صفحة 1
تقديم
العشاق والفقراء والثابتون على المبدأ من رجال هذه البلاد ونسائها سيحبّون هذا الكتاب. وسوف يحبّون بطليه يوسف وعليا المصابَين بالتعدد الجميل وبالتجدد في الزمان وعبر الأمكنة. يوسف وعليا مريضان بالخلود. كأنهما ضمير. ضمير يبدأ يومه بالاستحمام وقليلٍ من الرياضة والملابس والكلمات، قبل الخروج لمحاكمة هذا العالم الذي تتسخ ياقة قميصه الضيقة كلما نطق بالزور أو نسي الشهداء أو رقص على موسيقى القبح والشر. يوسف وعليا هما أنتَ وأنتِ وأنا ونحن معاً بعد أن ننزع ثياب الطائفة والحزب والفصيل والمذهب والرأي المكوّن من حجر لا نوافذ فيه ولا باب له يفضي إلى أي أَمام. نرافقهما إلى العواصم والمدن وخطوط النار وحروب التحرير والتحرر وخيبات التراجع والارتداد والخيانات الصغرى والكبرى. ليس مهماً أن نتفق أو نختلف معهما بل المهم أن ننظر إلى الكون من نافذتهما مرة واحدة ونفكر فيما نرى بدلاً من أن نرى ما نفكر فيه.خضر سلامة يصطحبنا، في رحلة عبر أزمنة شتّى وأماكن شتّى بعد أن يسمّينا يوسف وعليا ويتركنا وحيدين كحنظلة نعاين تاريخنا ورواياتنا ومصائرنا وأيامنا القادمة. ورغم أنه لا يتحدث علناً عن المستقبل الآتي؛ فالمستقبل الآتي هو سر هذا الكتاب. لن تصلوا سالمين إلى أي مستقبل بلا مقاومة. هذا ما تقوله لنا القارّات كلها دون أن تقول خطبة واحدة. هذا كتاب هامس خفيض الصوت وذو نبرة تغريك بتصديق همسه وتفرح لأن هذه الأوركسترا خالية من الطبول.
فرادة هذا الكتاب أنه يشير إلى الخسارة لكنه لا يؤبدها، ويكتب النصر مكتفياً بالإيحاء بأنه ممكن. لا أريد أن ألخص مكونات الكتاب ولا أن أفسرها، فأنتم وأنتن قادرون وقادرات دون تدخل من أي وسيط أن تبصقوا على الخونة والمتحولين والدجالين الذين يكتظون بين غلافيه، وعلى منح أحضانكم وأحضانكن لفقرائه ومضحّيه ومَجاريحه الذين صنعوا فَرْقا في زمانهم لمجرد مرورهم فيه على النحو الذي رسمه خضر سلامة
لا تتوقفوا طويلاً عند تصنيف هذا الكتاب، لا تتساءلوا إن كان قصصاً قصيرة أم رواية أم كتابة شعرية أم تاريخاً آخر لجراحنا. فقد يكون غير ذلك تماماً أو كل ذلك دفعة واحدة. التصنيف مهنة الكسول، والكسول مرجعيته جاهزة، رتبها سواه في ماضي الأيام. كونوا أنتم المرجع لما تطالعون من فنون الكتابة أو أقلّه حاولوا.
هذا كتاب مفرح موجع ذكي واضح وغامض ماكر ولئيم (وأستخدم النعت الأخير هنا بمعناه الشعبيّ المحبّب والإيجابي) أو بتعبير أدق، فيه ذلك القدر من المكر واللؤم الضروريين لكل كتابة نجت من السقوط في بلاهة التبسيط لترتقي إلى حكمة البساطة وروعتها.
مريد البرغوثي
نوفمبر 2013
صفحة 2
مدخل
أحبك لأطفئ السجائر كانطفاء الشمسفي صدر الليل النحيل،
وأحبك، لأفتش في مرايا الكفين
عمّا يترك الوقت في المرايا
من وجهك الجميل
وأحبك، لأقنع ظل البكاء بالبقاء ساريةً
لكلّ ما فيَّ من شوقٍ ثقيل
***
أحبّك، طفلاً على بوابة الصف
يمسك ثوب أمه كي
لا يعريه الرحيل
أحبّك، لترتاح المدينة من اسفلت
المصارف يخنقها
فتأخذ من ورد عينيك القليل
***
وأحبّك كأساً من الأصوات
متروكاً على نعش قبّرةٍ
يغرّد الريح في جنحيها فترتفع
الحياة وتصرخ ملائكة السماء: يحبّها!
وصعود الروح من طين إلى ذهب
ومن خدٍّ إلى شفةٍ إلى غدهم
دليل.
***
وأحبّك كي يأخذ عاملُ أطوار الجنون
فيركب الريح الحمراء ليرضع
من إصبع الجليل،
وأحبّك حب عذراء تكنس الدم
عن كتف الصليبِ وتقرأ آيةً من آيات بيتهوفن
فينتفض القتيل.
***
أحبك نفساً ساخناً كالخبز
يستأذن أذن الحبيب
ليزيد من مأساة حواسه الخمس.. ومن أحزان قلبٍ عليل.
خضر س.
صفحة 3
أنتظر قوس قزح
قبل مئتي عام، قامت الدعاية الصهيونية الأدبية في جملة ما قامت به من بروباغاندا، باستعمال أسطورة اليهودي التائه، الذي غضب عليه الإله لإهانته المسيح عند خروجه من المحكمة، بعدم الموت والتيه في الأرض، في محاولتها لكيّ الوعي الشعبي الأوروبي لمصلحة خطتها في احتلال فلسطين، ولعلّ الشهيد القائد غسان كنفاني، كفى هذه الأسطورة حقها في تحليل استعمالاتها الصهيونية في كتابه النقدي «في الأدب الصهيوني».في هذه المجموعة القصصية القصيرة المشبوكة في قصة واحدة، محاولة لإعادة تكرار الحكاية الشعبية، وقولبتها في إطار من حب، وطن، أرض وإنسان واحد الحال، ينصف نفسه أينما حلّ بمحاولة التكفير عن خطاياه وأسلافه، بنحت كوكب الأرض، واستعمل الكاتب في المحاولة هذه، أسماء تاريخية وأحداثاً حقيقية وقصصاً شعبية وميثولوجية، قد تفيد من جمعها في سلّة واحدة من قضية واحدة: أنقذوا عالمنا من السقوط الأخلاقي اليومي في ثقافة الاستهلاك التي تمحو الأسماء والذكريات، وتستبدلها بالعلامات التجارية وأسهم البورصة.
ثلاثة أيام لم ينم، كان الله لينهي بناء نصف العالم، وكان ابنه لينهض عن الصليب ويطير، وكان العبرانيون ليجدوا طريقهم في الصحراء، وهو لم يكن لينام، يطفئ الكأس الخامسة بالسيجارة الألف، ويكمل بحثه عن شيء ما في السقف: وجهه.
لا يذكر «يوسف» جيداً ماذا حدث قبل عشرين قرناً، كان المسيح يسير بالخشبة بعد أن حكم الأقوياء على صديق الضعفاء بالموت، هل كان يوسف من ضربه على ظهره؟ هل كان هو التاجر الذي رفض أن يعطيه ماءً؟ هل كان الإسكافي الذي شتمه؟ يذكر أنه ارتكب الخطيئة، ولأن الناس ينسون فعل الخير، ولا يُسامحون الخطيئة، لم يخرج من عيونهم، وظلّ ملعوناً في الحياة وحُرم من النهاية، وتاه في الأرض، تارة يخبز الدين في ديرٍ جبلي بأرمينيا، وتارةً يقطف المال من يد العابرين في روما، وتارةً يكتب شعراً، وتارةً يثور. رآه الناس بألف صورة، وهو، كان قد نسي وجهه. منذ زمنٍ وهو يدور في الأرض، كان يشمت بالموت، فانتقم الموت منه بأن أعفاه من دوره في ركوب الرحيل. ولكنه، منذ عشرين قرناً، منذ ضرب المسيح، منذ تركه عطشاناً، منذ شتمه، لم يعشق إلا «عليا»، قبل أن تولد ربما، أو قبل أن يُلعن، قبل أن يطول شعرها، وقبل أن يفقد شعره، قبل اكتناز الشهد في شفتيها، وقبل لحيته التي مسحت الطفولة عن وجهه. لعنه ابن الله بأن لا يموت، ولأن يسوع مدرسة حب، ضمَّ عليا إلى اللّعنة أيضاً، فصارت مثل كارتا فيليوس، مثل يوسف: لا تموت.
وإذا كان غلغامش ملك أوروك، في القصة الأولى التي دونها البشر بحفرٍ سومريّ، قد ضحى بكل شيءٍ ليصل إلى أوتنباشتم، الرجل الوحيد الذي حظي بالخلود، ليدله على طريق عشبة الخلاص من الموت، فكارتا فيليوس، يوسف في هذه السطور، سيصيبه آفة الخلود نفسها، ويسمونه في القصص الجديدة: التائه، ليدور بين البلاد كشحّاذ لا يملك، في هذه القصة، إلّا عليا. حبيبته.
ثلاثة أيامٍ لم ينم، يفكّر فيها، يكتب عنها، يفتح الشاشة ليراها تكملُ يومها غير عابئة بأنها أخذت منه الروزنامة والساعة وتركته بلا وقت، يرسم ما يعرف كل من لا يعرف الرسم، أن يرسم: بيتاً من قصب، خلفه تلالٌ تحاول لمس السماء فيحبطها خيال عصفور يقسم الكوكب بين أرضٍ وسقف، شجرةً في فيئها وردة، وشمساً مستديرة تبتسم، وهو لا يبتسم، لماذا تركته ولم تتركه؟
لا يسكره شيء كما الشوق، تكون الشوارع حذاء ضيقاً يؤلم قدميه، فيخلعه ويمشي على غيم، وتكون عقارب الوقت صوتاً كسوط، يشغل نفسه عنه بالأغنية. وتكون المواويل عصا عجوز، تطرق اسفلت الذاكرة.
وبعد عشرين قرناً، ما زال يحبّها، في بيروت.
وبيروت المدينة عازف أكورديون بارع، عازفٌ يتسلق الحائط كي لا يعلق بأوساخ الأغاني المملة، كما تتسلق المدينة أعمدة إنارتها كي لا يصيبها سعال السكارى في الليل، ويرتب أصابعه فوق أبجدية الموسيقى، كما ترتب المدينة ذهابها المستمر إلى الشمس في الصبح: أنيقة، المدينة عازف أكورديون، يرمي علينا ورود الحكايات والقصص والذكريات.
لا شكّ أن صورة بيروت المعلّقة على حائط السبعينيات والثمانينيات، أجمل من تلك المرسومة على شاشة العصر. بالأبيض والأسود، كل شيء يكون أوضح، ولما صارت المدينة بالألوان، لم نعد نميّز الحزن من الفرح، ولا القصف من العرس ولا الجنازة من التظاهرة، في حصار بيروت قبل ثلاثة عقود، كان ثمة رجلٌ يقفز بين القناص والقناص، كأرجوحة عيد، ليسرق من الموت رغيف خبزٍ، كان هو، يذكر يوسف جيداً، كانت عليا تترك شعرها على كتفيها، كما تترك البارودة مخزنها، لم يكن ليحبها خارج إطار الحرب، كانت فلسطين عن جنوبه، والفاشيون عن شرقه، والأسطول الأميركي عن غربه، والهواء الشمالي البارد وحده كان يفتح احتمالات المطر في جفاف الحصار، كان العام 1982، قبل ثلاثين عاماً من الوحدة، المكان، بيروت الغربية، المناسبة، فاصلٌ إعلاني بين القذيفة والقذيفة للبحث عن الماء. الجميع في وعاء الكفافي والسلاح ورائحة التبغ التي تسرّك، إذا ما كانت الشيء الوحيد الذي يكسر رائحة البارود.
