eKtab
EN ع
أرض الميعاد في الفكر الإسرائيلي المعاصر
اقرأ عينة مجانية

أرض الميعاد في الفكر الإسرائيلي المعاصر

بقلم د. عبير سهام مهدي

صفحة 1

المقدمة

كثيرة هي البحوث والدراسات التي عالجت تاريخ اليهود ، وبحثت في الصهيونية، وطبيعتها ، ومشاريعها ، وارتباطاتها الخارجية ، بيد أنها إغفلت السجل العقائدي الإيديولوجي الإسرائيلي ، والذي تمثل فكرة (أرض الميعاد) ، وفكرة (الشعب المختار) ، وفكرة (المسيح المنتظر) المحور الذي تدور حوله الأفكار والممارسات السياسية الأخرى .
فضلا عن ذلك لم تولِ الكثير من هذه الدراسات الأهمية الكافية للدور الذي أدته ومازالت تؤديه فكرة (أرض الميعاد) في الحياة السياسية سواء قبل قيام (الكيان الإسرائيلي) أم بعده .
إذ شكلت فكرة (أرض الميعاد) العمود الفقري في المشروع الصهيوني الذي جاء أساسا ليقيم (الدولة اليهودية) على ما يعرف بـ (أرض إسرائيل) ، فقد تم إحياء هذه الفكرة وإخراجها من حيز الحلم الديني إلى حيز الوجود والواقع بعد أن وظفت سياسيا من قبل الحركة الصهيونية التي عدّت كافة اليهود (شعبا واحدا) على الرغم من اختلاف انتماءاتهم وجنسياتهم ، فرأت في فلسطين المكان الملائم لجمعهم فيها كدولة خاصة بهم إذكاءا للروابط الدينية والتاريخية والتي تتجسد في العوده إلى (أرض الميعاد) .
وهكذا نشأت (الدولة اليهودية) مستندة إلى (شرعية) دينية مزعومة بعد إن كانت شبه عاجزة عن تسويغ برنامجها السياسي الداعي إلى تكوين هذه الدولة على غرار مثيلاتها من الدول القومية التي ارتدت وشاح العلمانية والقومية والدعوة إلى انصهار التوجهات الدينية ، والعرقية ، والعنصرية في البوتقة القومية .
ومن هنا تنبع أهمية الدراسة التي بين أيدينا والتي تحاول الكشف عن ماهية فكرة (أرض الميعاد) وتطورها ، فضلا عن تسليط الضوء على الدور الذي مارسته في إنشاء (الكيان السياسي) وتقصي الأثر الذي تركته هذه الفكرة بعد قيام (الدولة الإسرائيلية) .
والحقيقية إن هذه الدراسة تتميز عن غيرها من الدراسات السابقة لها بتركيزها على هذه الفكرة دون غيرها من نسيج المعتقدات والأفكار اليهودية الأخرى وبيان جوانبها وأثارها السياسية وتبعاتها .
إذ انقسمت الدراسات السابقة التي عالجت هذا الموضوع إلى نوعين أساسيين هما:
1- الدراسات غير المباشرة: وهي الجهود العلمية التي تناولت الموضوع بصورة ضمنية ، ومن ابرز هذه الدراسات الدراسة التي قدمها (كولن تشابمن)_أستاذ الدراسات الإسلامية في كلية اللاهوت للشرق الأدنى في بيروت_ حملت عنوان (أرض الميعاد لمن؟) ، والتي ركزت على الأهمية الدينية التي تتمتع بها (فلسطين) في الديانات السماوية الثلاث (اليهودية ، المسيحية ،الإسلامية) وما يؤخذ على هذا المصدر تركيزه على دراسة الجانب اللاهوتي الصرف دون الجانب السياسي ، وهذا ما حفز الباحثة للبحث في هذا الموضوع ومحاولة توسيعه من الناحيتين الفكرية والسياسية .
وكذلك الدراسة التي قدمها (موسى مطلق إبراهيم) ، والتي حملت عنوان (وعد التوراة من إبرام إلى هرتزل) ، والتي ركزت على فكرة (الوعد الإلهي) في التوراة من حيث تعدده لأكثر من موعود ، واختلاف جغرافيته من وعد لآخر ، وما يؤخذ على هذا المصدر : انه أعطى مساحة واسعة للجانب النظري بيد انه اغفل اثر هذه الفكرة في السياسة الإسرائيلية .
وأخيرا الدراسة التي قدمتها المفكرة العربية (أبكار السقاف) ، والمعنونة بـ (إسرائيل وعقيدة الأرض الموعودة) ، والتي حاولت البحث عن منبت هذه الفكرة ،وتكونها ، وأسباب نموها وذلك من الزاوية اليهودية المحضة . من خلال نقد الإسفار التي استندت عليها الصهيونية كسجل شرعي يمنحها (فلسطين) ملكا ، وما يؤخذ على هذه الدراسة إغفالها للمراجعات الفكرية أو الفقهية التي طرأت على الفكرة بعد قيام (الدولة الإسرائيلية) في العام (1948) ومدى تأثيرها على حركة المجتمع (الإسرائيلي) وتياراته الفكرية المختلفة ، إضافة إلى موقف الأحزاب والقوى الأصولية اليهودية والصهيونية من الفكرة .
2- الدراسات المباشرة: وهي الدراسات التي كرست لهذه الفكرة ولعل أبرزها الدراسة التي قدمها الكاتب اليهودي (موشيه برافر) والتي حملت عنوان (حدود أرض الميعاد) ، والتي ركزت على احتساب (دولة إسرائيل) حقيقة مسلمة ، وغير قابلة للنقاش ، فهي قائمة منذ ما قبل الميلاد ، ومازالت إذ مرت بمراحل مختلفة إلى إن وصلت إلى ما هي عليه اَلان ، وان (أرض إسرائيل) التي أقيم على جزء منها هذه (الدولة) في بعض المراحل هي الأخرى أرض منزلة لليهود منذ القدم ، وتم (التطاول) عليها في بعض مراحل التاريخ من قبل (الغزاة) .
صفحة 2
كما ركزت هذه الدراسة على الجانب النظري المتعلق بالحدود من حيث ماهيتها، أنواعها ،و تاريخها ، فضلا عن المشكلات الناجمة عن تخطيط الحدود وترسيمها . وما يؤخذ على هذا المصدر تركيزه على الجانب الجغرافي والسياسي مغفلا الجانب الديني .
ولذا ارتأت الباحثة تقديم تصور واضح لهذه الظاهرة وبشكل موسع إلى حد ما مع الاستفادة من الجهد العلمي السابق على هذه الدراسة .
صعوبات الدراسة:
إكتنفت الدراسة في موضوعها (أرض الميعاد في الفكر الإسرائيلي المعاصر) جملة من الصعوبات ، لعل أهمها ما يلي :
1- قلة المصادر التي تناولت فكرة (أرض الميعاد) كفكرة بحد ذاتها ، إذ أنّها كانت دائما تدمج ضمن نسيج المعتقدات والأفكار اليهودية الأخرى - كفكرة (الشعب المختار) ، وفكرة (المسيح المنتظر) ، وان توفرت المصادر فهي تعالج خطوط عريضة دون التشعب في تفاصيلها.
2- ان هذه الدراسه تدخل ضمن حقول العلوم الإنسانية ، وفي مثل هذه العلوم يلقى الباحث غالبا صعوبة كبيرة في التحرر من عواطفه وانفعالاته وقد حاولت الباحثة الابتعاد قدر المستطاع عن إي تحيز أو انفعال .
3-عدم إلمام الباحثة باللغة العبرية ، الأمر الذي منعنا من الرجوع إلى المصادر العبرية . وقد تم تجاوز جزء من هذه الصعوبة بالاعتماد على المصادر المترجمة عن العبرية إلى اللغات العربية أو الانكليزية .
فرضية الدراسة:
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها : إن فكرة أرض الميعاد تعد من أهم المرتكزات الفكرية التي استند عليها الفكر الإسرئيلي المعاصر، و لذلك تسعى هذه الدراسة للإجابة عن جملة تساؤلات منبثقة من هذا الافتراض العلمي لعل اهمها ما يأتي:
ماالذي تعنيه فكرة أرض الميعاد ؟ وماهي حدود هذه الارض ؟ وما هي بواعث الاعقاد بهذه الفكرة في الديانات السماوية الثلاث (اليهودية ، المسيحية ، الاسلامية) ؟ وهل حصلت مراجعات عصرية فكرية او فقهية لهذه الفكرة ؟ وهل أثرت هذه الفكرة في إقامة الدولة الإسرائيلية وفي توسعها ؟ وما مدى تاثيرها على الحياة السياسية في إسرائيل ؟
منهجية الدراسة:
وللأجابة الموضوعية عن هذه التساؤلات ، فإنّ موضوع الدراسة تمت معالجته وفق اسلوب التكامل المنهجي الذي يسمح باستخدام اكثر من منهج للوصول الى الحقيقة التي نبحث عنها ، والتي تصبح اكثر صلاحية تبعا لطبيعة الموضوع موضوع الاستكشاف ، كالمنهج التاريخي ، والتحليلي ، والمقارن وغيرها ، وحيثما دعت الضرورة لاستخدام وسائل التحليل لهذا المنهج او ذاك ، باحتساب ان فكرة (أرض الميعاد) هي فكرة دينية ، واجتماعية ، وسياسية لاينبغي للباحث فيها الاقتصار على أداة تحليل واحدة دون الاخرى .
هيكلية الدراسة :
ولكي تكون الاجابة منظمة ، فقد تمت تجزئة هيكلية الدراسة الى اربعة فصول، فضلا عن المقدمة والخاتمة .
إذ خصص الفصل الاول لدراسة ماهية فكرة أرض الميعاد في المصادر القدسية اليهودية ، وذلك في مبحثين : تناول المبحث الاول منها : الوعد الإلهي في المصادر القدسية اليهودية وهي العهد القديم والتلمود ، ثم خصص المبحث الآخر لتناول موضوع (حدود أرض الميعاد) عبر المصادر القدسية اليهودية .
ولأغراض المقارنة تحدث الفصل الثاني عن (أرض الميعاد) في المسيحية ، والإسلام وذلك في مبحثين : تناول الاول / (أرض الميعاد) في الديانة المسيحية ، وناقش المبحث الثاني (أرض الميعاد) في الديانة الإسلامية .
اما الفصل الثالث/ فقد تناول اثر فكرة (أرض الميعاد) في نشوء (إسرائيل) وذلك عبر ثلاثة مباحث ، تناول الاول فكرة أرض الميعاد ومحاربة الاندماج ، إذ عدّ هذا الاندماج الخطر الداهم الذي يهدد الوجود اليهودي ، وناقش المبحث الثاني/ فكرة (أرض الميعاد) والتشجيع على الهجرة عبر ترويج فكرة ان( الشعب المختار) لابد ان يعود الى أرضه التي منحها الله له . اما المبحث الثالث/ فقد تناول فكرة (أرض الميعاد)، وتوفير الاقليم الذي تقام عليه الدولة اليهودية .
في حين تناول الفصل الرابع والاخير/ تطور فكرة (أرض الميعاد) في أعقاب نشوء (إسرائيل) عَِبَر ثلاثة مباحث ، تناول الاول/ تطور فكرة (أرض الميعاد) للمدة (1948-1967) ، وناقش الثاني/ تطور فكرة (أرض الميعاد) للمدة (1967-1979) ، اما المبحث الثالث/ فإنصرف الى دراسة تطور فكرة (أرض الميعاد) للمدة (1979-2009).
صفحة 3

