eKtab
EN ع
أول الوجع
اقرأ عينة مجانية

أول الوجع

بقلم محمد توفيق القباني

صفحة 1
تقـديــم
 
أشعر بسعادة حقيقية وأنا أقدم لهذه المجموعة القصصية، ولأكثر من سبب أولها، أنني أقدم لعمل إبداعي لفنان أردني كبير يعرفه الجمهور والمشاهد الأردني والعربي في شتى أقطار الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، من خلال الشاشة الصغيرة والكبيرة... يعرفون أدواره وإمكاناته وشخصيته وموقفه الفني الذي يتجلى من خلال أدائه الرفيع، وحماسه النبيل للموقف الإنساني الذي يتبناه.
 
ثانيها أنني أكتشف لدى الصديق الفنان محمد توفيق القباني الذي عرفته ممثلاً ودرامياً وفوق ذلك عرفته إنساناً من خلال المناسبات التي جمعتنا ذات حقبة في العمل من أجل حقوق الإنسان والقضايا العادلة للشعوب والتجمعات البشرية، اكتشفت أنه كاتب قصة مبدع، لا بل وشاعر غيبته المشاغل، فكان وفاؤه لشعره أقل بكثير مما كان وفاؤه لفنه..
 
لقد اكتشفت لدى الصديق الفنان محمد القباني مهارات مخبوءة -كما قلت -غيبتها مشاغله كفنان وممثل أشبع هذه الحرفة الكثير من الوفاء، الأمر الذي جعله قليل الاهتمام بغيرها من المهارات والفعاليات الإبداعية التي لديه.
 
ولكنه اليوم يضع بين أيدينا هذا الملف الإبداعي الذي يؤكد أن الفنان المبدع كلُّ لا يتجزأ، وأن المبدع في هذا الحقل يمكن أن يظل مبدعاً أيضاً في حقول أخرى.
 
ذلك أن بذرة الإبداع تقف أولاً وراء أي شكل من أشكال الاختصاص البارز، وهي -أي بذرة الإبداع-قوامها الإحساس المرهف الذي صقلته التجربة والمراس وعزّزه الصدق الفني..
 
من هنا نجد (بريخت) الألماني مسرحياً أولاً وقبل كل شيء، ولكننا نجده الشاعر والقاص وربما الرسام في آن وكذلك الأمر لدى التركي عزيز نيسين وغيرهم وغيرهم..
 
وفي الكثير من الكتابات المختلطة لمحمد توفيق القباني نجد القصة تتداخل بالدراما في العمل الواحد، ونجد المبدع متوزعاً بين هاجسي القصة والدراما بحكم التجاور بين الفنين، ولكن تقف وراء كل ذلك شاعرية مخبوءة.. تتقنع تارة وتبرز تارة أخرى وتتخفى ثم تعود لتعلن عن نفسها من بعيد، وربما تتربع داخل النص، وتكاد تحتله بالكامل؟ وهذا يحدث في القصة!
 
في أعماله القصصية يتجلى هاجسٌ رئيس، وهو ذلك القلق الوجودي النبيل الذي ينصبُّ بشكل كثيف على موضوعة الرجل والمرأة، ويؤكد أولاً وقبل كل شيء أن الحيلة إنما تقوم على هاتين الرافعتين. وأن قاعدة الحرية لا بّد أن تشكل أساساً لهاتين الرافعتين اللتين تقوم عليهما الحياة.
 
لن أضيف المزيد من النقد والتحليل، فليس هذا من أدبيات التقديم ولا يحق لي مصادرة حق القارئ في التعامل بحرية وبذائقة غير ملقّنة مع النص الإبداعي، وما هي إلا فرصة لتوجيه التحية للفنان المبدع، الصديق العزيز محمد توفيق القباني ولبيان ودّ مؤكد وتقدير صادق.
 
الدكتور سليمان الأزرعي
صفحة 2
كلمة المؤلف
 
كتاب لقصصي وحكاياتي جمعت فيه بعضاً مما مر بي خلال رحلة الحياة..
 
