الفصل الاول
استيقظ سمير من نومه على ابتسامة عيني دينا التي كان يحتاج الى جرعة من حنانها ليبدأ يومه الحافل بالعمل , ووضع يده على شعرها الاشقر الذي تمايل على خصرها ونظر الى عيناها العسليتين التي اخترقتهما اشعة الشمس وهمس لها بشوق : صباح الاشراق على امراة اعلنت معها بداية الحياة لاقهر حزني وامضي معها بحياتي ....ونظرت دينا الى عيونه التي اشرقت بنور الحياة وقالت له : اقترب مني اكثر فانت الروح وانت تعانق كلمات الاشتياق وحرارة انفاس شتتها البعد والغربة انتظرت ان تلامس بحرا صافيآ من الاشواق ... لقد ملأ الحب والحنان منزلهما وكانت طيور السعادة ترفرف على حياتهما , تزوجها سمير منذ سة اعوام و اثمر زواجهما بطفلهما احمد الذي ملأ المنزل عليهما ببرائته , ثم نهض سمير من فراشه ليحتسي قهوته الداكنة مع زوجته التي ملك قلبها وامتزج بروحها وكأن احساسها قد ارتبط به منذ الازل بدَل سمير ثيابه وذهب الى مكتبه الهندسي , انتمى سمير الى اسرة فقيرة لكنه كان من الطلاب المتفوقين واستطاع بعزيمته ان يصل الى طموحه الذي كان يكبر بقلبه بعد رحيل والده عن الحياة , اضطرت والدته لتعمل وكان سمير يساعدها بتامين احتياجات اخوته الى ان اصبح صاحب مكتب هندسي باجتهاده بالعمل قبَل سميرزوجته ومضى الى عمله و جلست دينا بجانب طفلها تحتضنه وتشتم منه رائحة البراءة ,وصل سمير الى عمله واخذ ينظر الى التصاميم المعمارية التي انجزها لتسليم مشروعه الجديد .
شعر سمير بالشوق لوالدته وبالحنين يسوقه اليها رغما عنه , فاطمأن عليها عبر الهاتف وما ان سمع صوتها حتى هدأت خلجات الشوق بصدره , وعادت به الذكريات الى ذلك الزمن الذي مضى عندما كانت والدته تحتضنه بحنانها وبحبها , رغم بساطة العيش الا انه كان يشعر بالهناء والراحة , ونظر سمير حوله فصورة حياته من الخارج توحي للناس بالسعادة ولكن الحقيقة كانت عكس ذلك , فقد كان سمير يشعر بغربة الروح رغم امتلاء حياته بالناس , وكان يحن الى انصاف احلامه التي لم يستطيع اكمالها , كم هي الليالي التي سافر بخياله الى قصور احلامه التي بناها من الرمال فهدمتها الرياح بجنونها وتطايرت غباره امامه على مفترق الطريق , ورغم ذلك بقي سمير يجلس على عتبة الامل ينتظر اكتمال القمر ليعانق احلامه المبعثرة فوق رمال الشوق بجنون الانتظار ولهفة المشتاق والمحب للحياة ,انتظر سمير شمس الاشراق ان تسدل ستار خيبة ظنونه بالحياة .
عاد سمير الى منزله الذي تسكن خيبته به , واشترى لاحمد الحلوى التي يحبها , والتقى سمير بجاره والقى عليه التحية ومضى بطريقه الى منزله , ثم صعد الدرج وكانت رائحة الطعام تعبق المكان وكانت الرائحة تشتد كلما اقترب من المنزل , ودق سمير الجرس وكانت ضحكات احمد البريئة تعلو وتملأ المكان وتشده الى عذوبة سنوات عمره التي مضت , وعندما راى سمير ابنه ضمه الى قلبه وادرك ان وجوده بحياته يخفف عنه من غربة احلامه وشعوره بالخسارة رغم امتلاكه المقومات التي تضمن له السعادة خرجت دينا من غرفتها وهي تتألق بثوبها الاخضر الذي زاد من جمالها وبرائحة عطرها التي ملات المكان اقتربت دينا منه وعانقها سمير وكأنه يعيش معها فتات الشعور وبقايا الحب الذي بقي مختزنا بداخله ولم تستطيع دينا اخراجه من اعماقه او حتى احتواء عشقه بليلة مجنونة , رغم جفائه لها الا انه كان يعني لها صرخة الحياة وبداية جديدة مليئة بالطموحات التي تريد ان تعيشها معه .
وجلس سمير يتناول الطعام مع عائلته , وكان يفكر باحلامه التي كانت تقف بزاوية الوهم تبحث عن ممر بالحياة لتنفذ منه , قاطع صوت مواء القطة عليه انسجام افكاره واخرجه من وهم خيالاته , ورغم انه لم يكن يتحدث الا قليلا الا ان دينا شعرت بغربة روحه وكأنه يعيش بعيدآ عنها رغم جلوسه بجانبه واعتقدت انه مرهق من العمل , ثم ذهب احمد الى غرفته ليرسم لوحاته التي تزخر بالالوان البريئة , فكان يملك موهبة الرسم والتي حرصت دينا على تنميتها , وامتلات خزانته بالالوان والاقلام ,تناول سمير طعامه وذهب الى السوق ليشتري بعض الحاجيات للمنزل .
وحضرت والدتها سعاد لتطمأن عليها , ورحبت دينا بقدومها وجلس احمد بجانب جدته وكان يمسك بلوحاته الجميلة لتراها سعاد وتثني عليها , وكانت مسرورة بحفيدها الذي يملك الحس الفني بداخله واحضرت دينا العصير وبعض الحلوى لوالدتها التي اكملت عامها الثامن والاربعين وما زالت تحتفظ بقوام ممشوق وتقاسيم وجه تنبأ بالشباب الدائم والاهتمام بالجمال , فقد كانت امراة تتمتع بجاذبية كبيرة وحضور لافت ويكمن جمالها بأنه خليط من روحها المعطاءة والممتلئة بحب الحياة وبمسيرتها التعليمية الزاخرة بالنجاح , كانت سعاد فيما مضى معلمة الا ان اسست مدرستها التي كانت بها على موعد مع الطموحات والنجاحات التي اضافت الى سجل حياتها الكثير , وتزوجت من الطبيب وجيه عندما التقى بها صدفة بعيادته فوقعت بقلبه مكانآ واحتلت به كل كراسي الانتظار, ومع مرورالوقت تعتق حبها بقلبه واصبح اهم اولوياته ان يحقق لها السعادة , واثمر زواجهما بعائلة سعيدة وبابناء سطروا نجاحهم بالحياة , انجبت سعاد ابنتها الاولى دينا التي كانت طالبة متفوقة حتى بدراستها الجامعية , وكذلك ابنها الطبيب علي والمقيم بالولايات المتحدة والمتخصص بجراحة العظام والذي لم يبقى على قدومه سوى القليل , وابنتها المدللة ريما التي دررست اللغة الانجليزية والتي تعمل بمدرستها , ودعت سعاد ابنتها وقبَلت حفيدها وذهبت الى منزلها الذي يسكن الامل بجوانبه ويعيش الحنان بزواياه وهي التي تملكه بقلبها , ثم مضت بطريقها تنظر الى وجوه الناس وتقرأ افكارهم المختزنة بداخلهم , وصلت سعاد الى منزلها وكان زوجها ينتظرها ليسمع صوتها وليغمرها بشوقه .
طوال سنوات مضت لم يخيب وجيه ظنها وكان رجلآ تفتخر به , وبقلبه الذي يضم اسمى العواطف والاحاسيس فقد ابتدأ معها العمر بقصة حب اسطورية عندما اشرق بهاء وجهها على حياته , وعندما قبَلها وجيه عاد بذاكرته للايام العذبة التي مضت عندما اسقت سعاد زهور حياته التي ظن انها ذبلت ولكن وجودها اعاد له الحياة من جديد بعد أن طافت فراشاتها الرقيقة على زهور قلبه واسقت بحبها ما جف من ايامه , فكان ممتن للاقدار التي وضعت بدربه زوجه متجددة , ملكت بشخصها القدرة على الالهام والتغيير وايقنت كيف تقوي دعائم علاقتها به وتقوي الرابطة بينهما حتى بعد انقضاء اعوام وسنين على زواجهما وضمها وجيه الى صدره , فملكته قلبآ وعقلآ وكيانآ , وقدم لها وجيه لحظات جميلة لن يكون بمقدورها ان تنساها .
طوال سنوات مضت لم يخيب وجيه ظنها وكان رجلآ تفتخر به , وبقلبه الذي يضم اسمى العواطف والاحاسيس فقد ابتدأ معها العمر بقصة حب اسطورية عندما اشرق بهاء وجهها على حياته , وعندما قبَلها وجيه عاد بذاكرته للايام العذبة التي مضت عندما اسقت سعاد زهور حياته التي ظن انها ذبلت ولكن وجودها اعاد له الحياة من جديد بعد أن طافت فراشاتها الرقيقة على زهور قلبه واسقت بحبها ما جف من ايامه , فكان ممتن للاقدار التي وضعت بدربه زوجه متجددة , ملكت بشخصها القدرة على الالهام والتغيير وايقنت كيف تقوي دعائم علاقتها به وتقوي الرابطة بينهما حتى بعد انقضاء اعوام وسنين على زواجهما وضمها وجيه الى صدره , فملكته قلبآ وعقلآ وكيانآ , وقدم لها وجيه لحظات جميلة لن يكون بمقدورها ان تنساها .
انهت سعاد عملها بالمدرسة وعادت الى منزلها لتحضر طعام الغذاء لعائلتها وكذلك لعائلة دينا التي ستأتي لزيارتهم , وساعدت ربما والدتها بتجهيز المائدة وامتلأ المنزل بالروائح الشهية , واجتمعت العائلة على المائدة التي زخرت بالاطباق الشهية ,وتعالت اصوات ضحكاتهم وكان يوما جميلآ , ولكن قرات سعاد نظرات الالم بعيون سمير رغم محاولته اخفائها وجلس وكأنه غريب الديار ومكبل بوثاق لا يستطيع ان ينجو منه وان دينا تفتعل السعادة لتخفي بقلبها المها عن عائلتها , وعاد سمير الى منزله مع عائلته واستلقى على سريره وحاول النوم , ولكن طيف معشوقته الاولى زاره وفاض قلبه بالاحاسيس الجميلة ,ولم يستطيع ان يهرب من افكاره ومن هواجسه التي تعتريه .