الفصل الأول

أرض الميعاد في المصادر القدسية اليهودية

المقدمة

يرتكز الفكر اليهودي على مجموعة من المنطلقات (أوالعقائد حسب الإدراك اليهودي) المستمدة من المصادر القدسية للديانة اليهودية ، ولعل من بينها فكرة (أرض الميعاد)، الأرض التي أعطاها الله تعالى لليهود (بوعد) كان بينه وبين (إبراهيم) (عليه السلام ) ، على حد زعمهم .
وللوقوف على مفهوم (الوعد) لابد من تقصي هذا المفهوم في المصادر القدسية اليهودية ، كما أن من الضروري معرفة أسباب (الوعد) ،ودواعيه،وكيف تحول من منحه إلهيه أوضحتها نصوص العهد القديم الى حق مطلق للشعب اليهودي في غالبية مدونات التلمود؟ ثم إنحرف هذا المفهوم ليتخذ صورا متعددة وشائكه في المدونات القبالية ،لننتقل بعد ذلك الى معرفة حدود الارض التي يشملها هذا (الوعد) .
إن معالجة هذا الموضوع إقتضت تقسيم هذا الفصل الى مبحثين اساسيين هما:
المبحث الاول : (الوعد الالهي) في المصادر القدسية اليهودية .
المبحث الثاني : حدود (أرض الميعاد) في المصادر القدسية اليهودية

المبحث الاول :الوعد الإلهي في المصادر القدسية اليهودية

يتوزع هذا المبحث على ثلاثة مطالب أساسية هي :
اولا : الوعد الإلهي في العهد القديم .
ثانيا : الوعد الإلهي في التلمود .
ثالثا : الوعد الإلهي في المدونات القبالية .
 
