eKtab
EN ع
أرتور رامبو
اقرأ عينة مجانية

أرتور رامبو

بقلم سامي مهدي

صفحة 1

تقديم

الشاعر الفرنسي آرتور رامبو : مالئ الدنيا وشاغل الناس في الشعر الحديث . وقد كنت في شبابي أحد المعجبين المأخوذين به ، فرحت أدرس شعره دراسة متأنية متمعنة ، وأتعقب كل ما يمكنني الوصول إليه مما يكتب عنه وأقرؤه باهتمام ، حتى أصبحت لدي مكتبة رامبوية صغيرة أعتد بها . ولكنني وجدت ، بعد حين ، أنني قد أعجبت بأسطورة أكثر مما عرفت حقيقة ، واكتشفت أن الفارق بين حقيقة رامبو و أسطورة رامبو كبير شاسع ، لا يسوغ كل ذلك الإعجاب ، ولا يقيمه على أساس موضوعي ، ولمست أنني كنت ضحية تضليل متواتر ، ربما لم أكن أنا وحدي من ضحاياه .

ولهذا عكفت على دراسته ثانية بوعي جديد ، وفي ضوء ما تجمع لدي من ملاحظات وتساؤلات وشكوك ، فعدت أبحث في تفاصيل سيرته ورسائله وتفوهاته النظرية وأعماله الشعرية الكاملة ، وما تيسر لي من مؤلفات ودراسات كتبت عنه وعن شعره باللغات الفرنسية والإنكليزية والعربية ، وهو ليس بالقليل في ما أزعم ، فلم أجد إلا ما يؤكد أن رامبو الذي نعرفه ليس سوى أسطورة تضافر على نسجها مؤرخوه وشرّاحه ومفسّروه ، ووشّاها الدارسون المتعجلون والمعجبون المأخوذون . أما حقيقة رامبو فهي شيء آخر طغى عليه نسيج الأسطورة حتى غطاه وأخفاه وحلَّ محله .

ولست أزعم هنا أنني أول من توصل إلى هذا الاكتشاف . فثمة دارسون فرنسيون توصلوا إليه منذ زمن طويل ، لعل أهمهم رُنيه إتيامبل صاحب كتاب : أسطورة رامبو الصادر عام 1952 . فهو يرى ( أن رامبو هو اليوم أسطورة رامبو ) وكتب كتابه على هذا الأساس . ذلك أن أسطورة رامبو غطت على جميع ما ورد حولها من تساؤلات وشكوك ، فظلت تحجب الحقيقة تحت نسيجها الكثيف كما تحجب الشرنقةُ اليرقةَ التي في داخلها ، حتى لم نعد نجد ما يميز بين الحقيقة والأسطورة سوى اعترافات خجلى مواربة وإشارات عابرة مترددة ، من قبيل الاعتراف الذي جاء في كتاب سوزان برنار المعروف ( قصيدة النثر منذ بودلير حتى أيامنا ) . فقد أكدت برنار في إشارة عابرة وجود الأسطورة التي تحدث عنها إتيامبل ، ولكنها اختزلت ردها على كل التساؤلات والشكوك بالقول ( إن ما هو محقق ، إلى جانب وجود الأسطورة ، هو الاتجاه الجديد الذي اختطه هذا الطفل ذو السبعة عشر عاماً ، وكذلك جمال اللغة التي ابتكرها وأهميتها ) .

ولكن أكان رامبو مبتكر ذلك الاتجاه الجديد وتلك اللغة الجميلة ، كما تقول برنار ؟!

جواب هذا السؤال سيبقى معلقاً هنا حتى يأتي في مكانه المناسب من هذا الكتاب .

أما الدارسون العرب فقد وقعوا ضحية الأسطورة التي نسجها المؤرخون والمفسرون الفرنسيون كما وقعت أول مرة ، وأولهم أنطون غطاس كرم في كتابه (الرمزية والأدب العربي الحديث ) ، وثانيهم صدقي إسماعيل في كتابه ( رامبو _ قصة شاعر متشرد ) ، وثالثهم سمير الحاج شاهين في كتابه ( رامبو ) . ولم ألحظ من هؤلاء الدارسين من انتبه إلى هذه الأسطورة سوى الدكتور عبد الغفار مكاوي في كتابه ( ثورة الشعر الحديث ) والشاعر خليل خوري في كتابه (رامبو : حياته وشعره ) .

