eKtab
EN ع
أرجوحة تعلو... وتعلو
اقرأ عينة مجانية

أرجوحة تعلو... وتعلو

بقلم د. بارعة النقشبندي

صفحة 1
شُرفة للكتابة
 
 
 
هل الكتابة هي النص ؟هل هي المكتوب منه أو المسكوت عنه؟هل هي الأطر؟ أم أنها الهوامش؟ أم أنها التخوم ؟ أم أنها النصوص السابقة؟ أم أنها النصوص المتقاطعة؟
 
(جاك دريدا في العقل والكتابة والختان لأمينة غصن)
 
اكتشفت أن الكتابة من أصعب الأعمال التي قامت بها، ففيها تورط عاطفي كبير، فالعواطف تكون مغلفة بأغلفة كثيرة، تغطيها الذاكرة بلحاف سميك، ربما لتحفظها دافئة أو لتبقى بعيدة عن الأعين· كتابة رواية مبنية على قصة حقيقية هي تعرٍ كامل· هل يعني هذا أن تحب هذا العري ولا تشعر بالخجل من نفسك ومن أعزائك ؟ هل تكون منصفاً لوصف أحبائك أنه حكم من طرف واحد ؟ هل اختلاف الزمان والمكان لا يعطي صورة قريبة من الحقيقة؟ شعرت بالخوف وبالعري في الوقت نفسه، عند الكتابة عن أشخاص تحبهم ولهم تأثيرهم في حياتها· وهم كما تراهم ليسوا كذلك في الحقيقة·
 
اكتشفت أن هناك لحظات جميلة غطاها الزمن، وأخرى تدق بعنف في الوجدان كأنها حدثت البارحة· فالروائح ما تزال في أنفها، ولكن الحياة تأخذنا فننسى من نحن· الذكريات لا تتلاشى ولا الحزن، ولكنه ينزوي في زاوية ونحن نقوم باسترجاعه·
 
شعرت بالحماسة والنشاط يملأ حياتها فاستغلت فسحة ونسمة من الحرية لهذه الحكاية·
 
 
 
10/2011    
 
بارعة النقشبندي
صفحة 2
(1)
 
أن تنسى شخصاً أحببته لسنوات لا يعني أنك محوته من ذاكرتك، أنت فقط غيرت مكانه في الذاكرة، ما عاد في واجهة ذاكرتك حاضراً كل يوم بتفاصيله، ما عاد في ذاكرتك كل حين، غدا ذاكرتك أحياناً·· الأمر يتطلب أن يشغل آخر مكانه·· ويدفع بوجوده إلى الخلف في ترتيب الذكريات· 
 
(أحلام مستغانمي نسيان)
 
 
 
روعة· هذا هو الاسم الذي أسمتها به أمها· تعودت عند ذكرها اسمها أن تراقب نظرات الإعجاب فتشعر بالزهو، وتشكر والديها في سرها على اختيارهم لها هذا الاسم الموحي الذي يعني مسحة من الجمال وتفوق في الفن والأخلاق والفكر، ولكنها في بعض الأوقات يداهمها شعور بالاستياء إذ تسمع الآخرين يجهرون بتعليقاتهم على اسمها، فهم وإن قصدوا به المدح إلا أنَّ شعورها بامتهان خصوصيتها ظلّ هو المهيمن على أحاسيسها· في السنوات الأخيرة أصبحت تدعى: الدكتورة، حتى أضحى اسم روعة علماً على شخص لا تعرفه· فالطلبة ينادونها بلقبها الأكاديمي: دكتورة، مجرداً من اسمها، مع أنها تذِّكرهم دائماً أن هذا لقب وليس اسماً، ومع الزمن بدأت تعتاد على ذلك، إلى درجة أنها هي نفسها راحت تعرِّف نفسها بقولها: الدكتورة·
 
تتأمل في طريق المطار وتأخذ في تعداد السيارات الذاهبة إلى عمان بتركيز كبير، ثم تفقد اهتمامها، فتقفل راجعة تتمشى حافية القدمين في غرف الشقة الواسعة الجديدة، وراحت ترتب الأشياء بنشاط وهمة وحرص شديد وإعجاب، فالشقة مشروعها الذي عملت على تحقيقه في السنوات الأخيرة، فهو مشروع العمر، وبسبب طول الفترة التي استغرقها تنفيذ هذا المشروع، والظروف المحيطة التي واجهت تحقيقه، لم تأخذ صديقاتها رغبتها في شراء الشقة على محمل الجدّ· 
 