صفحة 4

اولا : الوعد الإلهي في العهد القديم :

تتحدث مرويات العهد القديم عن سلسلة من الوعود والعهود التي قطعها الله على نفسه، فكان الوعد الاول مع النبي (نوح) (عليه السلام)،ونسله بعد ان أغرق الله الأرض، ومن عليها ، ولم يبق ألاّ (نوح) ، وأبناؤه ، وزوجته ،وزوجات بنيه :
((وكلم الله نوحا وبنيه قائلا : ها انا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم ، اقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد بمياه الطوفان ،....، وقال الله : هذه علامة الميثاق بيني وبين الأرض ، فمتى كان القوس في السحاب ، أبصرها لأذكر ميثاقا ابديا بين الله وبين كل نفس حيه في كل جسد على الأرض ))(1) . ثم يات الوعد الثاني (لإبراهيم) (عليه السلام ) ، ونسله بإعطائه أرض فلسطين وما حولها وهو موضوع دراستنا.
فـ(أرض الميعاد) أو (الارض الموعودة) أو (أرض إسرائيل) أو (أرض المعاد) أسماء مختلفة لمعنى واحد وهي (أرض فلسطين)
و(ارض الميعاد) هي إحدى المرتكزات الأساسية للفكر اليهودي ، ومؤدى هذه الفكرة ينصرف الى القول : ( إن الله سبحانه وتعالى قد وعد إبراهيم ونسله بملكية فلسطين ، وما حولها ملكية أبدية ) .
وباستعراض النصوص المذكورة في العهد القديم ، نرى أن (الوعد) قد تكرر في
كل سفر من اسفاره رغم الاختلاف في الصياغات اللغوية إلاّ أنّ مضمون (الوعد) بقي واحدا تسانده فكرة (الشعب المختار) ، وذلك للتلازم الوثيق بينهما ، وهذا ما أشار إليه (فيربلوفسكي) ـ احد منظري الحركة الصهيونية ـ بقوله : (اذا كان هناك شعب مختار ، فثمة أيضا أرض مختارة أو أرض معاد).
مستندا في ذلك الى العهد الذي قطعه الرب للشعب اليهودي حين جعله (الشعب المختار) ، ووعده بملكية أرض كنعان ملكية أبدية .
ويبدو أن منطوق (الوعد) في إسفار التوراة قد تطور تطورا واضحا في تضخيم مفهوم (الوعد) ماديا ومعنويا .
ففي البدء (( قال الرب لأبرام انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك الى الأرض التي اريك ،فأجعلك أمة عظيمة ، وأباركك ، واعظم اسمك ، وتكون بركه ، وابارك مباركيك ، والعن لا عنيك ، وتتبارك فيك جميع أمم الارض )) ، ثم (( تجلى الرب لإبرام ، وقال لنسلكأعطيهذه الأرض )) ، ثم (( قال الرب لإبرام بعدما فارقه لوط إرفع طرفك وانظر من الموضع الذي انت فيه شمالا، وجنوبا، وشرقا، وغربا ، ان جميع الأرض التي تراها لك أعطيها ولنسلك الى الابد )) ، ثم (( بت الرب مع ابرام عهدا قائلا : لنسلك أعطي هذه الأرض من نهرمصر الى النهر الكبير نهر الفرات )) ،ثم نقلت التوراة (الوعد) من (إبراهيم) الى ابنه (إسحق) (عليهما السلام) (( تقرب في هذه الأرض ، فأكون معك ، وأباركك لأني لك ، ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد ، وأفي بالقسم الذي اقسمت لابراهيم ابيك ، واكثر نسلك كنجومالسماءواعطي نسلك جميع هذه البلاد ، وتتبارك في نسلك جميع أمم الارض) ومن (اسحق) انتقل (الوعد) الى ابنه (يعقوب)(عليهما السلام)، ((والارض التي جعلتها لإبراهيم واسحق لك أجعلها ،ولنسلك من بعدك اجعل الارض).
وهكذا يستمر (الوعد) (لبني إسرائيل) حتى مجيء (موسى) (عليه السلام) لينتقل (الوعد) له في محاولة لربط كلا التاريخيين (بني إسرائيل، وقوم موسى) اذ نصت التوراة، (( وقال الرب لموسى اقمت معهم عهدي ان أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي تغربوا فيها))، ثم كلم الرب موسى قائلا (( مر بني إسرائيل وقل لهم انكم داخلون أرض كنعان ، وهذه هي الأرض التي تقع لكم ميراث أرض كنعان بتخومها)) ، ثم كلم الرب (بني إسرائيل) قائلا : (( كل موضع تطأه اخامص إقدامكم يكون لكم )) .
صفحة 5
ومن الصياغات المختلفة (لنصوص الوعد) يلاحظ ما يلي :
1. تدل النصوص المذكورة في (سفر التكوين) الى العهد الذي اعطاه الرب (لإبراهيم) على ان هدية الارض كانت واحدة من أربعة وعود مهمة ، وعليه ، فأن فهمنا للأرض الموعودة يجب أن يأخذ في الاعتبار الوعود الثلاثة الأخرى والتي تتعلق :
أ‌- بالأمة : (( فأجعل منك أمة كبيرة )) .
ب - بمباركة جميع البشر : (( وأبارك مباركيك ، والعن لاعنيك ، وتتبارك فيك جميع امم الارض) .
جـ - بالأرض : (( واهبك أنت وذريتك من بعدك جميع أرض كنعان التي نزلت فيها غربيا ملكا أبديا )) .
د – بالعهد : (( وأقيم عهدي الأبدي بيني ، وبينك ، وبين نسلك من بعدك جيلا بعد جيل ، فأكون لك الها ، ولنسلك من بعدك )).
وتجدر الاشارة هنا الى أن (الوعد) بالارض الذي أعطي (لابراهيم) (عليه السلام) لم يكن جزءا من الوعود الاولى ، لكنه برز لاحقا كواحد منها ، ولذا فإن (الوعد) بأمة تكون شعب الرب له الاولولية على (الوعد) بالأرض ، فالوعد بالأرض في إسفار التوراة هو جزء منغرض إلهي أوسع يشمل الناس أجمعين ، ويأتي بالبركة لجميع الجنس البشري ، ولجميع الناس في مختلف بقاع العالم ، وفي قصة (إبراهيم) (عليه السلام) يعد هذا الغرض الشامل شيئا أساسيا .