قال الدكتور مكاوي ( ويغالي البعض فيصفه ( رامبو ) بأنه أعظم الشعراء ، ويحط البعض الآخر منه فيجعل منه مراهقاً شاذاً نسجت حول حياته وشعره الأساطير . ولا شك أن الدراسة المنصفة تستطيع أن تتجنب التطرف من كلا الجانبين ، ولكنها لا تملك أن تقف موقف الحياد من المبالغات التي وقع فيها الفريقان ، ولابد أن تفسرها بأنها نتيجة ضرورية للتأثير القوي الذي انبعث من شعر رامبو ) .

غير أنني رأيت أن الدكتور مكاوي وقع هو نفسه في شراك الأسطورة ، فغالى في رامبو وتطرّف ، ولم يعرف إلى الموضوعية سبيلاً شأنه في ذلك شأن غيره . فهو لم يحاول أن يبذل أي جهد في البحث عن الحقيقة والتأكد من صحة الأحكام التي يطلقها على رامبو وشعره ، بل قطع الطريق على كل التساؤلات والشكوك التي يثيرها غيره ، وجهد في تكريس الأسطورة وطمس الحقيقة أراد ذلك أم يرد .

أما الشاعر خليل خوري فقال في هذه المسألة ( لقد كان رامبو ، وما يزال ، معدوداً بين أكبر الأسماء في الأدب الفرنسي ، إلا أنه كثيراً ما جرى تقييم رامبو وتقديره في غير الأوقات المناسبة، أو اللازمة، وغالباً ما غالى مؤرخو حياته في تقريظه ، وبشكل مهووس ، إلى حد يحدو ببعض الناس إلى أن يتساءلوا كرد فعل على هذا الغلو ، عما إذا كان إعجابنا به مبرراً . وليس رامبو في نظرهم غير فتى ذي ذهن حاد مضطرب ، وذي تعبير أخرق على الغالب ، يكتشف ، بعد أن تكون أزمات فترة البلوغ قد انقضت بالنسبة إليه ، يكتشف أنه ليس لديه ما يقوله ، فيصمت ) .

غير أن خوري يعلق على ذلك فيقول ( إن ذلك ظلم كبير للرجل ، لأن ما يشكل الطابع الخاص برامبو هو إرادة الخلق التي نلاحظها لديه ، وهو استحالة انغلاقه في صيغه ، وفي نغمه ، وفي أسلوبه ، ونعرف أن ذلك هو امتياز العبقرية ) . ونحن نرى أن جواباً مقتضباً وحاسماً كهذا الجواب لا يكفي للرد على التساؤلات وتبديد الشكوك المثارة حول أسطورة رامبو ، ومنها التساؤلات الكثيرة التي يثيرها خليل خوري نفسه في مقدمة كتابه . وما دامت ثمة حقيقة وثمة أسطورة فلابد لنا إذن من بحث متأن يميز بينهما ، ولا غناء لنا عن مثل هذا البحث .

لقد شرعت في تأليف هذا الكتاب وأنجزته منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي ، وكانت به حاجة إلى مراجعة سريعة ، وإضافة بعض ما جدّ في الموضوع ، وكتابة الخاتمة ، غير أنني لم أفعل ذلك إلا منذ مدة وجيزة من أيامنا هذه لأسباب وظروف خاصة . وقبل أن أشرع في تأليفه قررت أن أهمل كل فرضية سابقة من فرضياتي ، وأدع كل شكوكي جانباً وأبدأ من الصفر ، وكأنني لم أقرأ سيرة رامبو وشعره من قبل . ذلك أن دافعي لم يكن البحث عما يسوغ هذه الشكوك ويبرهن صحة الفرضيات ، بل اكتشاف الحقيقة كما هي ، أو قل إعادة اكتشافها إن شئت . وبهذا الدافع وحده عدت إلى المراجع أقرؤها مرة أخرى وأدون ملاحظاتي حولها ، فكنت أقرأ فاحصاً مدققاً، وكانت حاستي النقدية يقظة دائماً ، فلم أكن أقبل شيئاً مما أقرأ إلا بعد تمحيص ومحاكمة. وإذ بي أخرج من كل ذلك بالنتيجة نفسها ، وهي أن رامبو الحقيقة هو غير رامبو الأسطورة وأن الفجوة بين الحقيقة والأسطورة جد واسعة . وكانت هذه النتيجة تتعزز وتتبلور كلما أوغلت في القراءة والتمحيص والنقد ، وعندئذ لم أتردد في اتخاذها فرضية أبدأ منها وأحاول البرهنة على صحتها في هذا الكتاب . فهي بعد هذا كله ليست فرضية مسبقة وليدة انطباع سريع أو متسرع ، بل نتيجة بحث وتمحيص .

