eKtab
EN ع
آراء ودراسات حول كتاب عمان الديمقراطية الإسلامية
اقرأ عينة مجانية

آراء ودراسات حول كتاب عمان الديمقراطية الإسلامية

بقلم د. حسين غباش

صفحة 1
بمثابة مقدمة

بقلم أحمد الفلاحي (1)

قليلة هي الكتب التي تستحق أن توصف بأنها عظيمة وبين هذه الكتب دون ريب، كتاب إدوارد سعيد «الثقافة والإمبريالية». هكذا كتب الدكتور كمال أبو ديب مقدماً لهذا الكتاب المهمّ الذي ترجمه إلى قراء العربية.

هذا الكتاب الذي أثار كتَّاب الغرب وصحافته الكبرى بالإيجاب والسلب عندما صدر أول مرة في نيويورك قبل عدة سنوات، ولسنا هنا بصدد الحديث عن هذا الكتاب، وقد تحدث عنه الكثيرون منذ ظهور ترجمته العربية، وتناولته معظم الصحف العربية المعتبرة وما تزال أصداؤه تظهر حتى اليوم بين حين وآخر عند هذا الكاتب أو ذاك.

نريد فقط استعارة ذلك الوصف الذي وصف به الدكتور كمال أبو ديب كتاب «الثقافة والامبريالية» بأنه من الكتب القليلة العظيمة على مستوى العالم، لنصف به كتاباً نراه من الأهمية بمكان في مكتبتنا العربية وجديراً بأن يوصف بمثل هذا الوصف.

أظن أن وصفاً كهذا ينطبق بصورة أو بأخرى على كتاب الدكتور حسين عبيد غانم غباش «عمان.. الديمقراطية الإسلامية» ولو على صعيد مختلف وفي سياق آخر. فهو كتاب حسب زعمي وتصوري، من بين أهم الكتب التي تحدثت وتناولت تاريخنا العماني الحديث إن لم يكن أهمها مطلقاً. وبطبعي لا أحب المطلقات وعموم صيغ التفضيل. أقول هذا وأنا أدعي أنني قرأت واطلعت على أغلب ما كتب في هذا الشأن.

كتاب «عمان.. الديمقراطية الإسلامية» ليس كثيراً عليه في نظري، أن يدخل في ذلك التوصيف الدقيق المعبّر عن حقيقة الكتب أبلغ التعبير. (قليلة هي الكتب التي تستحق أن توصف بأنها عظيمة)، هكذا رأى الدكتور أبو ديب وهو العلَّامة الحُجّة الخبير بأمور الكتب ونوعياتها.

وكتاب الدكتور غباش يستحق بدون مبالغة أن يكون ضمن تلك الكتب القليلة العظيمة، وفق رؤيتي على الأقل. كتاب هو ليس لعُمان ولا للعُمانيين ولكنه للعرب وللعالم الإسلامي كله. يقدم لهم ما جهلوه وتوارى أمره عنهم تجربة ضخمة فريدة لا مثيل لها في تاريخ المسلمين على شموله واتساعه.

إنها تجربة المدرسة الإباضية تلك التي استطاعت أن تخرج للناس نظرية مثالية قابلة للتطبيق وقد جرب. تطبيقها في الحكم وفي العمل الديمقراطي صيغة عجيبة لم يعرف أمرها لدى جمهور الأمة المسلمة فغابت فائدتها، وقد جاء هذا الكتاب يجلوها ويستخرجها من مصادرها الموثوقة ومظانها المخبوءة، ويدعو المسلمين كل المسلمين إلى الالتفات إليها والنظر فيها، فهي من المفاخر الفكرية الكبرى التي أنتجتها عبقرية الإسلام، والتي ينبغي لكل مسلم أياً كان مذهبه وأين كان موقعه أن يفاخر بها ويعتز.

تجربة مهمة غيبتها التعصّبات المذهبية في أحوال قليلة وعدم معرفة الناس بها في أكثر الأحوال. آن الأوان ونحن في عصورنا هذه، أن ننتبه لها وأن نقف معها متحررين من عقد الماضي وإشكالاته، ناظرين إليها كجزء من تراثنا الإسلامي العام الذي لا بد لنا من أن نلوذ به، وأن نستخرج من إيجابياته ما يساعدنا على مواجهة تلك التيارات العاصفة، التي تهبّ علينا من كل صوب كي نحافظ على ملامح خصوصيتنا من أن تقتلعها تلك العواصف المدمرة.

