eKtab
EN ع
أرح قلبي المضطرب
اقرأ عينة مجانية

أرح قلبي المضطرب

بقلم ليندا ديلو

صفحة 1

الفصل الأول : رحلـتي نحو القناعــة

بينما ارتمت ميريديث منهارةً على كرسيٍّ في مطبخي، أعددتُ نفسي لسماع ترديدٍ لقصَّة حياتها المأساويَّة. كانت قد طلبَتِ الاجتماع بي بُغية التحدُّث بشأن ما يمكنها أن تفعله لتصبح أكثر قناعة ورضا. كانت ميريديث بدون أدنى شكٍّ الشخص الأكثر سلبيَّة ممَّن التقيتُ بهم يومًا، حتَّى إنَّ مظهرها كان يبدو سلبيًّا.

إنَّ ما نحن عليه في داخلنا؛ وما نفكِّر فيه باستمرار، يظهر في النهاية في كلماتنا وأفعالنا، وحتَّى في سيمائنا. كانت وضعيَّةُ جسم ميريديث وتعبير وجهها يبيِّنان بوضوح أنَّها عاشت إعادة تفسيرها الخاصِّ لما جاء في رسالة فيلبِّي 8:4 ‘‘خلاصة القول يا ميريديث إنَّ كلَّ ما هو غير صحيح، كلُّ ما هو غير جليل، كلُّ ما هو غير عادل، كلُّ ما هو غير نقيّ، كلُّ ما هو غير مسرّ، كلُّ ما صيته غير حسن، إنْ كان رذيلةً وإنْ كان ذمًّا، ففي هذه افتكري’’. كانت حياة ميريديث ترجمةً حيَّةً لتفكيرها السلبيّ.

ومن دواعي السخرية، أنَّ نساءً كثيراتٍ كنَّ ليبادلنَها حياتهنَّ في لحظةٍ واحدة. كانت حياتها بعيدةً عن أنْ توصف بالمأساويَّة. فقد أنعم الله عليها بالصحَّة الجيِّدة، وبقوامٍ صغيرٍ أنيق احتفظت به على هذا النحو دون أدنى مجهود، وبزوجٍ أحبَّها، وبولدَين رائعَين، وحتَّى بأثاثٍ جديد اشتراه زوجها مؤخَّرًا بغية إسعادها.

سألتُ ميريديث عن سبب عدم شعورها بالسعادة رغم أنَّ الله قد منحها العديد من الأشياء الجيِّدة. وبدون تردُّدٍ أطلقت شكاياتها بإسهاب: أوَّلاً، لم يعطها الله منزلاً. لقد أرادت بيتًا خاصًّا بها. إنَّها تستحقُّه. أمَّا زوجها- نعم، إنَّه يحبُّها، ولكنَّها لم تدرك من قبل أخطاءه العديدة. نعم، كان ولداها رائعَين، ولكنَّهما كانا سلبيَّين أيضًا ومتذمِّرَين (لم يكن عليَّ أن أخمِّن السبب!)

كانت ميريديث كحصانٍ وُضعَت على عينيه غَمامَتان، لا يرى إلاَّ الطريق القذر الممتدَّ أمامه. لم ترفع نظرها يومًا نحو الأعلى إلى الله، أو لم تعدَّ يومًا البركات التي منحها الله إيَّاها. كانت تحوز منظورًا ضبابيًّا غير واضحٍ، وعادةَ السَّخَط والتبرُّم غير المقدَّسة.

صفحة 2
تبدأ القناعة بمنظورٍ أبديّ
 
بينما كانت ميريديث على يقين من أنَّ حياتها كانت صعبة، فقد كانت حياة إيللا حقًّا سلسلةً طويلةً من الشدائد والضيقات. غير أنَّ إيللا حازت ‘‘عادةً مقدَّسةً’’ وهي القناعة. كانت رؤيتها واضحةً، وكانت تعيش بمنظور أبديّ.
 