وفي المساء شعرت سعاد بالوهن والضعف الذي كان يزداد مع اقترابها من عامها الخمسين , وكانت تعيش بتغيرات فسيولوجية كثيرة جعلتها تدرك انها ستفقد انوثتها وقدرتها على الانجاب , فاحست ان الحياة قد انتهت وان انوثتها تبعثرت فوق سراب الحياة , فقررت ان تذهب الى عيادة الطبيب منير , وفي الصباح ارتدت سعاد ثيابها التي كانت تزيد من اناقتها وجمالها , ونزلت درج منزلها والتقت بجارتها , و القت عليها سعاد التحية ومضت بطريقها الى عيادة الطبيب التي اعتقدت انه يملك المفاتيح السحرية لاعادة الزمن للوراء , وصلت سعاد الى العيادة المكتظة بالنسوة وكانت تستمع الى احاديثهن وشكواهن من اعراض مرحلة كن ينتقلن اليها رغمآ عنهن , اشارت لها الموظفة بملأ الورقة بالمعلومات الخاصة بها ,كاسمها وعنوانها وتاريخها المرضي , ثم خرجت المريضة من غرفة الطبيب واشارت لها الموظفة بالدخول ,وما ان راها الطبيب منير حتى شعر انه بدأ مع العمر المغامرة من جديد ليكون على موعد مع الحياة , بعد ان تمركزت باضلعه واصبحت اميرة قلبه , وكان الطبيب يستمع لشكواها وللاعراض التي تشكو منها واخبرها انها اعراض طبيعية تمر بها كل امراة بهذا العمر , ووصف لها الطبيب بعض الادوية والعقاقير التي ستخفف عنها المها ونصحها بممارسة التمارين الرياضية , وطلب منها الالتزام بوقت تناول الدواء , ثم شكرته سعاد ومضت بطريقها واشترت سعاد الادوية من الصيدلية , وامسكت بها وهي تشعر بالسعادة لاحساسها ان هذه الادوية ستخفف عنها الالم الذي تعاني منه .
وحضرت صديقاتها الى المنزل للاطمئنان عليها واخذت كل واحدة منهن تسرد روايتها مع الحياة وكان لكل واحدة منهن شخصية تميزها عن الاخرى , فاميرة التي انهت عامها السابع والاربعين بجدارة والتي بدات مسيرتها بالعمل بمدرسة سعاد والتي كانت مثال للمعلمة المتميزة التي استطاعت ان تزرع بذور العلم بنفوس الطلبة , وتوفيت والدتها وتحملت هي عناء تربية اخوتها الا ان كبروا واصبح لكل واحد منهم حياته الخاصة , بعد ان تزوجوا وعاشوا باجواء عائلية غابت عن حياة اميرة لانها لم تحظى بزوج وبقيت وحيدة بمنزلها , ولكن طموحها كان يكبر بقلبها بان تعيش الحياة باسلوب مختلف عما عاشته سابقآ , ولم تخفت عزيمتها بالحياة رغم غياب شموس الدنيا عن حياتها وكانت تشكو من اعراض هذه المرحلة وما تسببه لها من قلق واضطراب .
فسن الاربعين هو سن النضوج الفكري والعقلي , وتختلف فيه نظرة المراة للحياة الى جانب كل هذه الايجابيات تعتبر هذه المرحلة حرجة بحياتها لما فيها من تغيرات فسيولوجية وسيكولوجية تطرا على على شخصيتها , وبظل هذه التغيرات تشعر المراة ان سنوات عمرها قد ضاعت منها هباءآ, فتغرق على رمال الشوق احلامها وتنتظر بجنون الشوق من يحملها الى بر الامان وتكون تائهة بين مد الحياة وجزرها بليلآ تتشابك معه الايادي , وتتعانق معه الارواح وتبحث المراة عن لقاء مرتقب مع الزمن تعانق به سنوات عمرها وشبابها وتنتظر من يشرق بفضاء قلبها , ويعصف به شوقا وحبا , كاميرة التي بقيت تنتظر من يخرجها من فضاء عزلتها وحرمانها لتشعر بانوثتها وباهميتها , ويلملم احرف حياتها المبعثرة , ويسكن بحدائق عقلها وفكرها ويبد ظلام وحدتها وقسوة زمنها , اما صديقتها جلنار التي اكملت عامها السادس والاربعين والتي كانت تقيم بكندا وولدت جلنار هناك لاب عربي وام اجنبية وكان جمالها مزيج من الجمال الاوروبي والعربي معا , والتقت بزوجها فارس مبرمج الحاسوب المبدع , وتخرجت جلنار من كلية الفنون التشكيلية وانعكس ذلك على هندامها وذوقها بانتقاء الثياب , واخبرتهن جلنار عن اجواء الشتاء الجميلة التي عاشتها وشعرت بالحنين لتلك الايام التي مضت , وكان اجتماع النسوة معا من الاوقات المحببة الى قلوبهن وحاولت جلنار التخفيف عن صديقاتها من شكواهن من هذه المرحلة واخبرتهن قائلة : ان المراة تمر بحياتها بعدة مراحل وتطورات تنعكس على شخصها , ولكن عليها ان لا تنظر للموضوع من زاوية معينة وعليها تجاوز هذه المرحلة فالمراة عندما تصل لذلك السن تكون قد نضجت فكريا وانهت التزامها ويصبح لديها مساحة اكبر من الحرية لممارسة هواية معينة , او تحقيق حلم يراودها منذ زمن باكمال دراستها فتصبح اكثر مرونة بالحياة , فجمال المراة ليس بشكلها ولكنه خليط من روحها وكيانها وفكرها وكبريائها الممزوج بالعنفوان فحالة انقطاع الطمث , وعدم القدرة على الانجاب مرتبط بعقلها اللاوعي باحساسها بالخسارة وعدم الثقة والاستقرار , وكانت اميرة من داخلها تشعر بالالم لعدم وجود من يساندها ويخفف عنها من مشاعرها بهذه المرحلة التي تحتاج بها لمن يحمل احلامها الى بر الامان , واضافت سعاد قائلة : ان المراة بخريف العمر تحاول جاهدة اعادة الزمن للوراء وتقف مع ذاتها , وتتامل الانجازات التي حققتها بحياتها وتختلف الاجابة من امراة لامراة حسب تكوينها النفسي واسلوب حياتها وشخصيتها وطريقة تفكيرها وتقييمها للامور , فالمراة التي اعطت من قلبها سنوات عمرها وعاشت الحياة بكل تفاصيلها الحلوة والمرة تستحق الاهتمام بوقت تشعر به بخيبة الامل , وغربة المشاعر , وضياع الايام ,فكم من امراة لم تحقق طموحها واحلامها , وكم من امراة اعطت من قلبها سنوات عمرها ولم تجد من يساندها بهذه الفترة التي تشعربها بخيبة الامل وضياع العمر, وتكون بحاجة للجسد الذي عانقها ايام عمرها الاولى فاضاءت حياته بشمس الامل , واسقت زهور قلبه بالحب والحنان , وهنا يكمن دور الرجل ليمطر حبا وشوقا للمراة التي وهبته حياتها بخريف تذبل معه الاوراق .
استمعت اميرة لكلام صديقاتها وشعرت انها يجب ان تقف مع نفسها وتعيد لحياتها الترتيب فعدم زواجها لا يعني نهاية الدنيا , فهي لم تختار حياتها , وقررت انشاء متجر للحلويات لتنمي هوايتها التي كانت تكبر بداخلها , واخذت سعاد مهمة البحث عن المحل واخبرتها جلنار انها ستتولى مهام الديكور وشعرت اميرة بالسعادة لانها ستخرج من غربة مشاعرها بالحياة , ثم غادرت النسوة المنزل ومضت كل واحدة لحياتها وكن مسرورات بهذا اللقاء , وعادت جلنار الى منزلها وكان زوجها وابنائها ينتظرونها وجلست ابنتها نادين بجانبها وكانت جلنار فخورة بها ,انهت نادين عامها الثالث والعشرين , وكانت تريد انشاء عيادتها لتمارس عملها كطبيبة اسنان , واحتضنت جلنار ابنها يوسف الذي يصغر نادين باعوام وشعرت بالسعادة وهي تضمه الى قلبها .
بدات سعاد تشعر بتحسن بحالتها مع اخذها للدواء ويعود ذلك التحسن لوجود وجيه بجانبها يحيطها بحنانه ويغمرها بحبه ويشعرها بالاهمية, فاستطاع وجيه ان يحتوي حالته الجديدة ويتقبلها , فكان دائم الجلوس معها يملا حياتها بدفء الكلام , واستلقت سعاد على سريرها وكانت تفكر بكلام صديقاتها وشعرت انها مفعمة بالحياة وما زال لديها الكثير لتفعله فهي تملك حرية التفكير وحرية التعبير, ولكنها وشعرت بالاسى على صديقتها اميرة التي تواجه مجتمع لا يتقبل عزوبية المراة ويعتبره حق للرجل وحده .
وفي الصباح استيقظت سعاد وهي مفعمة بالحيوية فاليوم يصادف عيد المعلم واحضر لها زوجها هدية ليعبر لها عن شكره على مسيرتها التعليمية التي امضتها بتخريج الاجيال , وشعرت سعاد بحب زوجها الذي لم يخذلها يومآ , وهتف الطلاب بالاشعار التي تشكر مسيرة المعلمين , ومشت سعاد بين الطلاب وهي ترى بهم مستقبل واعد , وبدا الطلاب يومهم الدراسي باجتهاد وكان عليهم ان لا يدخروا مجهودآ ليستطيعوا النجاح .
عادت اميرة الى منزلها وكانت تشعر ببرودة الايام وبقسوة الزمن الذي سكن الجفاف بين ثناياه ,لقد انتظرت اميرة طويلا من يحمل احلامها الى بر الامان ويعانق زمنها الذي فيه من الالم ما يكفي , بعد ان خذلها زمنها وشاخت سنين عمرها الذي مضى دون ان تعانق حلمها , وتمنت اميرة ان تغير حياتها , وكان شعور الامومة يكبر بداخلها عندما ترى الطلاب امام عينها , رغم قسوة الحياة ورغم الالم الذي كان يكبر بقلبها كل يوم الا انها قررت ان تستجمع قواها , وان لا تنكسر ولا تستسلم للحظة ضعف , وبدات مع صديقاتها رحلة البحث عن المتجر وبعد عدة اسابيع وجدت اميرة ضالتها وكانت سعيدة لانها ستخرج من حالة الفراغ الذي يسيطر عليها وتولت جلنار العناية بتفاصيل الديكور , واحضرت لها جلنار لوحة فنية من رسمها وكانت اميرة مسرورة بمتجرها الذي حولته جلنار الى لوحة فنية , وارادت جلنار ان تخرج صديقتها من شعورها بالوحدة والفراغ , وكانت تدرك ان بداخل صديقتها قوة تسعى للتغيير لكنها كانت بحاجة لمن يخرجها ويحرك بها الحافز للعمل .
