادة الوطن السليب
أنا المأسور في ألـــــم ولكن
أرى فرجا يلوح وعن قريب
صفحة 2
وهـــذه المعاني مستمدة من قول الشاعر الجاهلي عدي بن زيـــد العبادي وهو في أسره موجها قوله للملك النعمان:
سعى الأعداء لا يألون شرا
عليك ورب مكة والصليب
وهذا يحصل عند الشعراء، فالشعراء مجتمع واحد مهما اختلف المكان وتباعد الزمان، والشاعر حين عارض القصيدة فإنه يستجمع الماضي والحاضر ويستنطق التاريخ ليسكب مشاعره الدافقة في مناسبة مشابهة ويسقطها على معاناة شعبه الذي يرزح تحت التنكيل والتعذيب، فالقصيدتان تشتركان في الحالة النفسية التي ولدا فيها، فإذا كان عدي مأسورا ويحس بالظلم والقهر فإن شاعرنا ينبثق من وجع شعبه الفلسطيني الذي أرقه وأقض مضجعه، وهذا ما يعرف بالتناص أو التوارد· ويتجلى هذا الشعور في جل قصائده التي يحاول فيها زرع بذرة الأمل لأبناء وطنه وهم يواجهون قوة الباطل التي تساندها إمبراطورية الظلم والجبروت·
إن المتأمل في شعر د· معتصم الخضر يتلمس موقف الشاعر من قضيته التي يتبناها بحس قوي، فهو يدافع عن الحق بكلام جلي لا يعرف المراوغة، وهو كذلك يصور الحالة العربية المترهلة في أبيات واضحة الدلالة يستخدم فيها رموزا تاريخية مؤثرة كالبسوس؛ ليتمكن من ترسيخ فكرته التي يؤمن بها بكل ما أوتي· وهو ناقم على الطواغيت وينحو على المتفرجين من هذه الأمة، والذين فقدوا معنى الكرامة والمروءة، فما عاد همّ الطغاة إلا أن يحافظوا على عروش المذلة، ولكنه كما يقول: إن أنوار الفجر تلوح ولا بد أن يعلن ميلاد الفجر·
فإلى الإمام شاعرنا، ومزيدا من العطاء والشدو، شرح الله صدرك وأحل عقدة لسانك، ودمت للقريض وأهله.
2013
صفحة 3
المقدمة
إن هذا الديوان المتواضع (انتصارات هابيل وهزيمة الطغاة) يحتوي على ست وثلاثين قصيدة، منها ما كتب قبل أكثر من ثلاثين عاماً ومنها ما كتب حديثاً، وأحيل إلى القارىء الكريم اكتشاف الخيط الذي يربطها جميعا· وقد نشرت في السابق ديواناً ولكنني وقعت ضحية لصاحب مكتبة أوهمني أنه دار نشر ولم يكن كذلك، فهذا الديوان الثاني اسمياً والأول فعلياً·
هناك أسباب عدة شجعتني على نشر هذا الديوان: الأول هو ما قامت به جامعة القدس المفتوحة، والتي لي شرف الانتماء إليها، وبتوجيه من رئيسها أ· د· يونس عمرو المحترم، بتشكيل لجنة سنة 2008 من أجل إبراز قدرات أعضاء هيئة التدريس وإبداعاتهم في الجامعة في مجال الإبداع الشعري· وهذا يدل على التنور الفكري وبعد النظر الذي يتمتع به القائمون على هذه الجامعة في اتخاذ خطوة غير مسبوقة في أي جامعة من جامعات الوطن، وربما على مستوى الوطن العربي· ولذا قامت اللجنة بدراسة أشعار المتسابقين، وأعدت قائمة بأسماء شعراء جامعة القدس المفتوحة وعددهم ستة، وقد كنت، ولله الحمد، أحدهم· وقد منح أ· د· رئيس الجامعة كل واحد منا شهادة بذلك وخطوة استثنائية تشجيعية· فشكرا لجامعة القدس المفتوحة والقائمين على تلك المبادرة التي جددت في نفسي الروح الشعرية، وجعلتني أنقب عن أشعاري التي كتبتها في السابق من أجل ضبطها ونشرها·