وأرجو ألا يذهب الظن بأحد أن كتابي هذا محاولة للانتقاص من عبقرية رامبو الشعرية، كما قد يزعم غلاة المعجبين به ، بل هو مراجعة نقدية غايتها فك الاشتباك بين حقيقة رامبو وأسطورته ، أي فصل الحقيقة عن الأسطورة ، لكي يكون إعجابنا بهذا الشاعر مبنياً على أساس موضوعي لا تداخله الأوهام . فرامبو في نهاية الأمر شاعر يمكن أن يدرس وينقد مثل غيره من الشعراء ، وليس معبوداً مقدساً يتسامى على الدرس والنقد .

وفي الختام أسجل شكري لجميع من ساعدني في الحصول على بعض المراجع والمصادر التي لم تكن متوفرة لدي ، وفي مقدمتهم أصدقائي : الشاعر الراحل خليل خوري الذي زودني بأربعة من المصادر الفرنسية النادرة في يومنا هذا وأهدى لي بعضها ، والأديب الشاعر حكمت الحاج ، والأديب المترجم كامل عويد العامري اللذان أهديا لي مصادر فرنسية وإنكليزية مهمة ونادرة هي الأخرى . وآمل في الأخير أن أكون قد قدمت للقارئ العربي شيئاً مفيداً .

صفحة 2

رامبو الحقيقة

قيل عن شاعرنا أبي الطيب المتنبي أنه : مالئ الدنيا وشاغل الناس ، ويصح أن يقال مثل هذا عن الشاعر الفرنسي جان نيكولا آرتور رامبو في الشعر الحديث . ولكن المتنبي هو غير رامبو ، ورامبو هو غير المتنبي ، وكل منهما في سبيل . وليس هدفنا هنا أن نقارن بين الشاعرين ، أو بين شعريتيهما ، أو أسطورتيهما ، إذ لا نرى بينهما وجهاً للمقارنة سوى انشغال الناس بهما ، بل هدفنا الحديث عن : رامبو الحقيقة ورامبو الأسطورة . فنحن نرى أن رامبو الحقيقة هو غير رامبو الأسطورة . فرامبو الحقيقة هو سيرة الشاعر الفعلية ونصوصه الشعرية ورسائله التي وصلت إلينا . أما رامبو الأسطورة فهو ما أحاط بسيرته وتفوهاته النظرية من مبالغات وتهويلات وأوهام وإسقاطات وأكاذيب رفعته ورفعت شعره إلى مستوى أسطوري .

إن رامبو الحقيقة هو ذلك الطفل الذي ولد في ( 20 ) تشرين الأول من عام (1854 ) في بلدة ( شارلفيل ) الواقعة في ( الأردين ) شمالي فرنسا ، وعلى مسافة كيلومترات من الحدود البلجيكية .

ورامبو الحقيقة هو الطفل الذي أنجبه أب عسكري كان قد ولد عام ( 1814 ) هو الكابتن فريدريك ديديه رامبو ، وأم ولدت عام ( 1825 ) هي ماري كاترين فيتالي كويف التي تزوجت منه عام ( 1852 ) وأنجبت ولديهما فريدريك ، فآرتور ، ثم بنتيهما فيتالي وإيزابيل وبنتاً أخرى توفيت في وقت مبكر . ولكن الأب كان يقضي أيامه بعيداً عن بيته وأسرته ، بسبب واجباته العسكرية ، ولم يكن على وفاق مع زوجته ، فانتهت حياتهما الزوجية بالانفصال عام ( 1860 ) واضطرت الأم أن تتولى بنفسها إعالة أطفالها وتربيتهم .