2. ان النصوص المتعددة التي تضمنتها (التوراة) لمفهوم (الوعد) توضح مدى التطور الذي طرأ على هذا المفهوم ، إذ يبدو في النصوص الاولى وعدا بسيطا لا تحديدا فيه لشيء من المعالم ، والحدود الجغرافية الى ان تم تحديد (أرض الميعاد) (من الفرات الى النيل) في الوعد الأخير(لإبراهيم) (عليه السلام).
3. على الرغم من أن (الوعد) الإلهي بأرض كنعان قد أعطي (لإبراهيم) (عليه السلام) ، وذريته من بعده، إلا ان النصوص التوراتية أجرت اقصاءات ،واستثناءات عدة داخل ذرية (إبراهيم) (عليه السلام) ، إذ جرى في البداية إقصاء ،وإستبعاد (إسماعيل)(عليه السلام) ، وذريته منهذا (الوعد) بحجة أنه (ابن جارية) مع أن (الوعد) جاء قبل ولادة (إسحق) (عليه السلام) ، ونص على أن يكون للابن البكر ((ابن الجارية ايضا سأجعله أمه ، لأنه من نسلك)). كما ذهب (التلمود) الى القول : (( حتى إذا كانت أرض كنعان هي ملك مشترك بين إسحقوإسماعيل فإنل العبد ملك صاحبه ، وحتى لو أعطيت الأرض مناصفة بين إسحق وإسماعيل فإنها ملك للسيد المنحدر من نسل ابراهيم ، وليس للعبد)) ، فضلا عن ذلك ، فإن علامة العهد التي أعطاها الله (لابراهيم) (عليه السلام) ، هي (الختان) ، (( وكل من لا يختتن يخرجمنعهد الله ))، فكان أول من تم ختانه (إسماعيل) (عليه السلام) لأن(إسحق) لم يولد بعد في ذلك الوقت ، ثم تم بعد ذلك اقصاء (عيسو) وتفضيل أخيه (يعقوب) بحيله من أمه (رفقه) زوجة (إسحق) ،إذ تروي التوراة : إن (رفقه) تآمرت مع ولدها (يعقوب) وألبسته ثياب أخيه (عيسو) ، وقدمته لأبيه الضرير (اسحق) على انه (عيسو) ليباركه ، وبعد أن تمت المباركة علم الأب بالخدعة ، ولكن بعد فوات الآوان .
أما (عيسو)، فصرخ وبكى بمرارة عندما علم بالامر ، وبعد ان نال (يعقوب) مباركة أبيه ، واصبح وريثه الشرعي تصل مرويات التوراة الى ذروتها،وقصة صراع (يعقوب) مع الله هي دليل على ذلك، إذ تصارع (يعقوب) مع (الله) كما يتصارع البشر ، (( وبقى يعقوب وحده ، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه ، فانخلع حق فخذه يعقوب في مصارعته معه ، وقال : أطلقني لأنه قد طلع الفجر ، فقال : لا أطلقك أن لم تباركني ، فقال له : ما اسمك ؟ فقال : يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب ، بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله ، والناس ، وقدرت ، وسأل يعقوب اخبرني اسمك انت ، فقال : لماذا تسألني عن اسمي وباركه هناك)) .
من هنا جاءت كلمة (إسرائيل) ، وهي التسمية الجديدة التي اطلقها الرب على (يعقوب) ، وبما أن (يعقوب) الذي اصبح اسمه الان (إسرائيل) هو الوريث الشرعي (لاسحق) ، وجده (إبراهيم) ، فإن (الوعد الإلهي) بأعطاء أرض كنعان من حقه ، ومن هنا ايضا اصبح اسم (الارض الموعودة ) أو (أرض الميعاد) بـ (أرض إسرائيل)، وذرية (يعقوب) بـ ( شعب إسرائيل ) .
ان ما تقدم يدفعنا الى التساؤل : اذا كانت (التوراة) قد إستثنت (إسماعيل) من الوعد بعدّه (ابن جاريه) فلماذا إنصرف (الوعد) من (عيسو) ، وانحصر في (يعقوب) ؟ علما بأنهما من أم واحدة لا فرق بينهما من تلك الناحية ، هذا من جانب ، ومن جانب اخر نرى نصوصا في (التوراة) تدل على رضا الرب على (إسماعيل) ، و(عيسو) ، وانه لم يكن غاضبا عليهما، ، (( واما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه وها انذا أباركه وأنميه وأكثره ......))،(( فقال عيسو لابيه :، باركني أنا أيضا يا أبت ، ....، فأجابه إسحق ابوه)).
4. ايضا يمكن ملاحظة ان (الوعد) ليس محدد بزمان ، بل أنه إرث تأريخي للاجيال على مر التأريخ. (( يهوه يطرد جميع الشعوب من امامكم ، فترثون شعوب اكبر واعظم منكم ، كل مكان تطأه اخامص اقدامكم يكون لكم)).
ومن ثمّ فإنّ (الوعد) الذي قطعه الله هو وعد أزلي وملزم للابد ، وهو عهد ، وليس عقد ، ولذا فهو لا يلزم إلا جانبا واحدا ، وهو الإله المتعاقد ، اما الجانب الآخر ، فهو غير ملزم باي قيود ، فيفعل ما يشاء ان يفعله دون أن يخل ذلك بالعهد .
هذا الامر الخطر بترك الاب ، والعشيرة ، والأرض، والهجرة ثم (الوعد) بأن يجعل الله (ﻹبراهيم) أمه عظيمة مباركة ، لا تذكر نصوص العهد القديم سببا له ، بل على العكس نرى ان كل ما حصل في التاريخ فيما بعد مبني بناء مباشرا على هذا الامر وهذا (الوعد) هو ليس بمعلول ، بل علة كل معلول ، وهو العلة الاولى التي لا تفسير ، ولا داعي لها ، وبذلك يتخذ التاريخ اليهودي هذا الامر أساسا للانفرادية عن جميع البشر . وبذلك يصبح اصطفاء (اﻹله) (ﻹبراهيم) (عليه السلام) امرا عرفيا تلقائيا قام به اﻹله لسر في نفسه ،وبسبب حنينه لهذا الشعب دون الشعوب الاخرى.
صفحة 6
ثانيا : الوعد الإلهي في التلمود :