وقد آثرت أن أنشر كل هذه الأعمال بغض النظر عن قيمتها في كتاب حتى لا تضيع أولاً، وحتى أستفيد أنا من نظرة القارئ ورأيه لعلي أضع بين يديه خلاصة تجربة حياتية أعتز بها رغم الاغتراب والمرارة والفرح أحياناً، والكثير من الحب للناس والوطن والحياة، ولا يسعني هنا إلا أن أشكر بكل اعتزاز وتقدير الدكتور سليمان الأزرعي الذي قدم لها بكلماتٍ أسعدتني وأفتخرُ بأنه قالها لي وكتبها عن منجزي هذا وأشكر له بعنف تخليصي من كابوس الهمزات والنقاط والفواصل الذي كان يؤرقني فعالجني منه، والله الموفق.
 
محمد توفيق القباني
صفحة 3
"عند باب الجامعة"
 
وأدعي أنني أقدر على الوقوف أكثر، وعلى الانتظار أكثر، وأدعي أن الاستمرار في عمل شيء هو جزء من كبرياء إنساني أمارسه ويمارسه غيري، وأدعي أن الانتصار حالة بلوغ ولحظة ليس إلا وسأعيشها بعد قليل... وأي حيوان لا يفعل إلا ما تعود عليه والقرد لن يكون غزالاً على الإطلاق.... قال لنفسه وهو يتأبط بعض الكتب وقد دس في ثنايا أحدها ظرفاً احتوى رسالة سيسلمها لها بعد قليل وليكن ما يكون.. أول مرة قابلها كانت هنا على باب الجامعة، يومها تمنى لو تتحدث معه أو تصافحه، يومها لم يتأملها جيداً ولا أظنها فعلت، قال لنفسه فقط. نظر إليها وأحس بشيء... انجذب نحوها وانجذبت نحوه، قالت له ذلك فيما بعد ودخلا معاً تقريباً كتفاً بكتف من هنا إلى حرم الجامعة.. هذا ما جرى يومها.. ولم يكن يعرفها ولا هي كانت كذلك تعرفه... لكن اليوم، أقصد بعد قليل لن يحصل أي شيء من هذا فقط عندما تأتي اليوم.. أقصد بعد قليل، سيتقدم نحوها ولا داعي لأن يتبادلا أية تحية، فقط سيعطيها الرسالة ويمضي.
 
بالمناسبة الرسالة ليست خطيرة وأرجو أن لا يتبادر إلى الذهن أنها ذات مضامين خاصة أو نسخة عن منشور سري أو أي شيء من هذا القبيل، فقط هي رسالة من تلك الرسائل التي يرسلها العشاق الفاشلون.. جميل هذا التعبير فليس من السهل أن يكون المرء عاشقاً، فكيف إذا كان فاشلاً.. سيكون الآن أصعب بطبيعة الحال.... أحس بالتفاهة.. ماذا يفعل هنا؟ وماذا ينتظر؟ طرد فكرة التفاهة التي طرأت في ذهنه وشد على الكتب تحت إبطه وقال... لا بد ستأتي... فلا يمكن أن تتركني هكذا عند باب الجامعة.. تأخرت.. لم تكن تتأخر قبل، قال ثم سكت خوفاً من أنْ يفضح مضمون الرسالة..كنت أتأخر أنا أما هي فلا...فلماذا تأخرت اليوم...لو كان هناك مقهى أو مكان أجلسُ فيه.. مقعد مثلاً.. لماذا لا يوجد مقاعد عند باب الجامعة أو أي شيء يخفف من عناء الانتظار المذل هذا... على أية حال لست وحدي من ينتظر، ها هم ما يقرب من عشرين نصباً إنسانياً متسمراً في مكانه عند باب الجامعة وبينهم فتيات أيضاً.. أشعر بحرجهن من هذه الوقفة. إذا كنت أنا الرجل الشرقي المعتد بنفسه جداً محرجاً حتى العظم فما بالك بهؤلاء الفتيات؟ لا يمكن.. كلنا في الهوى سوا.. نظر إلى نفسه ماذا يفعل هنا؟ نقل الكتب من تحت إبطه الأيمن إلى تحت إبطه الأيسر في محاولة لقتل الوقت.. كان بوده لو استند إلى جذع شجرة ليفتح كتاباً ويتشاغل فيه، لكن الأشجار كلها مشغولة.. تعرف الكثير هذه الأشجار عن الآلاف غيري وغيرها.. ولكنها تأخرت، ومن قال إنها ستأتي أصلاً؟ أنا متأكد من ذلك -قال لنفسه: فقد كان بإمكانها أنْ ترفض عندما طلبت منها ذلك، لكنها لم تفعل إذن ستأتي.. طأطأ برأسه وهو يتحسّس الكتب تحت إبطه نعم ماذا تريد؟ سمع هذه الجملة رفع رأسه كانت فتاة.. نعم ماذا تريد قالت.. نظر إليها ملياً حاول التأكد من ملامحها إنه يعرفها، يعرفها بشكل مؤكد، لكن لماذا لا يرد عليها.. لقد مضى على وقوفي أكثر من خمس دقائق! ماذا بك؟ تكلم.. ماذا تريد.. خمس دقائق ردد في سره وتجاوزها.. رفع يده، استجابت لها سيارة تاكسي صفراء، رمى نفسه بها.. وقال للسائق اطلع.. سأله إلى أين؟ قال له إلى أي مكان إلى المدى الرحب فقط خذني بعيداً عن هنا.. نظر خلفه فرأى بضعاً وعشرين نصباً إنسانياً متسمراً في مكانه ينتظر وفجأه رفعت النصب الإنسانية أذرعتها وامتد رتل طويل من السيارات الصفراء تترك باب الجامعة ووسط الشارع خطٌ طويلٌ من الأوراق المكورة..
 