وكانت اميرة سعيدة بعملها بالمتجر , وتولدت بداخلها قيم روحانية واحاطها عالم من الانسجام و ادركت ان رعاية الله تحيطها , وان احلامها ستتحقق بان تعيش حياة كريمة بعيدة عن الهواجس والاوهام التي كانت تحيطها بحياتها .
بدات سعاد تتقبل حالتها الجديدة و تتابع مع الطبيب منير العلاج واصبحت تنظر للامر من زاوية اخرى , رغبة منها بالاستمتاع بحياتها من جديد فقد انجزت بحياتها الكثير , فهي زوجة وام وجدة وحاولت اشغال نفسها بامور اخرى ولكن بعقلها اللاوعي شعرت بالخسارة , ولم تستطيع ان تغيير الصورة المطبوعة بذاكرتها , وبالصباح ذهبت سعاد الى عيادة الطبيب منير ليصف لها دواء اخر ,وكان الطبيب يستمع الى شكواها من الاعراض ووصف لها بعض الادوية التي ستخفف عنها من الاعراض التي تشكو منها .
خرجت سعاد من عيادة الطبيب الذي وقف مشدوهآ يفكر بها ,وشعر انها المراة التي نسج لها صورة بعقله وبخياله , وانها قد تربعت على عرش قلبه وملكت كيانه منذ اللقاء الاول عندما التقى بها صدفة وكانت الاقدار قد رتبت لهما اللقاء ,ولم يكن يعلم انه على موعد مع الحياة من جديد .
وفي الصباح حاول سمير النهوض من فراشه ولكنه لم يقوى على ذلك , وشعر بصداع براسه واحس انه منهك القوى فقرر ان لايذهب لعمله وكان بحاجة لاخذ قسط من الراحة , وذهبت دينا مسرعة لاحضار الطبيب الذي يسكن بجوارهم , وبقي احمد بجانبه وكان يشعر بالخوف على والده, وصل الطبيب لمنزل سمير, واخذ يقيس درجة حرارته فوجدها مرتفعة , وكان يعاني من ارهاق بجسده , ثم اخرج الطبيب من حقيبته بعض الادوية وقدمها له وخرج من منزله متمنيا له الشفاء, وشكرته دينا على رعايته لزوجها, وجلست دينا بجانبه تنظر له بحنانها واعطته كوب الماء ليشرب الدواء, وحاول سميرالنوم, ثم خرجت دينا من غرفته وذهبت لتحضرله الحساء, وشعرت باهمية وجوده بحياتها وبحياة ابنها الذي كان بحاجة له وبعد عدة ايام بدا سمير يشعر بتحسن بصحته .
اخذت دينا تحضر لعيد ميلاد احمد الخامس ,وكانت منشغلة بتحضير الاطباق وتزيين المنزل وذهبت سعاد الى محل اميرة الذي كان يكتظ بالزبائن , وكانت اميرة تقضي وقتها معهم مما جعلها تنسى وحدتها, وعندما انتهت دينا من تزيين المنزل واعداد الاطباق ذهبت لترتدي ثوبها الجديد ,وتسرح شعرها, ودق جرس الباب ,وذهب سمير ليفتح الباب فوجد صديقه سعيد ورحب به ودعاه للدخول, وكان سعيد يعمل معه مهندسآ بمكتبه , رغم انه من عائلة ميسورة الا انه لم يتزوج بعد ,حاولت اخته الكبرى ان تقنعه ولكن محاولتها باءت بالفشل, فالمراة بالنسبة للرجل هي جنون الانتظار, وفرحة الغد وعبير الحياة وهو قمرا قد يغيب عن حياة المراة , ولا يضئ بسمائها , وشمسا قد تغيب عن الشروق بحياتها بسبب عزوف الرجل عن الزواج , فسرقت من حياة سعيد كل لحظات الحب والحنان والاستقرار العاطفي كون ان المراة تخلص بحب الرجل فتعطيه كل ما لديها من احساس وعاطفة املا بالوصول الى قلبه وقد يبحث الرجل عن المراة التي تحاكي عقله وقلبه , وقد ينسج الرجل لفتاة احلامه صورة وينصدم بالواقع فلا يجد امراة تحاكي عقله وتسكنه قلبا وفكرا وتشاركه ايام عمره القادمة, فعزوف الرجل عن الزواج يخلق ظواهر اجتماعية لها ابعاد نفسية ودينية كثيرة منها ,عنوسة المراة فيصبح الزواج هاجس يقلقها للخلاص من النظرة المجتمعية وتضطر للتنازل لارضاء الناس بغض النظراذا كان الخيار يناسبها ام لا .
جلس سمير مع سعيد وحضرت دينا التي انتهت للتو من وضع اللمسات الاخيرة على هندامها وصافحت سعيد ودعته للجلوس ,ثم حضرت سعاد وكذلك وجيه وريما و احضروا لاحمد الحلويات والهدايا ,وكان فرحا بها , وتانقت ريما بثوبها الازرق وبرائحة عطرها التي ملات المكان ,صافح وجيه سمير وسعيد وعندما راى سعيد ريما شعر ان سهام نظرتها اصابت قلبه واشعلت نيران العشق بقلبه المشتاق للحب كشوق الارض القاحلة للماء ,وكشوق النجوم المضيئة للسهر , وجلست ريما بجانب احمد وكان سعيد يسرق النظر ليراها ,الا ان دعتهم دينا لاطفاء شمعة عيد ابنها وكان احمد فرحا بحضورهم, وانشغل المدعوون باطفاء الشمع الا سعيد الذي كان يوقد فتيل وشموع الحب بما تصحر من قلبه الذي بدا يخفق لرؤية ريما , وبقي ينظر لها ويشعرمن داخله انها المراة التي يبحث عنها , واطفا احمد شمعة عيد ميلاده وقطع الحلوى مع جدته ,وكان فرحا بالقطار الذي احضره له سعيد, وادار احمد مفتاح اللعبة التي اخذت تدور,وعندما نظر سعيد للقطار استذكر ايام عمره التي مضت وهو يعاني من طلاق والدته عندما ترك والده امه وتخلى عن عائلته , لقد ضاع من عمره الكثير ولا يوجد متسع من الوقت امامه ليضيع اكثر من ذلك, واستذكرت سعاد ايام شبابها التي مضت وعادت بذاكرتها لايام الصبا عندما كانت شابة جميلة لاتحتاج للاصباغ التي تملا وجهها اليوم,اما وجيه الذي كان يشكر الاقدار التي وهبته زوجته وابنائه الذين ملؤا المكان عليه,واشعل سمير سيجارته التي كان دخانها يتطاير حوله واستذكر ايام شبابه ومراهقته الضائعة التي لم يعيشها كما يجب فكان من عائلة فقيرة واضطر للعمل والدراسة لمساعدة والدته بتامين قوت العائلة ,مع انه استطاع ان يحقق طموحه ويكمل تعليمه بتفوق الا انه كان يشعر من داخله بالاسى على كل الايام التي مضت عندما قدمت له الحياة دور اكبر مما يستحق وجعلته ياخذ مكان والده المتوفي ,وقفت ريما بجانب النافذة ترافب المارة والسيارات , وقدم لها سعيد كوب العصير , واخذ يسامرها ويحادثها , وشعرت ريما بالارتياح له وبدا سعيد يسالها عن هواياتها وعن نوع الكتب التي تحب قرائتها ,اخبرها انه يحب الكاتب احسان عبد القدوس وان رواياته تجذبه لقرائتها وكان الاثنان يشعران انهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل ثم انتهت الحفلة وعاد كل منهما ادراجه ,ولكن بقي سعيد يفكر بريما حضورها وشخصيتها وكلماتها التي بقيت تسكن بعقله وخياله , وكذلك كان يفكر بالايام التي مضت من عمره وهو وحيدا بلا شريكة حتى اخذ يتعايش مع حياته واعتاد على حياة الهدوء التي بقيت تسيطر على حياته ولكنه قرر النظر بحياته من جديد.
لقد ساعدت العولمة والانفتاح الاعلامي والاقتصادي على تغيير نظرة الرجل وتفكيره اتجاه الحياة فاصبح التركيز على الجانب الاقتصادي والارتقاء بالمستوى التعليمي والانشغال به اهم اولويات الرجل فكان مقياس النجاح او الفشل بتكوين اسرة اما اليوم فاصبح مرتبط ببعدة ميادين اهمها المادة وهذا يغير مفهوم الرجل اتجاه الزواج من اشباع جانب روحي ومعنوي وتحقيق الامن والاستقرار الى جانب مادي فهو مؤسسة اجتماعية يديرها الزوج والزوجة اساسها المودة والرحمة وبنيانها الرحمة وينبثق منها كل العلاقات الانسانية المختلفة .
وصل سعيد الى منزله الذي شعر انه خاوي ومظلم بعدما اعتاد على الجلوس به وحيدا , وبدل ثيابه وتمنى ان يكون بمقدوره تغير حياته ,وتولدت لديه مشاعر متضاربة وكان ينتابه الاحساس بالوحدة ورغبة عارمة بالبكاء, وسيطرت عليه غربة الروح وكذلك شعر بالحب والحنين اتجاه ريما, ثم استلقى سعيد على سريره واستذكر بقايا كلمات ريما التي جعلته مشغول الفكر بضحكتها وبابتسامتها التي اشرقت بقلبه لقد غاب عن حياته الجانب العاطفي واجتاحت صورة والده الذي غاب عن حياته خياله , وشعر برغبة عارمة تجتاح كيانه بالتغيير وبدء حياة جديدة ومختلفة عما عاشها سابقا ,وتمنى ان يحصي سنوات عمره التي فرقتها الايام وشتتها البعد والغربة رغم حزنه الا انه بقي يجلس على عتبة الامل ويقرا سطور المستقبل الذي اراد ان يكون مختلفا عما مضى .
استيقظ احمد من نومه باكرا فاليوم هو موعد تسجيله بالمدرسة , وارتدى ثيابه وحمل حقيبته التي امتلات بالرسومات وصل احمد للمدرسة فوجدها تزدان بالرسومات الزاهية التي توحي بالبراءة و رحبت مديرة المدرسة بهم ,و كانت مديرة المدرسة مكتنزة الجسم وتوحي ملامح وجهها بالحزم وتمنى احمد ان تمر الايام بسرعة ليبدا الدوام المدرسي.
وقفت سعاد امام طلاب المدرسة وهي تستمع للنشيد الصباحي ,وبدات الامتحانات الدراسية وكانت المعلمات تنشغل بها الا ان ريما وقفت امام الطالبات وهي تفكر بسعيد وبكلامه معها شعرت سعاد ان ريما بدات تخرج من حالة الفراغ والعزلة التي عاشتها طويلا وانها تسطر اول تجربة وجدانية لها والتي ستبقى عالقة بخيالها طويلا.
