eKtab
EN ع
أروع ما قيل
اقرأ عينة مجانية

أروع ما قيل

بقلم عبد الفتاح محمد حسين الدراويش

صفحة 1
الحب سر إلهي أودعه الله في قلوب البشر، به تتهاتف القلوب، وتتجاذب الأرواح، وتمتزج النفوس فيتوحد الحبيب مع حبيبته في المشاعر والأحاسيس والأمنيات والرغائب والأهداف والنظرة الشاملة إلى الحياة، يفرح الحبيبان باللقاء ويحزنان ساعة الفراق، يحشد كل واحد منهما للآخر كل أسباب الرضا فتراه يتجمّل له ويرق له في الحديث حتى يرضي ذوق الحبيب: ويراعي مشاعره مراعاة تامة حتى تبقى المشاعر حارة في حبها ووفائها وإخلاصها تتدفق من قلب المحب كنهر عذب تروي ظمأ القلب الآخر الحريص هو الآخر على أن يكون جنة فواحة بالحب عامرة بالإخلاص مضيئة بجمال الوفاء.
 
أما العيون عندما تلتقي فلقاؤها بهيج إذ يقرأ الحبيب في عين حبيبه سرّ قلبه وكوامن نفسه فالعيون رسل القلوب وبريد الأرواح وهتاف النفوس. وعندما ترفدها التنهدات والآهات فهذا تعبير صادق عن الشوق إلى اللقاء والانعتاق من البُعد والجفاء، أما التحديق وإطالة النظر في الوجوه فيعني انبهار كل منهما بالآخر وكأنه يرى في وجه حبيبه سحراً يأخذ بلبِّه، وجوامع قلبه، ففي وجه حبيبه تشع كل آيات السحر والجمال والبهجة والضياء.
 
أما صوت الحبيب فموسيقى سحرية رخيمة عذبة وكأنها من حناجر الطيور انطلقت ومن جوقات أعظم آلات الطرب صدحت فصوت الحبيب حلم لذيذ يداعب شغاف القلب ويرن في السمع كأحلى ما يكون صوت خرير الماء المنساب صحيح أن الحب يجمع بين قلبين ولكن الواقع أن هذين القلبين هما في الأصل قلب واحد بشطرين كل شطر يحن إلى الاكتمال بالشطر الثاني وشعارهما عند نشوة اللقاء الأبدي يقول:
 
أجمل الأيام يوم مشرق
 
جمع القلبين في أحلى لقاء
 
وما أحلى لقاء الحبيبين في مخدع الزوجية يمتصان رحيق السعادة، ويتلذذان بسحر البهجة والمتعة والهناء يحشد كلّ منهما للآخر أقصى ما لديه من وسائل الاحترام والإعجاب والتقدير والرضا للحفاظ على جذوة الحب مشتعلة، وحرارة الوفاء دائمة فتكون حياتهما نعيماً دائماً وسروراً ملازماً، وأن المرأة الذكية هي التي تلقى زوجها ببسمة ساحرة وقبلة آسرة وضمة حارة باهرة لها ما بعدها من المعاني ذات المدى البعيد، وعلى الزوج الحبيب أن يحيط زوجته بهالة من الحب والأمن والأمان ويشعرها أنه لها على الدوام فلا يزيغ نظره إلى سواها لأن أي اختلال في توازن معادلة الحب بين الزوجين يقلب الموازين وتدخل بينهما الشياطين وعندها حدّث ولا حرج عن التصدع والتفكك والخلاف المتأزم لأن المرأة الوفية لا ترحم الزوج الخائن لأن كرامتها فوق كل اعتبار والعكس صحيح فيما لو حدثت الخيانة من الزوجة.
صفحة 2
أخي القارئ الكريم:
 
من منا لم يعش قصة حبّ أرقت وجدانه وسهرته الليالي الطويلة المضنية؟ فمنا من رحمه الله بموهبة الشعر فتراه يتقرب إلى محبوبته بأرق معاني الشعر، لم لا والمرأة هي الشعر وهي منجبته وهي مرضعته وفتاته وملهمته فيه ترى نفسها ذات قيمة لأنها المحبوبة والمعشوقة فالشعر لا يكبر إلا بالمرأة، والمرأة لا تكبر إلا بالشعر لأنها نقطة انطلاقه إلى التوهج والاشتعال والإبداع فالشعر يجمّل المرأة ويكحلها ويعطرها ويصل بها إلى أوج المجد وقمة الخلود فها هي ليلى قيس بن الملوح ولبنى قيس بن ذريح وعفراءة عروة وبثينة جميل لا يزال ذكرهن يرن في سمع التاريخ وصدى الحياة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولولا الشعر الذي أبقاهن على ألسنة البشر وفي سجل الخلود لما سمعنا بهن ولضعن في غياهب العدم والنسيان.
 