ففي تراثنا الكثير من الجوانب المضيئة التي يمكن الاستقاء منها وتطويعها لتتلاءم مع ظروف العصر وأحواله. وباحثنا في دراسته العلمية الدقيقة المتشربة روح التراث والمعدة وفق أحدث نظريات البحث العلمي، يرى أن مثل هذه التجارب الرائدة في تاريخنا، يجب إظهارها وتسليط الأضواء عليها والاستفادة منها في أحوالنا المعاصرة اليوم، ليس بالتطبيق الحرفي لها واستدعاء الماضي ليتسيَّد حياتنا، فذلك من الأمور المستحيلة وغير الممكنة لأن لكل زمان ظروفه، وإنما باستخلاص ما فيها من خصائص وإيجابيات يمكن الأخذ في عمومها وتطوير فلسفتها ومنهجها بما يتلاءم وأحوالنا وظروفنا اليوم، نتأمل خطوطها ومفاهيمها العامة ونستوحي من مقاصدها ما قد يفيد في أمور حياتنا، ويساعد على سعينا لإيجاد صيغة مناسبة نستطيع بها دخول العصر والتفاعل معه دون الانفلات من هويتنا، نفيد العالم بما لدينا من هذا الموروث المتراكم وهذه التجارب التي تبلورت وتشكلت عبر قرون كثيرة نظرياً وتطبيقياً، ونستفيد مما لديه مما جاءت به المدنيَّة الحديثة والحضارة المعاصرة من قيم وأفكار.
صفحة 2
الدكتور غباش الذي نال الدكتوراه على بحثه القيّم هذا من إحدى أهم جامعات فرنسا، كان دقيقاً ومتعمّقاً تدفعه روح البحث العلمي الجاد بعيداً عن كل أمور التعصب والهوى.

كان يفحص ويدقق ويقارن ويوازن ويقيم دراساته على أسس علمية بحتة، يستخرج المعلومات من مختلف المصادر ويلح في استكمال عناصرها واستبيان أسبابها وتحليل نتائجها.

ومن ثم استقبال العالم الإسلامي في شتى دياره وأقطاره لهذا البحث الأكاديمي النزيه المستقصي استقبالاً فاق التوقع فقد طبعت (دار الجديد) البيروتية ـ هي الناشر الأول للكتاب في اللغة العربية مترجماً عن الفرنسية ـ طبعت منه عدة طبعات نفدت كلها في سنة واحدة، مما اضطر المؤلف إلى إعادة طبع الكتاب في طبعة أخرى أوسع وأشمل في (دار الفارابي) البيروتية العريقة، وقليلة هي الكتب التي تنال مثل هذا الإقبال الواسع من القارىء العربي فيعاد طبعها مرات عديدة، وما ذاك إلا بسبب الدقة البحثية والأمانة العلمية والأسلوب الشيق الجميل؛ كتاب نعم يتناول عُمان وخصوصية تجربتها ولكنه لا يراها تجـربة عُمانية تخص العمانيين وحدهم، بل يراها تجربة عربية عامة تهم كل عربي، بل كل مسلم لما فيها من أصالة ومن إضافات مهمة لا غنى للتجربة العربية عنها، وهي تنهض لتشكيل فلسفتها الخاصة بها بين فلسفات العالم المعاصرة. إنه لا يدعو إلى الالتصاق بالتجربة والتماهي فيها، ولكنه يدعو إلى تأملها والاستفادة مما بها من القيم بما يتفق مع ظروف العصر ومناخاته.

«عمان.. الديمقراطية الإسلامية» عرض للتاريخ العماني ولتجـارب العمانيين منذ العصور الإسلامية الأولى، بل حتى ما قبل الإسلام بأسلوب عصري جذاب.