صفحة 4
رفيق يوسف، ماذا سمعت من أخبار؟
يا رفيق أحمد، بيروت صامدة، لو لم يرمِ البعض سلاحه تحت أقدام فاشست الصهاينة، ربما لم يكن ليقع هذا الفيلم كله، القصف يهز الفاكهاني والليلكي والمتحف ولا تهتزّ الشوارع بينهم إلا بأخبار فدائيين يفتحون النار من كل مكان على كل غازٍ، الشباب معنوياتهم عالية، والأميركيون طرحوا صفقة تقضي بإخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت.
إلى فلسطين؟
إلى أثينا.
أثينا على طريق فلسطين؟
لا يا صاحبي، أثينا على طريق واشنطن.
«سأحضر ماء» ينهي يوسف الحديث، ويقفز الدرجات للوصول إلى الشارع، في الشارع رآها، في ما تبقى من الشارع بعد غارة اسرائيلية وبارجة اميركية ومتفجّرة فاشية، كانت تبحث عن ماء أيضاً، أما هو، فقد غلبه العطش إلى صوتها.
كيف حالك؟
تعبت يا يوسف، أنت مشغولٌ بقضايا الأرض، وأنا يحيط بي الحصار كأفعى، أخاف أن تكون أحببت السلاح ونسيتني.
لمن نترك بيروت؟ إذا أخذ الاسرائيلي بيروت وبحرها، فغداً يأخذ دمشق وياسمينها، وبغداد ومواويلها، وشيراز وشعرها، ماذا يبقى للعاشق عندئذ سوى أرصفة تسوّل قصيدة؟ معركة بيروت معركتنا أنا وأنتِ الشخصية ضد العالم.
اشتقت إليك.
فلنسبق القصف، تعال نزر الحرب في بيتها - المدينة.
كان كل شيء قد تغير في الثمانينيات، يصرخ أحد المجانين الهاربين من عصفورية البلد في وجه العاشقين: إنهم يفخخون كل شيء!
فعلاً، يجيب يوسف: «فعلاً، عليا، إنهم يفخخون كل شيء، حتى صوتك انفجر بأذني كجرس كنيسة! حتى صورتك انفجرت بعيني كنهر الليطاني!» كانا يمشيان في شبح المدينة، لا المدينة، يخيفها صوت رصاصة طائشة، فيشد على يدها بأغنية للشيخ إمام، البحر بيضحك ليه؟ يسألها، تخجل قليلاً، يكمل: لأنك جارته.
وفي بحر بيروت، تتوقف سطوة بوسايدون، بحر بيروت منطقة ذات حكم ذاتي، لم يكن قد ردمه المال بعد، وكان امتداداً شرعياً لبحر صور، حيث خرجت من بوابته يوماً أليسار غاضبة، ولبحر صيدا، المحروس بدم معروف سعد، أبي الفقراء المقتول قبل عقدٍ من الزمن، على شرفة الصيادين الفقراء، من هناك أتى يوسف وعليا قبل سنوات، ربما بعد أن أخرج النظام أبا ذر من أرض جبل عامل، حينئذ لم يعد لشتل التبغ اللون نفسه، ولم يعد القمح يشتهي صعوده من التراب. ليس للفقراء أحدٌ بعد أبي ذر. كان يوسف تلميذه النجيب، يقتنع بصحة الوضوء بسيف عليّ بن أبي طالب، ويضع علامات التعجب إذا تعجب أبو ذر كيف لم يخرج الجياع على الناس بعد، كان يجمع له التين من بستان والده، فينهره الرجل الحكيم، ليوزعها على من هم أحوج إلى التين في زمن القحط.
تغيرت بيروت، وتغير جبل عامل، الثورة أصبحت قراراً فردياً، يقف على الضوء الأحمر إذا قرر سماسرة السياسة ذلك، حين أتى إلى بيروت مقاتلاً منتصف السبعينيات، كان مقتنعاً بضرورة مسح الطبقات الغنية وإعادة توزيع الثروات، لم يكن يضع في حسابه، أن الثروات ستوزع على خزائن القادة، وأن جنود الأعداء لهم حصة أيضاً، كان لا يريد إلا أن يرضي عليا، بقيت في المدينة «فلاحة»، ولم تتلوث برجس التنظير، لا يذكر في أي تظاهرة كانا، حين تركت الجموع الغاضبة، ووقفت تصور شاباً يحمل العلم إلى كتف شجرة، كانت تحب التصوير، وما زالت، ثمة كاميرا جاهزة في كل لحظة، لتقطف التاريخ بالصورة، فلا تنسى.
تغيرت بيروت كثيراً، محمود درويش لم يعد يخرج، ويرشق الجميع بالشعر من خلف نافذته، غسان كنفاني كان قد سبق الجميع بعشر سنوات إلى الموت، ناجي العلي يطل برسومه في صحف الأيام التي تسمح بمرور الصحف، مظفر النواب يبكي على كل منبر ويشتم العرب، الرفاق المقاتلون القادمون من تونس كانوا يسرعون إلى الجنوب كي لا يصابوا بداء الحرب الأهلية، أخبار الحرب العراقية - الإيرانية تشغل بال جميع لاعبي القمار في السياسة، والأحزاب الوطنية تفقد سطوتها في بيروت الغربية لمصلحة الميليشيات المستقلة، والصعود الطارئ للأحزاب الدينية، عشر سنواتٍ من الحرب، ليأتي الاسرائيلي وينصّب بشير الجميل رئيساً؟ لا يمكن أن يمرّ هذا المجرم، كتاب التاريخ لن يسمح بعد آلاف الشهداء، بأن ينتهي باسم قاتلهم.
ويوسف عالقٌ في الحرب، الحصار يشتد على عنق بيروت أكثر، عشرة قتلى في القصف في الضاحية، عشرون في طريق الجديدة، عملية تسلل للموساد وتصفية فلان وفلان، الخبز يكاد ينقرض كما انقرضت زعامات العرب، والماء يشح كما شُحّت الكرامة العربية، والذخيرة تنقص كما ينقص ضغط رئيسٍ دولة شقيقة، سمع بحجم الخسائر الاسرائيلية على يد قلّة من مجانين هذا العصر. بيروت تقاتل، تخرج بشبابها وفصائلها وأحزابها، تقنص جندياً كاد يبول على حائطٍ كان مراهقٌ يقبّل حبيبته عليه، سنقاتل، وإن دخل الاسرائيلي بيروت، فلن يخرج إلا بعد أن تعلّمه عاصمة فوضى الألوان الجميلة، ألّا يكرر إهانة بنت الله.
يا رفيق أحمد، بيروت صامدة، لو لم يرمِ البعض سلاحه تحت أقدام فاشست الصهاينة، ربما لم يكن ليقع هذا الفيلم كله، القصف يهز الفاكهاني والليلكي والمتحف ولا تهتزّ الشوارع بينهم إلا بأخبار فدائيين يفتحون النار من كل مكان على كل غازٍ، الشباب معنوياتهم عالية، والأميركيون طرحوا صفقة تقضي بإخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت.
إلى فلسطين؟
إلى أثينا.
أثينا على طريق فلسطين؟
لا يا صاحبي، أثينا على طريق واشنطن.
«سأحضر ماء» ينهي يوسف الحديث، ويقفز الدرجات للوصول إلى الشارع، في الشارع رآها، في ما تبقى من الشارع بعد غارة اسرائيلية وبارجة اميركية ومتفجّرة فاشية، كانت تبحث عن ماء أيضاً، أما هو، فقد غلبه العطش إلى صوتها.
كيف حالك؟
تعبت يا يوسف، أنت مشغولٌ بقضايا الأرض، وأنا يحيط بي الحصار كأفعى، أخاف أن تكون أحببت السلاح ونسيتني.
لمن نترك بيروت؟ إذا أخذ الاسرائيلي بيروت وبحرها، فغداً يأخذ دمشق وياسمينها، وبغداد ومواويلها، وشيراز وشعرها، ماذا يبقى للعاشق عندئذ سوى أرصفة تسوّل قصيدة؟ معركة بيروت معركتنا أنا وأنتِ الشخصية ضد العالم.
اشتقت إليك.
فلنسبق القصف، تعال نزر الحرب في بيتها - المدينة.
كان كل شيء قد تغير في الثمانينيات، يصرخ أحد المجانين الهاربين من عصفورية البلد في وجه العاشقين: إنهم يفخخون كل شيء!
فعلاً، يجيب يوسف: «فعلاً، عليا، إنهم يفخخون كل شيء، حتى صوتك انفجر بأذني كجرس كنيسة! حتى صورتك انفجرت بعيني كنهر الليطاني!» كانا يمشيان في شبح المدينة، لا المدينة، يخيفها صوت رصاصة طائشة، فيشد على يدها بأغنية للشيخ إمام، البحر بيضحك ليه؟ يسألها، تخجل قليلاً، يكمل: لأنك جارته.
وفي بحر بيروت، تتوقف سطوة بوسايدون، بحر بيروت منطقة ذات حكم ذاتي، لم يكن قد ردمه المال بعد، وكان امتداداً شرعياً لبحر صور، حيث خرجت من بوابته يوماً أليسار غاضبة، ولبحر صيدا، المحروس بدم معروف سعد، أبي الفقراء المقتول قبل عقدٍ من الزمن، على شرفة الصيادين الفقراء، من هناك أتى يوسف وعليا قبل سنوات، ربما بعد أن أخرج النظام أبا ذر من أرض جبل عامل، حينئذ لم يعد لشتل التبغ اللون نفسه، ولم يعد القمح يشتهي صعوده من التراب. ليس للفقراء أحدٌ بعد أبي ذر. كان يوسف تلميذه النجيب، يقتنع بصحة الوضوء بسيف عليّ بن أبي طالب، ويضع علامات التعجب إذا تعجب أبو ذر كيف لم يخرج الجياع على الناس بعد، كان يجمع له التين من بستان والده، فينهره الرجل الحكيم، ليوزعها على من هم أحوج إلى التين في زمن القحط.
تغيرت بيروت، وتغير جبل عامل، الثورة أصبحت قراراً فردياً، يقف على الضوء الأحمر إذا قرر سماسرة السياسة ذلك، حين أتى إلى بيروت مقاتلاً منتصف السبعينيات، كان مقتنعاً بضرورة مسح الطبقات الغنية وإعادة توزيع الثروات، لم يكن يضع في حسابه، أن الثروات ستوزع على خزائن القادة، وأن جنود الأعداء لهم حصة أيضاً، كان لا يريد إلا أن يرضي عليا، بقيت في المدينة «فلاحة»، ولم تتلوث برجس التنظير، لا يذكر في أي تظاهرة كانا، حين تركت الجموع الغاضبة، ووقفت تصور شاباً يحمل العلم إلى كتف شجرة، كانت تحب التصوير، وما زالت، ثمة كاميرا جاهزة في كل لحظة، لتقطف التاريخ بالصورة، فلا تنسى.