تمشي حافية القدمين بملابس الرياضة في شقتها التي نظمتها حسب احتياجاتها، وأهمها غرفة المكتب· وما يلفت النظر في المكان أنّ جميع الجدران مغطاة برفوف الكتب والبرادي الزهرية، والسجادة الزهرية· إنها المكان المفضل لها بالإضافة إلى المطبخ الواسع الذي يستمد إضاءته من النافذة والباب الزجاجي المطل على شارع المطار· فهذا المطبخ البسيط هو مكانها المفضل للكتابة· تتمشى من غرفة إلى أخرى فخورة بإنجازها، الذي هو ثمرة من ثمرات تعبها طوال السنوات الماضية· وها هو حلم حياتها تحقق· 
صفحة 3
تشرب كأساً من الماء وتنظر إلى الخارج وتطلق من عينيها نظرة تأمّل· لازال الوقت مبكراً فالساعة تشير إلى السابعة صباحاً، وهذا ما دعاها إلى أن تسرع بالخروج قبل أن يبدأ الازدحام، وللوصول إلى نادي المدينة الرياضية لممارسة السباحة؛ رياضتها المفضلة، التي تمارسها منذ أربعين عاماً، وواظبت عليها بانتظام منذ عشرة أعوام بواقع مرتين في الأسبوع على الأقل· فالسباحة لفترة طويلة تمنح ذهنها الصفاء،  ودائماً تجد فيها البديل والحل حين تستعصي عليها الأمور· 
 
وإذ تفرغ من هذا التمرين الذهني تعود إلى البيت، فتسرع لارتداء ملابسها، وتناول الفطور والذهاب إلى الجامعة لإلقاء محاضراتها· فمنذ سبعة عشر عاماً وهي تحاضر في طلبتها دون كلل أو ملل· فهذه المهمة تعني لها الكثير، فهي قضية ورسالة تحيا من أجلها· أحياناً كانت تراودها شكوك في رجوعها من أمريكا وبريطانيا إلى عمان عند إنهائها الدراسة، مع أنه لا توجد لديها مشكلة قانونية في الإقامة، كان قرارها بالعودة صائباً، خالفت فيه كل التوقعات التي تنبأ بها جميع من عرفها من أنها سوف تعود ثانية إلى أمريكا بعد شهور، وخاصة أنها عاشت هناك عشر سنوات·
 
بعد عودتها من العمل تعرِّج في طريقها إلى البيت على السوبر ماركت وتشتري احتياجاتها من الخضروات والفواكه التي تتكرر أصنافها كل مرة، مستثنية اللحوم من قائمة مشترياتها، ولا يعود هذا الاستثناء لأنها نباتية، فهي تأكلها خارج المنزل نادراً· وفي أكثر الأحيان تقوم بالطبخ بنفسها، فهي مغرمة بالأكل الصحي، تستمتع بالطبخ وأعمال المنزل، حتى إنّ أصدقاءها يستغربون من عدم وجود أحد يساعدها، فتقابل استغرابهم بقولها إنها تعتبر أعمال المنزل رياضة· تحب حريتها بل تعشقها ولا تستطيع المفاضلة·
 