ورامبو الحقيقة هو أيضاً الصبي الذي درس بين عامي ( 1861 و 1870 ) في معهدي ( روسّا ) و ( شارلفيل ) ، الأول يعادل مدرسة ابتدائية من المدارس التي نعرفها اليوم ، في حين يعادل الثاني مدرسة ثانوية ، غير أنه امتنع بإصرار عن السعي للحصول على شهادة البكالوريا على الرغم من حدة ذكائه وتفوقه في دراسته .

ورامبو الحقيقة هو ذلك الفتى الذي تمرد على التقاليد الأسرية ، والأنظمة المدرسية ، والمواضعات الاجتماعية ، ونفر من حياة الدعة والاستقرار ، ثم انغمس في حياة التشرد ، وشذ في عاداته الخاصة وسلوكه الأخلاقي والاجتماعي .

ورامبو الحقيقة هو ذلك الشاعر الذي بدأ نظم الشعر باللغة اللاتينية كمتطلب من متطلبات دراسته ، وفاز في مسابقات الشعر اللاتيني التي كانت تنظم لطلبة معهده . أما أول قصيدة له بالفرنسية فقد نظمها في مطلع عام ( 1870 ) وكان يومئذ في عامه السابع عشر ، ثم توقف عن كتابة الشعر عام ( 1873 ) في رأي بعض المؤرخين والباحثين ، وعام ( 1874 ) أو ( 1875 ) أو ( 1878 ) أو ( 1879 ) في رأي غيرهم ، وأنتج من الشعر المتميز خلال هذه الأعوام القليلة ما لا ينتجه الشعراء إلا بضعف هذه المدة أو أكثر .

ورامبو الحقيقة هو الفتى الذي وجد في معلمه جورج إيزامبار صديقاً له ، يشجعه ويناقشه حول الشعر والشعراء ، ويغذيه بالأفكار السياسية المعادية للنظام الإمبراطوري في فرنسا ، ويضع بين يديه مكتبته وما فيها من كتب أدبية وفكرية ، ويقدم له النصيحة ، وينقذه من المآزق التي يورط فيها نفسه ، ويوفر له الملاذ أيام التشرد والإفلاس ، ويستقبل منه أفكاره ورسائله حول الشعر ، ويستمع إلى قصائده ويناقشه فيها ويفتح له أفقاً جديداً .

ورامبو هذا هو الشاعر الناشئ الذي بحث لنفسه عن موطيء قدم في عالم الصحافة ، فكتب إلى بعض الصحف المحلية ، وحاول العمل في إحداها فلم يوفق ، وبحث عن موقع بين الشعراء في باريس ، وراسل بعضهم ( تيودور بانفيل ، بول فرلين ) ليدخل عن طريقهم إلى عالم الأدب ، ويجد لنفسه مكاناً بين الشعراء في باريس ، حتى إذا تلقى أول رد فعل إيجابي من فرلين شدّ رحاله إليه من دون تردد أو إبطاء .

ورامبو هذا هو نفسه المراهق الذي عاش في حقبة من عمره حياة بوهيمية حافلة بالتشرد والعربدة وتعاطي المسكرات والمخدرات ، وأقام مع فرلين علاقة جنسية شاذة أدت بهما إلى التشرد معاً في بلجيكا وبريطانيا ، وانتهت بخصومات فقد فرلين في إحداها السيطرة على نفسه فأطلق عليه النار وأصابه ، فحكم عليه بالسجن مدة سنتين ، وعرفت هذه الحادثة لدى المؤرخين باسم مأساة بروكسل . وقد أتاحت له علاقته بفرلين أن يلتقي بأهم شعراء عصره ، مثل هوغو وبانفيل ، والعديد من شعراء باريس وفنانيها ، ولكنه كان يتعالى عليهم ، ويسخر منهم ، بل يهينهم أحياناً ، من دون أي مسوغ .