تغيرت بيروت كثيراً، محمود درويش لم يعد يخرج، ويرشق الجميع بالشعر من خلف نافذته، غسان كنفاني كان قد سبق الجميع بعشر سنوات إلى الموت، ناجي العلي يطل برسومه في صحف الأيام التي تسمح بمرور الصحف، مظفر النواب يبكي على كل منبر ويشتم العرب، الرفاق المقاتلون القادمون من تونس كانوا يسرعون إلى الجنوب كي لا يصابوا بداء الحرب الأهلية، أخبار الحرب العراقية - الإيرانية تشغل بال جميع لاعبي القمار في السياسة، والأحزاب الوطنية تفقد سطوتها في بيروت الغربية لمصلحة الميليشيات المستقلة، والصعود الطارئ للأحزاب الدينية، عشر سنواتٍ من الحرب، ليأتي الاسرائيلي وينصّب بشير الجميل رئيساً؟ لا يمكن أن يمرّ هذا المجرم، كتاب التاريخ لن يسمح بعد آلاف الشهداء، بأن ينتهي باسم قاتلهم.
ويوسف عالقٌ في الحرب، الحصار يشتد على عنق بيروت أكثر، عشرة قتلى في القصف في الضاحية، عشرون في طريق الجديدة، عملية تسلل للموساد وتصفية فلان وفلان، الخبز يكاد ينقرض كما انقرضت زعامات العرب، والماء يشح كما شُحّت الكرامة العربية، والذخيرة تنقص كما ينقص ضغط رئيسٍ دولة شقيقة، سمع بحجم الخسائر الاسرائيلية على يد قلّة من مجانين هذا العصر. بيروت تقاتل، تخرج بشبابها وفصائلها وأحزابها، تقنص جندياً كاد يبول على حائطٍ كان مراهقٌ يقبّل حبيبته عليه، سنقاتل، وإن دخل الاسرائيلي بيروت، فلن يخرج إلا بعد أن تعلّمه عاصمة فوضى الألوان الجميلة، ألّا يكرر إهانة بنت الله.
صفحة 5
يوسف يريد ماءً، وكذلك عليا، كان كلّما طلبت منه زجاجة ماء، أجابها بأنّ الأزمة السياسية في البلاد العربية هي أزمة جفاف، ويكتب لها من خلف المتراس:
«عليا، حبيبتي، من أين نأتي بالماء؟
عليا، من يُرضع اللغة، والشعراء يكتبون عن السين والرين والفولغا وقناني البيرييه، ولا يلتفتون إلى قافية عطشى؟
من يسقي الأرض، ووزارة المالية تفرض ضريبة على المطر، ووزارة المياه تجمد معاملاته، ووزارة الداخلية تعتقله بتهمة تخريب الصحراء؟
من ينظف العلم الوطني، والمثقفون بدّلوا أنابيب الماء بأنابيب الغاز، والفنانون لوّنوا الآبار الجوفية بلون آبار النفط؟
من يغسل ثياب الشهداء، وثمة نجمة سداسية في كل بركة، في كل نهر، في كل ساقية وفي كل محبرة؟»
أواه، كم كنت قاسية يا بيروت قبل ثلاثين عاماً، على طفلٍ من عمر المسيح.
كانت بيروت تشبه هانوي، يعرف هانوي جيداً، العالم كله يعرف كيف قاتل يوسف قبل عشرين عاماً من حصار بيروت هناك أيضاً وكانوا يسمونه فونغ، كان الجندي الأميركي المدجج بالسلاح وجبة شهية للسكين بيد المزارع الفييتنامي، وكانت عليا تهرّب الرسائل إليه بشيفرة النمش على كتفيها، كيف كان يقاتل في فييتنام، ويتظاهر تأييداً لجنود هوتشيه منه في أوروبا؟ سرٌّ لا يعرفه إلا الخالدون، كيوسف، يوسف مرآة خطايا هذا العالم الجميلة: أينما وجدت عليا، كان يوجد، حين تأنقت كأي باريسية بشال أسود ومعطف جلدي ضيق، قدّم لها ثورة 1968، كان إلى جانب طلاب الجامعات يهز نجوم شارل ديغول ويسقطها واحدة تلو الأخرى، لتنتقي عليا ما يليق برأس برج إيفل، يخطب في الجموع في الشارع اللاتيني، ويختلس النظر كل برهة إلى عينيها ليرى إن كان أدهشها الخطاب أم لا، وحين عاتبه صديقه قائلاً:
هذه الثورة لا يمكن أن تكون لأجل امرأة فقط، إنها لأجل الوطن!
أجابه يوسف:
أنت ترى العالم بشكله الضيق، خرائط وبحاراً ويابسة وأنهراً وبشر، أنا أرى الكوكب بشكل أوسع: عينيها.
وحين كانت تعود إلى المعركة، كان يعود معها، إلى كل معركة كان يجب أن تكون أنثى فيها، فيكون مقاتلاً.
وحين رحل مع السفينة، بكته، رجته ألّا يترك شطّ شرق المتوسّط فيتغير على الكوفية مناخ القتل، رجته أن يقنع أبا جهاد ألّا يفتح الباب للقاتل في الليل بتونس، رجته أن يخبئ الأقلام جيداً، كي لا يوقّع بها أحدهم سلاماً عاراً، رجته وصرخت: يا يوسف، لا ترفع عينيك عن إخوتك، فإذا رموك في البئر هذه المرة، أكلتك تماسيح القعر.
ولكنه كان أكثر غروراً من أن ينتبه إلى وصايا عليا العشر. أكله التمساح حين استفرد التجّار به على السفينة التي أخرجت الكوفيات من بيروت.
«عليا، حبيبتي، من أين نأتي بالماء؟
عليا، من يُرضع اللغة، والشعراء يكتبون عن السين والرين والفولغا وقناني البيرييه، ولا يلتفتون إلى قافية عطشى؟
من يسقي الأرض، ووزارة المالية تفرض ضريبة على المطر، ووزارة المياه تجمد معاملاته، ووزارة الداخلية تعتقله بتهمة تخريب الصحراء؟
من ينظف العلم الوطني، والمثقفون بدّلوا أنابيب الماء بأنابيب الغاز، والفنانون لوّنوا الآبار الجوفية بلون آبار النفط؟
من يغسل ثياب الشهداء، وثمة نجمة سداسية في كل بركة، في كل نهر، في كل ساقية وفي كل محبرة؟»
أواه، كم كنت قاسية يا بيروت قبل ثلاثين عاماً، على طفلٍ من عمر المسيح.
كانت بيروت تشبه هانوي، يعرف هانوي جيداً، العالم كله يعرف كيف قاتل يوسف قبل عشرين عاماً من حصار بيروت هناك أيضاً وكانوا يسمونه فونغ، كان الجندي الأميركي المدجج بالسلاح وجبة شهية للسكين بيد المزارع الفييتنامي، وكانت عليا تهرّب الرسائل إليه بشيفرة النمش على كتفيها، كيف كان يقاتل في فييتنام، ويتظاهر تأييداً لجنود هوتشيه منه في أوروبا؟ سرٌّ لا يعرفه إلا الخالدون، كيوسف، يوسف مرآة خطايا هذا العالم الجميلة: أينما وجدت عليا، كان يوجد، حين تأنقت كأي باريسية بشال أسود ومعطف جلدي ضيق، قدّم لها ثورة 1968، كان إلى جانب طلاب الجامعات يهز نجوم شارل ديغول ويسقطها واحدة تلو الأخرى، لتنتقي عليا ما يليق برأس برج إيفل، يخطب في الجموع في الشارع اللاتيني، ويختلس النظر كل برهة إلى عينيها ليرى إن كان أدهشها الخطاب أم لا، وحين عاتبه صديقه قائلاً:
هذه الثورة لا يمكن أن تكون لأجل امرأة فقط، إنها لأجل الوطن!
أجابه يوسف:
أنت ترى العالم بشكله الضيق، خرائط وبحاراً ويابسة وأنهراً وبشر، أنا أرى الكوكب بشكل أوسع: عينيها.
وحين كانت تعود إلى المعركة، كان يعود معها، إلى كل معركة كان يجب أن تكون أنثى فيها، فيكون مقاتلاً.
وحين رحل مع السفينة، بكته، رجته ألّا يترك شطّ شرق المتوسّط فيتغير على الكوفية مناخ القتل، رجته أن يقنع أبا جهاد ألّا يفتح الباب للقاتل في الليل بتونس، رجته أن يخبئ الأقلام جيداً، كي لا يوقّع بها أحدهم سلاماً عاراً، رجته وصرخت: يا يوسف، لا ترفع عينيك عن إخوتك، فإذا رموك في البئر هذه المرة، أكلتك تماسيح القعر.
ولكنه كان أكثر غروراً من أن ينتبه إلى وصايا عليا العشر. أكله التمساح حين استفرد التجّار به على السفينة التي أخرجت الكوفيات من بيروت.
صفحة 6
كما يسترق عجوزٌ شارف خريف عمره الشتاء، النظر إلى فخذ امرأة شهي، كان يسترق النظر إلى الشعر الجالس بثقل حرارته، على كتفها، يعرفه الناس باسم زرياب ويعرف نفسه باسم أبي الحسن وأعرفه باسم يوسف، حين أتى إلى الأندلس، هرب من حسد أهل بغداد ومجون هارون الرشيد، دخل على خليفة الأندلس، وهناك، كان وحده قادراً على تغيير البشر بإضافات أجادها كطبيب تجميل بارع، رتّب الطعام بثلاث وجبات كما نعرفها اليوم: حساء، طبق رئيسي، فواكه، لربّما كما يحب لقاء حبيبته: ابتسامة، لمسة، وقبلة، أدخل استعمال الزجاج إلى أكواب الشرب بدل المعدن، لأن الزجاج سيسمح له برؤية وجهها من خلال الخمرة، ولكن أبرز ما اشتهر به، كان العود، استعمل ريش النسر في العزف بدل الخشب، لأنه يشتهي أن يصبح نسراً حين يغني، فيحلق بالأغنية إلى أذنيها، جعل أوتار العود خمسة، ليشغل كل الأصابع بالطرب.
هل تعتقدين أن الحب يصلح دون موسيقى؟
تتقلب في سريرها، بيضاء كما جبال الألب في البعيد، كما زبد البحر الذي حمله برقة إلى إسبانيا، بيضاء كأنها في يد طفل يحاول أخذ إذنٍ من المنجنيق ليقطف وردةً واحدة، تعطيه أسباب اللعب، وتجيبه:
الحب يصلح صامتاً، ويصلح صخباً، يصلح هادئاً ويصلح ساخناً، الموسيقى هي التي لا تصلح دون حب، تنتهي كأغاني العصافير في الصباح، بضجيج اليوم العادي. الموسيقى مع الحب، لا تنتهي بانتهاء الأغنية، بل تبدأ حين تنتهي. قبّلني!