مشت في البيت كالعادة ترتب وتنظف وتتأمل أشياءها، وفي أثناء ذلك داهمها شعور بالغربة والفراغ، فهي وحيدة في الخامسة والستين من عمرها، وأهلها ليسوا بقربها، وأولادها في أمريكا مشغولون بمجريات حياتهم· صحيح أنها تعرف أناساً كثيرين زملاء بعضهم نسيت أسماءهم، ولها عدد من الصديقات لا يتجاوز عددهن أصابع اليد تراهن باستمرار، لكنهن مشغولات بأحفادهن· ما الذي جرى لها؟ إنها تبكي، وشعورها بحاجتها في هذه اللحظة إلى أمها يطغى على وجدانها· أخيراً وجدت نفسها تعود بذاكرتها إلى الطفلة ذات الضفيرتين وهي تسير في سوق ساروجة·
صفحة 4
تمشي بسرعة وتجتاز ساحة سوق ساروجه· وعلى يمينها محل بقالية التيناوي، وبجانبه صيدلية الورد بخزائنها البيضاء، وفي الجهة المقابلة مكتب المختار الخضري  ثم تنزل جوزة الحدباء وتمر أمام محل الطرابيش الصغير، وفي واجهة المحل قوالب حديدية تعتقد أنها لوضع طربوش أحمر· المحل شبه خالٍ ولا أحد تعرفه يلبس طربوشاً· تصل إلى ساحة المرجة حيث محل الوالد على الناصية المقابلة للساحة· كل يوم عليها أن تجلس في المحل حتى يعود والدها من الغداء ومن قيلولته التي تستمر أكثر من ساعتين، ليأخذ قسطاً من الراحة التي تمكنه من الاستعداد لسهرته في المقهى للعب الطاولة مع أصدقائه حتى وقت متأخر من الليل· لم تكن تتذمر من مهمتها هذه بل هي فرحة لغيابه كل هذه الفترة، لأن هذا يعني أنها سوف تقضي وقتاً ممتعاً في القراءة، فتذهب مسرعة إلى أبو فيصل، صاحب البسطة المقابلة لمحل والدها، التي يبيع فيها مجلات وصحفاً، وقد سبق أن عقدت اتفاقاً معه بأن تستعير منه المجلات· وبانشراح توافق عندما يطلب منها عدم فتح الصفحات من الأعلى حتى لا تبدو مستعملة، ولهذا تميل برأسها حتى تستطيع القراءة دون فتحها· لقد مكّنتها عادة القراءة المستمرة من معرفة مواعيد صدور مجلة روز اليوسف وصباح الخير ومجلة سمير وميكي وآخر ساعة ومجلة حواء وغيرها من الصحف والمجلات· بوجه بشوش وحماسة يرحب بها أبو فيصل ويناديها: زوجة ابني فيصل· وابنه هذا يدرس في الجامعة ونادراً ما يأتي إلى البسطة· كانت تشعر بالسعادة إذا قُدِّر لها أن تتزوج فيصل، فهذا يعني أن تتوفر لها فرصة قراءة كل ما في البسطة، وأن تفتح المجلات من الأعلى·
 
يعود الوالد من قيلولته منتعشاً· بكامل أناقته استعداداً لسهرة المساء التي سوف تستمر إلى منتصف الليل· ظل الوالد حريصاً على إبقاء المحل مفتوحاً حتى لو أنها لن تبيع شيئاً لمصلحة العمل، فظروفه الحالية لا تسمح له أن يدفع أجرة موظف، بعد خسارته محله الكبير ومشغل الخياطة الذي يشغِّل فيه عدداً كبيراً من العاملات، بسبب فيضان نهر بردى وإغراقه لسوق علي باشا(هذا السوق مسقوف مثل سوق الحميدية وعلى الجانبين محلات تبيع الأقمشة، وقد تم هدمه بعد الفيضان المسمى الزودة) وخسارته كل شيء بما فيه غرق سيارته التي يفخر دائماً أن رقمها 63· فهي آخر سيارة اشتراها· يطفو على ذاكرتها هلع والدتها ودموعها وندبها للحظ، ووجوم والدها، فالحادثة حصلت قبل أن تكون في عمر الذهاب إلى المدرسة، وشعورها أن حياتهم لن تكون كسابق عهدها، وأن والدها لن يكون بخير· 
 
رجعت من المحل، وأخذت دفاترها وذهبت إلى بيت أختها الكبيرة بثينة التي تقطن في حارة الشالة· دقت على الباب، ففتحه والد أختها بثينة ورحب بها، ثم صعدت الدرج الضيِّق، وحين دخولها عتبة البيت الداخلية، حضرت بثينة واحتضنتها مرحبة بزيارتها· 
صفحة 5
(2)
 
أفضل الوفاء وفاؤك لمن لا ترجوه ولا تخافه
 
 
 
