eKtab
EN ع
أولويات الحركة الاسلامية في المرحلة القادمة
اقرأ عينة مجانية

أولويات الحركة الاسلامية في المرحلة القادمة

بقلم د. يوسف القرضاوي

صفحة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

أولويات الحركة الاسلامية في المرحلة القادمة

أحمد الله تعالى الذي بنعمته تتم الصالحات ، وأصَلِّي وأسَلِّم على رسوله المصطفى وعلى آله وصحبه . . وبعد :
فقد كانت فرصة طيبة جمعني فيها القَدَر بالأخ الكريم الأستاذ محمد الهاشمي الحامدي الكاتب الصحفي المسلم الواعي ، حين جمعنا المؤتمر السنوي لرابطة الشباب المسلم العربي ـ في أمريكا الشمالية في الشتاء المنصرم (ديسمبر1989م) وحدَّثني فيها عن مركز دراسات المستقبل الإسلاميالذي تعاون على إنشائه مجموعة من المفكرين المسلمين وضرورة تعاوني معه ، ودعمي له .
كما حدَّثني عن عزم هذا المركز على عقد ندوة حول قضايا المستقبل الإسلاميوعن موضوعات هذه الندوة والمشاركين فيها ورأيي في ذلك ، وقد رحبت بالمركز والندوة ، ولم أبخل بنصح ولا مشورة ، ولكنه ـ أيَّده الله ـ أصرَّ على أن يأخذ مني وعدًا مؤكدًا بالمشاركة فيها ، ولكي يغريني بالحضور قال : إننا سنعمل على عقدها بالبلد الذي تحبه ويحبك : الجزائر ، وطلب إليّ أن يكون بحثي للندوة عن أولويات الحركة الإسلامية في العقود الثلاثة القادمةلما رآني شديد الاهتمام بما أسميه فقه الأولوياتو التركيز عليه ، والحديث عنه ، وهو جزء من اهتمامي بتسديد الحركة الإسلامية ، وترشيد الصَحْوَة الإسلامية ، فهذا همي الأول والأكبر وما أعظمه من هم أدعو الله أن يعينني على القيام بحقه . ومن هنا لم يسعني إلا أن أستجيب للأخ الفاضل ، فالموضوع والداعي والمشاركون والمكان كلها تغريني بل تُلزمني بتلبية الدعوة .
واستعنت الله تعالى ، وشرعت في الكتابة فيما طُلِبَ مني ، رغم كثرة الأسفار التي صادفتني في تلك المرحلة ، وطالما قطعت عليّ حبل التفكير المتواصل في البحث .
وكانت الثمرة هذه الصحائف التي أقدمها اليوم ، راجيا أن يكون فيها شعاع ، وإن يكن ضئيلاً ، على الطريق ، فإن لم يكن ، فحسبنا إثارة الموضوع للبحث والمناقشة ، ففي ذلك تبصرة وذكرى(1).
وما كتبته هنا هو امتداد وتكملة ومتابعة لما كتبته من قبل عن الحركة الإسلامية خاصة ، وعن الصحوة الإسلامية عامة ، من كتب ورسائل ومقالات(2).
والفرق بين الحركة والصَحْوَة أن الحركة تُعَبِّر عن جماعة أو جماعات منظَّمة . ذات أهداف محدَّدة ، ومناهج مرسومة . أما الصَحْوَة فهي تيار عام دافق يشمل الأفراد والجماعات ، المنظَّم وغير المنظَّم فبينهما ـ يقول علماء المنطق ـ عموم وخصوص مطلق ، فكل حركة صَحْوَة ، وليست كل صَحْوَة حركة ، والصَحْوَة إذن أوسع دائرة من الحركة وأكثر امتدادًا ، وهكذا ينبغي أن تكون .
والصَحْوَة مدد ورافد للحركة وسند لها ، والحركة دليل وموَّجِه للصحوة ، وكل منهما يؤثر ويتأثر بالآخر ويتفاعل معه .
وأود أن أشير هنا إلى أمر مهم ، وهو أني أريد بالحركة الإسلامية الحركة بمعناها العام ولا أقصد حركة معيَّنة ، وإن كان أكثر تمثيلي بحركة الإخوان المسلمين ، لأنها الحركة التي نشأتُ فيها وعشتُ محنها ومنحها ، وخبرت الكثير من أحوالها قرابة نصف قرن من الزمان .
وقد جعلتُ عنوان البحث : أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمةولم أتقيد بـ العقود الثلاثةكما طُلِبَ مني . لأني لا أوافق على مثل هذا التحديد الصارم في هذا الزمن السريع التغير .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالَمين .
الدوحة في : رمضان 1410هـ
الموافق إبريل 1990م
الفقير إلى عفو ربه
يوسف القرضاوي
صفحة 2

تمهيد حول الحركة الإسلامية

ماذا نعنى بالحركة الإسلامية .
الحركة عمل شعبى طوعى جماى منظَّم .
مهمة الحركة تجديد الإسلام .
بماذا يكون التجديد المنشود ؟
تعدد مجالات العمل الحركى ، وأيها أولى .