ياه، كم هي بعيدة بلاد الشرق عن قرطبة، بعض المؤرخين يقول إن زرياب فارسي، وبعضهم عربي، وبعضهم أفريقي، وآخرون يقولون كردي، لم يسنح لهم الخيال الضعيف بصنع صورته كاملة، كان زرياب كل ذلك مجتمعاً، هو لعبة العود في فارس، ورقصة العرس في كردستان، وأغنية البلاط في بلاد العرب، وطبل القبيلة في أفريقيا، هو كل ذلك مضروبٌ في خلّاط السماء قبل أن يضيف إليه الوقت لمسةً من حفيف الشجر وطرق المطر المستمر على بوابة الشوق، في صحراء الشرق. سيذكر الناس جيداً زرياب لما فعل في مدرسة الموسيقى، لا يكترث، بعد قرون، في بيروت، لن يتذكر هو إلا عليا: الموسيقى عمله اليومي المرهق، أما عليا، فهوايته المسلية، كان يضطر أحياناً إلى لمس العود ليطرب الخليفة فقط، أو ليرتاح قائد الجيش من فكرة سقوط الأندلس يوماً بيد الأعداء، أو لتطمئن بغداد أن ثمة من هرّب الفكرة من حرائق المغول، لكن، حين كان يلمس جسد عليا، كان يلمسه ليطرب هو ويرقص كما رقص بعد سنين في اليونان بقدميّ زوربا، وليرتاح هو، كما ارتاح رومل من الهزائم في الصحراء، برصاصة، وليطمئن كما اطمأن حين وقف فوق رأس جيفارا، وتأكد أن قاتله لم يقتل إلا رجلاً، ولم يقتل كل الرفاق.
في دار المُدنيات، يجلس زرياب، كيف كان يعلّم الفتيان الموسيقى؟ بعضهم يقول، إنه كان يعلّم الفتى أولاً ميزان الشعر وبحوره وقراءة القصيدة على نقر الدف، ثم يعطيه لحناً خفيفاً بسيطاً، ثم يعلمه زخرفة اللحن، ولم يكن يعرف أحد سرّه، كان يشخص في عيون التلامذة المأخوذين بالأستاذ الأسطورة، والوافد عليهم من مدارس الجنّ الذين علموه الطرب، ثم يقول بلسان يوسف:
«باسم من لا يسمع صوت غنائه إلا المؤمنون، ومن لا يقرأ شعره غير القادر على فكّ لغة الألوان بالعين، ومن لا يصل إلى أذنيه إلا أصحاب الحناجر المحبوسة في قمقم البؤساء والمطعّمة بالمأساة، جئت لأعلّمكم كيف ترتبون الموسيقى، لا كيف تصنعونها، لا يصنع موسيقاكم إلا قلوبكم، وقلوبكم، لا تصنع شيئاً إذا لم تملأوها بالحياة، والحياة لا تمرّ إلى قلبٍ لا يحب، هكذا أوصتني حبيبتي، وهكذا أوصيكم وأنتم أحبائي، أحبوا كل شيءٍ في كل شيء، أحبوا الورق اليابس، لأن صوته تحت أقدام أهل الصيف، جميل، وأحبوا الورق الأخضر لأن حفيفه فوق عنق الربيع، جميل، أحبوا الماء لأن في انسكابه سبب البهجة للعطشى، وصوت اللقمة في الفم، لأنها غاية الطرب في أذن الجائع، أحبوا كل شيء في كل شيء، وستجد الموسيقى طريقها إلى أصابعكم بعد أرواحكم.»
كانت هي، تتلصص عليه من بلورتها السحرية، تراه يغوص في فنون الخطابة، ويشد حاجبيه إذا جرح تلميذٌ خد الوتر، يعجبها أناقته الثورية وكيف يخفي تجاعيد التاريخ جيداً، كأنها تكتشفه مرة جديدة كل مئة سنة، يعجبها، وتعجبه، حين سبقته إلى الأندلس، لم يعرف المؤرخون أنها هي من اخترعت الموال الحزين، وحولت بكائيات العرب على الأطلال إلى أغانٍ تشفي مأساتها مع رجل لا يموت، رجل خرج من قلعة أنطونيا يوم محاكمة ابن الرب، وتاه في الأرض بعدها، صارت هي بوصلته، يستدل على الاتجاهات من غرّتها الهابطة كقرآنٍ على وجهها، تنفخ عليها، فتطير الغرّة ويسكر التائه. يقول الكاتب، إن عليا، حين اخترعت الأغنية الحزينة، وانشغل العرب عنها بعد ذلك بهزائمهم، سرقتها سفينة الأفارقة المسروقين من جيب أفريقيا إلى بنوك أميركا الجديدة، وهناك، أصبحت عليا فناً قائماً سيُقال له بعد ألف عام: أغنية البلوز.
وحين ينهي درسه كل يوم، يخرجان إلى الشرفة، يموج الأندلس أمامهما كحقل قصب سُكّر، يمسك يديها ويسألها:
لا شيء يستطيع أن يهزم هذه البلاد، إننا نطفئ العام تلو العام بعز تلو العز منذ مئة سنة، والإفرنجة يغرقون في وحولهم ووسخهم وحروبهم، تعالي لنكف عن لعبة البحث عن بعضنا في الشتات، ولنبق هنا.
يا يوسف، لقد صنعت من ريش ملك السماء النسر وأنت عبدٌ لملك، آلة لعودك، فماذا قد يصنع ملوك آخرون من شعر الأسد ولو كان ملكاً على الأرض، أخاف على الأندلس أن تذوب كقصص ألف ليلة وليلة حين وصلت شهرزاد إلى إنهاء الألف قصة، ذابت في زواجٍ بليد، وكذا تنتهي الممالك والأمجاد، أما نحن فلا ننتهي. أنت لا تموت، وأنا أيضاً، أما الآخرون، فيفنون، نحن يحرسنا الحب الأبدي.
إلى قصة جديدة إذاً؟ لقد أتعبني الرحيل المستمر خلفك، أتذكرين بعد فتح صقلية؟ وعدتني أن نبقى هناك، نقتني بيتاً على عرش سفحٍ يفتح شرفتنا على نبيذ البر الطويل، إيطاليا، ويطل بنا على خدّ سورية، لكنك هربتِ.
كيف يكون هروباً، وأنت معلّق كعقدٍ في جيدي؟ خفّف عن رأسك قليلاً من هموم الغد، سيقتلك رأسك.
مثلي لا يقتله رأسه، مثلي لا يقتله إلا قلبه، وأنتِ قلبي.
الحب في الأندلس، أجمل من الحب في الدار البيضاء، ولو لم يرض بذلك كاتب الأغنية في فيلم كازابلانكا، كان يطل عليها كل يومٍ من نافذة الغرفة، يخبرها كيف أنه يعيد ترتيب المجتمع، يعطي ملاحظاته على التفاصيل الصغيرة في الملبس والمأكل والمشرب، تسخر منه حين يطيل الزعل إذا لم تعطه قبلةً اليوم، فالقبلة كالقهوة، لا تقدم إلا ساخنة وفي وقتها. لا تأتي لتكمل النهار، ولا لتنهي عبث اللحظة، القبلة كالقهوة، تأتي في موعدها لأن لا نهار من دونها، وما من حربٍ أو فتحٍ أو نصر، يدخل التاريخ من دون قبلة في نهاية المشهد.
«اصنع نصراً وتعال خذ قبلتك».
«شنّو نحن كنا الاستعمار بأسمانيا» يقول الماغوط بلسان غوّار في إحدى مسرحياته، لكن الاحتلال دوماً يكون مبرراً بعيون صنّاعه، لذا، نرى الأندلس عرساً في الذاكرة، هل مارسنا الاستعمار بحق أرض ليست لنا؟ أم أننا مارسنا ما يفعل البشر دائماً حين يكونون الأقوى، كما يفعل الآخرون بنا اليوم في عرض البلاد وطولها، «الخطأ عمل إنساني، أما تبرير الخطأ فعمل شيطاني» يقول ليو تولستوي، ولكننا، نحن البشر، كنا شياطين هذه الأرض منذ رفسنا الملائكة خارج الجنة، دخل العرب الأندلس يحملون معهم كنوز الشرق وأسراره وسحره، وخرجوا منها يحملون ما استطاعوا جمعه من ثيابهم الممزقة وخلافاتهم القديمة وطوائفهم الكثيرة. هل فكر الذين وصلوا إلى تولوز، أنهم حين يخسرون قرطبة، سيلاحقهم المستعمرون الجدد إلى بستان بذرتهم الأولى، إلى القدس والشام واليمن بعد ذلك بسنين؟
إلا زرياب وحبيبته: صورة يوسف وعليا، لم يخرجا من الأندلس، بقي يصنع لها مراوح اليد لتصنع بها إعصاراً صغيراً يقلب جسده العامر بالرغبة كلما عصف بجسدها حب، وبعد خمسة قرون حين أوقفتهما محاكم التفتيش لم يكونا يحملان هويةً واضحة، فلا هما عربيان ولا أعجميان، ولا هما مسلمان ولا مسيحيان، قالا إنهما بشريان من كوكب الأرض، وخوفاً على المقصلة من عبث الورد بسنّها، لم يُعدما، وأرسلا مع أول سفينةٍ إلى معتقل الغربة عن قرطبة.
هل تعتقدين أن الحب يصلح دون موسيقى؟
تتقلب في سريرها، بيضاء كما جبال الألب في البعيد، كما زبد البحر الذي حمله برقة إلى إسبانيا، بيضاء كأنها في يد طفل يحاول أخذ إذنٍ من المنجنيق ليقطف وردةً واحدة، تعطيه أسباب اللعب، وتجيبه:
الحب يصلح صامتاً، ويصلح صخباً، يصلح هادئاً ويصلح ساخناً، الموسيقى هي التي لا تصلح دون حب، تنتهي كأغاني العصافير في الصباح، بضجيج اليوم العادي. الموسيقى مع الحب، لا تنتهي بانتهاء الأغنية، بل تبدأ حين تنتهي. قبّلني!
ياه، كم هي بعيدة بلاد الشرق عن قرطبة، بعض المؤرخين يقول إن زرياب فارسي، وبعضهم عربي، وبعضهم أفريقي، وآخرون يقولون كردي، لم يسنح لهم الخيال الضعيف بصنع صورته كاملة، كان زرياب كل ذلك مجتمعاً، هو لعبة العود في فارس، ورقصة العرس في كردستان، وأغنية البلاط في بلاد العرب، وطبل القبيلة في أفريقيا، هو كل ذلك مضروبٌ في خلّاط السماء قبل أن يضيف إليه الوقت لمسةً من حفيف الشجر وطرق المطر المستمر على بوابة الشوق، في صحراء الشرق. سيذكر الناس جيداً زرياب لما فعل في مدرسة الموسيقى، لا يكترث، بعد قرون، في بيروت، لن يتذكر هو إلا عليا: الموسيقى عمله اليومي المرهق، أما عليا، فهوايته المسلية، كان يضطر أحياناً إلى لمس العود ليطرب الخليفة فقط، أو ليرتاح قائد الجيش من فكرة سقوط الأندلس يوماً بيد الأعداء، أو لتطمئن بغداد أن ثمة من هرّب الفكرة من حرائق المغول، لكن، حين كان يلمس جسد عليا، كان يلمسه ليطرب هو ويرقص كما رقص بعد سنين في اليونان بقدميّ زوربا، وليرتاح هو، كما ارتاح رومل من الهزائم في الصحراء، برصاصة، وليطمئن كما اطمأن حين وقف فوق رأس جيفارا، وتأكد أن قاتله لم يقتل إلا رجلاً، ولم يقتل كل الرفاق.