إذا كان الوعد الإلهي في العهد القديم أمرا تلقائيا قام به اﻹله لسر في نفسه ، إلا اننا نكاد ندرك عن طريق نصوص العهد القديم الغرض الأساس منه ، وهو: (أداء فريضة سماوية معينة) فان فكرة (الوعد الإلهي) في التلمود أخذت تتطور تطورا ملحوظا لتتحول من مجرد هديه(منحه) من اﻹله الى حق من حقوق الشعب اليهودي لا ، بل اصبحت حقا مقدسا.
ولفهم طبيعة هذا التطور لابد من الرجوع الى الفكرة اليهودية عن (الحلولية اﻹلهية) في الشعب ، واﻹرض ، وهو ما يعبر عنه بالثالوث الحلولي (اﻹله ، والشعب ، والارض) ، فتقوم وحدة مقدسة بين اﻹرض والشعب لحلول اﻹله فيهما ، وتوحده معهما(38) ، إذ يحل اﻹله في الشعب ، فيكتسب طابعا مقدسا ، فالشعب العبري سمي بـ (بني إسرائيل) بعد أن صارع (يعقوب) (عليه السلام)(الله) .
ثم سميّ بعدها (إسرائيل)، أي (بطل الله) ، وأصبح العبرانيون(*) (إسرائيليين) أي (المدافعين عن الله) ، وبذلك اصبح الشعب امتدادا لله في الارض ، وحلول هذه(المادة الإلهية) في الشعب اليهودي هو ما ميزه عن غيره من الشعوب الاولى(39)، وجعل الناس (عبيدا لهم)(40) .
فـ ((الشعب المختار هم اليهود فقط))(41)، ((تتميز ارواح اليهود عن باقي الارواح بأنها جزء من الله كما ان الابن جزء من والده))(42) ، وهكذا مثلما يحل الإله في الشعب ليصبح شعبا مختارا ، فإن هذه الحلولية تتبدى في إضفاء القداسة على الإرض لتصبح مقدسة ، ومركزاللكون(43) نتيجة الحلول الإلهي فيها .
ولذا ، فإن (أرض اسرائيل) سميت بـ (أرض الرب)(44) ، وهي الارض التي يرعاها الإله ((أرض يعتني بها الرب إلهك ، عينا الرب الهك عليها دائما من اول السنة الى أخرها))(45) وهي (الأرض المقدسة)(46) كما جاء في التلمود (( الواحد القدوس تبارك اسمه قاس جميعالبلدان بمقياسه ولم يستطيع العثور على أية بلاد جديدة بأن تمنح لجماعة إسرائيل سوى أرض إسرائيل))(47) ، بل أخذ ارتباط اليهودي بأرضه الموعودة تعبير عن تمييزه عن العالمين ، وعن رغبة اليهود كأمه روحيه في أن (تكشف طبيعة الله للعالم) ، وأن اليهودي في اﻹرضالمقدسة يصبح قادرا على قبول الحقيقة الإلهية((هناك في تلك الأرض يكون الذهن مهيئا لأدراك معنى نور، النبوة ،والاستنارة بإشعاع الروح المقدسة))(48) .
ويتكرر (الوعد الإلهي) بالإرض في التلمود اذ جاء فيه : ((الله القدوس ، تبارك إسمه، اعطي بني اسرائيل ثلاث هبات ثمينة ... وهي التوراة ، وأرض اسرائيل ، والحياة الاتية))(49) ، كما أن تعاليم التوراة لا يمكن أن تنفذ كاملة إلا في اﻹرض المقدسة(50)، ويذهب التراث التلمودي الى تعميق اﻹرتباط اليهودي بالإرض عن طريق إشارته الى أن: العديد من شعائر الديانة اليهودية إرتبطت باﻹرض إرتباطا كبيرا ، فبعض الصلوات من أجل المطر والندى تتلى بما يتفق مع الفصول في (أرض الميعاد) ، كما أن شعائر السنة السبتية (سنة شميطاه)(*) ، والشعائر الخاصة بالزراعة ، وبعض التحريمات الخاصة بعدم الخلط بين الانواع المختلفة من النباتات والحيوانات لا تقام إلا في الارض المقدسة(51)، إذ نرى أن الدافع وراء اﻹحتفال بـ (سنة شميطاه) دافع ديني / قومي ، فهو من ناحية تنفيذ لكلمة الرب ، وتعبير عن الإيمان بان اﻹرض هي ملكه وحده يهبها من يشاء ، ولكنه من ناحية أخرى تأكيد للرابطة العميقة التي تربط اليهودي باﻹرض المقدسة كما انه ينطوي على إسقاط لحق أي انسان في إمتلاك هذه اﻹرض حتى لو عاش فيها مئات السنين ، ولان الخالق يصطبغ بصبغة قومية يهودية نرى أن ملكيته للإرض هي في الواقع تأكيد لملكية اليهود الأزلية لها ، وهكذا نرى أن الدافع الديني والروحي هو ذاته الدافع القومي ، بل ان الدافع الديني ما هو إلا وسيلة ﻹضفاء طابع أزلي مقدس على القومية اليهودية(52) .
وتشير كثير من النصوص التلمودية الى مكانه (الإرض)، وتضعها في درجة تضاهي الايمان بالله ، مثل : (( من يعيش خارج أرض الميعاد فهو كمن يعبد الاصنام))(53)، وكذلك : ((ان العيش في أرض إسرائيل يعادل الوصايا اﻹلهية الاخرى))(54)، وهكذا تعمق التيار الحلولي ،وتعمق اﻹرتباط اليهودي باﻹرض ، فنشأ ما يسمى بـ (لاهوت الارض المقدسة)(55) ، وهذا التطرف في الطرح لفكرتي (اﻹرض، والشعب) يعزوه ( التلمود) بأنه : إرتباط صوفي لا يمكن للجوييم (*) فهمه، (( فأرض إسرائيل ليست شيئا منفصلا عن روح الشعب اليهودي ، بل هي جزء من وجوده القومي ، و مرتبطة بحياته ، وبكيانه الداخلي ، إرتباطا عضويا ، والعقل البشري في إسمى مراتبه لا يستطيع أن يدرك معنى قدسيه أرض إسرائيل الفريدة ، ولا يستطيع ان يحرك الحب الكامن في اعماق الشعب اليهودي نحو هذه الارض .... ان ما تعنيه أرض إسرائيل يمكن فهمه فقط من خلال روح الرب المنتشرة في الشعب اليهودي والتي تشع بتأثيرها على كل العواطف السليمة))(56) .
وهكذا ، فإن هذا الشعب لا يرى تحقيق ذاته الكامل ، إلا في الاتحاد الاقنومي بالارض ، اتحاد صوفي روحي عميق (57) .
صفحة 7
ثالثا : الوعد الإلهي في المدونات القبالية :
بعد أن سيطر (التلمود) سيطرة شبه تامة على اليهود بعد ميلاد المسيح (عليه السلام) بدأ التراث القبالي في الحلول محله ، والقبالة : هي علم التأويلات الباطنية والصوفية عند اليهود ، وتمثل الازدهار الأقصى للتفكير الأسطوري في اليهودية(58)، ومع هيمنة القبالاه تعمق اﻹرتباطبالأرض ، وتعمقت قداستها ، وذلك عن طريق فكرة(الحلولية الإلهية) في كل من الشعب والارض(59) .
فـ (الإله) حسب التصور القبالي ليس الإله المفارق المتسامي الذي ليس كمثله شيء ، وإنما ينظر اليه من منظورين :
بإحتسابه (اولا) : الإله الخفي والجوهر الذي لا يستطيع اﻹنسان إدراك كنهه ، وهذا إله الفلاسفة ، واﻹله الواحد الذي لا يتجزأ ، وهو في رأي القبالة (حالة ساكنة تفتقد الى الحيوية) ، وهو الخالق في حالة إنكماش قبل عملية الخلق ، كما ينظر اليه بإحتسابه (ثانيا) : اﻹله القريب الحي ، القريب بسبب وجوده الذاتي ، وتعدديته ، فهو بنية داخلية مركبة ، ودينامية ، وهو عملية عضوية تؤثر في العالم ، وتتأثر فيه ، وهو تأثير مادي (لوجوس)(*) يحل في المادة (سواء كانت الشعب اليهودي ام الظواهر الطبيعية أم إسم اﻹله اﻷعظم من يكتشفه يتحكم بالكون بأسره)(60) .