أختها بثينه التي ولدت من زواج والدتها الأول تكبرها بست سنوات· وبحكم هذا الفارق الزمني بينهما فإنها تساعدها في دروسها، فهي معلمة بالفطرة، ولديها من مهارات التعليم ما يجعل روعة متلهفة لسماع كلماتها وتوجيهاتها، وتحظى بحبها وإعجابها، وظل هذا شعورها وهي تراجع معها دروسها خطوة خطوة، وظلت تستجيب لها بسرعة، وبخاصة أنها الوحيدة التي تناديها وتدللّها باسم برّوعة، فبثينة نموذجها المحتذى وقدوتها· حتى عندما كبرتا لم تتغير برّوعة في نظر بثينة· وعندما تعود روعة إلى البيت تسألها أمها بشوق وتلهّف عن بثينة، وعما جرى بينهما من حوارات وأحاديث، وعن حال بثينة التي يحظر عليها في ذلك الوقت زيارة أمها، ولهذا فروعة هي وسيلة الاتصال الوحيدة بابنتها· وعندما أصبحت بثينة في السادسة عشرة من عمرها فرضت التقاليد العائلية على روعة ابنة العاشرة مرافقة أختها عند الذهاب لزيارة صديقاتها· وبعد فترة من الزمن أصبح بإمكان بثينة أن تأتي لزيارة والدتها وهي في طريقها من المدرسة، فتغمرها نشوة من السعادة وفرحة اللقاء·
 
خروج روعة مع بثينة يعني الذهاب إلى السينما، ومراقبة صديقات شقيقتها وهن يمزحن ويرقصن ويتحدثن عن الشباب، لاهيات وبالكاد يلاحظن ابنة العاشرة التي لا تقوى على إخفاء فرحتها وإعجابها بهن، فضلاً عن السعادة التي تداعب مشاعرها لأن أختها تنتشي من الضحك وتمرح، فتراها أجمل الفتيات بل ملكة جمال، مع كل ما سمعته لاحقاً من تعليقات تصفها بأنها متوسطة الجمال، ولكن هذا لم يغير رأيها في جمال بثينة، التي تغني معها لعبد الحليم حافظ وتسميه عبده حليمو وتقول لهن إنها سوف تتزوج شاباً يشبهه، فيطغى الضحك على كل الأصوات·
 
روعة رائعة في كل شيء، حتى في كتمان أسرار بثينة التي لم تكن تطلب منها ذلك، فهي مرافقة لطيفة تعرف كيف تحترم خصوصيات شقيقتها، عندما تذهب معها لملاقاة صديقها والذهاب للسير معه بعيداً عن مكان السكن· لم تكن مرافقتها الإجبارية تتوقف على بثينة فحسب، بل لا بُدَّ من مرافقتها للوالدة حياة كذلك عندما تذهب لزيارة صديقاتها· والذهاب سيراً على الأقدام يعني لها الروعة والمتعة· وفي بعض الأحيان كانتا تركبان الترام الذي يقطع دمشق من الحميدية إلى المهاجرين، وهو ما يجعلها مسكونة بالبهجة وهي تنظر إلى الطرقات والناس والأشياء من النافذة·
صفحة 6
وفي أيام العيد تزداد بهجة روعة وهي تقضي أيامه بصحبة بثينة، فلا تفلت يدها من يد أختها وهما ذاهبتان إلى السينما، لحضور فيلم في الصباح وآخر بعد الظهر، وبين وقت عرض الفيلمين تتناولان سندويشات الفلافل والبوظة· تشعر روعة بالمغص وتحتمل الألم حتى لا تفسد على أختها فرحتها بالعيد وبها· فبثينة وصديقاتها مسرورات، يضحكن بسبب ودون سبب، فالفتيان يلاحقونهن ويطلقون عبارات الإعجاب من بعيد· إنه العيد؛ وفي العيد تتحقَّق الفرصة الوحيدة للحرية، ويطغى الفرح بملابس العيد التي قضت الوالدة حياة أسابيع في خياطتها من بقايا مشغل والدها الذي يختص بخياطة القمصان· كانت الوالدة حياة تضفي في تطريزها لمسات جمالية على حواف القماشة، فتجعل من قطعة القماش غير المناسبة لوحة فنية فاتنة، فروعة تنظر إليها وهي تطرز لها فستانها، فتمتلئ بالفتنة والفخر والإعجاب من مهارة والدتها، فتسألها من أين تعلمت كل هذه المهارة والأناقة في التطريز، فتجيبها بأنها قضت فترة شبابها في بيروت مع أخوالها وتعلمت هذا الفن الراقي· 
 