في دار المُدنيات، يجلس زرياب، كيف كان يعلّم الفتيان الموسيقى؟ بعضهم يقول، إنه كان يعلّم الفتى أولاً ميزان الشعر وبحوره وقراءة القصيدة على نقر الدف، ثم يعطيه لحناً خفيفاً بسيطاً، ثم يعلمه زخرفة اللحن، ولم يكن يعرف أحد سرّه، كان يشخص في عيون التلامذة المأخوذين بالأستاذ الأسطورة، والوافد عليهم من مدارس الجنّ الذين علموه الطرب، ثم يقول بلسان يوسف:
«باسم من لا يسمع صوت غنائه إلا المؤمنون، ومن لا يقرأ شعره غير القادر على فكّ لغة الألوان بالعين، ومن لا يصل إلى أذنيه إلا أصحاب الحناجر المحبوسة في قمقم البؤساء والمطعّمة بالمأساة، جئت لأعلّمكم كيف ترتبون الموسيقى، لا كيف تصنعونها، لا يصنع موسيقاكم إلا قلوبكم، وقلوبكم، لا تصنع شيئاً إذا لم تملأوها بالحياة، والحياة لا تمرّ إلى قلبٍ لا يحب، هكذا أوصتني حبيبتي، وهكذا أوصيكم وأنتم أحبائي، أحبوا كل شيءٍ في كل شيء، أحبوا الورق اليابس، لأن صوته تحت أقدام أهل الصيف، جميل، وأحبوا الورق الأخضر لأن حفيفه فوق عنق الربيع، جميل، أحبوا الماء لأن في انسكابه سبب البهجة للعطشى، وصوت اللقمة في الفم، لأنها غاية الطرب في أذن الجائع، أحبوا كل شيء في كل شيء، وستجد الموسيقى طريقها إلى أصابعكم بعد أرواحكم.»
كانت هي، تتلصص عليه من بلورتها السحرية، تراه يغوص في فنون الخطابة، ويشد حاجبيه إذا جرح تلميذٌ خد الوتر، يعجبها أناقته الثورية وكيف يخفي تجاعيد التاريخ جيداً، كأنها تكتشفه مرة جديدة كل مئة سنة، يعجبها، وتعجبه، حين سبقته إلى الأندلس، لم يعرف المؤرخون أنها هي من اخترعت الموال الحزين، وحولت بكائيات العرب على الأطلال إلى أغانٍ تشفي مأساتها مع رجل لا يموت، رجل خرج من قلعة أنطونيا يوم محاكمة ابن الرب، وتاه في الأرض بعدها، صارت هي بوصلته، يستدل على الاتجاهات من غرّتها الهابطة كقرآنٍ على وجهها، تنفخ عليها، فتطير الغرّة ويسكر التائه. يقول الكاتب، إن عليا، حين اخترعت الأغنية الحزينة، وانشغل العرب عنها بعد ذلك بهزائمهم، سرقتها سفينة الأفارقة المسروقين من جيب أفريقيا إلى بنوك أميركا الجديدة، وهناك، أصبحت عليا فناً قائماً سيُقال له بعد ألف عام: أغنية البلوز.
وحين ينهي درسه كل يوم، يخرجان إلى الشرفة، يموج الأندلس أمامهما كحقل قصب سُكّر، يمسك يديها ويسألها:
لا شيء يستطيع أن يهزم هذه البلاد، إننا نطفئ العام تلو العام بعز تلو العز منذ مئة سنة، والإفرنجة يغرقون في وحولهم ووسخهم وحروبهم، تعالي لنكف عن لعبة البحث عن بعضنا في الشتات، ولنبق هنا.
يا يوسف، لقد صنعت من ريش ملك السماء النسر وأنت عبدٌ لملك، آلة لعودك، فماذا قد يصنع ملوك آخرون من شعر الأسد ولو كان ملكاً على الأرض، أخاف على الأندلس أن تذوب كقصص ألف ليلة وليلة حين وصلت شهرزاد إلى إنهاء الألف قصة، ذابت في زواجٍ بليد، وكذا تنتهي الممالك والأمجاد، أما نحن فلا ننتهي. أنت لا تموت، وأنا أيضاً، أما الآخرون، فيفنون، نحن يحرسنا الحب الأبدي.
إلى قصة جديدة إذاً؟ لقد أتعبني الرحيل المستمر خلفك، أتذكرين بعد فتح صقلية؟ وعدتني أن نبقى هناك، نقتني بيتاً على عرش سفحٍ يفتح شرفتنا على نبيذ البر الطويل، إيطاليا، ويطل بنا على خدّ سورية، لكنك هربتِ.
كيف يكون هروباً، وأنت معلّق كعقدٍ في جيدي؟ خفّف عن رأسك قليلاً من هموم الغد، سيقتلك رأسك.
مثلي لا يقتله رأسه، مثلي لا يقتله إلا قلبه، وأنتِ قلبي.
الحب في الأندلس، أجمل من الحب في الدار البيضاء، ولو لم يرض بذلك كاتب الأغنية في فيلم كازابلانكا، كان يطل عليها كل يومٍ من نافذة الغرفة، يخبرها كيف أنه يعيد ترتيب المجتمع، يعطي ملاحظاته على التفاصيل الصغيرة في الملبس والمأكل والمشرب، تسخر منه حين يطيل الزعل إذا لم تعطه قبلةً اليوم، فالقبلة كالقهوة، لا تقدم إلا ساخنة وفي وقتها. لا تأتي لتكمل النهار، ولا لتنهي عبث اللحظة، القبلة كالقهوة، تأتي في موعدها لأن لا نهار من دونها، وما من حربٍ أو فتحٍ أو نصر، يدخل التاريخ من دون قبلة في نهاية المشهد.
«اصنع نصراً وتعال خذ قبلتك».
«شنّو نحن كنا الاستعمار بأسمانيا» يقول الماغوط بلسان غوّار في إحدى مسرحياته، لكن الاحتلال دوماً يكون مبرراً بعيون صنّاعه، لذا، نرى الأندلس عرساً في الذاكرة، هل مارسنا الاستعمار بحق أرض ليست لنا؟ أم أننا مارسنا ما يفعل البشر دائماً حين يكونون الأقوى، كما يفعل الآخرون بنا اليوم في عرض البلاد وطولها، «الخطأ عمل إنساني، أما تبرير الخطأ فعمل شيطاني» يقول ليو تولستوي، ولكننا، نحن البشر، كنا شياطين هذه الأرض منذ رفسنا الملائكة خارج الجنة، دخل العرب الأندلس يحملون معهم كنوز الشرق وأسراره وسحره، وخرجوا منها يحملون ما استطاعوا جمعه من ثيابهم الممزقة وخلافاتهم القديمة وطوائفهم الكثيرة. هل فكر الذين وصلوا إلى تولوز، أنهم حين يخسرون قرطبة، سيلاحقهم المستعمرون الجدد إلى بستان بذرتهم الأولى، إلى القدس والشام واليمن بعد ذلك بسنين؟
إلا زرياب وحبيبته: صورة يوسف وعليا، لم يخرجا من الأندلس، بقي يصنع لها مراوح اليد لتصنع بها إعصاراً صغيراً يقلب جسده العامر بالرغبة كلما عصف بجسدها حب، وبعد خمسة قرون حين أوقفتهما محاكم التفتيش لم يكونا يحملان هويةً واضحة، فلا هما عربيان ولا أعجميان، ولا هما مسلمان ولا مسيحيان، قالا إنهما بشريان من كوكب الأرض، وخوفاً على المقصلة من عبث الورد بسنّها، لم يُعدما، وأرسلا مع أول سفينةٍ إلى معتقل الغربة عن قرطبة.
صفحة 7
كان العام 1925، في الكونغو الشرقية بمنطقة كاتاكوكومبي ببلدة أونالوا الريفية، قليلون يعرفون اسمه الأصلي بلغة قبيلة التيتيلا: «أوكيتا سومبو» أي، الوارث الملعون الذي سيموت باكراً، هل كان والده قارئ كف شاطراً حتى أعطاه هذا الاسم؟ سيعرفه العالم لاحقاً باسم «باتريس لومومبا»، وسيسميه الكتاب يوسف أيضاً، حين أنهى الدراسة في مدارس المحتلين البلجيك الغزاة، وجد نفسه في مدرسة أرحب، كانت مدرسة كوامي نكروما، رمز حلم الوحدة الأفريقية، ومن منارة الفكرة وزحمة خيالات الحرية والتحرر والنهضة، صار ينظر إلى الكونغو بعين العاشق لا عين السياسي، بعين القلم لا عين البذلة الرسمية، وحين سحب الاستقلال من أنف ملك بلجيكا، وحاول الملك بودوان إهانة الكونغو ودرء شبح الهزيمة بتذكير الكونغوليين بجميل بلجيكا عليهم، خرج عليه الساحر الأفريقي ساخراً: «لا يوجد كونغولي يستحق شرف الاسم، سينسى أن هذا الاستقلال أخذ بالنضال، نضال حماسي ومثالي، معركة لم يدخر فيها الحرمان ولا المعاناة، وأعطيناها قوتنا ودماءنا، ونحن فخورون بهذا النضال، بالدموع، بالنار والدم إلى أعماق وجودنا، لأنه نضال نبيل وعادل ولا غنى عنه لوضع حد للعبودية المذلة التي فرضت علينا بالقوة».
صمت الصحافيون، لملم الدبلوماسيون خيبتهم، وفقد الاستعمار ناباً من أنيابه في هول الصدمة، إلا عليا، وقفت ومعها الكونغو وكل أفريقيا، صفقت، حلمت بأفريقيا أخرى، لا يموت فيها أحد من الجوع، بأفريقيا تنهي حروبها وتتفرغ لبناء المستقبل، حلمت أن يعود المسبيون من قصور الخلفاء والقياصرة ورجال الأعمال إلى أوطانهم، يخلعون قمصانهم ويلبسون وجه الشمس الأفريقية، وعدها، بكل ذلك، ولم يحنث يوماً بوعد، صفقت عليا للعلم الأفريقي، وتخايلت اللون الأسود ينهض من كتب الرجل الأبيض كثمرة خوخ ناضجة، حلوة.
حين كانا في كنف القبيلة، كانت القمر الرابض فوق أفريقيا ليحرسها من العتمة، مصباحهما الوحيد، يهربان من أكواخ القش إلى قصر الغابة، لا يفهم أحد حيوانات أفريقيا، كما الأفارقة، لم يكن باتريس يرى في قفز القرد على الشجرة لهواً جميلاً كما يراه الأبيض، كان يرى في الشجرة وطناً، وفي القرد إنساناً يكبر ليحيط بالوطن من جميع زواياه، وفي خروج النمر العجوز إلى البحث عن معركة أخيرة، قدر الثوار حين يرفضون الانحناء لغير الموت، وفي هرولة الفهد المستمرة، ألعاب طفولة الحبيبين، حين يركض العاشق في سافانا أفريقيا خلف شعر حبيبته، كي لا يقتنص غيره مرور الهواء من الخصلات إلى الوجه، تنظر عليا إلى وجه يوسف العائد أسمر في تيه أفريقيا:
البلجيكيون لن يقبلوا أن يُهان عرشهم، ماذا لو فتحوا عليك نار جهنم؟
سأكون قد فتحت من ثقب النار على شعبي هواء الجنة.