طريقة الإمامة عند الإباضية ونوعيتها وأنظمتها الصارمة في الانتخاب والديمقراطية والحرية العامة. النظرية والتطبيق على مدى العصور المختلفة. ثم تناول بعد ذلك أدوار التاريخ العماني. ودوله دولة بعد دولة منذ أن انفصلت عمان بذاتها عن الدولة الإسلامية الكبرى في دمشق الأموية أو في بغداد العباسية بعد ذلك، واستقلت بكيانها الخاص ابتداء من الجلندي بن مسعود ثم أئمة اليحمد، ثم اليعاربة، ثم آل بو سعيد، يقص خبر التاريخ وأحداثه ولكنه لا يكتفي بالسرد فهو يستخرج الخلاصة وينبِّه للعبرة ويستجلي مرامي الحقيقة، يتأمل ما صنعته عمان من تجربة لأنماط الحكم فيها ويستقرئ الأحداث التي مرت بها، والصراعات الكبيرة التي خاضتها بين بنيها أنفسهم في بعض الحالات التي تضعف فيها الدولة المركزية أو تسقط، وبينها وبين غزاتها الذين جاؤوها من خارجها، طامعين فيها أو قاصدين تدمير دولتها، وتحطيم نموذجها الذي اخترعته وطبقته وارتضته لنفسها وسارت بموجبه، تتكيف معه تسقط منه وتضيف إليه وفق الظروف والأحوال التي تمر بها. وتوقف الباحث ملياً عند الصراع الضخم الكبير الذي خاضته عُمان مع القوى الاستعمارية الأوروبية الحديثة ابتداء من البرتغاليين، الذين وإن لم يتيسر لهم الامتداد إلى الداخل حيث الجبال والمعوقات وصلابة الإنسان الذي أعانته الطبيعة، إلا أنهم استطاعوا الهيمنة على الشواطىء بعد المقاومة البطولية والصعبة التي واجههم بها السكان، والتي سجلوا هم بأنفسهم أخبارها في كتاباتهم.

صراع استمر أكثر من قرن كانت عمان الظافرة فيه في النهاية.

وبعد البرتغال، جاء التنافس بين البريطانيين والفرنسيين للإمساك بهذا البلد الصغير في رقعته وسكانه وإمكانياته والكبير في صبره وصموده وصلابة أبنائه...

حقائق نقّب عنها باحثنا واستقصاها من محفوظات القوم وأرشيفاتهم وأوراقهم المخفية وتقاريرهم ومحاضرهم ومخاطباتهم السرية، وقدمها لنا ملخصة مرتبة سهلة التناول. كل نبأ منها منسوب إلى مصدره المحدد المعلوم.

كتاب «عمان.. الديمقراطية الإسلامية» من الكتب القليلة التي تستحق أن توصف بأنها عظيمة ويجدر بكل عُماني بل بكل عربي أن يقرأه وأن يقتنيه تحفة قلما يجود الزمن بمثلها.

للدكتور غباش نقول شكراً على هذا الجهد الجليل الرائع، ولك منا تحيات الإعزاز والإكبار.
صفحة 3
رسالة سماحة المفتي للكاتب

الشيخ أحمد بن حمد الخليلي (2)

إلى الدكتور حسين غباش حفظه الله

تحية طيبة وبعد،

(...)

لقد استوعبتم التاريخ العُماني بحركته الداخلية ومؤثّراته الخارجية، على أنه لم يكن استيعاباً جامداً، بل استيعاباً يدفعه حراك الدين وحراك العلم وحراك الوطنية، ومتى ما التقت هذه الأنواع من الحراك دفعت بالمادة العلمية إلى أن تبني ما هدمته الأيام، وتصحح ما أساءت فيه الأوهام، وتذكر بعد الغفلة وتوقظ بعد الرقدة.

إن كتابكم هذا يكتسب أهميته من عدة جوانب: من جهة موضوعه وأسلوب طرحه وصراحة لهجته، فقد عالج موضوعاً جديداً لم يتطرق إليه من قبل إلا بصورة مبتسرة وغير مرتبة ومن زوايا متباينة تماماً مع هذا الطرح، ثم إن طرحه جاء عالمياً بأسلوب أكاديمي علمي، ورغم بعده عن لغة الصحافة، إلا أنه جاء مع ذلك سهلاً وميسّراً قريب المنال داني القطوف. أضف إلى هذا، فإن اللهجة الصادقة التي اتصف بها الكتاب ستعمل عملها في تغيير المفاهيم الخاطئة التي روّجها من لا يعي الأمور. إن الأوهام تطير هباء منثوراً أمام الحقائق الملموسة، والخيالات السقيمة تتبدّد في ميزان الأفكار الصحيحة، والأشباح الهائمة في ظلمات الجهل تبدّدها سواطع المعرفة، وكتابكم هو الحقيقة والميزان وسواطع المعرفة التي ستعمل على تبديد تلك الأوهام والخيالات والأشباح.