ظلّت بثينة متيقنة من أن روعة ستحصل على المركز الأول في المدرسة، ليس في شعبتها فحسب، وإنما في كل الشعب· وتحققت توقعاتها وأمنياتها في نهاية العام، فها هي روعة تريها الجوائز التي حصلت عليها في نهاية السنة الدراسية، مكافأة على مثابرتها واجتهادها وتفوقها· لم تكن الجوائز أكثر من قلم حبر (ستيلو)، أو علبة هندسة، وتدوين اسمها على لوحة الشرف في المدرسة، فتطير بثينة من الفرح ويضيء وجهها من السعادة، فتحضنها وتقول لها بعبارة مملوءة بالنشوة: هاتي بوسة برّوعة· وقُبلة بثينة هي الجائزة الكبرى التي تفوق كل الجوائز التي حصلت عليها روعة· هذا الشعور بالنجاح والتفوق، ظل وساماً حملته طوال حياتها بفضل بثينة عليها·
 
لم تكن تعلم أن الموت يترصَّد لبثينة ليخطفها في لحظة مثل وحش كاسر· حبُّها المجنون لها، وتعلُّقها بها، حالا دون رغبتها في وداعها الأخير··· لم تقوَ على وداعها، وليس بوسع مشاعرها أن تحتمل رؤيتها جسداً صامتاً وهي التي طالما كانت ممتلئة بالحيوية والمرح· كانت تعرف لو أنها بذلت جهداً أكبر لكانت في الوقت المحدد لحضور الوداع الأخير، لكنها أرادت أن تحتفظ بصورة بثينة ووجهها المضيء؛ بثينة الضحوكة معها ومع صديقاتها، بثينة التي دخلت معها السينما في أيام العيد· أمّا الآن فلا تريد للون الموت الكالح أن يسكن في الذاكرة· ماتت بثينة بعد أن تزوجت الحبيب الذي كانت تذهب للقائه في مراهقتها، حبيبها الذي يشبه >عبده حليمو< ورزقت منه بأربعة أولاد· لقد خسرت معركتها التي استمرت أربع سنوات ضد سرطان الثدي، عانت فيها الكثير هي وزوجها وأولادها، وقاومته، لكنها خسرت المعركة في النهاية·
صفحة 7
كم هي صعبة لحظات الفراق، فالأحداث المؤلمة، والذِّكريات المزعجة تبقى راسخة في الذاكرة، ومكتوبة بحبر لا يُمحى· وما يعزيها ويخفف من لوعتها على بثينة أنها غادرت الحياة بعد وفاة والدتها حياة، حتى لا تُرهقها بمعاناتها، وتضيف إلى أعباء حياتها رؤيتها وهي تصارع الألم المفترس لصباها المبهج، فتزداد غُصَّتها، فيكفي أنها تركتها صغيرة، وافترقت عنها، وظلَّت تشتهي رؤيتها في لحظة أمومة حنونة، وتشعر بالذنب لفراقها في عمر مبكّر· لكن بثينة كبيرة العقل والنفس والوجدان سامحت الوالدة وغفرت لها في وقت متأخر، فهي الابنة المفضلة لوالدتها ولم تساور روعة الغيرة ولا لحظة· لقد كانت تستأهل تلك المحبة باستحقاق·
 
سلام: الأخت الصغرى، لحقت هي الأخرى - بعد سنة- ببثينة · لقد خان جسدَها وروحها مرضٌ لم يمهلها طويلاً، زارتها آلامه شهراً واحداً، ثم قصف زهرة شبابها، وسقاها كأسه المرّة لتصبح في عالم الأبدية والخلود، فبكتها بحرقة وألم كما بكت بثينة· سلام التي أسمتها >الجناح المكسور كان ألم فراقها كبيراً وصعباً، استقر في زاوية من القلب مثل عاصفة تهب من غير مناسبة ومن مكان غير مناسب· فعندما كانت تذهب للمشي شبه اليومي تشعر بطيفيهما يحوم حواليها، وفجأة، تنساب الدموع من عينيها حزناً على فراقهما··· تتلفت حواليها خشية أن يراها أحد··· تمسح دموعها الساخنة، وتتابع مشيها وهي أكثر صفاء وشفافية وخفة·
 