ما الذي أعنيه بكلمة منظور؟ وفقًا لقاموس وبستر، توحي الكلمة بمعنى ‘‘التمعُّن، الرؤية الواضحة، القدرة على رؤية الأشياء بعلاقتها الصحيحة بأهمِّيَّتها النسبيَّة’’. أودُّ اعتبار المنظور كطريقة النظر إلى الأمور. لذا فالمنظور الأبديُّ هو طريقة الله في النظر إلى الأمور. عندما نحوز منظور الله، نرى حياتنا ونقيِّم ما هو مهمٌّ من وجهة نظره هو. وهذا ما فعلته إيللا.
 
خدمت إيللا مع زوجها وأولادها كمرسَلةٍ بين الأقزام في أفريقيا لمدَّة اثنتين وخمسين سنةً. لقد تركت وطنها وأهلها وكلَّ ما كان مألوفًا لديها. إنَّ كلمة بدائيَّة قاصرةٌ عن وصف ظروف حياتها في حرِّ أدغال أفريقيا اللاذع ورطوبتها. غير أنَّ إيللا لم تعرف إلى الراحة سبيلاً لأنَّ الكهرباء وأجهزة تكييف الهواء ووسائل الراحة الحديثة الأخرى كانت مجرَّد حُلمٍ فقط. كانت تمرُّ أيَّامٌ يكون فيها الجوُّ حارًّا لا يطاق، إلى درجة تضطرُّها إلى نقل مقياس حرارة الجوِّ إلى داخل المنزل لعدم قدرته على تجاوز 120 درجة فهرنهايتيَّة (نحو 50 درجة مئويَّة) من دون أنْ يتحطَّم.
 
تساءلت صديقتي ميمي، وهي ابنة إيللا، متعجِّبةً كيف استطاعت والدتها أن تفعل هذا، إذ عاشت حياة الرضا والقناعة في حين كانت أوضاع معيشتها كفيلةً بجعل أقوى الأقوياء يتذمَّر ويشكو. اكتشفت ميمي مؤخَّرًا كنزًا دفينًا، شيئًا نفيسًا أكثر أهمِّيَّةً من الذهب والفضَّة بكثير. فقد عَثرَت في دفتر يوميَّاتٍ قديمٍ يخصُّ والدتها على وصفةٍ للقناعة:
صفحة 3

 لا تسمحي لنفسك أبدًا بالتذمُّر من أمرٍ ما، ولا حتَّى من الجوّ.

 لا تتصوَّري نفسك أبدًا في أيَّة ظروفٍ أخرى أو في أيِّ مكانٍ آخر.

لا تقارني أبدًا نصيبك بنصيب آخرين.

لا تسمحي لنفسك أبدًا بأن تتمنَّي لو كانَتِ الأمور مختلفة.

 لا تفكِّري أبدًا بالغد؛ بل تذكَّري أنَّ [الغدَ] لله وليس لنا.1

لقد طغت كلماتها على مشاعري وأفكاري؛ بل وأشعرتني بالخجل. كيف كان بإمكان إيللا ألاَّ تتذمَّر من حالة الجوِّ حين كان العرق يقطر منها، وحين كانت رطوبة الهواء وركودته يمنعانها من النوم؟ ما الذي جعل مجال اهتمامها اليوميِّ مختلفًا إلى هذا الحدِّ عن مجال اهتمام ميريديث؟ يكمن السرُّ في قول إيللا الأخير: كانت عيناها مركِّزتَين على الأبديَّة. إنَّ جميع أيَّامها الآتية هي ملكٌ لله. لقد قدَّمت كلَّ أيَّامها إليه. ولأنَّ كلَّ غدٍ من أيَّام حياتها كان مُستكينًا بين يَديِ الله القادرتَين، فقد كانت حُرَّةً في أن تحيا اليوم. تمكنت يومًا فيومٍ من أن تقوم بخيارات صحيحة، وأن تنموَ لتحوز عادةَ القناعة المقدَّسة. كان تركيز إيللا تركيزًا أبديًّا، وقادها هذا التركيز إلى القناعة والرضا الأبديَّين.

صفحة 4

القناعة تصدر من الداخل

امتلكت إيللا نفسًا راضيةً، وسلامًا مستقلاًّ عن ظروفها. يبني معظمنا رضاه وقناعته على أساس الظروف والمشاعر أو على أساس أشخاصٍ آخرين. غير أنَّ القناعة والرضا الحقيقيَّين منفصلان عن ظروفنا. إنَّهما حالةٌ متعلِّقةٌ بالقلب، لا حالةً متعلِّقةً بالظروف.