اعلن وجيه يوما مجانيا بعيادته لمساعدة الفقراء وكانت العيادة تكتظ بالناس الذين اعتادوا على وجود مثل هذا اليوم بالعيادة ,وكان يوما حافلا بالنسبة له , وعاد الى منزله ليتناول الغذاء مع زوجته واستذكر ايام طفولته الاولى التي قضاها بالفقر الا انه استطاع ان يشق طريقه الذي امتلأ بالنجاحات واصبح طبيبا وتزوج سعاد التي ازهرت بحياته بالحب مضى وجيه بطريقه وكانت ذكرياته تمضي معه , وعندما وصل لمنزله صادف جاره والقى عليه التحية واخبره بوجود اليوم المجاني بالعيادة الذي سيستمر لغدا وطلب منه ان يخبر باقي اصدقائه , شكره جاره على انسانيته واستذكاره للمحتاجين , ثم صعد وجيه الدرج وفتح باب منزله فوجد زوجته متانقة بثيابها التي تزيد من جمالها ,عانقها وجيه وضمها الى صدره وكان يشتم منها رائحة الحياة واخبرها عن الوقت الذي امضاه بصحبة الفقراء يداوي جراحهم ويشفي الامهم وطلبت منه سعاد ان لايجهد نفسه كثيرا , وسألته سعاد :هل ما زلت تلك المراة التي ملكت عقلك منذ اول مرة ؟اجابها وجيه مندهشا : هل تشكين بحبي بعد ما مضى من ايام لازلت وحدك بقلبي وسيبقى مكانك وحدك ,حضرت ريما طاولة الطعام الذي ملات رائحته المنزل واخبرته سعاد عن يومها الذي كان حافلا بالعمل وكان اجتماع وجيه مع عائلته على الغذاء من اغلى الاوقات الى قلبه , وتناول طعامه وذهب لينام قليلا انشغلت ريما بغسل الاطباق أما سعاد ذهبت لتنتقي ثوبا من خزانتها لترتديه بزيارة صديقتها جلنار.
قال علي بشوق:انا بخيرومشتاق لرؤيتك كثيرا .قالت سعاد:انتظر حضورك لاعانق ايام عمري التي مضت ولم اراك بها .قال علي لوالدته مطمئنا اياها:ساحضر بعد اربعة ايام وسابقى بجانبك طويلا ولن افارقك.سالته سعاد بصوت لا يخلو من الشك:هل ستعيش هنا طويلا ؟اجابها علي:سافتتح عيادتي واعيش قريبا منك للابد.وكانت سعاد مسرورة بهذا الخبرالذي انتظرته منذ ان غادر ابنها وذهب للدراسة بعيدا عنها.قالت سعاد:سانتظر عودتك بفارغ الصبر لتكتمل فرحتي بوجودك بقربي.قال لها علي :اتمنى ان اعيش كل عمري بجانبك عمت مساءآقالت سعاد:سانتظر عودتك عمت مساءآ.اقفلت سعاد سماعة الهاتف وكانت طيور السعادة ترفرف على قلبها الذي امتلا بحب اغلى ابنائها على قلبها والذي مضى وقت طويل ولم تراه.
افاقت اميرة من نومها باكرا وكان النشاط يملا جسدها ,وارتدت ثيابها وجلست تنتظر صديقتها, وصلت سعاد لمنزل اميرة وجلست مع صديقتها تحتسي القهوة شعرت اميرة ان سعاد كانت مفعمة بالسعادة فسالتها عن سر سعادتها ,فاخبرتها ان ابنها علي سيحضر لزيارتها ليعيش بقربها طويلا وانه سيفتتح عيادته هنا , سرت اميرة لفرحة صديقتها التي ملات قلبها توجهت اميرة مع سعادللسوق لشراء الملابس وبعض المستحضرات ثم ذهبت معها للصالون الذي اعتادت سعاد ان تزوره ,بدات المصففة بوضع لمساتها على اميرة والتي ستزيد من جمالها , امضت اميرة ساعات طويلة برفقة المصففة وعندما نظرت بصورتها على المراة سرت كثيرا بالتغيير وبشكلها الجديدالذي زاد من ثقتها بنفسها ومن رؤيتها للحياة عانقت اميرة سعاد لانها ساعدتها على ان تخرج من حالة بقيت تسيطر عليها طويلا ولم تستطيع الخروج منها لولا مساعدة سعاد لها عادت اميرة لمنزلها ووضعت الثياب الجديدة بخزانتها واغلقتها وكانها تغلق بذلك ذكريات وايام مضت من عمرها لم تذوق طعم السعادة بحياتها.
بعدما امضى سمير ليلته وهو يقلب بذكرياته الايام والسنوات الماضية افاق من نومه وهويشعر بتعب وارهاق بجسده بقي سمير بسريره ولم يكن لديه رغبة بالنهوض بقي يفكر بحياته وبالايام التي مضت وهو يدعي السعادة وانه يعيش حياة هانئة مع امراة تحاكي عقله وكيانه وتسكن فكره فغاب عن حياته الجانب العاطفي وكلمات تداعب عقله وتجعله يشعربقيمته بقلب دينا ,افاق من نومه ووقف على المراة ووضع يده على الشيب الذي ملا راسه ,اخرج سمير من خزانته صوره ايام الشباب عندما كانت الفتيات تتهافت عليه املا بان يحظين بحبه ,لقد بدات مسؤؤليات الحياة المتكررة تلقي بظلالها على حياته ومع الوقت سيطر شعور الملل على حياته ,فبدا يبتعد عن دينا واصبح يحب الخروج من المنزل,فسبب ذلك الفتوربعلاقته بزوجته ,اراد سمير التجديد بمظهره فاشترى ملابس جديدة وصبغ شعره بلون اسود وشعر ان ذلك سيحسن من حياته ,وسيخرجه من حالته التي سيطرت عليه ,ولكن لم يدوم الحال طويلا فعاد سمير لحالة الملل التي كانت تجتاحه ,بدا سميريبحث عن الجانب العاطفي الذي ضاع من ايام عمره وعن لحظات الرومانسية التي كان يفتقدها لتضئ حياته ومشاعره باحاسيس تشعره باهميته بالحياة ,فايقن انه فقد الكثيروان الحياة قد اسدلت ستائر الظلام على دنياه وكان الالم يمزق قلبه على رحيل سلمى عنه .
فالمراة عندما يتوارى اهتمامها بمظهرها عن الانظار وتصبح ثيابها حبيسة الخزانة وتعيش حياة روتينية تصاب العلاقة بفتور المشاعر وببرود العواطف حينها يشعر الرجل بالفراغ العاطفي فيبدا بتعويض النقص و بالبحث عن امراة اخرى تعيد له بهجة حياته وتشعره باهميته على المستوى العاطفي والحسي وتعوض الكبت العاطفي لديه ,فالتوترات والضغوطات اليومية التي يمر بها الرجل تجعله يدخل بدائرة مغلقة فيصبح بحاجة لدعم معنوي ورغبة بكسر الروتين بالحياة وبحرمان الايام وجفاء الليالي بعد ان تصبح احلامه بالحياة كالسراب حينها يشعر انه اصبح بحاجة الى امراة تعيد لحياته الترتيب فعدم وجود امراة تحاكي عقله وكيانه تجعله يعيش حالة مراهقة متاخرة ,لم تكن دينا تملك بيدها زمام الامور باعادة تشغيل طاحونة الزمن للوراء فلم تستطيع ان تستوحي من شخصية سمير الالهام باعادة التجديد للحياة وكسر الروتين والملل,وبلادة الزمن فسيطر على حياته شعور الملل,فلم تستطيع ان تحلق بحدائق عقله وفكره وتمشي بدروب قلبه .لانها لو ملكت ذلك لجعلته ينسى صورة سلمى من عقله وملكت هي فكره وكيانه ولجعلته يشعر انه يملك بها نساء العالم.,جلس سمير بمنزله الذي يحتوي كابة احلامه واوهامه بان يعيش حياة استقرار عاطفي,لم تكن دينا تشعر بالارتياح لذلك التغيير الذي طرا على سمير الذي كان يمضي معظم وقته خارج المنزل محاولة منه الهروب من واقعه الاليم الذي كان يسيطر على حياته,اعتقد سمير انه بتغييرهندامه سيغير لو جزءآ بسيطآمن الكابة التي كان يشعر بها, ومضت الايام والشهور ولم يفلح سمير بتغيير لو جزء بسيط من حياته او حتى كسر الروتين الذي يعيشه وكأن مشاعره اصبحت تغرق في بحر الشوق وجنون الليل فظن قلبه ان له من الحظ الاوفر بقي ينتظر من يعصف بهدوء بصحراء قلبه الجاف , وبقصور احلامه التي ’هدمت وتبعثرت فوق امواج الزمن فالمراة التي لم تستطع احتواء قلب زوجها بين اجفان حلمه ,وتوارى قلبها عنه كالليل الذي يطفئ قناديل القمر فيضيع النور ولن تشرق حياته ويبقى يشعر انه يعيش الحياة بين مدها وجزره لانها لم تعزف ايقونة الحب على قلب مزقه الحرمان والجفاف.فالحياة بكل تناقضاتها من الم وفرح وقبول ورفض وحتى ضغوطاتها النفسية والمادية والاجتماعية تجعل الرجل بحاجة ماسة للاحتواء العاطفي واهتمام زوجته به,فالمراة عندما تفهم طبيعة وعقلية زوجها وتعرف كيف توقظ الحب بداخله وتشعره باهميته بحياتها تكون جديرة بلقب امراة بكل مقاييس الانوثة وما تحمل هذه الكلمة من احساس وشعور مرهف ورقة وحنان ,فانشغال سمير بالعمل والمسؤليات المتراكمة جعلته يشعر بالاحباط وعدم الرضا عن حياته وكأن سنواته قد تسربت من يده كالسراب فطالت معه سنوات الانتظار ,مضت ايامه وهو يحاول ان يلملم شتاته وسنوات عمره التي مضت من يده وعاشها بدون هدف ,فسكنت حرمان الايام بقلبه وجفاء الليالي وضاعت منه فرحة الغد والاحلام التي ينوي تحقيقها ,وحاول مرارا الخروج من الحالة التي يعيش بها الا انه لم يجد منفذا للخروج من تلك الدوامة وما زاد من مشاعر الغربة بحياته اتمامه عقده الرابع ومن داخله اصبح يشعر انه لم يحقق رغبته بالحياة بقي ينشغل بالعمل ليستطيع ان ينسى الحياة التي يعيشها في منزله فانعكس ذلك على حياته مع دينا والتي ابتعدت عنه اكثر من قبل.