لم تودع الجناح المكسور، ولم تستطع أن ترى في ملامحها الصامتة نظرة العتاب، لأنها لم تساعدها ولم تنتصر لها كما يجب أن تكون عليه الأخت الكبيرة· لم تكن تلتقي الجناح المكسور إلا مرتين في السنة أو أكثر قليلاً في الإجازات بسبب إقامتها في الخارج والتزامها بالعمل· لقد فرضت الإعاقة على الجناح المكسور، وما نتج عنها من مواجهة صعوبات في التعلم أن تمكث في البيت ومساعدة الوالدة في المنزل، وفي مرحلة لاحقة راحت تخرج معها لزيارة صديقاتها المقربات·
 
وفي المدرسة ظلَّ يجللها الحياء من أختها لأنها لا تذهب للمدرسة، ولا تقوى على النطق مثل الأطفال الصغار الذين في مثل سنّها· لكن الغريب في أمرها أنها بقيت طفلة بجسم امرأة· لقد كانت مختلفة ولم تستطع أن تفسر هذه الظاهرة الاستثنائية· وما زالت تطوف في مخيلتها رحلة مرض والدتها على إثر إصابتها بالجلطة الدماغية، وبخاصة عندما تومىء لهم الوالدة حياة بالإشارة في أثناء اجتماعهم حول سريرها، لأن لسانها معقود عن الكلام فلا يسعفها بالنطق، وبعد جهد يفهم الجميع أنها توصيهم ب الجناح المكسوروالاعتناء بها، فتدور بها الأرض ولا تكاد الدنيا تسعها من الضيق وجبال الأحزان التي تجثم على صدرها· كلّ ما تتذكره من كلام والدتها أن >الجناح المكسور< أصيبت بحمَّى شديدة في صغرها، وأنها راحت تهزُّ رأسها في أثناء النوم، وفيما بعد بدأت علامات تأخرها في النمو والتطور، وعندما حان وقت التحاقها بالمدرسة، لم تستطع مجاراة طالبات صفها في التعلُّم، فانتهى بها المطاف إلى البقاء في البيت· وعند هذا الحد وقفت الحياة بالجناح المكسور، فقد فوَّضت الأسرة أمرها إلى الذي خلقها، وعليها التسليم بقضاء الله وقدره·
صفحة 8
وتذكر روعة فيما تذكر بعد هذا العمر، أنها بعد رجوعها من بريطانيا في المرة الأولى، اصطحبت الجناح المكسور إلى الطبيب لعلها تجد حلاً ومنقذاً· وأذهلتها المفاجأة عندما أخبرها الطبيب بأن أختها معاقة، وأنها بحاجة إلى استشارة عدد من الأخصائيين· فعادت هي الأخرى مكسورة الجناح· وقد ضاعف من انكسار خاطرها ما واجهها به والدها من ثورة عليها وغضب وحدَّة وهو يقول لها - بعد عودتها وأختها من عند الطبيب- إن هذا ليس من اختصاصها، فهو قضاء الله وأمره وعليها التسليم بهذا الواقع· ولشدّ ما أثّر فيها سكوت والدتها في هذا الحوار؛ إذ لم تنبس ببنت شفة ولم تتدخل في هذا الشأن، وكانت هذه المرة الأولى والأخيرة في رحلتها إلى الأطباء·
 
بعد موت والدتها، وفي مرات قليلة، قامت بمجهود لا يكاد يذكر تجاه الجناح المكسور؛ إذ تولت متابعة الاعتناء بأسنانها، وكذلك الاهتمام بملابسها وقيافتها، والذهاب معها لزيارة صديقات الوالدة حياة، فالجناح المكسور هي من تعرف الطريق إلى بيوتهن، ولا يمكن للدكتورة الوصول إليهن من دون مرافقتها· كان مرحباً بها من جميع الصديقات إكراماً للوالدة· ولم تكن تنسى الذهاب معها إلى محل >ديليس< في الصالحية لأكل البوظة معاً، والشعور الذي يطفح سعادة وسروراً على وجه الجناح المكسور، التي ظلَّت تبحث عن الاهتمام والعطف والحنان، ففي دخيلة نفسها كانت تشعر أنها مثل الآخرين· 
 