ورامبو الحقيقة هو ، أخيراً ، ذلك الرجل الذي قرر تطليق الشعر وراح يضرب في الآفاق ( في بريطانيا ، وألمانيا ، وإيطاليا ، وسويسرا ، والنمسا ، وجاوة ، وقبرص ، ومصر ، واليمن ، والحبشة ) متسكعاً باحثاً عن عمل يقتات منه وطامعاً في تكوين ثروة كبيرة ، حتى انتهى به المطاف إلى عدن وهرار ، تاجراً بضاعته البن والجلود والسلاح والعبيد ، وظل كذلك حتى مرض مرضاً خطيراً ، وعاد إلى بلاده ليموت في مدينة مرسيليا في (10) تشرين الثاني من عام 1891 ، وعمره لم يزد عن سبعة وثلاثين عاماً .

صفحة 3

رامبو الأسطورة

تلك هي الحقائق الأساسية في سيرة رامبو . ولكن مؤرخيه وشرّاحه ومفسريه قد بالغوا فيها وهوّلوا في وصف أحداثها ووقائعها ، وأفرطوا في البحث عن تفاصيلها إفراطاً كبيراً ، وأضافوا إليها من مخيلاتهم الشيء الكثير . ذلك أنهم لم يعتمدوا على النصوص المدونة ( من وثائق ورسائل وأشعار ) فقط ، بل أضافوا إليها مصادر أخرى ، غير دقيقة ولا موثوقة ، أبرزها الذكريات الشخصية ومرويات الأقارب والأصدقاء والمعارف والجيران وغيرهم ، وزادوا على ما جاءت به الذكريات والمرويات تفاصيل مختلقة ، وتأويلات خاصة ، وأسبغوا عليه صفات أسطورية ، حتى ضاعت الحقيقة في خضم لا أول له ولا آخر .

إن أول من لجأ إلى التعويل على الذكريات ، ووضعها في عداد الحقائق هم أصدقاء رامبو مثل دولاهيه وأقاربه وخاصة أخته إيزابيل . فهؤلاء وأمثالهم دوّنوا بعد وفاته الكثير من ذكرياتهم عنه ، أو أفضوا بها إلى من دوّنها ، وأخذت هذه الذكريات ، في غالب الأحيان ، على أنها حقائق ثابتة ، على الرغم مما يخالطها من الأوهام والاختلاقات . ويلاحظ أن هذه الذكريات قد دوّنت بعد مرور مدة طويلة على وقوع أحداثها تصل إلى ربع قرن أو أكثر ، وحاولت استعادة أحداث ثانوية وفرعيات وهوامش طواها النسيان ، فكانت للعواطف والرغبات والأغراض والمنافع الخاصة أدوارها في توجيهها نحو وجهة تخدم هدف بناء الأسطورة ، وكانت للخيال لعبته السحرية في بنائها وسدّ ثغراتها وتزويقها .

وأسوأ من هذه الذكريات تلك الاستنطاقات التي قام بها المؤرخون والمحققون . فهم لم يدعوا قريباً من أقرباء الشاعر ، ولا صديقاً من أصدقائه ، ولا شخصاً يعرفه من قريب أو بعيد إلاّ لاحقوه واستنطقوه . وكان على كل واحد من هؤلاء أن يعتصر ذاكرته ، ويشحذ خياله ، ليقول لهم شيئاً يناسبهم ، فإن لم يجد اضطر إلى الاختلاق (.. رامبو ؟ قلت آرتور ؟ نعم . . كنت أعرفه .. نعم .. وأذكر أنه كان .. ) ثم يجند خياله وعاطفته وتشجيع مستنطقه ليقول أي شيء .

وهكذا دخل هؤلاء المؤرخون في مباراة محمومة في ما بينهم لجمع المعلومات بهذه الطريقة وأشباهها . فكان على كل منهم أن يضيف ، إلى ما جاء به من سبقه ، معلومات جديدة ، وذكريات أخرى ، وحكايات غير التي رويت من قبل ، وشهوداً جدداً ، صادقين أو كاذبين . وكان بعض هؤلاء يبذل جهوداً مضنية من أجل التحقق من معلومة ذات قيمة جد ثانوية على صعيد دراسة سيرة الشاعر وشعره ، فيُضَخِّم نسيج الأسطورة بما هو غير ضروري ولا مهم .