لقد عاد علي من سفره وذهبت سعاد مع عائلتها لاستقباله ,وصلت سعاد المطار وحطت الطائرة ادراجها وبدا الركاب ينزلون ,وكانت تنظر اليهم وتبحث عن طيف علي بينهم وامتلا المطار بالامهات اللواتي ينتظرن اولادهن بشوق ولهفة , ثم رات سعاد ابنها من بعيد فلوحت له بيدها وما ان اصبح قريبا منها حتى ضمته الى قلبها بشوق له و عانق علي والدته التي غابت عنه طوال الوقت ,وكانت ريما ودينا يشعرن بالفرحة لوجود اخاهم بحياتهم من جديد,عاد وجيه من عمله وعندما راى ابنه في المنزل عانقه بحب وشوق لرؤياه,وكانت تربطه علاقة صداقة بابنه الذي كان متفوقا بدراسته, وجلست دينا بجانب علي واخبرته عن اشواقها اليه , ونظر الى عينيها فشعر بحزنها ,وما تعانيه من ضيق كان يزيد من حياتها سوء,فلم تشا ان تخبره عما تقاسيه بحياتها من اوجاع , وحضر سمير الى منزل سعاد لتناول طعم الغداء وكان مسرورا بحضور علي , واجتمعت العائلة على طعام الغذاء وكانت اجواء عائلية افتقد لها علي بغربته رغم ان دينا كانت تتظاهر بالفرح الا ان سعاد لاحظت ان العلاقة بينهما متوترة , ولم تشا دينا ان تخبر والدتها عما كانت تعاني منه بحياتها , وضع علي حقائبه في غرفته , وكان يشعر بالحنين لتلك الايام التي قضاها مع عائلته ولرائحة والدته ولحنانها الذي كان يستفقده طوال بعدها عنه , وافتخرت سعاد بابنها الذي اصبح طبيبآ وحقق لها الحلم الذي كبر باعماقها منذ كان علي طالبآ مجتهدآ فهي اليوم تحصد ثمرة نجاحه بحياته .
بدأت اميرة تقبل على الحياة بروح جديدة , وكان وجود المتجر يخرجها من عزلتها وحرمانها الذي سيطر على حياتها , وشعرت بالتغيير بنظرتها للحياة , فلم تعد تركز على نقاط لم تعد بامكانها تغييرها, وتمنت ان تعيش حياة مختلفة عما عاشته بعمرها الذي مضى .
حضرت الموظفة شيرين الى مكتب سمير, وكان سمير يشعر بالاعجاب نحوها ظنا منه ان علاقاته العابرة ستخرجه من الوحدة والروتين الذي يشعر به , خرج سمير معها بوقت الاستراحة ولكن محاولته بالهروب من واقعه قد باءت بالفشل , وكانه يدور حول دائرة مغلقة, وادرك انه بحاجة ليعيش تجربة جديدة تخرجه من حرمانه وشعوره بالفشل بزواجه , الا ان العلاقات العابرة لم تشبع لديه الرغبة بالاستقرار والنهوض بحياته من جديد , وذهب سمير الى منزل والدته للاطمئنان عليها , وبث اليها شكواه وما يشعر بحياته وكأن احلامه اصبحت حائرة الادراك , واخبر والدته انه ما زال يفكر بسلمى وانها ما زالت تملك عقله ولم تكن تعلم ان السنوات التي مضت من عمره لم تجعله ينسى المراة التي ملكت كيانه وعقله.
جلست سعاد بغرفتها , وكانت تستذكر ايام عمرها التي امطر بها وجيه حبآوسعادة , عندما عانق شوقه قلبها واسقى الحب ما تصحر من قلبها فزادها سعادة ورغبة بلقاءه , وارتدت سعاد فستانها الازرق الذي زاد من اناقتها واخرجت زجاجة العطرالتي تطاير رذاذها على جسدها , دق جرس الباب , وذهبت سعاد لتجيب الطارق ,لقد حضر وجيه وهو يحمل بيده هدية ليحتفل مع سعاد بعيد زواجهم , وعندما راها وجيهاضمها الى قلبه وعانقها بحنانه وكانها الدنيا يضمها الى صدره وقدم وجيه لها هديته وقال لها :يا روحا تلاقت مع روحي ويا ملاكا وهبتها عمري انت قمرا غير ترتيب قلبي ,ويا ربيع العمر يا ملاكا وهبته عمري واخبرها عن اشواقه لها وما يملك بقلبه من شوق وحب لها ,طوقت سعاد عنقه وقالت له بحب:انت كتلة مشاعر قوية ملات قلبي بحنانك وحرارة انفاس حائرة الشوق وهبتك تفكيري واحساسي وتبادلت معك دفء الكلمات .
قال لها وجيه: انت تعانق كلمات الشوق وجنون الانتظار , وفرحة الغد وعبير الحياة , وضمها بلهفته وقدم لها زجاجة العطر التي اضافت بهجة على قلبها ودعاها وجيه لتناول طعام العشاء خارج المنزل وكان عشاء رومنسي ضم قلوبهم المشتاقة الى اللقاء, وشعر وجيه من داخله انه محلق بسماء الحياة , وان طيور العشق كانت تحلق بحياتهم , وعندما عاد وجيه الى المنزل برفقة زوجته , أشعلت سعاد شموع الحب بقلبه ووجد صندوق موضوع على سريره ومكتوب عليه عبارات رقيقة تعبر عن حبها اليه , وفتح وجيه الصندوق المزين بالورود واخرج منه هديته وكان مسرورا ان سعاد ما زالت تحبه لهذه اللحظة , وانه ما زال يملك مكانا بقلبها , وكان يشعر بالامتنان للاقدار التي وضعت سعاد بدربه التي ملات حياته بالحب وبالحنان فهي زوجة مثالية احتوته بحبها الذي تكنه بصدرها , وابحرت بسفينة حياته الذي كان يغرق بامواج حبها بين مده وجزره , فجعلته يحتار بها ويغرق بمرساة عينها , فكانت امراة تحمل بثنايا شخصها موهبة القدرة على التجديد وملا فجوة الفراغ العاطفي بحياته , وتسطيع ان تبحر في سفينة الحياة بين امواج حبها فاعادت ايقونة الحياة للوراء وملكت قلبه فأنارت له ليالي العمر .
فالمراة التي تستطيع ان تكسر الروتين بحياة زوجها , وتملا فجوة الفراغ العاطفي لديه وتشعره بالسعادة فيبدا معها رحلة العشق , فوق امواج الحياة وتستطيع ان تعيد ترتيب قلب زوجها , وتنور له ليالي العمر وتسقي زهور عمره ستكسب قلب زوجها وتشعره بالسعادة , فيبدا معها رحلة العشق فوق امواج البحار وهدوء الرمال بجنون لا يقاوم ,فتحرق شوقها لتنير دروبه وتعطي للحياة قيمة فتسكن معه القمر وتحمله لعالم الخيال , وتسرح معه فتسقيه الحب باحساس ارق من النسيم بجنون لا يقاوم , عندها ستملك مشاعره فتجده ينقاد لها ولا يستطيع مقاومة عشقها , فيهبها احساسه ومشاعره وقلبه , كلما فكر بالبعد عنها يجد نفسه غارقا في بحار هواها هائما على شاطئ عشقها بين مده وجزره.....
بقي سعيد مشغول بريما وشعر باهميتها بحياته , ود ان يخبر سمير بما يشعر الا انه قد تغيب عن عمله وبقي سعيد ينتظر عودته, افاق سمير من نومه وكان يشعر بألم كبير ولم يستطيع النهوض من فراشه ثم نقلته دينا الى المستشفى القريب منهم , وكانت دينا تشعر بالقلق على زوجها وتمنت له الشفاء , وقرر له الاطباء اجراء عملية جراحية لاستئصال الزائدة من جسده ,وحضرت ريما ووالدتها للمستشفى ورافقهم علي الذي ذهب لاحضار والدة سمير الى المستشفى لتكون قريبة من ابنها الذي يرقد على سرير المرض رغم توتر العلاقة بين دينا وزوجها الا انها كانت قلقة عليه وتمنت له الشفاء وان تعود العلاقة بينهما لما كانت عليه خرج الطبيب من غرفة العمليات وطمأنهم على صحة سمير وانه سيكون بخيروعندما افاق سمير وجد الكل يحيطونه ويجلسون بجانبه للاطمئنان على صحته وكان ذلك يجعله ينسى الامه حضر الطبيب لغرفته للاطمئنان على صحته و جلست والدته بجانبه لتخفف جراحه وتشعره انها معه ,وشكرت الله لانها مازالت تراه وتشتم رائحة الحياة منه ,اخبرهم الطبيب بضرورة الخروج من غرفة المريض لكي ينام بدا سمير يستعيد وعيه تدريجيا حضرت الممرضة الى غرفته لتقيس حرارته ولكن عندما راها شعر بالسعادة لانه التقى بسلمى تلك الفتاة التي بقيت صورتها بذهنه طويلا,والتي احبها طويلا لقد حان موعد ذهاب سلمى الى المنزل ولكن عندما علمت بوجود سمير بالمستشفى بقيت بجانبه لتداوي جراحه التي المته وكانت من داخلها تتمنى ان تبقى معه طوال العمر لتراه وتكون قريبة منه لتعيد ذكرياتها معه,شعر سمير بالارتياح ونسي كل الامه مد لها يداه ليصافحها ومن داخله شعر انه يصافح الدنيا التي بدات تداوي جراحه وان يطبع قبلة محبة لتختصر المسافات التي كانت تحول بينهم وتتحداها رغم كل الظروف ورغم بعده عن حياتها ليداوي جراح اثقلت قلبه ,ولكن لم يكن بوسعه سوى ان يضئ شمعة مشرقة تختصر المسافات .كانت عينيها التي تطل على عقل وتسكن كيان سمير تعيد ذكريات الايام التي مضت ,شعر سمير بالراحة عندما راها بجانبه بثوبها الابيض الذي يشعره بالراحة ,وكانها شمعة مشرقة تبدد همومه والتي تزيد حياته شقاء ,من داخلها شعرت سلمى بالاسى عندما رات سمير مرة اخرى وكانه عاد بها لايام مضت ولم تعيش بها لحظات قرب وقالت له بصوت لا يخلو من الحرقة:كلما عدت لشريط ذكرياتي معك افتح عيني فاجدك بعيدا عني فابحث عنك بين ثنايا ذاتي التي سكنت انت بها فاجدك موجودا معي بعروقي ودمي وكل تفاصيل حياتي .قال لها سميربصوت امتلا بالحرقة :في قلبي انحفرت لك صورة وعلى صدري ضممتك وعلى ذاكرتي لازلت تسكني ,بقايا كلماتك لا زلت اذكرها وصورتك لا زالت تعلق بذهني فاصبحت هواءآ أتنفسه ودما يسكن باعماقي .اجابت هي بصوت خافت يمتلا بالاسى :لقد بكيت عند فراقك بحسرة وملأت دموعي قلبي الذي انفطر على رحيلك الا ان دخول الطبيب المفاجئ قطع عليهم حديثهم وطلب الطبيب من سلمى ان تعطيه نتيجة فحص الحرارة والضغط ولاحظ الطبيب الانسجام بينهما ,وكان ينظر للفحوصات وطمان سمير انه سيصبح على ما يرام خرجت سلمى من الغرفة ولكن بقيت تستذكر ما دار بينها وبين سمير من احاديث جعلتها تعيد ايام تحب ان تستذكرها .ارادت ان تعانقه الى قلبها وتضمه الى صدرها بحنانها الذي تكنه له بصدرها لتطفئ فتيل الشوق بقلبها الذي سكن سمير بين ثناياه ,حاول سمير النوم مجددا وخرج الطبيب ليطمان زوجته ووالدته على صحة سمير وانه سيكون على ما يرام وسيخرج من المستشفى بعد ايام ,وعندما افاق سمير بالمساء وجد والدته بجانبه تنتظر ان تطمان عليه قبل ان تغادر المستشفى وكذلك زوجته وصديقه سعيد الذي حضر للاطمئنان عليه وشعر بحب الناس له وباهميته التي لم تستطيع دينا ان تشعره بها ,اخبره سعيد انه سيهتم بامور العمل وانه سيسلم المشروع الجديد بدلا منه ,شكره سمير على حضوره فتمنى له سعيد الشفاء وان يعود للعمل قريبا وخرج من غرفته ,فوجد ريما تجلس مع احمد بغرفة الانتظار مد سعيد يده ل ريما مصافحا اياها بشوق ولهفة لرؤيتها وكانت نظراتهما تلتقيان معا فتشعل بقلب كل منهما نيران الحب وكانت عيناه تخبرانها عن اللهفة التي ملات قلبه منذ التقى بها اول مرة قال لها سعيد :كلما هب نسيم الشوق على قلبي الذي امتلا بحنانك اشعر بالشوق اليك ,لامراة اعطت لحياتي معاني لن تكون موجودة لولاك فغيرتي ترتيب حياتي ,فانت النور الذي ارى به .