الآن عندما تذهب لزيارة العائلة، فإن الشيء الوحيد الذي تشعر بوجوده في البيت هو أن روحها هناك لم تفارق المكان، وبين لحظة وأخرى تنادي الجناح المكسور التي كانت دائمة الجلوس في البرندة  فهي مكانها المفضل للتسرية عن نفسها ويتيح لها مراقبة الناس· كنا دائماً نمازحها بقولنا إنها تعرف أخبار الحارة كلها وليس أخبار البناية فحسب· ولا تنسى الفرحة التي كانت ترتسم على وجهها عند حضورها من السفر، فتهبُّ مسرعة لملاقاتها ومساعدتها في حمل حقيبة سفرها· في كل مرة تزور فيه بيت أهلها تفتقدها ولكن تشعر بروحها خفيفة كنسمة حواليها·
صفحة 9
(3)
 
لا يولد البشر مرة واحدة يوم تلدهم أمهاتهم وحسب، فالحياة ترغمهم على أن ينجبوا أنفسهم·
 
(غبريال غارسيا ماركيز)
 
 
 
من عادة الوالدة حياة في المساء الخروج لزيارة صديقاتها، وهي عادة اعتادت عليها منذ سنوات طويلة، وعندما تقاعد الوالد كان يداعب الوالدة بقوله: هل لابد من الخروج ؟ في الحقيقة لم تكن سوى مداعبة مبطَّنة بالاعتراض على خروجها، لكنها تجيبه: أريد أن أشم هواء·فيرد: ألا يوجد في البيت هواء؟ يقولها بسخرية· أما هي فتمضي مسرعة في طريقها للخروج وتقول: وأنا شابة لم تسألني والآن وأنا >ختياره< تحاسبني؟ تقولها ولا تنتظر حتى تسمع الرد، فزيارة صديقاتها تقليد دأبت عليه، فأمهات صديقاتها صديقات لوالدتها درِّيّة· 
 
والجدة درية سيدة دمشقية من عائلة عريقة، وهي الأنثى الوحيدة بين أربع شباب بعد وفاة شقيقتها بمرض غامض وهي صبية، وبسبب مرض والديها عاشت مع زوجها وابنتها في بيت أهلها أي (صهر بيت) كما يسمى في الحياة الدمشقية، وكان زوجها يعمل مع إخوتها في التجارة، وحدث أن جرى خلاف على العمل فيما بينهم، فخيَّرها أخوها الكبير بين زوجها وأهلها، فاختارت أهلها ولم تعد ترى زوجها بعد ذلك·
 
عاشت الجدة درية مع ابنتها في بيت الأسرة في منطقة القزازين، (ومن هذا البيت ورثت روعة مبلغاً من المال ساعدها على إكمال دراستها والحصول على الدكتوراه)، فضلاً عن أنها أصبحت المسؤولة الأولى عن تربية أطفال أخيها الكبير، بعد انفصاله عن زوجته، وقامت بإرضاع ابنه الأصغر مع ابنتها· 
 
وتروي الجدة درية أنَّ أشقاءها الثلاثة التحقوا بركب الثوار الذين قاوموا الاحتلال الفرنسي· وتسرد على أسماعهم كيف أن الفرنسيين لاحقوا الثوار إلى منطقة القزازين - وهي منطقة غير مأهولة في ذلك الوقت- وحاصروا المنطقة، ومهارتها في إخفاء إخوتها وزملائهم من الثوار في مستودع تحت البيت مدة شهر، وعندما جاء الفرنسيون للتفتيش والبحث عنهم استطاعت- بمظهرها البسيط والأطفال حواليها ووالديها المريضين - أن تقنعهم بأن يقوموا بالتفتيش غير هيّابة ولا وجلة· كانت الجدة درية تروى هذه القصة لروعة وأخواتها بفخر واعتزاز بالنفس، فيعجبون من مهارتها وقدرتها على التمويه وهي تطمئن أهالي المحاصرين في بيتها وتأمين القوت لإطعام الأفواه الكثيرة دون لفت أنظار الفرنسيين إلى كميات الطعام التي تدخل إلى البيت·
صفحة 10
كانت الجدة درية تلبس دائماً (طقم)؛ أي تنورة تحت الركبة مع جاكيت، وتضع غطاء أبيض على رأسها يظهر نصف شعرها (إيشارب)، وهذا هو اللباس الشائع في الطبقة الوسطى في فترة الخمسينات· كانت متوسطة الطول، ولكنها ذات جمال آسرٍ وبشرة بيضاء وعينين عسليتين، مع أن اثنين من أشقائها كانا ذوي عيون خضراء·
 