ماذا نعني بالحركة الإسلامية ؟

أريد بالحركة الإسلامية : ذلك العمل الشعبي الجماعي المنظَّم للعودة بالإسلام إلى قيادة المجتمع ، وتوجيه الحياة . . كل الحياة .
فالحركة الإسلامية قبل كل شيء عمل ، وعمل دائب متواصل ، وليس مجرد كلام يُقال أو خطب ومحاضرات ، أو كتب ومقالات ، وإن كان هذا كله مطلوباً ولكنه جزء من حركة ، وليس هو الحركة ، والله تعالى يقول : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(التوبة:105).

الحركة عمل شعبى محتسب

وهي عمل شعبي يقوم أساسًا على الانبعاث الذاتي ، والاقتناع الشخصي ، إيماناً واحتساباً ، وابتغاء ما عند الله ، لا ما عند الناس .
والأصل في هذا الانبعاث ، هو هذا التوتر الذي يحس به المسلم حين تدركه الصَحْوَة ، وتمور به أعماقه ، نتيجة التناقض بين إيمانه من جهة ، وواقع أمته من جهة أخرى ، فينطلق من حبه لدينه ، ونُصحه لله ولرسوله * ولكتابه ولأمته ، وشعوره بتقصيره ، وتقصير الجماعة من حوله ، وحرصه على أداء الواجب ، واستكمال النقص ، والإسهام في إحياء الفرائض المعطلة ، من الحكم بشريعة الله ، وتوحيد الأمة الإسلامية على كلمة الله ، وموالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله ، وتحرير الأرض الإسلامية من كل عدوان ، أو سيطرة غير إسلامية ، وإعادة الخلافة الإسلامية الواجبة شرعاً إلى القيادة من جديد وتجديد فريضة الدعوة إلى الإسلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل الله باليـد أو باللسـان ، أو بالقلب ، وذلك أضعف الإيمان ، حتى تكون كلمة الله هي العليا .
صفحة 3

قصور العمل الرسمى

هذا العمل الشعبي المحتَسب ، هو الذي ينشئ الحركة الإسلامية ، أما العمل الحكومي الرسمي ، أو شبه الرسـمـي ، مثـل إنشـاء مجامـع أو مجـالـس عليـا ، أو اتحادات أو روابط ، للشؤون الإسلامية ، تشرف عليها وزارات الأوقاف ، أوغيرها مـن الأجـهـزة التابـعـة للدولة ، فقد يُسهم في خدمة الإسلام وأهـلـه بنصيب يـقـل أو يكثر ، وفقاً لنية القائمين عليه وهمتهم ، ومقدار ولائهم لدينهم ، قبل ولائهم لدنياهم ودنيا من ولوهم المناصب .
ولكن هذا العمل قاصر ، ومعيب دائماً من عدة أوجه :
1- أنه يدور في فلك السياسة المحلية للدولة التي تنشئه ، وتنفق عليه ، فهو يتحرك أو يتوقف ، ويتكلم أو يصمت ، ويُشَرِّق أو يُغَرِّب ، تبعاً لهذه السياسة ، ولهذا لا يُعبِّر عن الإسلام الخالص ، وعن أمته الكبرى ، بقدر ما يُعبِّر عن هذه الدولة المعينة .
2- أنه لا يقوم ـ غالباً ـ على أناس يفرزهم العمل ، ويصهرهم الجهاد ، ويبرزهم الميدان ، بل على التعيينمن رجال ترضى عنهم الدولة المنفقة ، ويحرصون على إرضائها رغباً أو رهباً . ولهذا لا يسعهم أن يخالفوا عن أمرها ، أو يقولوا : لِمَ ؟ أو : لا . وأنا أتحدث هنا عن الأعم الأغلب ، وإلا فقد يوجد بين الرسميين مَن يفوق بعض العاملين الشعبيين إخلاصاً لله ، وغيرة على دينه ، وعملاً لتمكينه .
3- أنه كثيراً ما تنقصه النية الصادقة لنُصرة الإسلام ، بل قد يُراد به كسب سياسي خالص ، وغالباً ما يكون هذا العمل مسجد ضِرارظاهره العبادة والتقوى ، وباطنه التفريق بين المؤمنين ، وتعويق العاملين المخلصين .
4- أنه ـ لهذا كله ـ متهم من الجماهير والشعوب ، معزول عن مشاعرها وتأييدها . حتى العلماء الرسميون الذين جنَّدوا أنفسهم لخدمة سياسة الدولة ، فينطقون إذا أرادت لهم أن ينطقوا ، ويصمتون إذا أرادت أن يصمتوا ـ يفتقدون ثقة الجماهير بهم ، ويسمونهم علماء السلطةـ أو عملاء الشرطة.
ولهذا كله لا يستطيع العمل الإسلامي الرسمي أو شبه الرسمي ـ في غيبة الحكم الإسلامي ـ أن ينشئ حركة إسلامية حقيقية ، وإن كان يستطيع ـ بما لديه من إمكانات ـ أن يقوم ببعض الخدمات العلمية والعملية ، وتقديم المعونات المادية والأدبية للعمل الإسلامي الشعبي ومؤسساته . وخصوصاً إذا كان على رأسه بعض المخلصين الشجعان .