في مسرحيَّة ‘‘الملك هنري السادس’’، يصف شكسبير بأسلوبٍ شعريٍّ القناعةَ والرضا الداخليَّين. يلتقي ملكٌ يجول البلاد بحرَّاس طرائد ويُعلِمهم بأنَّه ملك. فيسأله أحدهم: ‘‘ولكن إنْ كنتَ ملكًا، فأين تاجك؟’’ فيجيبه قائلاً:

إنَّ تاجيَ في قلبي لا على رأسي؛

ليس مرصَّعًا بماسٍ وأحجارٍ هنديَّةٍ ثمينة،

ولا يمكن أن يُرى؛ فتاجي يُدعى القناعة

هو تاجٌ نادرًا ما يتمتَّع بامتلاكه الملوك.2

كم امرأةً تعرفينها تلبس هذا التاج الذي يُدعى ‘‘القناعة’’؟ يمكنكِ على الأرجح أن تعدِّي على أصابع يدٍ واحدة. ولكن إنْ سألتُك عن عدد النساء اللواتي تعرفيهنَّ ممَّن يحُزْنَ روحًا مضطربةً أو نفسًا متذمِّرةً شاكيةً، فلسوف تنفد منكِ على الأرجح أصابع اليدَين والقدمَين معًا وأنت تعدِّين! مع أنَّ القناعة أمرٌ نادر الوجود، فإنَّه أمرٌ ممكن.

صفحة 5

سرُّ القناعة

يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيلبِّي كلامًا مذهلاً.

ليس أنِّي أقول من جهة احتيـاجٍ فإنِّي قد تعلَّمتُ أن أكون مكتفيًا بما أنا فيه. أعرف أن أتـَّضـع وأعرف أيضًا أن أستفضل. في كلِّ شــيءٍ وفي جميع الأشياء قد تدرَّبتُ أن أشبع وأن أجوع وأن أستفضل وأن أنقص. أستطيــع كـلَّ شيءٍ في المسيح الذي يقوِّيني.

(فيلبِّي 11:4-13)

إنَّ إلقاء نظرةٍ على حياة بولس يـُُظهر كم هي مذهلة هذه الآيات. كانت حياته حافلةً بكلِّ شيءٍ ما عدا الظروف الإيجابيَّة. كتب إليهم هذه الرسالة بينما كان قابعًا في ظلمة زنزانةٍ موحشةٍ، دون مرافقَ صحيَّةٍ، ودون تدفئةٍ أو أجهزة تدريب- وهي عناصر تعدُّ جزءًا من سجوننا الأميركيَّة. كان مقيَّدًا إلى أحد الحرَّاس، وكان وحيدًا. أنا واثقةٌ بأنَّه تساءل ما إذا كان كلُّ ما قام به من أجل المسيح مهمًّا حقًّا.

عاش بولس حياةً صعبةً إلى أقصى الحدود: ضُرِب حتَّى كاد يموت، وكان يُساء فهمه باستمرار، وهُجر من قِبَل أصدقائه، لم تكن حياته مثاليَّةً ويمكن التحكُّم بها؛ ومع ذلك قال: ‘‘فإنِّي قد تعلَّمتُ أن أكون مكتفيًا بما أنا فيه’’. إنَّه أمرٌ لا يُصدَّق! إذ يعني هذا أنَّه يمكن تعلُّم القناعة. ويعني أيضًا أنَّ بإمكاننا- أنتِ وأنا- أن نتعلَّم كيف نصبح قانعتَين بما لدينا.