أفريقيا تئن تحت نير الغزاة، يقسمون وينهبون ويخلفون ويزرعون الأوبئة والسلاح، كيف يواجه رجل واحد كل ذلك؟
لا يواجهه، يصنع عالماً آخر، يرسم وجوه المتقاتلين على ثمرة جوز هند واحدة، ويدور على المرضى ليقنعهم أن السحر الأسود لم يعد ينفع، وعلينا بسحر العلم والمعرفة، نحفر خريطة أفريقيا على جبل كلمنجارو ليراها الأفارقة بدون حدود ولا دول ولا قبائل، بشكلها الذي يشبه القلب، ونزرع في شكل القلب سهماً يعبره من الشرق إلى الغرب، كي يثبته متصلاً جيداً. وحين ينهي هذا الرجل صناعة عالمه، يضعه في معرض الشعوب، لتنتقي الشكل الأحب إليها، عالمه، أم عالم الغزاة.
لن يترك لك العدو وقتاً لذلك، العدو يعرف كيف يصطاد الأفارقة، ولأن السلطة والمال لم تخرجا الكرامة من جسدك الأسمر، سيخرجون جسدك الأسمر من المعادلة.
سينتصرون على الشهيق وعلى الزفير، ولن ينتصروا على الفكرة، ولا الذاكرة، اسمعي يا عليا، ذاكرة الشعوب هي معضلة المحتل الكبرى، الكبار يحكون للصغار، والصغار يكبرون، القتيل يترك اسمه على بلاطة القبر، والمفقود يترك وجهه في عيون الناس، والمجزرة تترك رائحتها في أنوف الجنود، لن ينتصروا على الفكرة ولا الذاكرة: أفريقيا ستنهض.
كم أنت تحب أفريقيا، والحرية، والأحلام الجميلة، ونفسك.
وأحبّك أيضاً.
صمت الصحافيون، لملم الدبلوماسيون خيبتهم، وفقد الاستعمار ناباً من أنيابه في هول الصدمة، إلا عليا، وقفت ومعها الكونغو وكل أفريقيا، صفقت، حلمت بأفريقيا أخرى، لا يموت فيها أحد من الجوع، بأفريقيا تنهي حروبها وتتفرغ لبناء المستقبل، حلمت أن يعود المسبيون من قصور الخلفاء والقياصرة ورجال الأعمال إلى أوطانهم، يخلعون قمصانهم ويلبسون وجه الشمس الأفريقية، وعدها، بكل ذلك، ولم يحنث يوماً بوعد، صفقت عليا للعلم الأفريقي، وتخايلت اللون الأسود ينهض من كتب الرجل الأبيض كثمرة خوخ ناضجة، حلوة.
حين كانا في كنف القبيلة، كانت القمر الرابض فوق أفريقيا ليحرسها من العتمة، مصباحهما الوحيد، يهربان من أكواخ القش إلى قصر الغابة، لا يفهم أحد حيوانات أفريقيا، كما الأفارقة، لم يكن باتريس يرى في قفز القرد على الشجرة لهواً جميلاً كما يراه الأبيض، كان يرى في الشجرة وطناً، وفي القرد إنساناً يكبر ليحيط بالوطن من جميع زواياه، وفي خروج النمر العجوز إلى البحث عن معركة أخيرة، قدر الثوار حين يرفضون الانحناء لغير الموت، وفي هرولة الفهد المستمرة، ألعاب طفولة الحبيبين، حين يركض العاشق في سافانا أفريقيا خلف شعر حبيبته، كي لا يقتنص غيره مرور الهواء من الخصلات إلى الوجه، تنظر عليا إلى وجه يوسف العائد أسمر في تيه أفريقيا:
البلجيكيون لن يقبلوا أن يُهان عرشهم، ماذا لو فتحوا عليك نار جهنم؟
سأكون قد فتحت من ثقب النار على شعبي هواء الجنة.
أفريقيا تئن تحت نير الغزاة، يقسمون وينهبون ويخلفون ويزرعون الأوبئة والسلاح، كيف يواجه رجل واحد كل ذلك؟
لا يواجهه، يصنع عالماً آخر، يرسم وجوه المتقاتلين على ثمرة جوز هند واحدة، ويدور على المرضى ليقنعهم أن السحر الأسود لم يعد ينفع، وعلينا بسحر العلم والمعرفة، نحفر خريطة أفريقيا على جبل كلمنجارو ليراها الأفارقة بدون حدود ولا دول ولا قبائل، بشكلها الذي يشبه القلب، ونزرع في شكل القلب سهماً يعبره من الشرق إلى الغرب، كي يثبته متصلاً جيداً. وحين ينهي هذا الرجل صناعة عالمه، يضعه في معرض الشعوب، لتنتقي الشكل الأحب إليها، عالمه، أم عالم الغزاة.
لن يترك لك العدو وقتاً لذلك، العدو يعرف كيف يصطاد الأفارقة، ولأن السلطة والمال لم تخرجا الكرامة من جسدك الأسمر، سيخرجون جسدك الأسمر من المعادلة.
سينتصرون على الشهيق وعلى الزفير، ولن ينتصروا على الفكرة، ولا الذاكرة، اسمعي يا عليا، ذاكرة الشعوب هي معضلة المحتل الكبرى، الكبار يحكون للصغار، والصغار يكبرون، القتيل يترك اسمه على بلاطة القبر، والمفقود يترك وجهه في عيون الناس، والمجزرة تترك رائحتها في أنوف الجنود، لن ينتصروا على الفكرة ولا الذاكرة: أفريقيا ستنهض.
كم أنت تحب أفريقيا، والحرية، والأحلام الجميلة، ونفسك.
وأحبّك أيضاً.
صفحة 8
في ميثولوجيا قبائل المبوتي الأفريقية، أهم إله هو خونعوم، إله الصيد، والطيب جداً إلى حد أنه خلق البشر من صلصال ووزعهم في الأرض، ويعمل كل يومٍ بعد المغيب على لملمة النجوم المتكسرة على الأرض، ليعود ويرميها على السماء كشعوذة تصلح لأن تعيد إحياء نهار جديد، وخونعوم الطيب، اخترع فكرة قوس الصيد الأول، فربط ثعبانين معاً وصار كلما ذهب للصيد ورمى نشاباً، يظهر للبشر على شكل قوس قزح، فيعرفون أن خونعوم في الأرجاء. لم يكن خونعوم أطيب من لومومبا، كان يلملم القارة المتكسرة ليرميها صعوداً في السماء من أجل أفريقيا جديدة، وكان كلما رمى خطاباً وموقفاً، ظهر في سماء الأمم قوس قزح تتزحلق عليه القارة السمراء.
وحين لعب البلجيكيون والأميركيون لعبة الثأر، جرّ المنقلبون باتريس لومومبا إلى الإقامة الجبرية، كانت ترجوه عليا ألّا يترك المنزل، وكان يصر على العودة إلى التظاهرة ضد الانقلاب وهو يرى الكونغو تعود إلى حبسها.
دع الشارع وكن لي مرة واحدة.
أنا لكِ في البيت كما في الشارع، في القبر كما في السرير، في القصر كما في الزنزانة، وإذا لم أكن كل ذلك بتناقضاته، لم أكن أنا ولم تكوني لتحبيني.
تعبس كأنها أطلس المحكوم في القصص بأن يحمل قبة السماء على ظهره وحده، تصرخ به:
كم ميتة تريد أن تموت؟ كم مرة يجب أن أخسرك وتخسرني، ولا تكسب من هؤلاء الفانين إلا وجع الخيانة والهزيمة.
كلنا نريد أن نغير هذا العالم، ولكن، لا أحد يجرؤ على البدء بالتخريب، لا بد أن نخرب قليلاً، أن نكسر زجاج النوافذ، كي يدخل الهواء والضوء، أن نخلع الأقفال، كي نأخذ الكتب، سامحيني.
لا ترحل.
سأرحل.
الليل ستار المتمردين دوماً، تغفو عليا على صدره، كانت في كل بلد، في كل قرن، في كل مناسبة، تذكره أن «صدرك وسادتي» ثم تبتسم حين تنظر إليه وتقول: «أشفق عليك أنك لا تستطيع أن تعرف طعم النوم على صدرك»، نامت للمرة الأخيرة في الكونغو، حضنته جيداً كي لا يهرب، وحين استيقظت، وجدته قد سحب جسده إلى أرض المعركة، ووضع بين يديها لوحةً منحوتة من خشب جبال آلهة الأولمبس اليونانية لأفريقيا. خرج هارباً من عين الحراس إلى قلب المعركة، هتف مع المتظاهرين، وحين كبله الجيش واعتقله، ضحك كي لا يضع الجلاد نقطته آخر السطر.
كان الضابط البلجيكي ينظر باحتقار إلى مساعده الكونغولي الذي يعينه على قتل قائد ثورته، وكأنه يسأله:
ماذا سنفعل بلومومبا؟
سيدي، ننفيه؟
هذا الأفريقي الأحمر كطيور النورس لا يعرف إلا الالتصاق بالشاطئ، لا يجدي المنفى معه نفعاً، سيخرج مع أول موسم شتاء في أفريقيا من مستنقعات الأدغال ليقيم جيشاً من النقمة.
سيدي، نسجنه؟
وأي سجن سيتسع لأفريقيا كلها؟ بل لكل هؤلاء الغاضبين علينا في كل الأرض سيكون عليك أن تسجن عازف الساكسوفون في شيكاغو، وماسح الأحذية في باريس، وحارس المبنى في لندن، والمغنين في كل مكان، عندئذ فقط، ستسجن لومومبا فعلاً.
نقتله؟
إنني وإذ أرى أن الموت لا يفيد في حل مشكلتنا مع لومومبا، إلا أنني أعتقد أنه أهون الحلول على مملكة بلجيكا، سامحيني يا بلجيكا، سامحيني يا أوروبا يا وريثة روما، لقد رمت الساحرات الأفريقيات على هذا الرجل كل مساحيق الخلود، وأظنه سينهض مجدداً، بعد أن تتجرع أوروبا من السم نفسه الذي سقيناه لأبطال هذه البلاد، ستنهض أفريقيا كماردٍ يكسر القمقم ويخرج ليفرك رقاب الذين فركوا جداره بأيديهم.
قتلوا لومومبا ذات ليلة من ليالي الشتاء الكونغولي المُر، ولم يقتلوا يوسف، كان قد أنهى جولة جديدة من الحب، مهزوماً كما دوماً، في معركة، لا في الحرب، رأى الكونغو تعود إلى كنف المأساة، لم يجد عليا، وحين سأل، أخبروه أنها ركبت الريح لتبحث عنه في زحمة أخرى.
وحين لعب البلجيكيون والأميركيون لعبة الثأر، جرّ المنقلبون باتريس لومومبا إلى الإقامة الجبرية، كانت ترجوه عليا ألّا يترك المنزل، وكان يصر على العودة إلى التظاهرة ضد الانقلاب وهو يرى الكونغو تعود إلى حبسها.
دع الشارع وكن لي مرة واحدة.