تفقد كتابه، فلم يجد الرسالة..
 
أيار 1992
صفحة 4
"مساء الدهشة"
 
وكان مساء.. ومساء الدهشة لا يتكرر.. مفضوحة كل الأسرار الآن.. مفضوحة لأن لا أحد يسمعني الآن.. هي ليس مفضوحة إذن ما دام لم يسمعها أحد.. لا بل هي كذلك لأنني سأسمعها لنفسي.. لأول مرة.. منذ ذلك اليوم سأبوح بها.. ذلك اليوم؟! كان اليوم العاشر في الشهر العاشر من تلك السنة، أي سنة على وجه التحديد، لا يهم لكنه كان العاشر والمفروض أن العاشر هو أول شهر في الميلاد لكنه كان العاشر في الخيبة والحظ العاثر.. لا شيء ببالي الآن البته غير التمطي على قارعة الطريق ليراني الناس، هكذا كما أنا، فارغاً من كل شيء ولا أملك إلا حطام هذه الدنيا.. وحطام الدنيا معي ليس مالاً أو عقاراً أو ذهباً وإنما حطام دنياي حسرة.. قال هذا وزفر زفرة طويلة تخيل أنها ربما أحرقت قميصه فانتفض وكأن ناراً لسعته.. نهض وصرخ وركض وصرخ مرة أخرى وأخرى كذئب جريح، ثم أقعى من جديد على قارعة الطريق يلهث.. تطلع حوله فلم يرى شيئاً، الرصيف هو الرصيف والشارع هو الشارع فلماذا يلوم الدنيا.. لماذا يلوم أي أحد في الدنيا؟! لقد تركته هكذا؟! في العاشر من الشهر العاشر من تلك السنة.. دون سبب.. لا ليس دون سبب.. ولكنه كان سبباً واهياً على أية حال.. غضبت لأنه لاحقها يوماً أو هكذا أحست هي.. ولماذا تغضب؟! وصرخ بكل ما يملك من أوتار في حنجرته: من حقي أن ألاحقها، قال هذا وضحك ضحكة هستيرية بلهاء وهو يكرر: من حقي.. من حقي ثم بكى.. مرت إحدى الصبايا على الرصيف.. نثرت نفسها بعيداً مرتاعة عندما رأته.. ضحك وهو ينظر إليها تهرول من الخوف.. كان يتمنى لو رثت لحاله.. لو سألته عن سبب بكائه وتمطيه هكذا ككوم نفاية على قارعة الطريق.. كان يتمنى لو سمعت له لكنها لم تكترث وغابت في الأفق.. من حقها أن تفعل هذا قال ببلاهة.. من حقها أن تهرب فما أنا إلا مجنون يتحاشاه الناس.. هي أيضاً لم تكترث له لما عاتبها.. قالت له بفم مليء واثق وكلمات واضحة: ليس من حقك ومضت.. من يومها لم تكلمه.. لم تسأل عنه.. صادفها لكنها تجاهلته.. لماذا تتجاهله.. فهو لم يفعل لها شيئاً.... لم يؤذها يوماً.. لم يفكر حتى في ذلك.. لماذا لم يفكر..؟! ضرب رأسه ببطن يده عدة مرات وكأنه ندم.. أية فكرة شيطانية هذه التي يفكر فيها الآن لا؟؟؟ لا؟؟؟ لقد أحبها فعلاً ولا يزال والذي يحب يحب دائماً ولا يستطيع أن يؤذي حبيبه، فالمحبة لا تلد إلا المحبة.. كونها تركته لا يغير من هذه الحقيقة وهي أنه أحبها، أنشد... أتجرع بعدك غصباً طعم اليوم.. وأنا لا أملك إلا طيفاً أستحضره... وأنت بعيدة..أية كلمات هذه.. ولماذا يحفظها ويرددها.. وأين هو الآن وأين هي؟! سرح بعيداً وهو يبكي، حتى شعر بيد تربت على كتفه تهمس: ألا تريد أن تنام؟! لقد جاوزت الساعة الثانية صباحاً.. انتبه.. نظر إلى مصدر الصوت أدرك أنها زوجته وأنه على مكتبه.. في بيته وأمامه أوراق بيضاء ليس عليها حرف واحد لكنها مبللة !! نظر إليها مسدها براحتيه!! لحس راحتيه كانت مالحة ونهض وأطفأ النور.. واندسَّ في فراشه.. وقبل أن يخلد للنوم، أطفأ عينيه براحتيه وغفى..
صفحة 5
" مشروع "
 