ويؤمن القباليون ، وذلك واضح في كتاب (الزوهار)(*) : إن الله قد خلق العالم عن طريق الفيض الإلهي ، وفكرة (الفيض) تفترض وجود وحدة تنظم المخلوقات كلها ، بل تنظم ايضا اﻹنسان والاله الخالق حتى يصبح اﻹله ومخلوقاته هما الشيء نفسه(61) ، اذ خلق الله العالم عن طريق إنسحابه ، فترك فراعا ثم فاض بالمراحل العشر (السفيروت)(*) ، وكان الكون كلا متكاملا لكن الضوء اﻹلهي كان قويا جدا لدرجة كبيرة حتى ان الأوعية كلها ، أي ( مراحل السفيروت) تحطمت مما أدى الى تبعثر النور الإلهي ، والشرارات الإلهية في كل مكان ، وفي كل شيء بما فيها (الأشياء الشريرة) ،ولن تعود هذه الشرارات إلا بعوده المسيح (عليه السلام) ، بل أن مسار التاريخ كله يتجه نحو إعادة الشرارات الى مكانها الأصلي(62) .
ويرى القباليون أن ثمة إتحادا متوازيا متقابلا بين اﻹله ، وكل مخلوقاته ، وان السماء تشبه الارض ، واﻹله يشبه الإنسان ، والتاريخ يشبه الطبيعة ، وتقول إحدى افكار التراث القبالي الاساسية : (كما في السماء كذلك في اﻹرض ، وكما في الداخل في الخارج) ، فالاشياء كلها يسري فيها العنصر اﻹلهي ، والانسان يشبه اﻹله في كثير من النواحي ، وبسبب هذه الصلة نجد ان عقل اﻹنسان في اﻹرض يمكنه من التأثير في العوالم العليا ، أي العلاقة بين اﻹنسان والخالق علاقة تبادلية كل يأخذ من الآخر ، ويعطيه ، ولعل هذا ما يفسر لجوء القباليون الى إسرار الكون وممارسة السحر بعدّها طريقة عملية لأدراك اﻹله والتوحد معه(63) .
هذا وقد لعبت القبالاه دوراً حاسماً في تحويل اليهودية من نسق توحيدي الى نسق حلولي كموني ، وتراث (القبالاه) تراث حلولي كموني واحدي متطرف يساوي بين الإله والطبيعة بحيث يصبح اﻹله هو الطبيعة ، ويتم إلغاء التاريخ ، ويتركز الحلول الإلهي في الشعب اليهودي ، إذ يحل المطلق أو المركز (الله) في النسبي (الشعب) ، والمقدس(الله) في المدنس (الشعب) حلولا تاما(64) ، ومن ثم ، فإن الشعب لا يشارك في القداسة فقط ، وإنما يتوحد مع الإله تماما ، ويصبح في قداسته ، وإذا كانت (القداسة) هي الصفة اﻹلهية التي تفصل اﻹله (المطلق) عما هو غير مقدس (دنيوي نسبي) ، فإن الشعب اليهودي قد سرت فيه هذه القداسة ، وأصبح يتسم بهذا الانفصال حينما عقد اﻹله العهد معه ، وبذلك انقسم العالم الى قسمين : اليهود المقدسين / الذين يعيشون داخل دائرة القداسة ، والأغيار / الذين يعيشون داخل التاريخ فقط ، وخارج دائرة القداسة ، والارض التي يقطنها الشعب اليهودي (أرض الميعاد) أصبحت هي الأخرى (اﻹرض المقدسة) التي لا تسري عليها القوانين التاريخية النسبية العادية(65) .
وهكذا حينما يحل الله في الشعب ، وفي اﻹرض ، وعندما تبلغ الفكرة منتهاها يصبح (الله) هو (الشعب، واﻹرض) وهذا هو ثالوث وحدة الوجود (اﻹله ، والشعب واﻹرض).
وقد ورثت الصهيونية (*) هذا المفهوم الحلولي للقداسة ، والذي يتركز في الشعب المقدس ، واﻹرض المقدسة ، وفي زمانه او تأريخه او روحه المقدسة ، ولكن الصهاينة قاموا بعلمنة هذا المفهوم الحلولي بحيث يترك مصدر القداسة غير محدد : فهو الخالق بالنسبة للمتدنيين ، وهو روح الشعب أو أيه مقولة دنيوية اخرى بالنسبة للملحدين ، والقداسة تحل ايضا في مختلف الممتلكات القومية التي يملكها الشعب ، ومن هذا المنظور الحلولي يمكن أن نفهم مصطلحات صهيونية ، مثل (الحدود التاريخية) ، و(إسرائيل الكبرى) ، فالحدود التاريخية هي الحدود المقدسة ، و(إسرائيل الكبرى) هي اﻹرض المقدسة(66) .
وعليه ، فإن (الوعد اﻹلهي) في المصادر القدسية اليهودية اتسم بالسمات الاتية:
1. انه وعد مادي يعطي (لبني إسرائيل) الحق في ملكية فلسطين وما حولها .
2. ان وعد الله ليس وقفا على (إبراهيم ) ونسله ، وإنما (لبني إسرائيل) الحقوق نفسها بغض النظر عن مدى احقيتهم بإستثناء (إسماعيل ) وذريته .
3. الوعد مفتوح لا حدود له، ولا شروط ، وليس هناك أي إلتزامات من جانب (إسرائيل) إعتمادا على فكرة (الشعب المختار) .
4. وهكذا تحول (الوعد الإلهي) بملكية أرض (فلسطين) ، وما حولها من مجرد منحه إلهية الى حق مطلق يستحقه الشعب اليهودي على حد زعمهم .
صفحة 8
المبحث الثاني :حدود أرض الميعاد في المصادر القدسية اليهوديةللحدود أهمية خاصة ومؤثرة بالنسبة لشكل الدول ،ووجودها ،وقوتها ، إذ بدونها لا يمكن الحديث عن وجود دولة كاملة السيادة، وواضحة المعالم فضلا عن ذلك تعدّ الحدود مسألة بالغة الأهمية بالنسبة للدول حديثة النشأة ، فالدول حديثة النشأة بحاجة ماسة الى معرفة حدود الرقعة الجغرافية التي تقوم عليها ،ومن ثم تحديد نطاق امتداد قوانينها ،وأنظمتها القانونية ،والسياسية ،والإدارية ، فسلطانها يقف عند حدودها ، ولا يتجاوزها أو يمتد الى ما ورائها ، وايضا يساعد تعيين الحدود على تجاوز أي مشكلات ونزاعات تنتج عن اﻹدعاءات المختلفة بين الدول المجاورة ، والتي قد تصل الى درجة الدخول في نزاعات وصراعات عسكرية ، كما حدث ومايزال يحدث في الكثير من مناطق العالم .
لذلك كله تحرص الدول جميعا على تحديد حدودها بدقة ووضوح مع الدول المجاورة لها عبر اتفاقيات ومعاهدات دولية ، تجنبا لأي نزاع أو اقتتال(67).
إنّ هذه القناعة بأهمية الحدود هي ذات بعد دولي ، إذ تشترك بها جميع دول العالم ، ولا يشذ عنها إلا الفكر (اﻹسرائيلي) الذي وقف بالضد من أي محاولة لتحديد حدود دائمة وثابتة للدولة اليهودية القائمة على اﻹرض الفلسطينية ، وهو في موقفه هذا يدّعي بأن إقامة دولة(إسرائيل) ما هو إلا إعادة بعث للشعب اليهودي في أرضه بعد مرور (2000) عام من التشتيت ، وان هذه العودة تستند في طياتها الى ادعاءات دينية مبنية على مجموعة من النصوص التوراتية والتلمودية التي تشير صراحة أو ضمنا الى الحدود الدينية الموعودة أو المعالم الاساسية فيها ، وايضا على أسس تاريخية مبينة على دراسة التاريخ اليهودي العام.
وعليه فأن معالجة هذا الموضوع إقتضت تقسيم هذا المبحث الى مطلبين اساسيين هما:
اولا : الحدود الدينية الموعودة .
ثانيا :الحدود الدينية – التاريخية .
صفحة 9
اولا : الحدود الدينية الموعودة :