الحركة عمل جَماعى منظَّم

والحركة الإسلامية ـ إلى جوار أنها عمل شعبي محتَسب ـ هي عمل جَماعي منظَّم ، فلا يكفي أن يقوم أفراد محتسبون مخلصون من هنا وهناك ، يعملون متناثرين للإسلام ، وإن كان عملهم مرصوداً لهم فـي ميزانهـم عـنـد الله ، فـإن الله لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى . وكل امرئ يُجزَى بما قدَّم حسب نيته وإتقانه (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ )(الزلزلة:7).
ولكن العمل الفردي في واقع الأمة الإسلامية المعاصرة لا يكفي لسد الثغرة ، وتحقيق الأمل المرتجى . بل لا بد من عمل جَماعي ، وهذا ما يوجبه الدين ويحتّمه الواقع .
فالدين يدعو إلى الجماعةويكره الشذوذفيد الله على الجماعة ، ومن شَذَّ شَذَّ في النار ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، ولا صلاة لمنفرد خلف الصف ، ولا لمتقدم على الصف ، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً . والتعاون على البرِّ والتقوى فريضة من فرائض الدين ، والتواصي بالحق والصبر أحد شروط النجاة من خسران الدنيا والآخرة .
والواقع يُحَتِّم أن يكون العمل المثمر جماعيًّا ، فاليد الواحدة لا تُصَفِّق ، والمرء قليل بنفسه ، كثير بإخوانه ، ضعيف بمفرده ، قوي بجماعـتـه ، والأعـمـال الكبيـرة لا تتم إلا بجهود متضافرة ، والمعارك الحاسمة لا يتحقق النصر فيها إلا بتضام الأيدي ، وتعاضد القوى ، كما قال القرآن : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)(الصف:4) .
ولا بد أن يكون العمل الجماعي منظَّماً ، قائماً على قيادة مسئولة ، وقاعدة مترابطة ، ومفاهيم واضحة ، تحدد العلاقة بين القيادة والقاعدة ، على أساس من الشورى الواجبة الملزمة ، والطاعة المبصرة اللازمة .
فالإسلام لا يعرف جماعة بغير نظام ، حتى الجماعة الصغرى في الصلاة ، تقوم على النظام ، لا ينظر الله إلى الصف الأعوج ، ولابد للصفوف أن تتراص وتتلاحم ، ولا يجوز ترك ثغرة في الصف دون أن تُملأ . فأي فرجة تُهمل يسدها الشيطان . المنكب بجوار المنكب ، والقدم بجانب القدم . وحدة في الحركة والمظهر ، كما أنها وحدة في العقيدة والوجهة : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم.
يُعَدِّل الإمام الصف خلفه حتى يستقيم ويتصل ، وينصح من وراءه أن لينوا بأيدي إخوانكمفالجماعة تقتضي قدراً من الليونة والمرونة لموافقة سائر الصف .
وبعد ذلك تكون الطاعة للإمام إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَ به ، فإذا كَبَّر فكَبِّروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا قرأ فأنصتوا.
ولا يُقبل من أحد أن يشذ عن الصف ، ويسبق الإمام فيركع قبله ويسجد قبله ، ويُحدث نشازاً في هذا البناء المنظَّم المتناسق . فمَن فعل ذلك يخشى أن يمسخ الله رأسه رأس حمار !
ولكن هذا الإمام إذا أخطأ ، فإن مِنْ حق مَنْ وراءه ـ بل من واجبه ـ أن يصحح له خطأه سواء كان من غلط أم سهو ، وسواء كان الخطأ في القول أم الفعل ، في القراءة أم في أركان الصلاة الأخرى .
حتى إن المرأة في الصفوف البعيدة تُصَفِّق بيدها ، لينتبه الإمام إلى خطئه .
إنها صورة مصغرة لنظام الجماعة الإسلامية ، وما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين القيادة والجندية ، فليست إمامة معصومة ، ولا طاعة عمياء مطلقة .
صفحة 4