مشى في الشارع الطويل المزروعة جوانبه بأشجار الحور الباسقة.. كان في كل مرة يمشي فيها في هذا الشارع يحاول ما أمكنه أن يسير في الجزيرة الوسطية الممتدة على طول الشارع، وكان دائماً ينظر إلى الأعلى محاولاً أن يصل بنظره إلى قمم الأشجار، ثم يهبط بنظره عليها فيراها تتمايل بأناقة أنثى لبست ثوبها الجديد، وتحاول بطغيان أنثوي في داخلها أن تميل في كل اتجاه؛ لترى نفسها من كل نواحيها وتتأكد من أن كل صفاتها متأهبة لما تريد.. لكن ما يزعجه هو أصوات السيارات وأبواقها التي طالما شتمها وشتم سائقيها لأنها تأخذه من الحلم الذي يعيشه في هذا الشارع وتمنعه من سماع حفيف الأشجار الجميل وقصص العصافير المختلفة عليها والمتنازعة على أغصانها.
 
في كل يوم كان يقطع هذا الشارع مرتين : مرة في ذهابه، ومرة في إيابه. وبعد أن ينتهي منه يشير إلى تاكسي ويستقله إلى عمله إلا في ذلك اليوم، حيث وجد نفسه في أول الشارع، لم يرَ أشجار الحور ولا سمع أصوات العصافير.. بدلاً منه سمع ضجيجاً هائلاً لجرافة، ورأى يافطة مكتوبة بخط رديء.. نعمل لراحتك!! راحتي يا؟! وبصق ورفع يده ملوحاً لتاكسي.. وصار كل يوم يستقل التاكسي من باب بيته.. وطول الطريق يطرق برأسه ولا ينظر إلى الشارع أبداً.
 
أيار 1997
صفحة 6
" التعود "
 