وقد زادت الحالة سوءاً تلك المزاعم التي جاء بها الشرّاح والمفسرون ، ولعب التأويل ، والخيال الصرف ، والإنشاء الأدبي دوراً أساسياً في بنائها وتزويقها ، حتى دخلت هي الأخرى في عداد الحقائق ، وعوملت وكأنها جزء من سيرة الشاعر وحقائق حياته .

بل لقد ذهب المؤرخون حداً من الإفراط جعلهم يكتبون سير أقارب رامبو بدلاً من الاكتفاء بسيرته الشخصية . فإذا بنا أمام سيرة لأبيه ، وأخرى لأمه ، وأخرى لأخيه ، فأختيه ، فابنة أخيه ، فجده ، فخاليه . ثم تحولوا إلى أصدقائه فصرنا أمام سير أخرى : لدولاهيه ، وإيزامبار ، وديميني ، ولاباريير ، وسواهم . وبفضل الاهتمام به عرفنا عن فرلين وحياته العائلية أشياء ما كنا سنعرفها لولا هذا الاهتمام . بل لقد عرفنا عن أم فرلين ، وزوجته ، وأبويها ، وأخيها من أمها ، أشياء ما كانت لتكون موضوع اهتمام عند أحد ، حتى وصل الأمر إلى شخصيات غامضة مغمورة مثل شارل دو سيفري وشارل بريتاني ، وإلى ناشرين وتجار وخدم وسواهم يعدون بالعشرات ، وكان كل ذلك يدخل في نسيج سيرة رامبو ويضيف عناصر لنفخها وتزويقها .

وهكذا صرنا أمام معلومات غزيرة جداً ، وتفاصيل كثيرة جداً ، فيها الكثير من الأوهام ، والكثير من التناقضات ، والكثير من الاختلاقات ، حتى غيبت الحقيقة وراء أغطية كثيفة من الهراء والزيف ، ونشأ عن ذلك ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح : أسطورة رامبو .

بل أن هذه الأسطورة نفسها أصبحت من التعقيد والتشعب بحيث غدت مجموعة من الأساطير ، نشأت حول كل منها نظريات اختلفت حولها الآراء والاجتهادات ، وصارت مواضيع لجدل جانبي عقيم . حتى صار كل دارس جاد لرامبو يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن بداية جديدة يبدأ دراسته منها ، غير تلك التي بدأ منها سواه ، ليتفادى ما يستطيع تفاديه من الأخطاء والأوهام والاختلاقات ، ويصل إلى صوت رامبو من خلال ضجيج الأصوات الأخرى .

تتساءل إينيد ستاركي في السطور الأولى من كتابها المهم : آرتور رامبو ( أيمكن رسم صورة صحيحة لرامبو من عدد لا يحصى من التناقضات والتعقيدات التي يواجهها النقد ؟ أيمكن رسم الصورة التي تجعل رامبو معروفاً كإنسان ، وليس فقط مجموعة من التجريدات التي ربط بعضها ببعض بصورة مفككة ؟ ) .

وتعترف إينيد ستاركي فتقول ( من الصعب تسوية كل هذه التناقضات ودمجها في كل متماسك ) ولكنها ، كغيرها ، لا تمتنع عن القيام بالمحاولة .

غير أن جان كاسو رأى ( أن أية محاولة للدمج من هذا النوع لا ترجى منها فائدة ) !

أما إيف بونفوا فينصحنا منذ السطر الأول من كتابه رامبو بقلمه قائلاً ( لكي نفهم رامبو علينا أن نقرأ رامبو ، راغبين في فصل صوته عن أصوات كثيرة اختلطت به ) .

ولكن كيف يمكن أن نفصل صوت رامبو عن الأصوات الأخرى وقد امتزجت بصوته حتى غدت وكأنها صوت واحد ؟

إن العودة إلى النصوص الرامبوية لم يعد كافياً ولا ممكناً لمعرفة رامبو . فما كتب عن سيرته ألقى ظلالاً كثيفة على شعره وتفوهاته النظرية ، حتى لم يعد ممكناً أن نقرأه بمعزل عما نسج حول شخصه . لقد تحول رامبو ، شئنا أم أبينا إلى أسطورة دخل في نسيجها كل ما كتب عنه ، مهما كان بعضه تافهاً ، أو عرضياً ، أو ملفقاً .