ألحق بولس تصريحه الرائع بشأن تعلُّمه أن يكون قنوعًا في جميع الظروف بسرِّ كيفية التوصُّل إلى تحقيق ذلك (انظري فيلبِّي 13:4). إنَّ هذه الآية، التي كثيرًا ما تُقتبَس، مترجمةٌ حرفيًّا عنِ اللغة اليونانيَّة على النحو التالي: ‘‘أنا أستطيع أن أواجه أيَّ شيءٍ بالذي يجعلني قادرًا [على فعل هذا]’’. هل تساءلتِ يومًا لماذا تلت هذه الآية مباشرةً كلمات بولس الواضحة والجريئة حول القناعة؟ يعترف بولس بأنَّ مصدر الرضا والقناعة المسيحيَّين وقوَّتهما هو الله نفسه.3

صفحة 6

إنَّ ترجمة فيلبِّي 13:4 المفضَّلة لديَّ هي تلك التي قام بها عالم اللغة اليونانيَّة الراحل كينيث فويست.

أنا قويٌّ في كلِّ الأشياء في ذاك الذي يبثُّ القوَّة فيَّ باستمرار.4

في كلِّ الأوقات، وفي جميع الظروف، يقدر المسيح على مدِّنا بالقوَّة التي نحتاجها لنكون قانعات، وهو مستعدٌّ للقيام بذلك. تتحقَّق القناعة حين يتشرَّب جسدي الضعيف قوَّة المسيح، وكذلك نفسي وروحي. تعني عبارة يتشرَّب: أن يسكب؛ أن يملأ؛ أن يتسرَّب إلى؛ أو أن يستخلص. في كلِّ صباحٍ حين أغطـِّس كيس شاي الأعشاب في الماء المغليّ، أشهد عمليَّة التشرُّب.

كيف يمكِّننا الله من أن نكون قانعات؟ إنَّه يبثُّ القناعة فينا من خلال كلمته. وحين تتغلغل إلى أذهاننا، فإنَّها تغيِّرنا. تمامًا كما يصبح طعم الشاي مركَّزًا وقويًّا عندما نتركه ينتقع مدَّة أطول، كذلك نصبح أكثر رضًا وقناعةً حين نـُمضي وقتًا في تمعُّن كلمة الله والسماح لها بالتسرُّب داخل حياتنا، مغيِّرة إيَّانا لنكون مثله.

صفحة 7

من التحكُّم إلى القناعة

بدأت رحلتي نحو القناعة منذ خمسة عشر عامًا مضت عندما تبخَّرت جميع أساليب التحكُّم البارعة التي اتَّبعتها. توقَّفَت هذه الأساليب عنِ العمل لأنَّ الحياة أصبحت خارج السيطرة. حينذاك بدأ اثنان من أولادي ‘‘بالسير في مرحلة المراهقة’’ لكن في الاتِّجاه الخاطئ.

لقد صرتُ مسيحيَّةً ملتزمةً عندما كنتُ طالبةً في المرحلة الثانويَّة، وكنتُ متشوِّقة إلى تنشئة أولادي في بيتٍ مسيحيّ. وكان لديَّ منظورٌ غير صحيح، إذِ اعتقدتُ بأنَّني إنْ دفعتُ الأمور ‘‘الصحيحةَ’’ (الله، وكلمة الله) في أولادي، فإنَّهم سيحبُّون الله ويطيعونه بشكلٍ آليّ. ولمَّا بدا أنَّ مخطَّطي لم يُكلَّل بالنجاح، اضطرب قلبي وأُصِبتُ بالاكتئاب.

عندما أخبرتُ صديقةً لي بمخاوفي، علَّقت قائلةً: ‘‘أنتِ تحبِّين أن يكون كلَّ شيءٍ تحت السيطرة، وهناك الكثير جدًّا من الأمور التي يتعذَّر التحكُّم بها في حياتكِ’’. لم أفهم حينها ما الذي كانت تعنيه. فأنا في النهاية أثق بالله. لقد كنتُ مرسَلةً، وكنتُ أنال أجرًا لقاء ثقتي بالله. فما الذي عَنَتْه بقولها ‘‘إنَّكِ تحبِّين أن يكون كلُّ شيءٍ تحت السيطرة’’؟