مهمة الحركة تجديد الإسلام

ما هي مهمة الحركة الإسلامية ؟
إن الحركة الإسلامية إنما قامت لتجديد الإسلام والعودة به إلى قيادة الحياة من جديد ، بعد إزالة العقبات من الطريق .
و تجديد الإسلامليس تعبيراً من عندي . إنه تعبير نبوي نطق به الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي * قال : إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجَدِّد لها دينها.
ولقد كان اتجاه أغلب شُرَّاح هذا الحديث إلى أن كلمة مَنفيه تعنى فرداًواحدا معيَّناً يقوم بتجديد الدين ، وحاولوا بالفعل تعيينه في الغالب من العلماء والأئـمـة الأعـلام ممـن تكـون وفاتـه قريـبـة مـن رأس قـرن مـضـى ، مثل عمر ابن عبدالعزيز في القرن الأول (ت : 105هـ) والشافعي في القرن الثاني (ت : 204هـ) ثم اختلفوا كثيراً في مجدد المائة الثالثة . . . وهكذا . . .
بَيْدَ أن بعضهم نظر إلى أن مَنفي الحديث تصلح للجمع كما تصلح للفرد ، فيجوز أن يكون المجدد جماعة لا واحدا . وهذا ما رجَّحه ابن الأثير في كتابه الجامع للأصولوالحافظ الذهبي وغيرهما . . .
وأزيد على هذا أمراً آخر فأقول : ليس من الضروري أن يكون المُجَدِّد جماعة بمعنى عدد من الأفراد هم فلان وفلان وفلان … بل جماعة بمعنى مدرسة وحركة فكرية وعملية تقوم بتجديد الدين متضامنة .
وهذا ما أرجِّحه في فهم هذا الحديث الشريف(3)، وتطبيقه على قرننا هذا الذي ودعناه لنسقبل قرناً جديداً ، نسأل الله أن يجعل يومنا فيه خيراً من أمسنا ، وغدنا خيراً من يومنا .

بماذا يكون التجديد ؟

والتجديد الذي يجب أن تقوم به الحركة الإسلامية ينبغي أن يتجسد في ثلاثة أمور :
الأول : تكوين طليعة إسلامية ، قادرة ـ بالتكامل والتعاون ـ على قيادة المجتمع المعاصر بالإسلام ، دون تقوقع ولا تحلل ، وعلى علاج أدواء المسلمين من صيدلية الإسلام نفسه ، طليعة يجمع بين أفرادها: الإيمان العميق ، والفقه الدقيق ، والترابط الوثيق .
والثاني : تكوين رأي عام إسلامي يمثل القاعدة الجماهيرية العريضة التي تقف وراء الدعاة إلى الإسلام ، تحبهم وتساندهم ، وتشد أزرهم ، بعد أن وعت مجمل أهدافهم ، ووثقت بإخلاصهم وقدرتهم ، ونفضت عنها غبار التشويش والتشويه للإسلام ورجاله وحركاته .
والثالث : تهيئة مناخ عام عالَمي كذلك يتقبل وجود الأمة الإسلامية ، حين يتفهم حقيقة الرسالة الإسلامية ، والحضارة الإسلامية ، ويحرر من العُقَد الخبيثة ، التي تركها تعصب القرون الوسطى ، في أعماق نفسه ، ومن الأباطيل التي خلَّفها الكذب والتشويه في أم رأسه ، رأي عام يفسح صدره لظهور القوة الإسلامية بجوار القوى العالمية الأخرى ، مدركاً أن من حق المسلمين أن يحكموا أنفسهم وفق عقيدتهم ، باعتبارهم أغلبية في بلادهم ، كما تنادي بذلك مبادئهم الديمقراطية الحية التي يتغنون بها ، وأن من حقهم أن يدعوا إلى رسالتهم الإنسانية العالَمية ، باعتبارها إحدى الأيديولوجيات الكبرى في العالم التي لها ماض وحاضر ومستقبل ، ويدين بها أكثر من ألف مليون في دنيانا التي نعيش فيها .