قالت له ريما بصوت كله شوق:عندما رايتك اول مرة انرت ظلمة قدري وملات به الشوق وتدفقت به الحياة فالروح من بعدك لم تعد تقوى على الحياة بدونك .
استذكر سعيد بيت شعر للشاعر بهاء زهير :
رسائل الشوق لو بعثت بها اليكم لم تسعها الطرق ولا السبل
امسي واصبح والاشواق تلعب بي كانما انا شارب منها ثمل
فردت عليه ببيت شعرلنفس الشاعر:
يزداد شعري حسنا حينما اذكركم ان المليحة فيها يحسن الغزل
غائبين وفي قلبي اشاهدهم وكلما انفصلوا عن ناظري اتصلوا
وعندها امتلا قلبه بحبها وحنانها وشعر انها تبادله نفس المشاعر التي فاضت بقلبه ,قال لها سعيد: متى ساراك ثانية ؟قالت ريما:دع الاقدار والصدف ترتب لنا الموعد ,فلن يكون بمقدورنا ان نرتبه كما تفعل الاقدار .وشعر انها تملك قدرا كافيا من الذكاء فزاد ذلك من اعجابه بها ,وتمنى ان يراها ثانية, ومضى كل منهما بطريقه والحب يملا قلوبهما .
عادت سلمى الى بيتها الذي لم تشعر يوما بالانتماء له ,وكانت تشعر كانها الة تحضر النقود لزوجها الذي ادمن الخمر وكان يعتمد على راتبها ,وكانت تصبر على اهانته لها وعلى ضربه من اجل اطفالها الذين لم يختارو منذ البداية ان يدفعون ثمن زواج غير متكافئ ,طلب منها زوجها نقود ليشتري الخمر الا انها اخبرته انها لا تملك النقود فانهال عليها بالضرب والشتم وقررت حينها ان تذهب لمنزل والدها وان لا تعود لحياتها التي لاقت منها ما يهينها ويجرح كرامتها.
افاقت اميرة من نومها باكرا مستقبلة العطلة الصيفية بما يكفي من نشاط وارتدت ثيابها التي انتقتها سعاد ووضعت لمساتها على هندامها ,نظرت اميرة بنفسها بالمراة ووضعت يدها على تقاسيم جسدها الذي لم تكن تعتني به ,وكانها زهرة خجلت ان يرى احد جمالها فاختبات بنفسها,نزلت اميرة درج المنزل الذي كانت تسكن به فالتقت بخلدون الذي يسكن بجوارها ,القى خلدون عليها التحية وكان يشعر بالاندهاش من التغيير الذي اصابها فاظهر جمالها الذي كان يختبا بداخلها قال لها خلدون :اين كان يختبا كل ذلك الجمال فشعرت بالخجل من الاطراء المفاجئ الذي سمعته وكانها لم تكن تتوقع ان تسمعه منه,شكرته اميرة ,واردف خلدون قائلا :يصادف اليوم عيد ميلاد ابنتي التي قدمت لتوها من السفر لتطمان علي وسأتي لشراء الحلويات من متجرك , رحبت به اميرة بمحلها المتواضع وانصرفت بطريقها ,الا ان خلدون شعر انها اخذت قلبه معها وانه يعرفها منذ زمن ,رغم انه انهى عامه الثامن والاربعين الا انه بقي يتمتع بجسد رشيق وصحة موفورة ,مضى خلدون بطريقه وكان لكل منهما ظروف مشابهة تجمع الوحدة بينهما وغياب الاهل فبعد وفاة زوجته وزواج ابنته بقي وحيدا وكان عندما يفتح باب منزله ويجده خاويا من الاصوات يشعر بالوحدة تملا حياته لانه بلا جليس يملا عليه حياته ويحتويه عاطفيا .وعندما وصلت اميرة لمتجرها بدات بتجهيز الحلويات لخلدون ,لمحت اميرة بعيونه نظرات الاعجاب التي لم تعتاد ان تراها بعيون من حولها ,حضر خلدون لياخذ الحلويات من اميرة وكان مسرورا لان اللقاء تكرر مرتين ,دفع خلدون ثمن الحلوى وشكر اميرة على حسن ذوقها بانتقاء الحلوى مضى خلدون بطريقه ولكن قلبه بقي عند اميرة وتمنى لو يبقى بجانبها طوال العمر لينسى وحدته وما يقاسيه من الم بلياليه التي غاب عنها القمر فلم يجد من يواسي غربته وشعوره ان العالم الرحب قد اصبح يضيق عليه ,شعرت اميرة بالارتياح لخلدون وهذا الشعور لم تشعربه من قبل وشكرت صديقاتها الواتي استطعن اخراجها من حالة سيطرت عليها طويلا .عادت اميرة الى منزلها بالمساء وجلست بغرفتها بجانب وسادتها الخالية التي عانقتها طوال عمرها وكانها تعانق ايام وسنوات مضت من عمرها هباءآ ولكن تسلل الى اعماق قلبها شعور بالسعادة وان حياتها ستتغير يوما ما وستخرج من عزلتها ووحدتها التي دامت طويلا.
مضت الايام وتكررت اللقاءات العابرة بينهماو التي جعلت خلدون يشعران اميرة تلك المراة التي ستضئ حياته بشموعها وستسقي ما تصحر من ايام بقلبه ,ولكنها ارادت ان تهرب من مشاعرها اتجاهه واصبحت تتجاهله وتبتعد عنه ,وقفت اميرة بالشارع تنتظر سيارة تنقلها الى عملها الذي اخرجها من حياة دامت لسنوات عديدة اعتادت بها على الشعور بالحرمان والجفاء ,اشارت اميرة لسيارة الاجرة ومضت الى مكان عملها ,شعر خلدون بالشوق لاميرة فذهب الى متجرها للاطمئنان عليها ,القى خلدون عليها التحية واخبرها بشوقه لها وانها المراة التي ملكت قلبه بحبها فلم يعد يقوى على مفارقتها وطلب منها ان يبدا معها رحلة العشق فوق امواج البحار بجنون لا يقاوم لتشهد الدنيا على حبهما ,شعرت اميرة بالدهشة من كلامه الذي لم تعتاد على سماعه ,وكانه سفينة تحملها الى بر الامان بعدما سكن الصقيع بقلبها بمرارة وقسوة الايام الماضية من عمرها ,كانت تريد ان تشعر بالحب وبالحنان وان تعيش حياة اخرى مختلفة عما عاشته بحياتها التي مضت من بين يدها كالسراب ,طلب منها خلدون ان لا تجيبه الان على طلبه وان تتريث وتاخذ وقتها بالتفكير ,اختلطت عليها مشاعرها بين الرغبة والخوف من خوض مثل هذه التجربة الجديدة بعدما قضت ايام طويلة من عمرها وهي تعيش وحدها بغربة الايام والليالي وتتسائل عن كرم الاقدار المفاجئ الذي قدم لها فرصة لتعيش الحياة من جديد وتجد من يحبها ويعشقها,وتطوي بوجوده دفاتر الماضي الحزين .فبقاءها بدون زواج طوال السنين التي مضت جعلها تتردد باتخاذ قرارها ,ولكن من داخلها كانت بحاجة لمن يكسر ملل حياتها وروتينه خاصة مع اقتراب مرحلة خريف العمرالتي ستكون بحاجة لدعم نفسي ومعنوي ووجوده بجانبها سيخفف عنها الكثير.
بدات صحة سمير بالتحسن وكان عليه مغادرة المستشفى اليوم وعندما حضرت سلمى ودعها كانه يراها لاخر مرة فلم يكن يتوقع ان تجمع الايام بينهما من جديد وطلب منه الطبيب اخذ قسط من الراحة ومراجعته للاطمئنان على الجرح,وقفت دينا تنظر لنظرات الحب التي ملات قلب سمير اتجاه سلمى فايقنت من داخلها بقصة الحب التي كانت تجمعهم الا ان الزمن حولها الى اوراق خريف تتلاعب بها الرياح فكسرت الرياح اغصانها والقت بها الى السواقي ,سيعود سمير الى حياة الملل والروتين التي سيطرت على حياته كانها خطوط من الزمن رسمت ملامحه بقسوة ,اما سلمى فلسان حالها يشكو من جروح الزمن الذي احدثه بقلبها الذي يحمل جروح واهانة لاقتها من زوجها ,خرجت سلمى من غرفة سمير فالتقت بوالدة سمير التي لاحظت الارهاق والتعب على محياها وكانت قد علمت من والدتها انها تريد الطلاق ,شكرتها على رعايتها لسمير وما قدمت له من علاج مضت سلمى بطريقها وهي تحمل جراحها بداخل قلبها وتشعر برغبة بالبكاء وكان شعورها بغربة الروح كبيرا رغم انها تعيش مع عائلتها ,مشت بدربها وهي تقلب صفحات ذاكرتها وشعورها بالحزن يعتري ليلها المجنون وهي تقلب كتاب حياتها الذي عصفت به رياح الحياة وتمنت ان تعيش بعيدا عن اوهام وهواجس سكنت بقلبها الا انها لم تستطيع البعد فقررت الرحيل عن حياة الالم مع زوجها الذي جعلها تخسر الكثير .