يبدو أن الأمر أصبح واضحاً الآن.. لم يستطع سالم أن يوفر كل ما تريده لضيق ذات اليد، فقرر شيئاً ما؟؟ وكان مضطراً لفعلة ما ومجبراً عليها ليظهر أمام كفى بمظهر البطل الذي لا يعجز عن فعل أي شيء.. ضرب كفيه ببعضهما بغيظ مخرجاً زفرة طويلة أحس أنها حرقت جوفه.. كيف حدث كل هذا؟ سأل نفسه وهو يضرب بكفيه على صدغيه.. كيف حدث كل هذا؟ من أجل أن يرضيها ويلبي لها كل طلباتها دفع الكثير من جهده وعرقه وماله فيما مضى، والآن يدفع سمعته التي حرص عليها طوال عمره.. أين هو الآن؟.. في النظارة.. وما هي النظارة؟ إنها المكان الوحيد الذي لم يفكر فيه.. النظارة بوابة العبور إلى القيد الكامل، أنت فيها الآن يا سالم.. وبشكل لا إرادي بصق وراح يتفحص المكان.. كثيرون حوله أكثر مما كان يتخيل يحيطون به.. أوضاعهم تبدو مضحكة وقسماتهم تتراوح بين الرضا والسخط واللامبالاة والقلق والاسترخاء والتأمل.. أيّ تأمل من الممكن أن يكون هنا؟ كل يجلس بطريقة في مساحة لا تتعدى المترين أو أكثر بقليل.. واحد يضحك ويتكئ وآخر يتكئ ويضحك وغيره ساهم وآخر يضع رأسه بين ركبتيه وينتحب بصوت خفيض، وبين كل انتحابة وأخرى يرفع نظره إلى سقف النظارة ويتمتم، وآخر يمسك بقضبان نافذة الباب الضيقة ويمد بصره من خلالها ثم يرتد عن الباب طافحاً بخيبة الأمل.. لكل منهم قصة وحادثة وغلطةٌ ما قادته إلى هذا الجحر فأصبحوا مثل فئران تتنازع على فسحة، وتتحين فرصة.. أية فرصة ينتظر أي واحد فيهم؟ حتى هو أي فرصة ينتظر؟؟ هل تفتقده كفى التي فعل من أجلها كل ما فعل حتى وصل إلى هنا؟؟ تعب من التفكير فنهض وراح يدور في المساحة الضيقة كثور ساقية وهو يرطن بكلمات ظنَّ أنَّها ستخفف عنه وجيعته، وصار يردد بصوت مشروخ وكأنه أراد أن يسمع من حوله سبب وجوده بينهم.. المرأة..المرأة.. حريقة تحرق النسوان.. كل النسوان.. أجابه أحدهم وحد الله يا رجل، وإذا انحرقن كيف بدنا نعيش..!! انتبه.. ثم عاد ليقول.. لا ليست المرأة.. ليست المرأة.. هذه مقولة مغلوطة مشجب نعلق عليه كل الأخطاء ونتذرع به لنبرئ أنفسنا.. نعم ألم يهبنا الله عقولاً..؟ هو الرجل بأفقه الضيق وعدم احتماله وضعفه أمام غرائزه المجنونة ومحاولاته الدؤوبة لتحسين صورته كلها هي التي تقوده دائماً وتتحكم فيه وتوصله إلى الدرك الأسفل الذي هو فيه هنا.. نظر إلى الرجل الذي قاطعه قبل قليل واحتج عليه فأومأ له برأسه وكأنه فهم عليه، فارتاح قليلا وجلس.. أحس برطوبة تحته فوقف مذعوراً.. ونظر فعرف أنه جلس على بصقته..!! شيء مقرف قال لنفسه رغم أنها بصقته ورغم أنها منه.. ماذا لو كانت بصقة غيره قال لنفسه؟ لم يستطع أن يتحمل، ركض إلى السطل المركون في الزاوية وقذف كل ما في معدته وراح يبكي بكاءً مراً وهو يسمع ضحكات من حوله وشعر بيد تربت على كتفه وصوت الرجل الغليظ الذي قاطعه قبل قليل يقول" معلش بكرة بتتعود.
صفحة 7
" طريق الملح "
 