 
صفحة 5

أولويات الحركة الإسلامية تعدد مجالات العمل

إن مجالات العمل أمام الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة ، مجالات رحبة فسيحة ، وعلى قادة الحركة العمليين ، ومنظِّريها الفكريين ، أن يدرسوا هذه المجالات بأناة ، دراسة علمية قائمة على الإحصاءات والبيانات الموثقة والمؤكدة .
هناك مجال العمل التربوي:
لتكوين الإطاراتالبَشرية ، والطلائع الإسلامية ، وتربية جيل النصر المنشود من الذين يفهمون الإسلام ويؤمنون به كله : علماً وعملاً ودعوة وجهاداً ، ويحملون دعوة الإسلام إلى أمتهم أولاً ، وإلى العالَم بعد ذلك ، بعد أن التزموا به : فكرة واضحة في رؤوسهم ، وعقيدة راسخة في قلوبهم ، وخلقًا يوجه كل حياتهم ، عبادة مع الله وتعاملاً مع الناس ، ومنهاجًا حضاريًّا ينهض بالأمة ، ويوحدها على كلمة الله ، ويهدي الإنسانية الحائرة للتي هي أقوم .
- وهناك العمل السياسي :
لاستخلاص الحكم من أيدي الضعفاء والخونة ليوضع فـي أيـدي الأقوياء الأمناء ، الذين لا يريدون علُواًّ في الأرض ولا فساداً ، والذين إن مكَّنهم الله في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر .
- وهناك العمل الاجتماعي :
للإسهام في علاج الفقر والجهل والمرض والرذيلة ، والوقوف في وجه المؤسسات المشبوهة التي تجعل من العمل الاجتماعي والخيري أداة لتغيير هُوِّية الأُمة وارتباطها بعقيدتها .
- وهناك العمل الاقتصادي :
للمشاركة في تنمية المجتمع ، وتخليصه من التبعية والغرق في الديون الربويّة والعمل لإيجاد مؤسسات اقتصادية إسلامية .
- وهناك العمل الجِهادى :
لتحرير الأرض الإسلامية ، ومقاومة القُوَى المعادية للدعوة الإسلامية والأمة الإسلامية ، والمحافظة على حرية الإرادة الإسلامية ، واستقلال القرار الإسلامي .
- وهناك العمل الدعوي والإعلامي :
لنشر الفكرة الإسلامية وشرح تعاليم الإسلام شرحاً يردها إلى وسطيتها وشمولها ، وإزاحة الغموض ، ورد الشبهات والمفتريات عنها ، بالكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية ، وبكل الوسائل السمعية والبصرية المعينة .
- وهناك العمل الفكري والعلمي :
لتصحيح التصور عن الإسلام عند المسلمين وغير المسلمين ، وتصحيح المفاهيم المغلوطة ، والفتاوى القاصرة ، التي شاعت عند فصائل من الإسلاميين أنفسهم ، وإيجاد فقه ناضج بصير للحركة الإسلامية ، قائم على تأصيل شرعي مستمد من نصوص الشريعة ومقاصدها ، وخصوصاً لدى النُخبة من المثقفين المسلمين الذين لم يتح لهم أن يعرفوا الإسلام معرفة صحيحة .
صفحة 6

توزيع القُوَى على مجالات العمل

ورأيي أن هذه المجالات كلها مطلـوبـة ، ولا ينبـغـي أن يُهْمَل جانب منـهـا ، أو يُؤَجل ، وإنما الواجب هو توزيع القُوَى والكفايات على كل منها ، وفق حاجات هذه المجالات من ناحية ، ووفق ما عندنا من قدرات من ناحية أخرى .
والقرآن الكريم أنكر على المسلمين في عهد النبوَّة أن يتوجهوا جميعاً إلى ساحة الجهاد ـ وما أقدسها من ساحة ! ـ مغفلين ساحة أخرى لا تقل قداسة عن الجهاد ، وربما زادت عليه في بعض الأحيان ، لأنها هي التي تهيئ له وتُذَكِّر به وتحذر من إضاعته ، وهي ساحة التفقه في الدين .
يقول الله تعالى في سورة التوبة ـ وهي السورة التي ندَّدت بالمتخلفين عن الجهاد وأنذرت المتثاقلين بأبلغ النُذر(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة:122).
فهذه دعوة قوية إلى التخصص ، وتوزيع القوى على مجالات الحاجة .