جلست والدة سمير بجانبه وكانت تطمئن عليه بالحنان الذي سكن قلبها بلهفة الام على ابنها ,همست والدته باذنه انه ما زال يحب سلمى اكثر مما سبق,فاجابها:لم يزيدني البعد عنها الا شوقا وحبا وذهب برحلة صمت بلا حقائب وامتعة استعاد ايام وذكريات مضت من حياته ,عاد الى تلك السنوات الملونة بالبراءة التي تحمل عذوبة الماضي عندما كانت والدته تنتظرعودته من المدرسة بضحكات تملا المكان بالسعادة رغم بساطة العيش الا انه كان يشعر بالسعادة وكان يشعر بالحنين الى تلك الضحكات القادمة من القلب وشعر كانه بقطار سريع متجه نحو محطات الذكريات يطل عليه من نوافذها وجوه اصدقاء غابوا عن حياته ومضوا بعيدا وشعر انه بداخله طفل يشتاق للبراءة وايقن انه لايسستطيع اعادة الزمن للوراء ولا يملك الا ان يعيش الحياة ويطوي صفحات الماضي من حياته .ضمته والدته الى قلبها وطبعت على جبينه قبلاتها وقالت له بحنان:لو كانت الارواح تتعاطى لاعطيتك روحي فانت كل حياتي. وضمت جراحه الى قلبها الحاني ,قال سمير :ما زلت استذكر بقايا كلماتك لي وانا صغير وما زالت تلك اللحظات التي كنت تغمريني بحنانك استحضرها بخيالي ربتت على كتفه محاولة تهدئته والتخفيف من جراحه وضعت دينا ملابسه بالحقيبة وحضر على لينقلهم الى المنزل.وعندما وصل سمير الى منزله بقيت والدته بجانبه ,استلقى سمير على سريره وحضرت له دينا الحساء .
جلست اميرة على سريرها واخرجت من خزانتها صور قديمة مسكونة بالحنين للايام التي تسربت من عمرها هباءا ,وكانها تقلب صفحات عقلها الباطن وتستذكر لحظات عاشتها بماضيها الرهيب والذكريات لايام ومسافات مسكونة بعذوبة الحياة التي مضت ,فغمرها فيض المشاعر فرقصت على عينها دمعة ومرت سحابة من الشجن وتذكرت الخاطبين الذين كان اخاها يردهم حتى مضت ايام وسنوات عمرها هباء منثورآ.عندما تناسى اخاها انها انسانة من حقها ان تعيش حياتها وتتزوج الا ان مر قطار العمر مسرعآ دون ان تركب هي بمحطاته وبقيت تجلس على كرسي الانتظار لتأتي قاطرة تنقلها الى بر الامان مع رجل يشعرها باهميتها ,واطفال يملؤن المكان عليها بضحكاتهم ,وكانت تحن للمسة حنان تشعرها بقيمتها كامراة وتذكرت حبها الاول ولقاءاتها معه التي دامت لسنوات وايام وكان بنفسها بعض الاشياء بودها لو تبلغها لعينيه وان تجالسه لتخفف عنها بعض الامها وتخبره بما تعاني من اشواق الا انه تزوج واستطاع ان يكون عائلة وكان عليها ان تفكر بحياتها باسلوب واقعي بعيدا عن الخيالات والاوهام الماضية وان تفتح ابواب الحياة المغلفة واستذكرت ابيات شعرية لاليا ابو ماضي تعلمها للطلاب فتزرع بنفوسهم الامل من جديد وحب الحياة :
السماء كئيبة وتجهما قلت ابتسم يكفي التجهم بالسماء
الصبا ولى فقلت له ابتسم لن يرجع الصبا المتصرما
شعرت اميرة بالحيرة وكانت تحتاج لمن يشاركها التفكير,ارتدت اميرة ثيابها وذهبت الى صديقتها جلنار التقت اميرة بجارتها فالقت عليها التحية ومضت بطريقها مسرعة وكانت تمشي بالشارع بخطى متثاقلة وقفت اميرة تنتظر سيلرة اجرة تنقلها الى بيت صديقتها لم تنتظر اميرة كثيرا الا ان حضرت السيارة فتحت اميرة الباب واشارت للسائق بالمضي بطريقه وعندما وصلت اميرة اشارت للسائق بالوقوف واعطته النقود ومضت اميرة الى منزل صديقتها جلنار طرقت اميرة الجرس ,حضر يوسف ليجيب الطارق ودعاها للجلوس الا ان تاتي والدته ,وعندما علمت جلنار بوجود اميرة اتت مسرعة لتراها وكانت علامات الحيرة تملا وجهها سالتها جلنار عن سر هذه النظرات بعينها وعن الشخص الذي دق باب قلبها فايقظ دقاته من رخائها فاشعل بسكون احلامها الشوق والارق, قالت اميرة :لقد قرات كل افكاري دون ان اتكلم .قالت جلنار:كل العيون قد يزورها الحب وقد تلمع ببريق العشق فتتلوى بعبارات الشوق والعذاب النابع من كاس المرار والبعد .اجابت اميرة :فما اقبح السكون وما اجمل الحركةبعدما دق باب الحب على بابي مرة اخرى قالت جلنار:افتحي قلبك وعقلك للحياة فهي تستحق المجازفة.قالت اميرة:اشعر بالخوف من خوض تجربة اخرى بعدما امضيت عمري وحيدة اخاف ان تاخذ مني الحياة فرحتي كما فعلت سابقا .قالت لها جلنار :لا تفكري بالماضي ودعي الحياة تفعل ما تشاء فنحن لا نستطيع اعادة الزمن للوراء لكننا لا نملك الا انفسنا ,قالت لها اميرة:يريد خلدون ان يرتبط بي وان يكمل حياته معي وهو ينتظر ردي قالت جلنار:لست وحدك من يشكو غدر الايام ولست وحدك من فقد الاحبة فالحياة مليئة بالحب افتحي لها ذراعك فالله سيعوضك عما فقدتيه اقلبي صفحة الماضي ولا تفكري بها ودعي الايام تفعل ما تشاء فالله معنا ويد الاقدار فوق كل شئ فكان كلامها قد خفف عنها من مشاعر التوتر وتخفف من مصابها وجعلت اميرة تقلب صفحة الماضي وتنسى مصابها بالحياة التي اخذت منها للحظات تمنت ان تعيشها بالقرب من احلامها وطموحاتها غادرت اميرة منزل صديقتها ومضت بطريقها وهي تشعر بالراحة ...
بدا سمير يتحسن يوما بعد يوم ,وعاد الى عمله وهو يخفي جراحه بقلبه جلس سعيد بجانبه وكان مسرورا بعودة صديقه للعمل بعدما غاب عنه طويلا وكان يخبره عن سير العمل وعن المشروع الجديد الذي سلمه بدلا منه فشكره سمير على ما قدم له من مساعدة ودعم للعمل بغيابه ,كان سعيد يشعر انه من واجبه ان يقف مع صديقه الذي يعتبره اخ له,انتظر سمير ان ينتهي عمله ليذهب للمستشفى ليطمان على سلمى التي بقي طيفها يزوره طوال جلوسه بالمكتب ,وعندما وصل سمير للمستشفى التقى بسلمى التي بدت كانها غارقة بين امواج الحياة وهائمة بين مدها وجزرها فلم تعد تميز بين الخير والشر ,الصدق والكذب فكم هي المرات التي اختلط عليها الشعور بالامان والخوف الحب والكره ,شعر سمير انه بحاجة لضمها وعناقها الى صدرها وعندما را ته احست انها معه بعالم اخر كله شوق وحب فهي لم تعرف للحب معنى ولا للحياة قيمة ,من قبله فكلمات العشق كلها لا تصف حبها له قال لها سميربشوق ولهفة :انت كتلة عواطف حساسة ومشاعر قوية وانت تعانق كلمات الاشتياق معا ,وانت حرارة انفاس شتتها البعد والغربة وهبت لك تفكيري واحساسي وتبادلت معك دفء الكلمات ...يا روحا عانقت روحي ويا ملاكا انتظرته ليلامس بحرا صافيا من الشوق انت جنون الانتظار وفرحة الغد وعبير الحياة .فقالت له سلمى:ضممتك حتى قلت قد انطفات نيراني .فلم تهدا نفسي فازداد لهيبي بحبك لي بدات حياتي .احبك ولتشهد الدنيا كلها على حبي لك ,لقد فقدتك مرة رغما عني قال لها سمير:سايقى بجانبك ولن تفرقنا الاقدار وساضئ بحبي حياتي وما زلت تسكني قلبي وكياني .اصبحت انقاد الى عشقك دون وعي مني او ارادة مسلوب بحبك وعشقك فلا توجد بحبك اي استراحة .