شكل العامل الديني احد اهم الركائز التي استند إليها اليهود في مطالبهم للإستيلاء على (أرض فلسطين) . وقد إرتبطت هذه المطالب بما يسمى بـ (الوعود الإلهية) لهم في إمتلاك اﻹرض المقدسة بوصفهم (الشعب المختار) الذي يستحقها.
وعليه فإن الحدود الدينية الموعودة هي : ( تلك الحدود التي جاء ذكرها في الكتب الدينية المقدسة كالتوراة والتلمود ، فضلا عن تغييرات وإضافات حاخامات، ورجال الدين اليهودي عليها)(68) .
وبالعودة الى النصوص الواردة في (التوراة) حول (الوعود الإلهية) بخصوص حدود الإرض نرى ان هناك إختلافات كبيرة ، وتباين واضح في حجمها ولأن تخوم هذه الإرض تختلف من سفر الى آخر ، فتارة تتسع الى الشمال ، وتارة اخرى تتسع الى الجنوب ، وثالثة تأتي غير محددة .
فنرى أن احد النصوص يشير الى أن تلك اﻹرض عبارة عن جزء صغير في منطقة (نابلس) ، ((واجتاز ابرام الى مكان شكيم الى بلورة مورة ، وظهر الرب لابرام وقال : لنسلك اعطي هذه الارض))(69) ، في حين (في سفر العدد) حددت الارض بأنها : ( أرض كنعان بتخومها)،((وكلم الرب موسى فقال : مر بني اسرائيل وقل لهم انكم داخلون أرض كنعان ، وهذه هي الارض التي تقع لكم ميراثا، أرض كنعان بتخومها))(70). وعلى الرغم من ان هذه النص جاء اكثر وضوحا مما سبقه الا أنه ايضا احتوى على غموض فيما يتعلق بحدود (أرض إسرائيل) .
فالنص حدد موقع هذه اﻹرض ، وهي أرض كنعان (فلسطين) ، إلا انه لم يحدد حدودها ، فضلا عن غموض عبارة تخوم (أرض اسرائيل) ، فماذا تكون هذه التخوم واين تقع، وكيف تكون حدودها ؟ .
اما (سفر التكوين) فقد جاء بحدود معلومة ((لنسلك اعطي هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات))(71) ، ثم جاء في السفر نفسه بحدود جديدة : ((ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي انت فيه شمالا ،وجنوبا ،وشرقا ،وغربا لان جميع اﻹرض التي أنت ترى لكأعطيها ولنسلك الى الأبد))(72) ، وعلى وفق هذا النص تتحدد مساحة ، وحدود (أرض إسرائيل) بقدرة (إبراهيم)(عليه السلام) البصرية ، والواضح ان هذا النص فيه غموض ، كبير فاذا كانت مساحة (أرض إسرائيل) وحدودها مرتبطة ببصر(إبراهيم) فان ذلك يعني : ان مساحتهالا تتجاوز بضع كيلو مترات معدودة ، إلا إذا كان (إبراهيم) يتمتع بقدرة بصر خارقة وهو ما لم يؤكده احد(73).
وفي (سفر الخروج) حددت حدود (أرض الميعاد) بـ((واجعل تخومك من البحر الاحمر الى فلسطين ، ومن الصحراء الى النهر))(74) . اما في (سفر حزقيال) فقد حددت بـ :
1. الحدود الشمالية : (( ويكون التخم من البحر حصر عينان تخم دمشق والشمال شمالا ،وتخم حماة ،وهذا جانب الشمال))(75).
2. الحدود الشرقية : ((وجانب الشرق بين حوران ، ودمشق، وجلعاد ،وأرض إسرائيل الاردن ، ومن التخم الى البحر الشرقي تقيسون هذا جانب الشرق))(76) .
3. الحدود الجنوبية : (( وجانب الجنوب يمينا من ثامار الى مياه مربيوت قادس النهر الى البحر الكبير ، وهذا جانب اليمن جنوبا))(77).
4. الحدود الغربية : (( وجانب الغرب البحر الكبير من التخم الى مقابل مدخل حماة وهذا جانب الغرب))(78) .
ثم تذهب (التوراة) الى التوسع بحدود الإرض لتأتي بها بصيغة الجمع العائمة كما في (سفر الخروج) : ((وأعطي نسلكم كل هذه الإرض))(79) ، وفي (سفر التكوين) ((اعطي نسلك جميع هذه البلاد))(80) ، حتى بلغ ذروته في (سفر يشوع) بجعل اﻹرض الموعودة غير محددة إنماتعتمد على مدى استطاعة (بني إسرائيل) السيطرة على الارض : ((كل موضع تدوسه بطون اقدامكم لكم اعطيته))(81) ، إذ انهم مرتبطون عقائديا بكل أرض سكنوا فيها ، ويحاولون احتلالها أو ما يسمونه (العودة اليها) .
من خلال تلك النصوص المتعلقة بحدود (أرض الميعاد) نرى فيها من الاختلاف وعدم التحديد ما يجعل المطلع يكاد يستبعد كونها نصوصا سماوية .
صفحة 10
لقد تعمدت هذه النصوص ان تترك اسماء التخوم مبهمة معقدة ،كما تعمدت ان تختار الاسماء المشتركة إمعانا في اللبس ، ولكي تمنح اليهود فرصا ممدودة لتأويل النصوص على حسب ما يقتضيه الحال(82)، ولذلك جعل اليهود (أرض الميعاد) تشمل مناطق اكثر إتساعا من(أرضفلسطين) ، فظموا اليها شرقي الاردن(83)، وشبه جزيرة سيناء بل جعلوها (( من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات))(84)، وحتى حدود (أرض الميعاد) على وفق التحديد الاخير ـ من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات ـ هي بدورها غير محددة بدقة ، فالمعروف ان نهرالنيل يجري لمسافات بعيدة جدا كما أنه يتفرع لعدة فروع ، و(الوعد) التوراتي المزعوم لا يتضمن أيه اشارة للمناطق التي يجتازها النيل ، ولا المناطق التي تغطيها فروعه ، الامر الذي يثير التساؤل الجدي حول مصداقية هذه الدعوة وثبوتها(85).هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، فإن (سيناء) تعتبر بموجب حدود (الوعد) جزءا لا يتجزأ من (أرض إسرائيل) لانها كما يدعي الى الحاخاميون كانت في حقبة تاريخية غابرة تحت السيادة العبرية المطلقة ، وان (الوصايا العشر)(*) . قد نزلت بينما كان اولاد (إسرائيل) تائهون فيها ، ولذا فإن (سيناء) تمثل فيالذهنية اليهودية التقليدية فترة (التيه في الصحراء) ، ولم تكن قبل ذلك جزءا لا يتجزأ من الارض المقدسة التي دخلها اليهود فقط عندما بدأوا يغادرون (سيناء)(86).