يمر طويلاً هذا اليوم وكسولاً ومملاً.. وأبدو فيه رخواً أي شيء يحركني أو يهزني أو يستفزني.. منذ الصباح وقد استيقظت على حلم مزعج لم أكف عن استحضاره وإعادته في رأسي، في محاولة لفك طلاسمه دون جدوى... رأيت رجلاً أسود غاية في الضخامة وكأنه كتلة سوداء كبيرة توشك أن تقع وهو يحمل كنبة مهترئة.... راقبته بحذر شديد من خلف زجاج نافذتي التي دخل منها إلى البيت الذي رأيته خال من الأثاث.. دخل منها ولدان قبضت عليهما وأوسعتهما ضرباً وأنا لا أعرفهما. ثم وضعتهما في كيسين كخرق بالية وجررتهما حتى الباب الرئيس للشقة ووضعت الكيسين أمام الباب، بعد أنْ أخرجت الولدين منهما، ثم تركت الباب مفتوحاً وعدت إلى الشقة. وقبل ذلك رأيت أطفال الجيران وهم اثنان يقومان بغسل وجهيهما أمام الباب في مغسلة، وهذا الباب الذي دخل منه رجل لم أره في حياتي ولا أعرفه، فنهرته بشدة لكنه لم يسمعني ولم يكترث، بل دخل ومعه زميل له لا أدري كيف دخلا وأصبحا يتفحصان نقاط الكهرباء في الشقة.. ثم سألت ابني عن أولاد الجيران فلم يعرفهما، وقام الولدان اللذان دخلا من النافذة بمحاولة حفر بلاط الحمام الصغير في الشقة.. بعدها خرجت إلى الحديقة ورأيت القطة وقد ضمر بطنها، وكأنها ولدت.. ثم رأيت مجموعات من الناس على الجبل المقابل يقتتلون بقذف الحجارة على بعضهم، وكان نفر منهم يقذفها نحوي لكنها لم تصبني لأنني كنت أتفاداها.. ثم ذهبت نحوهم لكنهم اختفوا وظهرت أمامي بناية كبيرة جداً، جهة منها على شكل كنيسة والجهة الأخرى على شكل جامع ضخم، فقلت في نفسي من أين أتت هذه البناية؟ ومتى بنيت على الجبل المتاخم لشقتي؟ وأثناء ذلك كنت أمشي على طريق وعرة وسهلة هبطت بيدي عليها وتحسستها ثم لحست يدي فكان مذاقها مالحاً! نفضت يدي منها برضا ومضيت لأرى صبياً يقوم بتفجير ما يشبه اللغم وهو يضحك بشدة وحوله جمع من النساء يزغردن، وبينهن رجل كهل يبارك ما يفعله الصبي وما تقوم به النساء من الاحتفال والفرح.. ثم دخلت الجمع غاضباً ومحتداً وصارخاً إلى أن كفوا عن هذا التهريج. هذا طفل يجب أن لا تختبئوا وراءه، ولا يجب أن تزينوا له ما يفعل، ما يلعب فيه خطر عليه وظللت أصرخ في وجوههم.. كفّوا.. كفّوا.. والكل يضحك بهستيريا حتى غمروني فنفضت نفسي ودخلت البناية الضخمة من بابين، وإذ أنا في ساحة كبيرة جداً وطافحة عن آخرها بالناس والجنود.. وكنت أمشي حافي القدمين.. وأنا أسمع صوت زوجتي تطلب مني مساعدتها في إغلاق درفة الشباك الألمنيوم.. فقلت لها.. ضعي عليها قليلاً من زيت الزيتون.. واستيقظت.. بعد قليل سمعت أصوات سيارات الإسعاف في الشارع بشكل كثيف. فتحت التلفاز وكانت قناة الجزيرة تذيع خبراً عن تفجيرات فنادق عمان.
صفحة 8
" أول الوجـع "
 
أبحث عن ماذا؟! وأنا أجوب الشوارع كل يوم أكثر من مرة وفي كل الأوقات صباحاً وظهراً ومساءً وليلاً.. ماذا أريد ولماذا رغم كل هذه الوجوه التي أراها كل يوم عشرات ومئات وآلاف المرات.. لماذا يملؤني الضجر..؟!
 