السبب الثاني الذي شجعني على نشر هذا الديوان هو أنني ما أرسلت قصيدة إلى جريدة أو مجلة أو موقع إلكتروني إلاّ وقُبلت ونُشرت، وقد قام عدد من المواقع الإلكترونية بتناقل أشعاري التي أرسلتها، ووجدت أن بعضها قد اتخذ من قصائدي واجهة لموقعه· وإنني أشكر القرّاء على التعليقات التي ترفع من شأن قصائدي والتي رفعت من روحي المعنوية، وكانت دافعاً لنشر هذا الديوان·
صفحة 4
أما السبب الثالث، وهو الأهم، فهو فضل الله عليّ بوجود هذه الموهبة عندي، فقد قرضت الشعر صغيراً وكنت أحتفظ بدفتر كبير مليء بالأشعار من تأليفي، وفي داخله كذلك قائمة بأسماء الكتب التي قرأتها، ولكن عندما سافرت للدراسة الجامعية بعد المرحلة الثانوية، قامت والدتي رحمها الله، وهي تظنّ أنها تسدي إليّ معروفاً، بحرق مجموعة من كتبي القيّمة ودفتر أشعاري لتخفف من ازدحام غرفتي بالكتب والدفاتر· وعندما عدت لبلدي لزيارة الأهل علمت بما جرى، وفتشت في ما بقي من الكتب والدفاتر فلم أعثر على ذاك الدفتر واستسلمت لحقيقة ما حدث· وكنت في فترة دراستي الجامعية الأولى، وعدة سنوات تلتها، أكتب الأشعار ولا أحتفظ بها، فقد أصبت بخيبة أمل، ثم بدأت بالتعافي تدريجياً ونشرت أول قصيدة سنة 1982·
وسأقوم، إن شاء الله، بعد نشر هذا الديوان بنشر دواوين أخرى، لأنني أعتقد أن الشاعر كالبلبل لا يمكن له إلا أن يشدو، وعليه أن يُسمع هذا الشدو من خلال نشر شعره، فالشعر للشاعر هو رمز العطاء وصنو للحياة·
د· معتصم توفيق قاسم الخضر
عضو اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين
عنوان العمل: جامعة القدس المفتوحة، طولكرم، فلسطين·
عنوان السكن: دير الغصون، فلسطين·
Email: [email protected]
صفحة 5
حتمية زوال الطواغيت
كتبت على أثر هبوب رياح التغيير على الوطن العربي ابتداءً من تونس
هو الطاغوتُ صنواً للفناء
شعوب العُرْبِ سيدةُ الفداء
كما القرآنُ خالدةٌ سترنو
إلى عزّ يرفرفُ في السماء
فهذا القيدُ يُكسرُ تحت نعلٍ
ونعلُ الحرِّ يصفعُ رأسَ باغِ
ففرَّ البغيُ بعدَ طويلِ ليلٍ
وغنّى الطيرُ بعد رحيلِ طاغِ
هل تلكَ جريمةٌ
أن يتنفسَ شخصٌ بعض هواءِ الحريةِ
يا كُلَّ طواغيتِ الأرضِ وأحفادَ الفرعونِ
يا أبناءَ النمرودِ
صفحة 6
وتجرأتمْ أن قلتمْ بربوبيَّتِكمْ
وظننتمْ أن الشمسَ وكلَّ الأجرامِ
رهن إشارتِكم
ظنوا كالمجنونِ بأن الشمسَ سيحجُبها غِربالْ
ما عرفوا الشمسَ سوى جُرمِ طلعِتها تأتي بالأموالْ
ليسَ بها فرحٌ وسرورٌ
ما نظروا للشمسِ معلّمةً
تأتي رمزاً للتغييرِ وللتجديدِ
فتُعّلمنا أن الكونَ فسيحٌ
تسبحُ في بحرِ أزرقَ
يخلو من كلِّ سياجْ·
صفحة 7
قانونُ فراعنةِ الأعرابِ يقول:
التغييرُ جريمةٌ
والحريةُ أبشعُ شيطانْ
والتجديدُ كزقّومِ جهنمَ
خيرُ مكانٍ للعيش هو الكهفُ المظلمُ
كنْ كالخفاشِ صديقًا للعتمةْ·
لكن دونَ جناحْ
الحريةُ في رأي الطاغوتِ جنونٌ
من قالَ بها لا شَكَّ به مسٌّ من شيطانْ
أو يتعاطى أدويةً تفتكُ بالعقلِ وبالمنطقِ
هل تقنعُ أن هناكَ رياحاً للحريةِ في هذا الكونْ؟
ما أبشعَ نور العلمِ!