ما ينبغي التركيز عليه والبدء به

ولكن الذي ينبغي أن تركز عليه الحركة هنا عدة أمور لها أهميتها الخاصة في المرحلة القادمة في ضوء فقه الأولوياتالمشار إليه :
1- التركيز على مفاهيم معيَّنة يجب تجليتها وتعميمها وتعميقها في المجال الفكري وهو ما أسميناه الفقه الجديد.
2- التركيز على شرائح اجتماعية معيَّنة يجب أن تمتد إليها الحركة ، وتشملها الصَّحْوَة وذلك في المجال الدعوي .
3- التركيز على مستوى كيفي معيَّن من إعداد القـيـادات المرجَّوة للمستقـبـل ، ولا سيما الإعداد الإيماني والفكري ، وذلك في المجال التربوي .
4- التركيز على تطوير الأفكار والممارسات فيما يتصل بالعلاقات السياسية المحلية والعالَمية خروجاً من التقوقع الداخلي ، والحصار الخارجي ، وتحقيقاً لعالَمية الحركة ومرونتها ، وذلك في المجال السياسي .
وسَنُفْرِد كُلاًّ من هذه المجالات الأربعة بحديث . . .
صفحة 7

الحركة الإسلامية في مجال الفكر والعلم

حاجتنا إلى فقه جديد .
أنواع الفقه الذي ننشده .
فقه الموازنات .
فقه الأولويات .

الحركة فـي مجالها الفكري والعلمي

إن المجال الأول في رأيي هو مجال الفكر ، فهو الأساس للبناء الدَعوي والبناء التربوي .
الذي يبدو لي أن أزمتنا الأولى أزمة فكرية ، هناك خلل واضح في فهم كثيرين للإسلام ، وقصور واضح في الوعي بتعاليمه ، ومراتبها ، وأيها الأهم وأيها المهم ، وأيها غير المهم .
هناك عجز في المعرفة بالحاضر المعيش ، والواقع المعاصر .
هناك جهل بالآخرين ، نقع فيه بين التهويل والتهوين . . مع أن الآخرين يعرفون عنا كل شيء ، وقد كشفونا حتى النخاع !
بل هناك جهل بأنفسنا ، فنحن إلى اليوم لا نعرف حقيقة مواطن القوة فيـنـا ، ولا نقاط الضعف لدينا ، وكثيرا ما نُضَخِّم الشيء الهَيِّن ، وما نُهَوِّن الشيء العظيم ، سواء في إمكاناتنا ، أم في عيوبنا .
وهذا الجهل لا يقتصر على الجماهير المسلمة ، بل يشمل الطليعة المرجَّوة لنصرة الإسلام ، والتي تمثل الركائز التي يقوم عليها العمل الإسلامي المنشود .