ستة أشهر انقضت وأنا بلا عمل حقيقي.. لا عمل لي إلا طبع دعساتِ نعالي على أرصفة المدينة المزدحمة.. غريب أن تكون المدينة بهذه الكثافة وهذا الازدحام ولا أشعرُ فيها إلا بالضجر، ولا أحاول أن أتعرف على أحد.. ستة أشهر وأنا هنا ولم أحاول تكوين صداقة واحدة. كل الذين أراهم وأتعرف عليهم أجلس لمرةٍ معهم او لمرتين وبعدها أجدني أهرب.. منهم.. وأملُّ من أحاديثهم ورواياتهم.. الضجر.. الضجر.. عالمي الذي أعيش فيه.. لا ينشلني منه غير طيف أراه أو صورة من هناك.. أجل ولهذا اخترتُ المكان الذي أجلس فيه كل يوم في قلب المدينة المزدحمة.. لأطلَّ على الشارع الطويل المتراخي كأفعى تحتضر، وأرى على أرصفته عشرات ومئات وآلاف الأجساد تمر أو تعبر الشارع في هذا المكان فقط أنعتق من قيد الضجر وأعيش كل لحظة من لحظاتي وأقفز من الفرح وأطير كفراشة إذا رأيت وجهاً جاء من هناك، لا يهم كوني أعرفه أو لا أعرفه، يكفيني أنه من تلك الوجوه الحبيبة التي تلفحها كل يوم ريح المدينة الخالدة، وإن كنت أعرفه فهي السعادة الحقيقية قد دبت في كل كياني. أنزل إليه وأعانقه، أتعلق به وأكون كطفل تائه وجد أباه أو أمه صدفة في الطريق.. ولا أتركه حتى لو كانت فتاة كائناً من يكون معها لا أتركها لأنني أشعر عندها بأنني جزء لا يتجزأ منها أو أنّها جزء لا يتجزأ مني، ولا أسمح لأحد أن يأخذه مني.. ويا لسعادتي عندها وأنا أجوب نفس شوارع المدينة المزدحمة كل الزهو وكل الفخر وكل العواطف الحلوة الجميلة تسكن داخلي.. وتفرح هي ويزيد فرحي عندما تحدثني عنها عن حبيبتي وكيف أنها تراها كل يوم.. آه يا حبيبتي البعيدة، لكم أتمنى لحظة واحدة فقط أعود بها إليك وبعدها فليأتني الموت.. وليأخذني إلى عالمه الأبدي الساكن.. آه يا حبيبتي لو تأتي اللحظة وأكحل عيني برؤيتك وأنت تختالين في ثوبك الأبيض الرائع.. أعلم أنّه لم يعد كذلك، أعلم أنهم قبضوا عليك بينما كنت تجلسين على الشرفة الحبيبة تنتظرينني، وأعلم أنهم قيدوك.. اغتصبوك.. ومزقوا ثوبك الأبيض الجميل.. آه يا حبيبتي هم فعلوا بك كل هذا وطردوني لأني أحبك.. وحبكِ جريمة بالنسبة لهم، وبالنسبة لي عبادة.. غداً عندما تعودين قولي لها بأنني لا زلت كما أنا قوياً هنا.. قوياً هناك.. لم أنجرف.. لم أنحرف.. ولا زلت أمارسُ هوايتي في التعلق والالتصاق بكل أثر من آثارها، ولا زلت أمارس نفس طقوس عبادتها.. لا زلت أناديها كل ليلة وعند كل طلعة فجر.. وأصلي للقاء.. غداً عندما تعودين قولي لها.. أنني لا زلت على عهدي... وأنّ بعدي عن رفّات جفونها وإن كان واقعاً، فلن يثنيني عن الموت حباً لها وهياماً بها.
صفحة 9
عفيف.. هذا الإنسان الذي كنت لا أطيق رؤيته وأنا هناك.. ماذا يفعل هنا..؟! ما الذي أتى به؟ لماذا ألهث خلفه وأناديه وأسلم عليه؟! لا بل وأعانقه؟ غريب كل هذا.. إنني قطعاً لا أجامله فليست هذه طباعي ولا أنافقه فليس لديه ما يدفعني لذلك، لشد ما كرهته هناك.. ولشد ما أحبه هنا، رأيته أول أمس وكان يسير في الشارع الأفعى المتراخي فنزلت إليه وركضت وراءه، ناديته حتى وقف ووصلته، سلمت عليه، عانقته، قبلته بكل اللهفة والحرارة، هو استغرب ذلك ولم يصدق عينيه ولا أنا.. وكيف هذا وأنا لم أكن أطيق حتى رؤيته، فكيف جاءت كل هذه الحرارة في الترحيب؟ ولماذا أدعوه على الغداء وعلى العشاء وأدعوه إلى بيتي؟! أو صومعتي كما أسميها..
 
وأُلح في ذلك بل وأرجوه ويقبل، ونسير معاً كأروع ما يكون عليه صديقان تحابا دائماً وتفاهما!! ويندهش هو فقد كان يبادلني نفس الشعور بالنفور والكراهية ولكن صدق إحساسي، ساعة لقائي به تجعله يراجع علاقته معي ويتغاضى عن عداوتنا القديمة ونتصافى لنجلس ونأكل ونشرب ونضحك ونتذكر أيامنا معاً، ومقالب كل منا للآخر بصراحة.. كرهته لأنه سبقني لحب فتاة في حيّنا وهو من حي آخر غير الحي الذي أعيش فيه سرقها مني وأنا الذي أضناني حبها كثيراً وكانت رائعة معي ومعطاءة حتى ظهر عفيف فتحولت عني إليه.. وقد كان عفيف يومها يملك الكثير مما لا أملكه أنا.
 
وهكذا الدنيا دائماً بنات الفقراء يأسرهن الغني وبنات الأغنياء يأسرهن الفقراء.. واحد يكمل الآخر.. وكأننا نحافظ على توازن العالم..
 