«عمان الديمقراطية الإسلامية» يقدم نظرية إسلامية لديمقراطية لا يعرفها الغرب، نظرية لم يكن الإباضية فيها عالة على أحد إلا الكتاب العزيز والسنة المطهرة، نظرية أثبتت الألف والمائتا سنة صدقها ونجاحها وثباتها وإيمان أصحابها، شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين في زمن العدل.

هذه النظرية جاء كلامكم الواعي ليعرضها على الغرب باللغة التي يفهمها، بل على العالم بما يأسر عقل الظامىء إلى زلال المعرفة.

ما قلت ليس إطراءً لكتابكم بل حقيقة الإقرار بما شمله من جواهر المعرفة ومكنونات التأريخ وكرائم الأفعال الإسلامية، أفعال رجال يؤمنون باللَّه تعالى ويفعلون ما يقولون.

واسمحوا لي في هذا المقام، أن أشير إلى أمرين بودنا أن يتم تلافيهما في طبعة قادمة حتى لا تكون هناك ثغرة لطعن المسيء في المؤرخ والمؤرخ له، وأنتم تعلمون أن مع جودة الصناعة يزداد الحُسّاد ولكن تخرس الألسن بما يبهر من الحقائق.

والأمران هما:

1) قلتم في ص 81 من كتابكم القيم: (تتغذى خزينة الإمامة من ثلاثة مصادر رئيسية للدخل:

المصدر الأول هو الرسوم على صادرات المنتجات العمانية كالتمور والفواكه والأسماك والماشية وكذلك الرسوم التجارية على الواردات من الهند وأفريقيا وبلاد فارس).

والصحيح أن أصحابنا في زمن الإمامة العادلة لا يأخذون رسوماً على الصادرات والواردات مهما كانت إلا ما ألمحتم إليه في المصدر الثالث. وإنما يأخذون أجرة المكان الذي تملكه الدولة وتنزل فيه البضائع عند تصديرها وتوريدها فقط، وقد ناقش هذه المسألة العلامة سعيد بن خلفان الخليلي في كتابه «تمهيد قواعد الايمان».

2) قلتم في ص 82: «وأخيراً، هناك الغنيمة التي يأتي بها الإمام من الحروب الأهلية الداخلية، ولا سيما من الحروب ضد القبائل، والإمام هو المسؤول الوحيد عن هذه الأموال».

والحق أن أئمتنا لا يستحلّون أموال أهل القبلة لا الموافق ولا المخالف ولم يُرو قطّ أنهم أخذوا شيئاً ولا درهماً واحداً من أموال المسلمين لا في الحروب ولا في غيرها.

وقد يكون هناك التباس بين هذا الموضوع وبين تغريق أموال الجبابرة في بيت مال المسلمين. ويقصد بتغريق أموال الجبابرة، هو أن الإمام يضع يده على أموال الجبابرة التي أخذوها من الناس بغير وجه حق، فلا يعرف أربابها، فيدخلها الإمام بعد حكم أهل الحل والعقد في بيت مال المسلمين، وعندما يأتي أحد الناس ببينة أن هذا الشيء له وقد ظلمه إياه الوالي أو الحاكم الجبار يعطى إياه من بيت المال.

وآخر تغريق لأموال الظلمة كان في زمن الإمام سالم بن راشد الخروصي، انظر في ذلك «نهضة الأعيان بحرية أهل عمان« للعلّامة أبي بشير محمد بن عبداللَّه السالمي، هذا وأسأل اللَّه تعالى أن يوفقكم إلى كل خير، وأن نرى من أعمالكم العظيمة المزيد الذي ينفع الأمة الإسلامية، ويرجعها إلى أصالتها وعرقها وتأريخها النير.

وتقبلوا مني خالص الشكر وصادق المودة،

والله الموفق لما يحبه ويرضاه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صفحة 4
عُمان، الديمقراطية الإسلاميةكما يقرأها حسين غباش

بقلم المطران جورج خضر (3)

قبل مطالعتي هذا الكتاب، كنت مشغوفاً بعُمان بسبب من زيارتي اليتيمة لهذا البلد الجذاب. وقوي أملي بمصير السلطنة لما عرفت الإيديولوجية الدينيّة والسياسيّة التي تحكمها منذ ألف سنة.