فإلى القلوب المعذبة، المكتوبة بنار الحب اخترت هذه النماذج الشعرية من مختلف عصور التاريخ علها تعبّر عن خلجات قلوبكم المعذبة وقد جاءت وفق ذوق شاعر عانى ما عانيتم وقاسى ما قاسيتم وهي من ذوق ضليع في اللغة والأدب والشعر صدرت عن خبرة وإحساس بالجمال فجاءت مادة هذا الكتاب وفق ما يشتهي القارئ وحسبما يتمنى لأنه سيجد فيها روعة المعنى وجمال لمبنى وصدق العاطفة وسموّ التعبير وإنني إذ أقدمها للقارئ الكريم مائدة دسمة المعاني وثمرة شهية القطاف لأرجو أن تحظى برضا القارئ الكريم وتنال إعجابه لأنها تعبر عن كوامن خلجات المحبين وزفرات أرواحهم فالشعر علاج سحري للقلوب العاشقة، وسفير محبة بين قلوب المحبين.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
المؤلف / عبدالفتاح محمد حسين الدراويش
صفحة 3
الغزلفي الشعر الجاهلي
 
تناول الشعراء الجاهليون في غزلهم جلّ ما يتصل بالمحبوبة من ديار وظعن وسمات جسمية وخلقية كما صوروا تعلقهم بها، وصدّها وهجرها، وصوروا كذلك زينتها وملابسها وطيبها وقد سلكوا في سبيل ذلك ضربين: ضرباً حسياً حيث تكون المرأة وسيلة للمتاع واللهو والحياة الهنيئة، وقد يردّ هذا الضرب إلى ما شاع عندهم من الفتوّة حيث يفخرون بأنهم ينالون من المرأة ما يريدون كما يردّ إلى طبيعة النفس البشرية التي تتعلق بالمرأة. أما الضرب الثاني فهم شعراء تساموا عن نهج الضرب الأول فقصروا حديثهم عن الحبيبة والحب بعيداً عن قسمات الجسد ونزواته.
 
وقد غلب الاتجاه الحسي عند امرئ القيس والأعشى، بينما غلب الاتجاه الروحي عند عنترة بن شداد ذي الرأس الممتلئ عفةً وشرفاً وسموّ خلق، وقد جمع الأعشى في بعض قصائده مجموعة من النعوت التي تتميز بها محبوبته، وكلها تدور حول الجمال الحسي الذي تمّ فلا شيء بعده، فالقامة معتدلة متناسقة، والساقان مديدتان ممتلئتان، يترجرج ما عليها من لحم حتى ينتهي إلى خلخالها الرنان. والأرداف ضخمة ثقيلة تملأ قميصها الواسع الفضفاض، والخصر دقيق، والثديان بارزان مستديران فوق الصدر كالرمانتين، والجيد طويل كأنه جيد غزال زانته الحلي، والثغر وضاء كأنه نور الأقحوان، والعينان كحيلتان من غير اكتحال كعيني الغزال، ساكنتان صافيتان، يزينهما حاجب مستوٍ جميل، والخدان أملسان يفيضان بالبِشْر. والبطن أملس تتكسّر بشرته من أثر السمانة، والصدر كلوح المرمر المسنون الذي جوّده صانعه وبالغ في صقله يجول الوشاح على جانبي الخصر النحيل حيث تتثنى الحبيبة متخلّعة في حركة لا تستقر، ذاك هو الجمال الذي هام به الجاهليون وداروا حوله.
 
* * *
 
الأعشى
 
قال:
 
لها قَدَمٌ رَيَّا سِباطٌ(1 ) بَنانُها
 
قد اعتدلت في حسن خَلْقٍ مُبَتَّلِ( 2)
صفحة 4
وساقان مار( 3) اللحم موراً عليهما
 
إلى منتهى خلخالها المُتَصَلصِل(1 )
 
إذا التمست اربيتاها( 2) تساندت( 3)
 
لها الكفّ في راب( 4) من الخلق مُفَضَّل( 5)
 
إلى هدف(6 ) فيه ارتفاع ترى له
 
من الحسن ظلاّ فوق خلق مُكَمَّل
 
إذا انبطحت(7 ) جافى( 8) عن الأرض جنبها
 
وخوّى( 9) بها راب( 10) كهامة(11 ) جُنْبُل(12 )
 
إذا ما علاها فارس متبذّل
 
فنعم فراش الفارس المتبذلِ( 13)
 
نياف( 14) كغصن البان ترتج إن مشت
 
دبيب قطا( 15) البطحاء( 16) في كل منهلِ( 17)
 
وثديان كالرمانتين وجيدها
 
كجيد غزال غَيْرَ أنْ لم يُعَطَّل( 18)
 
وتضحك عن غرّ(19 ) الثنايا(20 ) كأنه
 
ذرى(21 ) أقحوان(22) نبته لم يفلّل
 
تلألؤها امثل اللجين كأنما
 
ترى مقلتي رئم(23) ولو لم تكحّل
صفحة 5
سجوّين(24) برجاوين(25) في حسن حاجب
 
وخدّ أسيل( 26) واضح(27) متهلّل( 28)
 
لها كبد( 29) ملساء ذات أسرّة( 30)
 
ونحر كفاتور(1 ) الصريف( 2) الممثل( 3)
 
يجول وشاحاها( 4) على أخمصيهما( 5)
 
إذا انفتلت( 6) جالا( 7) عليها يجلجل(8 )
 
فقد كملت حُسْناً فلا شيء فوقها
 
وإني لذو قول بها متنخّل( 9)
 
_________________
 
( 1) سباط: طويل مسترسل.
 