وكما في (التوراة) كذلك في (التلمود)إذ أن صورة حدود (أرض إسرائيل) ليست بأوضح مما في (التوراة) ان لم تكن اكثر غموضا ، ففي هذا الاتجاه نجد ان احد الصدوقيين(*)أوالمنشقين قد جاء الى الحاخامي (حنينا) ليقول له : انت تلفق الاكاذيب في القصص التي تحكيها . لكنالحاخامي اجابه قائلا : ( ان فلسطين تدعى أرض الظبي فكما ان جلد الظبي يعجز عن استيعاب لحمه وجسمه ، كذلك هي أرض إسرائيل عندما تكون مأهوله ، تجد لنفسها متسعا ، ولكنها تتقلص متى كانت غير مأهوله)(87).
وهنا يتساءل الحاخامي (حسدا) : لماذ جرى تشبيه (أرض اسرائيل) بالغزال أو الظبي ؟ ، فنقرأ في النص التلمودي تفسيرين للرد على سؤاله(88):
التفسير الاول : مثلما أن جلد الغزال المسلوخ لا يستطيع احتواء لحمه ، فكذلك أرض إسرائيل لا تستطيع إحتواء نتاجها ومحاصيلها .
التفسير الآخر : مثلما ان الغزال هو الاسرع بين الحيوانات ، فكذلك هي (أرض إسرائيل) الاسرع بين جميع البلدان في انضاج ثمارها .
وفي الاطار نفسه حاول بعض الحاخامات ازالة ذلك التعارض والتناقض في مسألة تحديد حدود (أرض الميعاد) بالقول: (ان النصوص التي حددت ملك إسرائيل بفلسطين فقط تعد منحة منخفضة من الله لبني اسرائيل ، ولكن هذا لا يعني : ان هذه الاراضي فقط هي حق إسرائيل فحقهم في الارض هو اوسع من ذلك بكثير ، فالله قد وعد اليهود وعدا مشروطا ووعود الله المشروطة لا تلغى ابدأ ، بل يحتفظ بها لكي تتحقق في المستقبل)(89) .
وعلى الرغم من اﻹختلاف حول تحديد ما هية هذه الحدود ، إلا أنّه يمكن القول: بأن هناك حد ادنى لهذه الحدود ، وحد اقصى ، والجدير بالذكر ان اﻹنتقال من الحد الادنى لهذه الحدود الى الحد الاقصى يرتبط بعدة عوامل دينية ومادية تتوقف على مدى طاعة اليهود لتعاليم الرب ، وتطور الموقف البشري لليهود ، وكذلك موقف السكان الاصليين الذين يسكنون الارض المطلوب الاستيلاء عليها(90).
ويشتمل الحد الادنى على المنطقة الواقعة من (دان) شمالا الى (بئر السبع) جنوبا، وتحتوي كذلك على ضفتي الاردن ، حيث يحدها من الشرق (بادية الشام)، وفي الغرب البحر الابيض المتوسط أوهي المنطقة التي تحدها شمالا ( صيدا )على البحر المتوسط ، ومنها الى (دان) ينابيع نهر الاردن ، وفي الشمال الشرقي تحتوي في داخليتها على (هضبة الجولان)، وحتى مشارف دمشق ، وفي الشرق الصحراء العربية حتى نهر الارنون (في منتصف البحر الميت) ، وفي الجنوب (بئر سبع، وصحراء النقب) ، وفي الغرب البحر الابيض المتوسط(91). اما الحد الاقصى لهذه الحدود فيشتمل على المنطقة التي يحدها من الغرب البحر الابيض المتوسط ، وفي الجنوب الغربي (وادي العريش ، وصحراء سيناء )، وفي الجنوب (خليج العقبة) ، وفي الشرق (وادي عربة) ثم اجزاء من (نهر الارنون ،والصحراء العربية) (شرق الاردن) وامتدادها شمالا ، وفي الشمال الشرقي والشمال نهر (الفرات) حتى (صيدا) على البحر الابيض المتوسط(92).
ان هذا التعدد في الآراء والافكار حول حدود (أرض الميعاد) يفسره (كولن تشابمن)- استاذ الدراسات الاسلامية في كلية اللاهوت للشرق الادنى في بيروت ـ بقوله:(( بأنه يعكس اقلام كتاب مختلفين ، في مراحل مختلفة من تأريخ (إسرائيل)،وثمة أيضا ،تفسير آخر ممكن ، وهو : أن الاسرائيليين لم يسيطروا قط على كامل منطقة فلسطين ، وانه لم تكن لديهم أي فكرة عن حدود واضحة . لقد كان هناك دائما ليونة ومرونة في فهمهم لحدود اﻹرض))(93) ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر أدى التعدد والتنوع في الآراء والافكار في وصف حدود الارض الى عدم اﻹعتماد على خارطة واحدة أو معينة بذاتها تكون دليلا ومرشدا على حدود (أرض إسرائيل) كما وردت في الكتب المقدسة .
مع ذلك إذا ما اردنا ان نلخص التصورات اليهودية (لحدود إسرائيل) من وجهة النظر الدينية بوجه عام ، فإننا نرى ان تلك الحدود تشتمل على الاتي :
1. الحدود الغربية : في الغرب (البحر الابيض المتوسط) ، وفي الجنوب الغربي (وادي العريش) إلا أن بعض التفسيرات التي وردت على لسان بعض المتدينين اليهود تشير الى ان هذا الحد هو نهر (النيل) وذلك استنادا الى سفر التكوين (الاصحاح 15) من الحد الغربي هو نهر(مصر) ، الا ان هذا التفسير يعد تفسيرا نادرا ، وان التفسير الذي يشير الى ان الحد الغربي هو( وادي العريش) يعد اكثر شيوعا(94).
2. الحدود الشرقية : ليس هناك خلاف حول الحد الشرقي للمنطقة التي يعدّونها (أرض الميعاد)، حيث تضم تلك المنطقة شرق (الاردن) حتى بادية (الشام)(95) .
3. الحدود الشمالية : هناك حدين للحدود الشمالية ، احدهما / حد ادنى، ويشتمل على : (الجولان ،وجبل الشيخ ،ومرتفعات لبنان) حتى (صيدا)، وبذلك تدخل المرتفعات السورية واللبنانية داخل (حدود إسرائيل) من وجهة نظر الديانة اليهودية ، اما الحد الاقصى للحدود الشمالية ، فيصلبتلك الحدود حتى (نهر الفرات)(96) .
4. الحدود الجنوبية : هناك ايضا حدين ، الحد الاول / هو الحد الادنى ،ويصل الى (بئر سبع ،والنقب) ، اما الحد الآخر / فيصل الى خليج (العقبة)(97) .