وانبهرت بما كتب الدكتور حسين غباش على المستوى الأكاديمي الفائق السمو. كنت قد تربيت في دراستي وعيشي الطويل في باريس، على أن الديمقراطية نتاج غربي لا مثيل له في ما قدّمه الشرق من فكر سياسي، حتى أقنعني الكاتب بوجود ديمقراطية عُمانية راسية على قواعد واضحة، متماسكة، المبدأ فيها هو شورى ترمي إلى توحيد الأمة. روح هذه الديمقراطية ومداها نظام الإمامة القائم على الانتخاب الحرّ للإمام. والطريقة هي البيعة أي التعاقد الرسمي المكتوب بين الإمام والأمة.

وكان قد قيل لنا وكتب في هذا المستشرقون والعرب، أن المسلمين في كل أرجاء الأرض ينقسمون سنّة وشيعة حتى أثبت المؤلف أن هناك الإباضية المؤسسة على مجلس عام ومجالس محليّة، أي إنك لست مع مبايعة الراشدين الرمزية أو ملكيّة أمية، ولست مع التحدّر من أهل البيت. أجل، أنت في نظام يستند إلى المؤسسة القبليّة ينشأ من الحريّة الفرديّة حتى ننتقل منذ منتصف القرن الثامن عشر من نظام الإمامة إلى نظام السلطنة.

هنا يتبيّن لك أن الجامع بين الديمقراطيتين الحرية الفردية والأساس الأمة فيهما معاً بحيث لا تلمس هوّة رهيبة بين ديمقراطية الغرب والمنحى الإباضي في الحكم.

الأمر الثاني الذي لفتني أن منصب الإمام ولو قام بخاصة على العلم، ليس إلهياً بل هو زمني، وفي هذا يختلف عن الحكم الثيوقراطي الذي كان يميّز النظام الفرنسي مثلاً قبل الثورة ويميّز النظام الروسي قبل بطرس الأكبر.

ما لفتني أيضاً سكونيّة النظام الإمامي القائل بعدم الثورة على الحكام إذا كانت عدالتهم معقولة مقبولة. وهذا هو إياه موقف القديس توما الأكويني الذي كان يوصي بطاعة الملوك، ولكنه أباح قتلهم إذا انحرفوا بصورة صارخة ولم يبقَ حكمهم يطاق. من هذه الناحية أيضاً، ترى القربى بين الإباضية واللاهوت الكاثوليكي في القرون الوسطى.

ولكن ما يلفت بنوع أخص، أن موقف الإباضية متسامح تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى وبشكل خاص مع أهل السنّة. لا يقول لنا الدكتور غباش شيئاً عن أساس التسامح مع أن التكفير شائع في البيئة الإسلامية وذلك منذ عهد الخوارج. لست أذكر في الكتاب كيف تقلّص مذهب الخوارج أو توارى عن التاريخ أو كاد وبرزت منه الإباضية.

ما اللصوق وما التباين بين الخوارج والإباضيين؟ ويشفع في الدكتور حسين غباش أن هاجسه في هذا المصنّف لم يكن التبحّر في علم الكلام وقراءة تاريخ الفكر الديني، بل كان هاجسه الربط بين الإباضيّة والزمان العُماني منذ نشأته حتى اليوم.

في الإسلام قراءة سياسيّة لنفسه وللعالم أو فيه إطلالة على الدنيا إن لم يكن هو الدنيا أيضاً. من هنا إن الحكم فيه زمني. ويبقى أن الحاكم الأول أو الأعظم فيه هو الله. ما يعني إذًا أن الحكم فيه غير ثيوقراطي؟

من حيث المبدأ الحكم حكم الشريعة، ولو كان الحاكمون هم أنفسهم زمنيين. بمعنى دقيق، الإسلام ليس مؤسسة ولكنه كلام الله. والمدافعون عن الإسلام منذ محمد عبده يلحّون على أن الأمة الإسلاميّة ليس فيها كهنوت يجعل الحكم فيها إلهياً. وهنا لا بدّ لنا أن نقول إن الديمقراطيّة الغربيّة في فرنسا بخاصة، قامت ضدّ المؤسسة الكاثوليكيّة من حيث هي حاملة الكهنوت. والنظام الملكي المسيحي في أوروبا الغربيّة لا علاقة لرجال الدين فيه بالنظام.

من هذه الزاوية، كل الدول خارج دار الإسلام كان يسوسها مدنيون. هذا لأقول إن الأنظمة في الشعوب المسيحيّة قبل الديمقراطية وعند ظهورها، كانت مدنية أو زمنيّة. الثيوقراطية في قراءتي خارج دار الإسلام قشرة وأنت تسوس الزمن بوسائل الزمن.