حاجتنا إلى فقه جديد

الحق أننا في حاجة إلى فقه جديد ، نستحق به أن نكون ممن وصفهم الله بأنهم قوم يفقهون.
فليس مرادنا بالفقه : العلم المعروف الذي اصطلح على تسميته فقهاًوالذي يعني : معرفة الأحكام الشرعية الجزئية من أدلتها التفصيلية ، من مثل أحكام الطهارة والنجاسة والعبادات والمعاملات وأحكام الزواج والطلاق والرضاع وغيرها . . .
فهذا العلم ـ على أهميته ـ ليس هو مرادنا بالفقه ، وليس هو المراد بكلمة الفقهحيث ورد في القرآن والحديث ، وإنما هي مما بُدِّل من الأسامي والمفاهيم ، كما بَيَّنَ ذلك الإمام الغزالي في كتاب العلممن موسوعته المعروفة إحياء علوم الدين.
إن القرآن ذكر مادة ف ق هـفي سوره المكية قبل أن تنزل الأوامر والنواهي التشريعية التفصيلية ، وقبل أن تُفَرض الفرائض ، وتُحَد الحدود ، وتُفَصَّل الأحكام .
اقرأ قوله تعالى في سورة الأنعام ـ وهى مكية :(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)(الأنعام:65)
واقرأ في السورة نفسها :(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)(الأنعام:98).
والفقه في الآيتين معناه : المعرفة البصيرة بسُنَن الله في الأنفس والآفاق وسُنَن الله في خلقه ، وعقوباته لمن انحرف عن صراطه .
واقرأ في سورة الأعراف ـ وهي مكية ـ قوله تعالى في ذم قوم جعلهم حطب جهنم فكان من وصفه لهم بأنهم
ثـم قـال عنـهـم :(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)(الأعراف:179) .
صفحة 8
واقرأ في أكثر من سورة موقف المشركين من القرآن ، وقد عبَّر الله عنه بقوله :(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)(الأنعام:25) و(وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا)(الإسراء:46) و(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا)(الكهف:57) .
أما في القرآن المدني فقد تكررت المادة في عدد من السور كلها تنفي الفقهعن المشركين والمنافقين .
ففي سورة الأنفال يخاطب الله رسوله والمؤمنين بقوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)(الأنفال:65).
فنفي الفقه عن المشركين المحاربين هنا ، يراد به الفقه في سُنَن الله في النصر والهزيمة ، ومداولة الأيام بين الناس .
وفي سورة التوبة ذَمَّ الله المنافقين بقوله :(رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ)(التوبة:87).
فالفقه المنفي هنا هو الفقه في ضرورة الجهاد والبذل لحماية الدين والنفس والعِرض ، وكيان الجماعة ، وأنه مقدَّم على أية مصلحة فردية عاجلة أخرى .
وفي نفس السورة وصف لهذا الصنف بقوله تعالى :(وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ )(التوبة:127).
فقد غاب عن هؤلاء المطموسين أن الله يراهم قبل رؤية الناس ، ولكنهم فقدوا الفقه والفهم حقًّا .
وفي سورة الحشر يتحدث عن المنافقين مخاطباً المؤمنين :(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)(الحشر:13).
وفي سورة المنافقين قال تعالى : (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ)(المنافقون:3).
وفي السورة نفسها : (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ)(المنافقون:7).
وبهذا كان لأهل النفاق حصَّة الأسد من هذا الوصف القرآني بأنهم لا يفقهون.
ذلك لأن المنافقين يتوهَّمون أنهم أذكياء ، وأنهم استطاعوا أن يلعبوا على الحبلين ، ويعيشوا بوجهين ، وأنهم خادَعوا الله والذين آمنوا ، فإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلو إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم . . .
ولكن الله تعالى هتك سترهم ، وفضح ذبذبتهم ، وكشف خداعهم في آيات كثيرة :
(البقرة:9).
المهم أنهم فُضِحوا عند الله وعند الناس ، وخسروا الدنيا والآخرة ، وحق عليهم أنهم في الدَرك الأسفل من النار ، فأي غباء أكبر من هذا الغباء ؟
ولا ريب أن من كان هذا وصفه ليس عنده شيء من الفقه .
الخلاصة :
إن الفقه في لغة القرآن ليس هو الفقه الاصطلاحي ، بل هو فقه في آيات الله وفي سننه في الكون والحياة والمجتمع .
حتى التفقه في الدين الذي ورد في سورة التوبة :
(التوبة:122).
لا يُقصد به الفقه التقليدي: فإن الفقه لا يُثمر إنذاراً يترتب عليه حذر أو خشية ، بل هو أبعد شيء عن أداء هذه الوظيفة ، التي هي وظيفة الدعوة .
ومثله قوله * مَن يُرِدِ الله به خيراً يُفَقِهُهُ في الدين(4). والمعنى أن يُنير الله بصيرته فيتعمق في فهم حقائق الدين وأسراره ومقاصده ولا يقف عند ألفاظه وظواهره .
صفحة 9

أنواع الفقه الذي ننشده

وقد تحدثتُ في مناسبات سابقة عن أنوع الفقه الذي ننشده أو بعضها .
من ذلك ما ذكرته في كتابي الصَّحْوَة الإسلامية بين الجحود والتطرفعن فقه السُّنَن ، وفقه مراتب الأعمال .
ومنها : ما ذكرته في مقدمة كتابي الأخير عن الصَّحْوَة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والاختلاف المذموم. وموضوعه أحد أنوع الفقه الأساسية المنشودة ، وهو فقه الاختلاف .
وقد ذكرتُ هناك أن أنوع الفقه المطلوبة خمسة .
والذي أُركِّز عليه هنا من هذه الأنواع اثنان(5)، هما :
1- فقه الموازنات . 2- فقه الأولويات .
وينبغي أن نقف قليلاً عند كُلٍّ منهما .

فقه الموازنات

أما فقه الموازناتفنعني به جملة أمور :
(أ) الموازنة بين المصالح بعضها وبعض ، من حيث حجمها وسعتها ، ومن حيث عمقها وتأثيرها ، ومن حيث بقاؤها ودوامها . . وأيها ينبغي أن يُقَدَّم ويُعتَبر ، وأيها ينبغي أن يُسْقَط ويُلْغَى
(ب) الموازنة بين المفاسد بعضها وبعض ، من تلك الحيثيات التي ذكرناها في شأن المصالح ، وأيها يجب تقديمه ، وأيها يجب تأخيره أو إسقاطه .
(جـ) الموازنة بين المصالح والمفاسد ، إذا تعارضتا ، بحيث نعرف متى نُقَدِّم ردء المفسدة على جلب المصلحة ، ومتى تُغتَفر المفسدة من أجل المصلحة .
صفحة 10