المهم كان هذا هو السر، وكانت أيام مراهقة انتهت، كان هذا هو سبب كراهيتي لك فما هو سبب كراهيتك لي..؟! سألته فقال: هو نفس السبب.. قلت: كيف؟!
 
قال: ألا تذكر عايدة..؟! تلك الجميلة المثيرة ابنة عمي التي كانت طالبة في مدرسة الُشميدت؟؟! أجل.. أجل.. لقد كانت رائعة حقاً تزوجت؟ أليس كذلك؟ نعم.. أجابني وقد كانت لي معها قصة انتهت بظهور جنابك.. فقد أفهمتني أنّها تحبك في تلك الأيام، وعبثاً حاولت معها لكنها لم ترضَ عنك بديلاً.. وازداد غيظي منك يوم رأيتها معك في شارع العشاق أتذكره؟ ذلك الشارع الخلفي قرب فندق الأورينت هاوس بيت الشرق الذي أغلقوه الآن..
صفحة 10
حيث كان يتواعد دائماً عشاق المدينة.. أجل.. أجل تذكرت.. لقد كانت رائعة حقاً وقد سرقتها أنت. قال لي: بسيطة يا سيدي واحد لواحد خالصين...
 
والآن قل لي بصراحة ما هو سر حبك المفاجئ لي.. الحقيقة يا عزيزي أنه نفس سبب كرهي لك في الماضي.. الحب.. ماذا؟! أجل إنه الحب يا رفيقي ديني وديدني.. أنت لا زلت تسرق حبيباتي ولهذا أحبّك الآن كما كرهتك في الماضي.. فأنت تراها كل يوم وتعيش معها أسعد اللحظات وأحلاها، وأنا بعيد عنها ولا أراها ولكنني ورغم علاقتك بها أحبّها ولا أكرهك بل أحبّك لأنّك تحبها.
 
من هي بالله عليك..؟! أخبرني محال أن تكون زوجتي وإلا.. قتلتك الآن.. لا يا رفيقي إنها ليست زوجتك أنت بل فاتنتي.. التي طردوني لأنني أحبها.. ومنعوني عنها.. إنك تراها كل يوم وتعيش بأنسامها وتلعب بشعرها وتتعبد وتتيه بكل هيام وأنت تمر بيديك على جسدها الرائع الحبيب.. إنها هي عروسي التي لم أنعم معها بليلة الخلود والسعادة إنها القدس يا رفيقي هل فهمتني..؟!
 
القدس التي تركت فيها كل شيء.. أهلي وداري وحبيبتي وأنت وكل شيء.. القدس التي راقصتها في ليالي أعياد الميلاد وقبلتها كثيراً.. كثيراً.. القدس التي كتبت لها أجمل كلماتي وأحلاها.. القدس التي أعطتني الكثير ولم تأخذ مني بعد.. القدس التي جعلتني هكذا أكرهك.. وأحبك.. وأحب كل قادم منها.. القدس التي قذفوني منها كحشرة ورموني على جسر الأحزان ومشيت وقدماي عاريتان.. ودموعي في عيني تغسل شوارع المدينة المزدحمة وتلتقي بعيون لا تعرفها ولا تشعر بها..
 
تتقاذفني الأرصفة الكثيرة.. وتهرسني، تنخر عظامي أصوات أبواق السيارات ودبيب أقدام العشرات والمئات والآلاف من الأجساد الغريبة عليها، وتحزنني حتى الوجع نشرات الأخبار التي لا همَّ لها إلا نهش عرض حبيبتي ونشر أخبارها.. والتصميم على العودة إليها.. مهما كانت التضحيات ومهما كان الثمن.. مهما كان.. ومهما كان.. وهراء كل ما نسمعه.. هراء كل ما نراه في الصحف وعلى شاشات التلفزيون.. محض هراء.. يا رفيقي.. لست متشائماً أنا ولا داعية هدم، وإنما الحقيقة التي أراها هي الأكبر وهي الأقوى من كل الأصوات والحناجر الحقيقية التي أراها تقول إنَّ الجسور لا زالت موجودة وإنَّ الجسور هي أكبر إذلال لي ولك لأنها حدّ، والحدّ معناه النهاية، والنهاية ليست بعدها شيء.. النهاية دائماً هي النهاية.. هي الفصل الأخير.. وبعدها ينسدل الستار وعليها ينسدل الستار،،،،،،
 
ليل 5/7/1974