عندما أنظر إلى الوراء، أدرك أنَّني كنتُ راغبةً فعلاً في أن أثق بالله، ولكنَّ الله كان بطيئًا جدًّا في بعض الأحيان. عندما كان يتحرَّك ببطءٍ كالحلزون -كما كنتُ أعتقد- قرَّرتُ لا شعوريًّا أنَّه بحاجةٍ إلى مساعدتي. إنَّني أدرك أنَّ هذا القول قد يبدو تجديفًا. فالله لا يحتاج إلى مساعدتنا. ومع ذلك، حين تدخَّلت لمعالجة (العبارة الأصحُّ هي ‘‘للتلاعب بـ’’ ولكنَّ كلمة معالجة تبدو أقلَّ وطأةً) الظروف أو لتنظيم شؤون الناس، كانت أفعالي تقول: ‘‘ أنتَ، يا الله، لا تقوم بما أعتقدُ أنَّه ينبغي أن يتمّ، ولهذا، سوف أساعدك في القيام بذلك’’. إنَّ ‘‘مساعدتنا لله في القيام بعمله’’ هي التي تؤدِّي بنا إلى القلب المضطرب. عندما نسيطر ونحاول أن نتحكَّم بما يحدث، فإنَّنا نحيد بأبصارنا عنِ الذي يسيطر على كلِّ شيء، ونركِّز أنظارنا على ظروفنا وأحوالنا.

هناك آيتان كانتا ترشدانني خلال تلك الأيَّام، وقد حفظتهما عن ظهر قلب، وكتبتهما على قلبي، وتعهَّدت أن أعيش بموجب ما جاء فيهما. الآية الأولى:

الله... هو المبارَك العزيز الوحيد [المسيطر على كلِّ الأشيـاء]* ملك الملوك وربُّ الأرباب.

(1تيموثاوس 15:6)

صفحة 8

تأمَّلتُ الحقائق التي وردت في هذه الآية: مَن الذي يتحكَّم بحياتي؟ إنَّه الله. أيُّ نوع من المتحكِّمين هو؟ المبارَك. في العبارات التي قالها اللاهوتيُّ المعروف جي. آي. باكر(J. I. Packer) : ‘‘القناعة بشكلٍ أساسيٍّ هي مسألة تقبُّلنا ما يرسله الله من يده إلينا، ولأنَّنا نعرف أنَّه صالح، فإنَّ ما يبعث به إلينا بالتالي هو صالحٌ أيضًا’’.5

أُضيفَ ما بين القوسين المربَّعَين إلى الآية للتوضيح، ذلك أنَّ كلمة ’’الوحيد‘‘ لا توضِح في الترجمات العربيَّة المعنى المقصود منها في اليونانيَّة. وسيَرِدُ هذا المصطلح ’’المبارك المسيطر‘‘ مرَّاتٍ عدَّة في الكتاب ضمن هذا الفصل وفي فصول أخرى (الناشر).

الآية الثانية كانت:

الربُّ نصيب قسمتي وكأسي. أنت قابضُ قرعتي.

(مزمور 5:16)

طرحَتِ المتكلِّمةُ والمؤلِّفة إليزابيث إليوت (Elisabeth Elliot) هذه الخاطرة التي تبعث على التفكير بشأن ما جاء في المزمور 5:16، وإليكِ ما قالت:

لا أعـرف أعظـم منه ميسِّرًا لحياتي. إنَّ كلَّ مـا يحدث يكون معيَّنًا. أيرفض العقـل ذلك؟ أيمكننا القول إنَّ هنـــاك أشيــاءً تحدث لنا لا تنتمي إلى ما ‘‘قـُسِمَ’’ لنا بمحبَّة (‘‘هـذا ينتمي إليـها، وذاك لاينتمـي’’)؟ أتوجد أشيـاءٌ إذًا خارجةٌ عن نطـاق سيطرة الله القادر على كلِّ شيء؟ إنَّ كـلَّ قسمةٍ قد قيست وضُبطت لأجل مصلحتي الأبديَّة. حين أقبـل بما قُسِم لي، تُلغـى لحظتئذٍ الخِيارات الأخرى، وتصبح القرارات أسهل بكثير، والاتِّجاهات أوضح جدًّا، ومن ثَمَّ يصبح قلبي هادئًا بشكلٍ يفوق الوصف. القلب الهادئ يقنع بمـا يعطيه الله.6

عرفت إيللا، المرأة العزيزة التي كانت مرسَلةً إلى أفريقيا، أنَّ على شخصٍ ما أن يكون ‘‘متحكِّمًا’’ بحياتها في هذا العالم الذي خرج عن نطاق السيطرة. ولأنَّها اختارت أن تـدَع الله ليكون هو المسيطر بدلاً منها، فقد كانَتِ امرأةً قانعةً وراضية.