أنا لكِ في البيت كما في الشارع، في القبر كما في السرير، في القصر كما في الزنزانة، وإذا لم أكن كل ذلك بتناقضاته، لم أكن أنا ولم تكوني لتحبيني.
تعبس كأنها أطلس المحكوم في القصص بأن يحمل قبة السماء على ظهره وحده، تصرخ به:
كم ميتة تريد أن تموت؟ كم مرة يجب أن أخسرك وتخسرني، ولا تكسب من هؤلاء الفانين إلا وجع الخيانة والهزيمة.
كلنا نريد أن نغير هذا العالم، ولكن، لا أحد يجرؤ على البدء بالتخريب، لا بد أن نخرب قليلاً، أن نكسر زجاج النوافذ، كي يدخل الهواء والضوء، أن نخلع الأقفال، كي نأخذ الكتب، سامحيني.
لا ترحل.
سأرحل.
الليل ستار المتمردين دوماً، تغفو عليا على صدره، كانت في كل بلد، في كل قرن، في كل مناسبة، تذكره أن «صدرك وسادتي» ثم تبتسم حين تنظر إليه وتقول: «أشفق عليك أنك لا تستطيع أن تعرف طعم النوم على صدرك»، نامت للمرة الأخيرة في الكونغو، حضنته جيداً كي لا يهرب، وحين استيقظت، وجدته قد سحب جسده إلى أرض المعركة، ووضع بين يديها لوحةً منحوتة من خشب جبال آلهة الأولمبس اليونانية لأفريقيا. خرج هارباً من عين الحراس إلى قلب المعركة، هتف مع المتظاهرين، وحين كبله الجيش واعتقله، ضحك كي لا يضع الجلاد نقطته آخر السطر.
كان الضابط البلجيكي ينظر باحتقار إلى مساعده الكونغولي الذي يعينه على قتل قائد ثورته، وكأنه يسأله:
ماذا سنفعل بلومومبا؟
سيدي، ننفيه؟
هذا الأفريقي الأحمر كطيور النورس لا يعرف إلا الالتصاق بالشاطئ، لا يجدي المنفى معه نفعاً، سيخرج مع أول موسم شتاء في أفريقيا من مستنقعات الأدغال ليقيم جيشاً من النقمة.
سيدي، نسجنه؟
وأي سجن سيتسع لأفريقيا كلها؟ بل لكل هؤلاء الغاضبين علينا في كل الأرض سيكون عليك أن تسجن عازف الساكسوفون في شيكاغو، وماسح الأحذية في باريس، وحارس المبنى في لندن، والمغنين في كل مكان، عندئذ فقط، ستسجن لومومبا فعلاً.
نقتله؟
إنني وإذ أرى أن الموت لا يفيد في حل مشكلتنا مع لومومبا، إلا أنني أعتقد أنه أهون الحلول على مملكة بلجيكا، سامحيني يا بلجيكا، سامحيني يا أوروبا يا وريثة روما، لقد رمت الساحرات الأفريقيات على هذا الرجل كل مساحيق الخلود، وأظنه سينهض مجدداً، بعد أن تتجرع أوروبا من السم نفسه الذي سقيناه لأبطال هذه البلاد، ستنهض أفريقيا كماردٍ يكسر القمقم ويخرج ليفرك رقاب الذين فركوا جداره بأيديهم.
قتلوا لومومبا ذات ليلة من ليالي الشتاء الكونغولي المُر، ولم يقتلوا يوسف، كان قد أنهى جولة جديدة من الحب، مهزوماً كما دوماً، في معركة، لا في الحرب، رأى الكونغو تعود إلى كنف المأساة، لم يجد عليا، وحين سأل، أخبروه أنها ركبت الريح لتبحث عنه في زحمة أخرى.
صفحة 9
«سوف نجد حلاً، أو نصنع واحداً» يقول هنيبعل. قبل ميلاد المسيح بقرنين، لم يكن ليجرؤ إلا قرطاجي على شدّ أذن روما وصفعها لقلة أدبها مع شعوب العالم القديم، وبعد أن تعمّدت أليسار بماء الساحل الأفريقي بيد تونس، وبنت مدينتها بعيداً عن فوضى فينيقيا، خرج هنيبعل من رحم المملكة الجديدة، وكان يريد أن يتقي شرّ روما، بأن يعالجه في موطنه، فسار بالفيلة والجنود إلى أيبيريا ثم إيطاليا، قبل أن يعود إلى قرطاجة لالتفاف الرومان عليها، وهُزم، وصار يفرّ من مملكة إلى أخرى، يناوئ بجيوش العالم عظمة القياصرة ومرتزقتهم، وحين غدر به الناس والكأس، أخرج سمّه من خاتمه وصنع حلاً: نامي يا أليسا مرتاحة البال هانئة في تربتك، لن يقبضوا على قرطاجي واحدٍ إلا جثة لا تنفعهم في محو مجده ومجدك.
في فلورنسا، بإيطاليا، عاد يوسف، كان الجميع يسميه ليوناردو، ليورنادو دافنشي، كانت فلورنسا عاصمة النهضة في جنوب أوروبا التي جمع فيها الأوروبيون عصارة المسروقات من حروبهم الصليبية في الشرق وترجماتهم لمدافن العلم الإغريقي والروماني، كانت أوروبا في تلك السنوات في ورشة إعادة بناء وتجميل لأمبراطورياتها الغارقة في حروب العشائر وظلام الكنيسة المرتدّة عن النور، جلس دافنشي إلى جنب الرسام الشهير فيروكيو، يساعده على إنهاء أعماله الفنية، كتلميذٍ نجيب يلتقط بقايا حصص الأستاذ من الشهرة، كان يحب الرسم، لدرجة أنه غرق في الألوان الزيتية، كانت طريقته في الخروج من الأبيض والأسود في السياسة التي يتصارع عليها الصاعدون حديثاً إليها في أوروبا، فتطوّع كقوس قزح في سماء المدن الإيطالية، لم ينه رسم القصر القديم، ولم ينه اللوحة التي وعد بها راهبات دير سكوبيتو دوناتو، كان على عجل في كل شيء، فالرسم والنحت والرياضيات والميكانيك تزدحم في رأسه كطوابير الفقراء على أبواب الأفران صبيحة يوم العيد. يرسم ويكتب وينشغل عن نفسه بجمال ما تصنع يده في بشرة الورقة: ثلث كنوز العالم الفنية موجود في فلورنسا، ولكن كل كنوز السماء في العالم موجودة في فلورنسا: عليا.
تدخل عليا على هدوء ليوناردو في ورشته بميلانو، تقفز عليه فتتطاير الألوان كأن ثمة من فجّر ربيعاً بإصبع ديناميت واحدة في وجه الفنّان، يحضنها كباقة زهر متروكة على مياه البندقية:
كيف حال الناس في فلورنسا يا عليا؟
الناس يحكون عنك في كل قصة، أنت أسطورة في فلورنسا، بعضهم يقول إنك من سلالة الشيطان نفسه، لبراعتك، وبعضهم يقول إنك مرسل من الرب لتجميل وجه المسيحية، وآخرون يقولون إنك لست من الإنس، وإنك جنيٌّ حمله البحر إلينا من النيل، فكنت خصباً كالدلتا.
وأنتِ ماذا تحكين عني؟
أنا، كلما تعبت في فلورنسا، أقف على خاصرة نهر أرنو وأتلو للمياه رسالة جديدة إليك، كتبتها قبل ألف وأربعمئة عام في سرّي كي لا يقرأها حراس نيرون فيحرقوا روما فوق رأسي مرة أخرى، أصرخ بالنهر بقصيدة من كتاب شعر جميل كتب في الجزيرة العربية، أغني في أذن الجدول أغاني البحارة المتعبين من البحر، الذين لا يرضون بالبر، فيعيشون على خشبة، فيفيض النهر بالبكاء.
أسمع صوتك كلما وقفتِ هناك، أتذكرين حين تنبأتِ بسقوط الأندلس، خفتِ عليّ أن يقتلني رأسي، وخفتُ على نفسي أن يقتلني قلبي، واليوم، توجعني أصابعي، أحاول أن أتوب عن الرسم، عن الكتابة، عن النحت، أشعر أن ثمة عفريتاً يعبث بأصابعي ولا يتركها تركن للسبات.
اترك عفاريت الفن تصنع بأصابعك تاريخاً جديداً لإيطاليا.
لم تفهمي، مشكلتي ليست مع الريشة، مشكلتي مع شعرك.
كان ساحر الريشة يحاول أن يضع من شعرها في كل شيء، تارة يلبس طوله للموناليزا، وتارة يلبس لونه ليوحنا في العشاء الأخير، وتارة يستعير عدالته على الكتفين للعذراء على الصخور، يعرف جيداً أنه ومنذ لُعن، ومنذ لم يمت، لم يفعل بأصابعه شيئاً أجمل من الغوص في شعرها، يعبر فيه كحصانٍ مجروحٍ بالحقول، يركض، يصهل، يرفس الفرسان الكاذبين، ويكمل رحلته بحثاً عن واحة الرقبة... وحين يصل إليها، يقبلها كما الجندي فوق أرض الوطن، إيطاليا! كم أعييت عشاق الكرة الأرضية ليصلوا إليكِ، ترمين تعويذة الموسيقى عليهم في الشارع، فيهيموا كدراويش صوفيين حضروا من سمرقند ليتوحّدوا في الله، فينسوا عباده.
كم أنت ساخنة، منذ الرحلة الأولى.
في فلورنسا، بإيطاليا، عاد يوسف، كان الجميع يسميه ليوناردو، ليورنادو دافنشي، كانت فلورنسا عاصمة النهضة في جنوب أوروبا التي جمع فيها الأوروبيون عصارة المسروقات من حروبهم الصليبية في الشرق وترجماتهم لمدافن العلم الإغريقي والروماني، كانت أوروبا في تلك السنوات في ورشة إعادة بناء وتجميل لأمبراطورياتها الغارقة في حروب العشائر وظلام الكنيسة المرتدّة عن النور، جلس دافنشي إلى جنب الرسام الشهير فيروكيو، يساعده على إنهاء أعماله الفنية، كتلميذٍ نجيب يلتقط بقايا حصص الأستاذ من الشهرة، كان يحب الرسم، لدرجة أنه غرق في الألوان الزيتية، كانت طريقته في الخروج من الأبيض والأسود في السياسة التي يتصارع عليها الصاعدون حديثاً إليها في أوروبا، فتطوّع كقوس قزح في سماء المدن الإيطالية، لم ينه رسم القصر القديم، ولم ينه اللوحة التي وعد بها راهبات دير سكوبيتو دوناتو، كان على عجل في كل شيء، فالرسم والنحت والرياضيات والميكانيك تزدحم في رأسه كطوابير الفقراء على أبواب الأفران صبيحة يوم العيد. يرسم ويكتب وينشغل عن نفسه بجمال ما تصنع يده في بشرة الورقة: ثلث كنوز العالم الفنية موجود في فلورنسا، ولكن كل كنوز السماء في العالم موجودة في فلورنسا: عليا.