الحاجة إلى مستويين من الفقه

ونحن في هذا المقام نحتاج إلى مستويين من الفقه :
- الحاجة إلى فقه الشرع :
أولهما : فقه شرعي يقوم على فهم عميق لنصوص الشرع ومقاصده ، حتى يُسلِّم بصحة مبدأ الموازناتالمذكور ، ويعرف الأدلة عليه وهي واضحة لمن استقرأ الأحكام والنصوص وغاص في أسرار الشريعة .
فما جاء الشرع إلا لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد ، برتبها المعروفة : الضرورية ، والحاجية ، والتحسينية .
- الحاجة إلى فقه الواقع :
والآخر : فقه واقعي ، مبني على دراسة الواقع المعيش دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع ، معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات ، مع التحذير هنا من تضليل الأرقام غير الحقيقية المستندة إلى المنشورات الدعائية ، والمعلومات الناقصة والبيانات غير المستوفية ، والاستبيانات والأسئلة الموجَّهة لخدمة هدف جزئي معيَّن لا لخدمة الحقيقة الكلية .

تكامل الفقهين فـي النظر إلى المصالح والمفاسد

ولا بد أن يتكامل فقه الشرع ، وفقه الواقع ، حتى يمكن الوصول إلى الموازنة العلمية السليمة ، البعيدة عن الغلو والتفريط .
والجانب الشرعي هنا واضح من الناحية المبدئية . فقد تحدثت عنه كتب أصول الفقه من المستصفىإلى الموافقات، وكتب القواعد والأشباه والفروق .
إن المصالح إذا تعارضت فُوِّتت المصلحة الدُّنيا في سبيل المصلحة العُليا ، وضُحِّي بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة ، ويعوض صاحب المصلحة الخاصة عما ضاع من مصالحه ، أو ما نزل به من ضرر ، وألغيت المصلحة الطارئة لتحصيل المصلحة الدائمة أو الطويلة المدى ، وأهملت المصلحة الشكلية لتحقيق المصلحة الجوهرية ، وغلبت المصلحة المتيقنة على المظنونة أو الموهومة .
وفي صلح الحديبية رأينا النبي * يُغَلِّب المصالح الحقيقية والأساسية والمستقبلية على بعض الاعتبارات التي يتمسك بها بعض الناس ، فقَبِلَ من الشروط ما قد يُظن لأول وهلة أن فيه إجحافاً بالجماعة المسلمة ، أو رضًا بالدون ، ورَضِيَ أن تُحذف البسملة المعهودة ، ويُكتَب بدلها باسمك اللهموأن يُمحَى وصف الرسالة من عقد الصلح ، ويُكتفَى باسم محمد بن عبد الله . . والأمثلة كثيرة ، والمجال ذو سعة .
وإذا تعارضت المفاسد والمضار ولم يكن بُدٌّ من بعضها ، فمن المقرَّر أن يُرتكب أخف المفسدتين ، وأهون الضررين .
هكذا قرَّر الفقهاء : أن الضرر يُزال بقدر الإمكان ، وأن الضرر لا يُزال بضرر مثله أو أكبر منه ، وأنه يُتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى ، ويُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام .
ولهذا أمثلة وتطبيقات كثيرة ذكرتها كتب القواعد الفقهيةأو الأشباه والنظائر. .
وإذا تعارضت المصالح والمفاسد ، أو المنافع والمضار ، فالمقرَّر أن يُنظر إلى حجم كل من المصلحة والمفسدة ، وأثرها ومداها . .
فتُغتفر المفسدة اليسيرة لجلب المصلحة الكبيرة .
وتُغتفر المفسدة المؤقتة لجلب المصلحة الدائمة والطويلة المدى .
وتُقبل المفسدة وإن كبرت إذا كانت إزالتها تؤدي إلى ما هو أكبر منها .
وفي الحالات المعتادة : يُقدَّم درء المفسدة على جلب المصلحة .
وليس المهم أن نسلم بهذا الفقه نظريًّا .. بل المهم كل المهم أن نمارسه عمليا ...
فكثير من أسباب الخلاف بين الفصائل العاملة للإسلام ، يرجع إلى هذه الموازنات . .
- هل يُقبل التحالف مع قوى غير إسلامية؟
- هل تُقبل مصالحة أو مهادنة مع حكومات غير ملتزمة بالإسلام ؟
- هل تمكن المشاركة في حكم ليس إسلاميًّا خالصًا ؟ وفي ظل دستور فيه ثغرات أو مواد لا نرضى عنها تمام الرضا ؟
- هل ندخل في جبهة معارضة مكوَّنة من بعض الأحزاب لإسقاط نظام طاغوتي فاجر؟؟
- هل نُقيم مؤسسات اقتصادية إسلامية مع سيطرة الاقتصاد الوضعي الرِّبوي؟؟
- هل نُجيز للعناصر المسلمة العمل في البنوك والمؤسسات الرِّبوية أم نُفرِّغها من كل عنصر متدين ملتزم؟؟