وكانت سلمى بعد طلاقها من زوجها تحتاج لان تعيد ترتيب اوراقها وان تعيد ترتيب حياتها وتلملم اوراق قلبها المبعثرة من جديد بعد ان استطاعت ان تسدل الستار عن حياة الالم وتنير شموع عمرها الذي اطفاها الدمع ,فقد عاد لها الامل ليجلي عتمة حياتها بالحياة ,وشعرت بالفرح يغمر قلبها ويملؤه بالحياة التي غابت عنها طويلا ,كزرع شرب من قطرات المطر المتراقص ليلا ,فاينع واخضر ,فجعلها وجود سمير معها ان تجمع احلامها التي لم تكتمل بعد, اخبرها سمير انه ما زال يحبها وانها ما زالت بنظره تلك المراة التي ملكت عقله وكيانه ,اما هي من داخلها فكانت تشعر انها تحبه بكل كيانها وما تحمل هذه الكلمة من احاسيس ومشاعر مرهفة سيطرت على كيانه وملكته طويلا,مضى سمير بطريقه وهو يحمل بداخله جرعة من حنانها وشوقها الذي كان يحفزه للحياة من جديد ,وكانت بنظره اجمل امراة بحياته ,شعر باهميتها بحياته وبوجوده عندما كان يمر بمرحلة المراهقة المتاخرة فاصبح بحاجة للحب والحنان فلم تستطيع دينا احتواءه عاطفيا فغاب عن حياته لحظات القرب التي تمناها وضرورة التجديد بحياته ,اطمان الطبيب على جرحه وعاد الى منزله الذي خلا من كل مظاهر الحياة ارادت دينا الخروج من حياة سمير والبعد عن حياته وقررت الرحيل من حياته ,وان تحطم بقلبها وتجعله حطاما وعيدانا مكسورة لن تعود اليه وستحاول ان تنسى ذكريات حياتها مع سمير الذي كان يحاول جاهدا ان ينسى حبه القديم .جلست دينا بمنزل والدها تبكي وتستذكر ايام عمرها التي تسربت من بين يدها كالاحلام الوهمية ,ذهب سمير الى منزل سعاد للاطمئنان على دينا ,كانت دينا تجلس بغرفتها وتبكي بحرقة للايام التي تسربت من يدها كالسراب ,جلس سمير ينتظر خروج دينا الا انها لم تشا مقابلته بعدما جف معه حبرها ,وتبعثرت اشواقها فوق سراب الوهم جلست دينا حزينة بغرفتها بجانب حقيبتها وبقايا ذكريات تجعلها تشعر ان حبرها قد جف وتبعثرت اشواقها واحلامها بان تعيش حياة هانئة الى ان ذلك كان مجرد اوهام لن تتحقق ما دامت تعيش مع سمير وكانت متعبة من ذرف الدموع وبناء قصور الوهم سرعان ما هدمتها رياح الغدر وكانت تعيش حالة فراغ عاطفي كبير بقي يسيطر على احاسيسها ومشاعرها التي ضاعت بالحياة .جلس سمير الى غرفتها ودام صمت طويل بينهما الا ان قطعت دينا ذلك السكون الذي خيم على الاجواء كما خيم على حياتهما وطلبت منه الطلاق وقف سمير امام دينا وطلب منها ان تنسى الماضي وتبدا معه صفحة جديدة وتحاول ان تحتويه وتتفهم الحالة التي تسيطر عليها الا ان دينا كانت تعلم ان قلبه معلق بغيرها وانها لن تستطيع ان تحل مكانها مهما فعلت .وكانت تبكي والدموع تبلل وجنتيها بالم السنين الذي طال حياتها بحرقة الايام التي مضت من عمرها وقف سمير امامها وكان الدم توقف بعروقه فلم يكن يشعر اتجاه دينا بمشاعر كما حدث اول زواجهما وكان يعلم ان هذا نتيجة تراكم السنين على قلبه فاصبح يعيش بحالة فراغ حسي وعاطفي وكأن حياته اصبحت لعبة بين يدي الاقدار تحركه تارة وتتركه تارة ,اخبرته دينا والدموع تملا احداقها انها لم تعد تشعر بالسعادة بحياتها معه وانها بذلت ما بوسعها لارضاءه الا انها لم تعد تشعر من داخلها برغبة بان تكمل معه حياتها ,طلقها سمير وكانه يريد ان يطوي حياته معها ويبتعد عنها وكن احلامه اصبحت ترقد بزاوية حياته وكانها حائرة الادراك لا تدري اين ستجد ممرا لتنفذ منه .خرج سمير من منزل دينا واغلق الباب وراءه وكانه اغلق معها كل الذكريات والحياة المملة التي عاش بها طويلا اما هي فكانت تبكي بحرقة وعندما راى ابنها دموعها شعر بالخوف عليها وحاولت سعاد احتواءها بحنانها وشعرت دينا من داخلها انها فقدت شئ عزيز عليها وتمنت ان تعود اليه .فالعلاقات الاسرية هي اسمى علاقة انسانية واساس بنيانها المودة والرحمة والتي يجب ان يسودهالاحترام المتبادل ولكن عندما يشعر احد الطرفان انه يعيش بدائرة مغلقة لا يشاركه الطرف الاخر اي حوار او انسجام يشغر بالفراغ العاطفي فيبدا بالبحث عن الاهتمام والحب بحياته وقد يلجا للعلاقات العابرة لملا فجوة الفراغ العاطفي لديه وقد ينشغل بالعمل لتعويض النقص بحياته فهذا الفراغ يخلق حالة فوضى بحياته وجفاء بين الزوجين وينحدر بالعلاقة الاسرية الى الهاوية ويفكك دعائم وروابط الاسرة فعند شعور احدى الزوجين بهذا الفراغ والكبت لا يجد الامان والحب مع الطرف الاخر فيبدا بالبحث خارج اسوار العلاقة الزوجية ليعوض النقص الموجود لديه مع روتين الحياة والضغوطات الاقتصادية والانفتاح الاعلامي المرئي والمسموع الذي بدا يغزو افكارنا فاصبحت العلاقة هشة ,وعند انشغال الزوجة بالعمل وتصبح ثيابها حبيسة الخزانة مع وقوع الزوج بالمراهقة المتاخرة وكل ذلك يخلق بداخله حب المغامرة بالعلاقات النسائية ليثبت لنفسه انه مرغوب على الصعيد الحسي والمعنوي.
توالت الايام ومضت على دينا وهي تحاول ان تنسى جروحها بعدما عادت بحقيبة سفر مليئة بالهموم والاحزان للمنزل الذي احتضنها وتوجها عروسا لتكمل مشوارها مع سمير الذي لم يستطيع ان يحتوي حبها الذي حملته بقلبها له ,فعادت ادراجها اليه وهي تحمل طفلها بين يديها الذي لم يكن له ذنب سوى انه دفع ثمن زواج يخلو من الانسجام العاطفي والتوافق الفكري,حاولت سعاد ان تنهض بجراح ابنتها وان تجعلها تتقبل حياتها الجديد بعدما تجرعت كغيرها من النساء مرارة الطلاق وتذوقت من نفس الكاس طعم الحرمان والالم , فالشريعة الاسلامية خلقت نوع من التوازن بالعلاقات الانسانية واهمها الاسرية بدءآمن الزواج الذي هو مشاركة بالاحاسيس والمشاعر وهو تكافؤ مادي وثقافي واستقرار نفسي واشباع روحي لجوارح الحس والبدن وتتوج هذه العلاقة النبيلة بالاطفال الذين دائما يدفعون ثمن فشل العلاقة بسوء الاختيار فالطلاق ياتي نتيجة تراكمات اجتماعية ومادية وانعدام اسلوب الحوار بين الطرفين تعتبر احدى اسباب الطلاق .
كانت تجربة الطلاق بالنسبة لدينا تحمل بطياتها الكثير من الالم والحسرة فقد خسرت دينا بيتها وزوجها فجاة وكان عليها ان تبدا من جديد وتنهض بجراح قلبها فتجربة الطلاق تحمل بحد ذاتها الكثير من التحديات التي تجعل المشكلة تتفاقم بنفسها كعدم وجودمعيل للمراة والمستوى التعليمي والثقافي للمراة فكل هذا يجعل المراة تشعر بالصدمة النفسية وتدخل بدوامة يصعب الخروج منها ما لم تحاول الخروج منها وخاصة اننا كمجتمع شرقي محافظ يرفض الطلاق للمراة وتكون ملامة اولا واخيرا ويلقي باللوم عليها اما الرجل فيطلق اولا واخيرا وهنا تشعر المراة برجعية المجتمع الذي يظلمها .
بقيت سعاد بجانب ابنتها تبث الامل بقلبها وبنفسها لتستطيع تجاوز صدمتها وترتب اوراقها من جديد فطلاقها من سمير ليس نهاية العالم وان تجعل الطلاق نقطة تحول بحياتها ارادت دينا من داخلها ان تجتاز مرحلة الطلاق وتطوي صفحته وتمحو من ذاكرتها الايام التي مضت وهي تعيش بجروح الحياة جعلتها تجربة الطلاق اكثر وعيا واصبح تفكر باسلوب عقلاني فبدات تفكر بتحقيق حلم كان يراودها منذ زمن بعيد وهو اكمال رسالة الماجستير وكانت دينا تقول بنفسها ان سمير ليس نهاية العالم وانه سيكون امامها متسع لتغيير حياتها وبقيت تشعر ابنها بالحب والحنان لتعوضه عن النقص الذي اصاب حياته بعد خروج والده من حياته ,كان احمد متعلقا بدينا وزاد حبها بقلبه بعد غياب والده عن حياته فاصبح بالنسبة لها كل الحياة ,فالطفل الذي هو جزء من كيان الاسرة فانه يتضرر نفسيا بالطلاق فتنشئة الطفل في بيئة اسرية مفككة يعرضه لاضطرابات بالنمو الانفعالي والعقلي فعندما يكبر لن يكون بمقدوره ان يكون علاقات انسانية فعالة ومن هنا ياتي دور الزوجين بكسر الروتين واعطاء مساحة من الحرية لممارسة هواية معينة وتذكر كل منهما بواجبه اتجاه الاخر فالزواج ليس مجرد واجهة اجتماعية بل هو ضرورة من ضروريات الحياةوهو رباط مقدس لا يمكن حل رباطه متى شاء الزوج فالاطفال يدفعون ثمن فشل العلاقة بين الزوجين بعلاقة لم يمن لهم من البداية خيار بها رغم احاطة سعاد ابنتها بالحنان الا انها كانت تلمح بعينها نظرات الاسى والشعور بالمرارة والحسرة.
حاولت سعاد اخراجها من حزنها الذي سيطر على حياتها الا انها كانت بحاجة للوقت لتنسى جراحها وتمضي بحياتها من جديد ,افتتح علي عيادته الجديدة وكانت سعاد مسرورة بوجده بقربها وذهبت دينا الى الجامعة للتسجيل لاكمال دراسة الماجستير وكانت تتمنى ان تستطيع الجامعة اخراجها من حزنها الذي سيطر على حياتها طويلا .وكان ذلك كفيل ببث مشاعر الفرح بقلبها من جديد باكمال حلم بقي يراودها منذ زمن الا ان استطاعت ان تحققه وتمنت سعاد ان تخرج ابنتها من حالة الصدمة وتجتازها وتخرج من حالة الفراغ العاطفي الذي سيطر على مشاعرها وقررت من داخلها ان تنسى الماضي وتجعله مجرد ذكرى اخذتها الايام ومضت بها بعيدا وكانه اوراق من الزمن فالحياة بكل معاييرها اساسها التسامح والرحمة محاولة ان تعوض نفسها وطفلها عما فقدته بحياتها مع سمير وكانها تلملم شتاتها بالحياة فوجودها بهذا الصرح العلمي وانجازها حلم يراود نفسها سيكون كفيلا ان يجعلها تطوي صفحة الماضي من حياتها فاصبحت تنظر للامام وكانها لا تريد ان تعود لذكريات محملة بالاسى والندم على ما فات من العمر.