تدخل عليا على هدوء ليوناردو في ورشته بميلانو، تقفز عليه فتتطاير الألوان كأن ثمة من فجّر ربيعاً بإصبع ديناميت واحدة في وجه الفنّان، يحضنها كباقة زهر متروكة على مياه البندقية:
كيف حال الناس في فلورنسا يا عليا؟
الناس يحكون عنك في كل قصة، أنت أسطورة في فلورنسا، بعضهم يقول إنك من سلالة الشيطان نفسه، لبراعتك، وبعضهم يقول إنك مرسل من الرب لتجميل وجه المسيحية، وآخرون يقولون إنك لست من الإنس، وإنك جنيٌّ حمله البحر إلينا من النيل، فكنت خصباً كالدلتا.
وأنتِ ماذا تحكين عني؟
أنا، كلما تعبت في فلورنسا، أقف على خاصرة نهر أرنو وأتلو للمياه رسالة جديدة إليك، كتبتها قبل ألف وأربعمئة عام في سرّي كي لا يقرأها حراس نيرون فيحرقوا روما فوق رأسي مرة أخرى، أصرخ بالنهر بقصيدة من كتاب شعر جميل كتب في الجزيرة العربية، أغني في أذن الجدول أغاني البحارة المتعبين من البحر، الذين لا يرضون بالبر، فيعيشون على خشبة، فيفيض النهر بالبكاء.
أسمع صوتك كلما وقفتِ هناك، أتذكرين حين تنبأتِ بسقوط الأندلس، خفتِ عليّ أن يقتلني رأسي، وخفتُ على نفسي أن يقتلني قلبي، واليوم، توجعني أصابعي، أحاول أن أتوب عن الرسم، عن الكتابة، عن النحت، أشعر أن ثمة عفريتاً يعبث بأصابعي ولا يتركها تركن للسبات.
اترك عفاريت الفن تصنع بأصابعك تاريخاً جديداً لإيطاليا.
لم تفهمي، مشكلتي ليست مع الريشة، مشكلتي مع شعرك.
كان ساحر الريشة يحاول أن يضع من شعرها في كل شيء، تارة يلبس طوله للموناليزا، وتارة يلبس لونه ليوحنا في العشاء الأخير، وتارة يستعير عدالته على الكتفين للعذراء على الصخور، يعرف جيداً أنه ومنذ لُعن، ومنذ لم يمت، لم يفعل بأصابعه شيئاً أجمل من الغوص في شعرها، يعبر فيه كحصانٍ مجروحٍ بالحقول، يركض، يصهل، يرفس الفرسان الكاذبين، ويكمل رحلته بحثاً عن واحة الرقبة... وحين يصل إليها، يقبلها كما الجندي فوق أرض الوطن، إيطاليا! كم أعييت عشاق الكرة الأرضية ليصلوا إليكِ، ترمين تعويذة الموسيقى عليهم في الشارع، فيهيموا كدراويش صوفيين حضروا من سمرقند ليتوحّدوا في الله، فينسوا عباده.
كم أنت ساخنة، منذ الرحلة الأولى.
صفحة 10
أحضرت لك هدية!
ما هي؟
آلة موندولا.
تلاحقه من جيل إلى جيل، من قرن إلى قرن، من بلد إلى بلد، بالموسيقى، وهذه الموندولا، سيصقلها الطليان جيداً بعد سنين، لتصبح «ماندولين»... تغني لسماء إيطاليا. كم أنت ساخنة!
تخجل كأي فتاة لم تعرف القبلة من قبل، تبكي كأنها تحرك شفتيها للمرة الأولى تحت شفة رجل تحبه، وحين يخاف من بكائها، تحضنه، وتعوّض عليه ببسمة يكمل بفنونها كتابة «فن التصوير الزيتي» حيث يقول بقلمه: «من يحط من قيمة التصوير، لا يحب الفلسفة ولا الطبيعة» وأظنه يخال نفسه يقصد تصوير ابتسامتها.
حين أضاع الباحثون في التاريخ لوحة معركة أنغياري، التي سموها «ليوناردو الضائع»، والتي تظهر أربعة فرسان يتصارعون على راية في معركة أنغياري بين فلورنسا وبيزا، كان قد أهداها إلى عليا، كانت قد رسمت له آلتي موسيقى على ورقة، فرسم لها أربعة فرسان وراية، لم تفهمه حينئذ، هل كان يقصد أنه يحيط بها كفارس من الأربع جهات؟ هل كان يقصد أن الوطن في المعركة، لا يكتمل إلا بلمستها، هل كان يقصد التصويب على كل من ينافسه في قلبها؟ لم تفهمه حينئذ، كان منشغلاً بتعليم الرسم لجيل القرن القادم، ويشرح أي شيء لها.
هل تؤمن أن من بين هؤلاء سيخرج ليوناردو دافنشي آخر؟
تسأله عليا، وهي تشد على ساعده في شوارع ميلانو الملأى بالحياة، يتلفت إليها، يبتسم ابتسامته الساخرة، ويجيبها:
لا يحتاج التاريخ إلى ليوناردو آخر، يحتاج إلى دم جديد، أنا أدعو التلاميذ ليكونوا هُم ببساطة، هُم، لقد أوشك البشر أن يكونوا مملين لو أنهم استمروا في استنساخ بعضهم بعضاً، لا حاجة للناس إلى اثنين من ليوناردو، هم بحاجة إلى شيء جديد، إلى شخص آخر.
تعرف أن في جوابه الحكمة الكافية: المسافة الشرعية من التهمة بالغرور، والمسافة اللائقة من تهمة عدم تقدير الذات، يجيد اللعب على الكلام، كانت تخبره دوماً بذلك:
الكلمات مهنتك فعلاً.
والحب أيضاً مهنتي، منذ 1500 عامٍ حتى يدق ملاكٌ ضجرٌ جرس الآخرة.
يمسك كلاهما بيد الآخر، ويكملان المشي كنجمة صبح واحدة، واليدان المشبوكتان كجورية، تلوحان كمرساة واحدة، تمسك فكّ اليابسة جيداً، وحين يعود إلى ورشته، يحاول أن يرسم وجه عليا، يحاول مرة، ثم أخرى، ولا يكمل اللوحة، وكلما سألته لماذا لم يكتب عنها مرة، ولماذا لم يرسمها مرة، كان يبتسم فقط.
وأظنه كان يقول في سره: أغار عليك من عيني القارئ إن أحب كلماتي فيكِ، ومن شهوة المشاهد إن أعجبه اندفاق اللون البني في العينين. يترنحان كالسكارى في شوارع المدينة المشغولة بجمال وجهها، وهم، يتوكلان بجمال قلبها وروحها، لا تصلح إيطاليا بدون حب، تفقد جاذبيتها وتصبح كالثوب الجميل المعلق في خزانة، بلا جسد يخرجه للناس، ويوسف وعليا، ليوناردو وعليا، كانا جسداً يلبس إيطاليا فتشد خريطتها وتنفض غبارها.
هل كان يوسف يحاول أن يكفّر بأنامل ليوناردو عن خطيئته تجاه المسيح؟ لم يفعل سوى خدمة الكنائس والأديرة وملوك الصلبان، ولم ينجح في إرضاء الإله، كان يعود ليكمل دور كارتا فيليوس، فيتيه مرة أخرى، لعل الله إذاً، لا يرضى لرضا التجار باسمه، ولا يغضب لغضبهم.
ما هي؟
آلة موندولا.
تلاحقه من جيل إلى جيل، من قرن إلى قرن، من بلد إلى بلد، بالموسيقى، وهذه الموندولا، سيصقلها الطليان جيداً بعد سنين، لتصبح «ماندولين»... تغني لسماء إيطاليا. كم أنت ساخنة!
تخجل كأي فتاة لم تعرف القبلة من قبل، تبكي كأنها تحرك شفتيها للمرة الأولى تحت شفة رجل تحبه، وحين يخاف من بكائها، تحضنه، وتعوّض عليه ببسمة يكمل بفنونها كتابة «فن التصوير الزيتي» حيث يقول بقلمه: «من يحط من قيمة التصوير، لا يحب الفلسفة ولا الطبيعة» وأظنه يخال نفسه يقصد تصوير ابتسامتها.
حين أضاع الباحثون في التاريخ لوحة معركة أنغياري، التي سموها «ليوناردو الضائع»، والتي تظهر أربعة فرسان يتصارعون على راية في معركة أنغياري بين فلورنسا وبيزا، كان قد أهداها إلى عليا، كانت قد رسمت له آلتي موسيقى على ورقة، فرسم لها أربعة فرسان وراية، لم تفهمه حينئذ، هل كان يقصد أنه يحيط بها كفارس من الأربع جهات؟ هل كان يقصد أن الوطن في المعركة، لا يكتمل إلا بلمستها، هل كان يقصد التصويب على كل من ينافسه في قلبها؟ لم تفهمه حينئذ، كان منشغلاً بتعليم الرسم لجيل القرن القادم، ويشرح أي شيء لها.
هل تؤمن أن من بين هؤلاء سيخرج ليوناردو دافنشي آخر؟
تسأله عليا، وهي تشد على ساعده في شوارع ميلانو الملأى بالحياة، يتلفت إليها، يبتسم ابتسامته الساخرة، ويجيبها:
لا يحتاج التاريخ إلى ليوناردو آخر، يحتاج إلى دم جديد، أنا أدعو التلاميذ ليكونوا هُم ببساطة، هُم، لقد أوشك البشر أن يكونوا مملين لو أنهم استمروا في استنساخ بعضهم بعضاً، لا حاجة للناس إلى اثنين من ليوناردو، هم بحاجة إلى شيء جديد، إلى شخص آخر.
تعرف أن في جوابه الحكمة الكافية: المسافة الشرعية من التهمة بالغرور، والمسافة اللائقة من تهمة عدم تقدير الذات، يجيد اللعب على الكلام، كانت تخبره دوماً بذلك:
الكلمات مهنتك فعلاً.
والحب أيضاً مهنتي، منذ 1500 عامٍ حتى يدق ملاكٌ ضجرٌ جرس الآخرة.
يمسك كلاهما بيد الآخر، ويكملان المشي كنجمة صبح واحدة، واليدان المشبوكتان كجورية، تلوحان كمرساة واحدة، تمسك فكّ اليابسة جيداً، وحين يعود إلى ورشته، يحاول أن يرسم وجه عليا، يحاول مرة، ثم أخرى، ولا يكمل اللوحة، وكلما سألته لماذا لم يكتب عنها مرة، ولماذا لم يرسمها مرة، كان يبتسم فقط.
وأظنه كان يقول في سره: أغار عليك من عيني القارئ إن أحب كلماتي فيكِ، ومن شهوة المشاهد إن أعجبه اندفاق اللون البني في العينين. يترنحان كالسكارى في شوارع المدينة المشغولة بجمال وجهها، وهم، يتوكلان بجمال قلبها وروحها، لا تصلح إيطاليا بدون حب، تفقد جاذبيتها وتصبح كالثوب الجميل المعلق في خزانة، بلا جسد يخرجه للناس، ويوسف وعليا، ليوناردو وعليا، كانا جسداً يلبس إيطاليا فتشد خريطتها وتنفض غبارها.
هل كان يوسف يحاول أن يكفّر بأنامل ليوناردو عن خطيئته تجاه المسيح؟ لم يفعل سوى خدمة الكنائس والأديرة وملوك الصلبان، ولم ينجح في إرضاء الإله، كان يعود ليكمل دور كارتا فيليوس، فيتيه مرة أخرى، لعل الله إذاً، لا يرضى لرضا التجار باسمه، ولا يغضب لغضبهم.