بعد فك الحصار عن المنطقة، انتقلت الأسرة إلى بيروت وقضت فيها عدة سنوات هرباً من الفرنسيين· وتم ترحيل الأخ الثالث: حسن إلى أمريكا عن طريق البحر، خوفاً عليه، فالفرنسيون يطلبونه بالاسم مع أن عمره آنذاك ستة عشر عاماً، على أن يرجع بعد أن تهدأ الأمور، ولم تكن الجدة درية تعلم أنه الوداع وأنها لن تراه بعد ذلك·
 
علمت روعة فيما بعد أن حسن استقر في بروكلن، وتزوج من سيدة لبنانية، وافتتح مخبزاً هناك ولم يعد إلى دمشق·كم كان يحب الجدة درية ويرسل إليها نقوداً بين حين وآخر· وفي وقت لاحق، تنازل لها عن إرثه في دمشق وهي بدورها تنازلت للوالدة حياة، ابنتها الوحيدة· رجعت درية مع ابنتها إلى دمشق، وانتقل إخوانها للعمل في العراق وافتتحوا لهم محلاً تجارياً لقماش الجوخ الرجّالي في شارع السموأل في بغداد·
 
ظلت الجدة درية رأس العائلة وظل البيت ملكاً لها، مع أنه مسجَّل باسم ابنتها· كانت لطيفة المعشر، خفيفة الظل ولا تحب أن تكون عبئاً على أحد، ولها علاقات اجتماعية واسعة· فهي سيدة دمشقية بامتياز، تفتخر بأثاثها المذهَّب والسجاد العجمي والزجاج الصيني الذي ورثته عن أهلها· ومن راتبها الذي تتقاضاه من أهلها ظلت تساهم في مصروف البيت، وتجتهد في المشاركة في الأعباء والأعمال كافة بقدر ما يسمح لها بصرها وقدرتها الجسمية· وفور خروج الوالد في الصباح تخرج من غرفتها وتجلس مع الوالدة في أثناء عملها، وكذلك وقت الظهيرة وفي المساء· كانت سعيدة بقربها من أحفادها وابنتها الوحيدة في أثناء خروج الوالد من المنزل،  الذي لم يرها غير مرات قليلة حتى وفاتها عام 2691· 
 
عاشت درية مع ابنتها وحدها أول مرة، بعد الرجوع من بيروت· وكانت الوالدة حياة فنانة تحب التطريز وعمل لوحات من البذور الجافة، فكل ما تراه تترجمه إلى أشياء محسوسة· وعندما اشترت الجدة بيتاً في سوق ساروجة في حارة قولي، تعرفت الوالدة حياة على صديقة من أصل فلسطيني تعمل في مشغل لتعُّلم الخياطة- وكان شائعاً أن تفتح سيدة في بيتها مشغلاً للخياطة تشغل فيه البنات وفي الوقت نفسه تعليمهن المهنة- فعرَّفتها على أخيها الذي يعمل معلماً· 
 
سكنت الوالدة حياة في حارة الشالة القريبة من بيت الجدة درية في سوق ساروجه بعد زواجها· وسوق ساروجه ساحة يتفرع منها حارات من الجهات الأربع، وفي الساحة يوجد صيدلية وفرن ولحام وسمَّان (بقالية) ومكتب المختار ومحل قرطاسية·
 
لم يدم زواج الوالدة حياة مدة طويلة فرجعت للسكن مع أمها· وبحسب رواية الوالدة فلم يكن خلاف بينها وبين أبو بثينة، وإنما حدث الخلاف بعد أن جاء أهله من طولكرم· ولم تكن ظروفه المادية وظروفهم تسمح للسكن في مكان آخر، كانت الوالدة حياة تروي القصة بلهجة فيها ندم وأنها لم تصبر على الوضع الجديد، فقد حظيت بتدليل أخوالها لها، واعتادت على نمط معيشة مميَّز في بيروت·