صفحة 9

لاهوت كأس الشاي

فلْنعُدْ إلى الوراء إلى تشابهنا الجزئيِّ في ما يتعلَّق بالشاي. لقد عيَّن الله كلَّ واحدةٍ منَّا لتكون كوب شايٍ مميَّزًا وفريدًا. ربَّما كنَّا كأسًا أثريَّة قديمة، رُسِمت عليها ورودٌ أنيقةٌ في إطارٍ ذهبيّ. وربَّما رأينا أنفسنا ككأسٍ للاستعمال اليوميِّ ذات فائدة، ولكنَّ حوافها متصدِّعةٌ بعض الشيء. أو يمكن أن نكون كأسًا متينةً ذات سطحٍ خشنٍ وبنيةٍ قويَّة، غير قابلةٍ للكسر، ويمكن أن تدوم زمنًا طويلاً.

ثُمَّ يملأ الله كأسنا بقسمتنا التي يقرِّر أنَّها الكأس الأفضل لنا. إنَّ قسمتنا ونصيبنا هما كياننا الجسديُّ والعاطفيّ، قدراتنا، وظروفنا، أدوارنا في الحياة وعلاقاتنا.

لا يعجبنا أحيانًا ما سُكِب في كأسنا. أتتذكَّرنَ الربَّ يسوع في بستان الجثسيماني؟ حين رأى الآلام التي سيعانيها، تضرَّع إلى الله قائلاً: ‘‘يا أبتاه إنْ شئتَ أنْ تُجيز عنِّي هذه الكأس، ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك’’ (لوقا 42:22). أمسك يسوع بمِقبض كأسه ورفعها إلى الله وقال: ‘‘إنَّني أقبل قسمتي. بثَّ فيَّ قوَّتك كي ما أتمكَّن من شرب هذه الكأس’’.

إنَّ لكلِّ كأسٍ مقبضاً- سواءٌ أَصُنِعت من الخزف الصينيِّ الأنيق، أم كانت آنيةً فخَّاريَّة خشنةَ الملمسِ. وضع الله قسمتنا في كأسنا. إنَّ علينا أن نختار، إمَّا أن نمسك هذه الكأس من مِقبضها ونرفعها إليه قائلات: ‘‘إنَّني أقبل بقسمتي؛ أقبل هذه الكأس’’، أو أن نقرِّر تحطيمها إلى قطعٍ صغيرةٍ قائلات: ‘‘إنَّني أرفض قسمتي. إنَّ هذه الكأس ليست بالحجم الذي يناسبني ولا يُعجبني ما قد وضعتَ فيها. إنَّني سأتحكَّم بحياتي بنفسي’’.

صفحة 10

رحلتي نحو القناعة

القناعة هي قبول سيطرة الله المهيمنة على ظروف حياتنا كلِّها. لقد كان من المذلِّ بالنسبة إليَّ أن أُضطرَّ إلى أنْ أقول لله: ‘‘لقد حاولتُ أن أثق بك، ولكنَّ جزءًا كبيرًا من قوَّتي قدِ امتزج بتلك الثقة’’.

لقد ساعدتني القصَّة التالية التي تدور حول راهبَين على أن أنظر نظرةً صحيحةً إلى سيطرتي مقابل سيطرة الله.

قـال راهـب قديـماً: ‘‘إنَّني بحاجةٍ إلـى زيـت’’، ولهذا زرع شتلةَ زيتون. وصلَّـى قائـــلاً: ‘‘إنَّها بحاجةٍ إلى مطـرٍ حتَّى تستطيـع جـذورُها الغضَّة أن تشرب وتعلو. ياربّ، أرسِل مطرًا خفيفًا’’. فأرسـل الله مطرًا لطيفًا. وصلَّى الراهب قائلاً: ‘‘يا ربّ، إنَّ شجيرتي بحاجةٍ إلى الشمس. يا ربُّ يا مَن إليك أصلِّي أرسِل أشعَّة الشمس’’. فأشـرقت أشعَّة الشمس منسـابةً من بين الغيوم النديَّة. ‘‘يـاربّ، أرسِل صقيعًا يغلِّف نسيجها الرقيق ويقوِّيه’’. وانظر ما حـدث، انتصبَتِ الشجيرة متلألئةً بغـلافٍ جليديّ، ولكنَّها ماتت أثناء الليل.