(2 ) مبتّل: تامُّ الخَلْق، متناسق.
 
( 3) مار: ترجرج.
 
_________________
صفحة 6
( 1) المتصلصل: الذي تسمع صلصلته ورنينه حين تمشي.
( 2) الأربية: أصل الفخذ.
(3 ) تساندت: صعدت.
( 4) راب: مرتفع، بارز
( 5) مفضل: من الفضل وهو الزيادة.
(6 ) هدف: كل شيء مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل. وقصد أردافها الضخمة البارزة.
(7 ) انبطحت: تمددت.
( 8) ارتفع.
(9 ) خوّى: مال وسقط.
(10 ) راب: مرتفع.
( 11) هامة: رأس.
( 12) جنبل: قدح ضخم يتخذ من الخشب. يقول إن خصرها يرتفع عن الأرض إذا تمددت لدقته، وينحط ردفها على الأرض بضخامته.
( 13) مبتذل: يفعل ما يشاء وما يحلو له ويقصد بالفارس صاحبها وعاشقها وهو الأعشى نفسه.
صفحة 7
( 14) نياف: طويلة.
( 15) القطاة: طائر في مثل حجم الحمامة.
( 16) البطحاء مسيل الماء من الوادي فيه حصى دقيق.
( 17) المنهل: مورد الماء.
( 18) لم يعطل: لم يخل من الحلي.
( 19) غرّ: جمع أغرّ وهو البيض الوضاء.
( 20) الثنايا: الأسنان الأربع التي في مقدّم الفم.
( 21) ذراه: أعلاه يقصد زهره لم يفل لم يتكسّر أي ناضر.
( 22) الأقحوان: نبات زهره أبيض.
( 23) الرئم: الظبي.
(24 ) سَجُوَّيْن: فاترين.
( 25) برجاوين: واسعتين، صافيتين.
( 26) أسيل: أملس، ناعم.
( 27) واضح: صاف.
( 28) متهلل: وضاء يفيض بالبشر.
( 29) كبد: وسط.
(30 ) الأسرة: الخطوط التي تكون في البطن من السمانة.
__________________________
صفحة 8
(1 ) الفاتور: الخوان من رخام أو فضة.
( 2) الصريف: الفضة.
( 3) الممثل: الجيد الصنعة. مَثَّلَهُ: أي صوّره وصاغهُ.
(4 ) الوشاح: نسيج عريض يرصّع بالجواهر تلفه المرأة حولها بين الكتف والكشح.
(5 ) أخمصيهما: وسطها أو جانبا خصرها النحيل.
(6 ) انفتلت: انثنت.
( 7) جائل: متحرّك فوق من تلبسه لطولها ودقة خصرها وامتلاء صدرها.
(8 ) يجلجل: يتحرك بصوت كصوت الجرس.
( 9) متنخل: مختار منتخب والمعنى أن لي فيها شعراً مختاراً ومنتخباً ومميزاً.
 
* * *
صفحة 9
امرؤ القيس
 
قال يصف إحدى مغامراته العاطفية:
 
سموت إليها بعدما نام أهلها
 
سموّ حباب الماء حالاً على حالِ
 
فقالت: سباك الله إنك فاضحي
 
الست ترى السمّارَ والناسَ أحوالي؟
 
فقلت: يمين الله أبرح قاعداً
 
وإن قطعوا راسي لديك وأوصالي
 
حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ
 
لناموا فما إن من حديث ولا صالِ
 
فلما تنازعنا الحديث وأسمحتْ
 
هصرت بغصن ذي شماريخ ميّالِ
 
وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامها
 
ورضت فذلّت صعبة أي إذلالِ
صفحة 10
وقال:
 
تعلق قلبي طفلةً عربيّةً
 
تنعّمُ في الديباج والحَلْيِ والحُلَلْ
 
لها مقلة لو أنها نظرت بها
 
إلى عابد قد صام لله وابتهلْ
 
لأصبح مفتوناً معنّى بحبها
 
كأن لم يصم لله يوماً ولم يُصَلّ
 
ألا ربّ حُسْنٍ قد لهوتُ بدلِّهِ
 
إذا ما أبوها ليلة غاب أو غفل
 
ولي ولها في الناس قولٌ وسمعةٌ
 
ولي ولها في كلّ ناحية مثلْ
 
كأنّ على أسنانها بعد هجعةٍ
 
سفرجلَ أو تفاحَ في القَنْدِ والعَسَلْ
 
حجازية العينين مكية الحشا