يُعمي الأبصارَ
صفحة 8
لا تقرأْ كتباً أو تسمعْ للمتنبي عن خيرِ جليسٍ
هذا من بعض أساطيرِ الصحراءِ
فالعلمُ له سمٌّ يقتلُ أمنَ الأوطانِ
وحمايةُ هذا الشعبِ ضرورةْ·
هذا جيشُ الطاغوتِ
سيحاربُ من ينشرُ نوراً في الأرضِ
وسيُعدمُ من قالَ بأن الشعب له عينٌ تُبصرُ
لا شيءَ كمثلِ الطاغوت على كرسيِّ الحكمِ
يحكمُ منذُ عقودٍ وعقودٍ
لا يأتي من يحكمُ بعدَ الطاغوتِ سوى ولدهِ
لأنَّ الطاغوتَ هو الخيراتُ
هو شعبٌ، بل أمّة
فالطاغوتُ له جيناتٌ ليسَ لها في الحُسنِ مثيلٌ
خير الجيناتِ يورّثها
صفحة 9
فهو المحبوبُ من الشعب وبالفطرةْ·
هذا الطاغوتُ
سرق السرَّ الفرعونيَّ
ولكنْ
ليست أسرارَ التحنيطِ
أو فنَّ بناءِ الأهراماتِ
بل سرَّ الطغيانِ وإذلالِ الشعبِ
كيفَ يواصلُ قهرَ الناسِ بأغلالٍ لا تُكسرُ
كيفَ التعذيبُ يكونُ وقفلُ البابِ
كيف يقدسُ شعبٌ حاكمَهُ
كيف يكونُ الطاغوتُ إلهاً لا يُعصى·
بيتُ الطاغوتِ مليءٌ بالطاعونِ
من خارجهِ كالمومسَ تستخدمُ كلَّ طلاءٍ
لتجمّلها في عينٍ لا تبصر ما تحت الألوان
صفحة 10
لكنَّ الوجهَ به صفرةْ
والعينُ تخلَّتْ عن كلِّ حياءْ·
ما أجملَ نور الحرية!
والطاغوتُ يصرُّ على أن يبقى الشعبُ بظلمةِ بطنِ الأرضِ
لا يمكن للطاغوتِ تلمّسُ أنوارِ الحقِّ
يأبى أن يجلسَ كالتلميذِ أمامَ التاريخِ
فقلبُ الطاغوتِ عليه الأقفالُ
لا يعرفُ إلا لغةَ القتل وسفكِ الدم
فالذلُّ نهايتُه
هربٌ أو قتلٌ أو في قفص الإجرامْ·
كمْ أُغرقَ هذا الطاغوتُ بآهاتِ المظلومينَ
كمْ من أرملةٍ وقفتْ في جوفِ الليلِ
تشكو هذا الطاغوتَ إلى اللهِ
أمٌ تدعو أن يُنزلَ صاعقةً تحرقهُ،