وعندها، قصد الراهب صومعة أحد الأخوة الرهبــان، وقـصَّ عليـه خبرتـه الغريبة. فقال له: ‘‘أنا أيضًا زرعتُ شتلةً صغيرةً، أَتدري؟ لقـد نَمَـت بشكـلٍ جيِّـد. غير أنَّني عهدتُ بها إلى إلهها. فهو الذي خلقـها ويعرف أكثـر من شخصٍ مثلـي ما هـي بحاجةٍ إليه. ولم أضـع شرطًا واحدًا. ولم أحـدِّد أيَّة وسائل. صلَّيتُ قائـلاً: يا ربّ، أرسِل ما هي بحاجةٍ إليه، إنْ كان عاصفةً أم شمسًا مشرقةً، ريحًا ، مطرًا أم صقيعًا. أنت مَن خلقتها وأنت مَن يعرفها’’.7

لقد عجزتُ عن أنْ أجعل الله موضع ثقتي لأنَّني حاولتُ بكلِّ قوايَ أنْ أفعل هذا. قد تكونين مثلي، أو قد تكونين على العكس منِّي تمامًا، في الجهة الأخرى من الطيف.

لقد أخفقتِ في جعل الله موضع ثقتكِ عن غير وعي. إنَّ حياتكِ خارجةٌ عن نطاق السيطرة، ولهذا تستسلمين. من المستحيل أن تدركي الغاية من الحياة، وأكثر من المستحيل أن تكوني قانعةً وراضية، وهكذا تكفِّين عنِ المحاولة وتستسلمين. إنَّ معظمنا إمَّا يبذل قصارى جهده في المحاولة، أو أنَّه يتخلَّى عنِ المحاولة. وفي كلتا الحالتَين، فإنَّنا نفتقد الله- نفتقد إلى القوَّة التي يبثُّها فينا والتي تقودنا إلى القناعة والرضا.

إنَّ هذا الكتاب هو قصَّة رحلتي مع الله. كيف أخذ المرأةَ الشبيهةَ بالراهب الأوَّل وجعلها تنمو لتصبح المرأة الشبيهة بالراهب الثاني. إنَّ رحلتي مستمرَّة. وهي مغامرة مثيرة! لقد غدا الله النَّفـَس الذي يتردَّد في صدري، وهو فرحي وعبادتي وكلُّ قوَّتي. وهو يبثُّ فيَّ مقدرته وقوَّته كلَّ يوم. لقد أراح قلبيَ المضطرب.

إنَّني أدعوكِ إلى مرافقتي في رحلتي لكي تنمي في فهمكِ لمعنى القناعة الحقيقيَّة، وكيف يمكن أن يتغيَّر منظوركِ إلى ظروفكِ، ونفسكِ، وأدواركِ، وعلاقاتكِ؛ ولكي تَرَي كيف يمكن لحواجز القلق والجشع والتركيز الخاطئ أن تمنعك منِ امتلاك قلبٍ قانعٍ وراضٍ.

وأخيرًا، إنَّني أدعوكِ إلى اكتشاف جسر الثقة الذي سيحملك فوق الحواجز إلى القناعة والرضا. ليست إيللا المرأةَ الوحيدةَ التي تمكَّنت من تعلُّم القناعة. إنَّ ميريديث المثبَّطةَ العزيمة، والتي تحسب القناعة أمرًا مستحيلاً، يمكنها أن تتعلَّم. أنا أستطيع أن أتعلَّم، وكذلك أنتِ أيضًا يمكنكِ أن تتعلَّمي.

وعندما تتعلَّمين سرَّ القناعة، فلسوف ترَينَ الله بمنظورٍ جديد. وسوف تدركين في قلبكِ أنَّه المبارك المسيطر على كلِّ الأشياء، ملكُ الملوك وربُّ الأرباب.