إن بونفوا نفسه ، بونفوا الذي قدم لنا تلك النصيحة ، لم يستطع أن يتخلص من عبء الذكريات والمرويات ، ولم يكن لديه من أداة في الكتابة عن رامبوغير التأويل، على الرغم من أنه أراد أن يقدم لنا رامبو بقلم رامبو : Rimbaud par lui même .

لهذا نقول إن قراءة رامبو قراءة صحيحة ينبغي أن تبدأ بتفكيك نسيج أسطورة رامبو . وهذا لا يكون ، كما نرى ، إلا بقراءة نقدية صارمة ، قراءة معيارية بالدرجة الأولى ، لا لتقول شيئاً جديداً فحسب ، بل لتقترب من حقيقة رامبو ومن قيمة ما قدمه على صعيد الشعر وعلى صعيد النظرية الشعرية . وهذا ما تطمح إليه هذه القراءة المتواضعة .

صفحة 4

بوهيمية رامبو

أوضحنا في ما سبق كيف كتب المؤرخون سيرة رامبو ، وذكرنا أنهم نقّبوا في تاريخ عائلته ، وعائلتي أبيه وأمه ، وذكريات أصدقائه ومعارفه ، وأفرطوا في البحث عن التفاصيل ، وهوّلوا في عرضها ووصفها ، وأعطوا للكثير منها ما لا يستحقه من الاهتمام ، وعلقوا عليه أهمية ليس جديراً بها ، واختلقوا تفاصيل كثيرة ، وابتدعوا لها حكايات لعب الخيال الصرف والإنشاء الأدبي دوراً أساسياً في صياغتها وتضخيمها وتزويقها .

وربما كانت بوهيمية رامبو من أكثر ما تعرض لهذا التضخيم والتزويق . فعلى الرغم من كون البوهيمية سلوكاً عارضاً طرأ عليه في حقبة من حياته لا تتجاوز أربع سنوات ، كما سنرى ، كتب المؤرخون عنها ، وأوردوا حكايات كثيرة ، بتفاصيل كثيرة ، حقيقية ومختلقة ، واجتهدوا في تقديم شخصية بوهيمية نموذجية ترقى بها إلى مستوى تجريدي خالص لا يبقي لها إلا صلة مصنوعة بالشخصية الأصلية ، أي الشخصية التي عاشت على أرض الواقع ، وبين الناس ، وكانت لها مع الناس صلات بشرية ملموسة ، ومحددة .

فقد تعامل المؤرخون مع رامبو وكأنه ولد بوهيمياً ، وعاش بوهيمياً ، ومات بوهيمياً . فهو بوهيمي خلقةً ، وبوهيميته خصلة موروثة ، شأنها شأن زرقة عينيه وبياض بشرته ، فرافقته منذ ولادته حتى مماته . وعلى هذا الأساس الواهي نشأت نظريتان وظّفت لكل منهما الكثير من الروايات ، واستعمل في نسجهما الكثير من الخيال والإنشاء . تقول النظرية الأولى : إن أباه هو مصدر بوهيميته ، وتقول النظرية الثانية : إن أمه هي مصدرها . وربما كانت هناك نظرية ثالثة تمزج بين النظريتين .

فأوائل المؤرخين ، الذين كانوا على صلة بعائلته ، وكان عليهم أن يحصلوا منها على الوثائق والمعلومات ، قالوا بالنظرية الأولى ، ومنهم إرنيست دولاهيه وباتيرن بريشون . أما الآخرون ، وفي مقدمتهم غودشوت وإينيد ستاركي ، فقالوا بالنظرية الثانية . ومع ذلك اتفق أصحاب النظريتين على أن سلوك أمه حياله كان عاملاً مباشراً في دفعه إلى الحياة البوهيمية الصاخبة .

أصحاب النظرية الأولى تعاملوا مع الموضوع على قاعدة ( الإبن سر أبيه ) المعروفة . فكلما تحدث أحدهم عن بوهيمية رامبو تذكر أن له أباً ، وأشار إلى عربدة أبيه وتهافته على الملذات ، ولكن من دون أدلة ملموسة ومعلومات محددة . ولم ينس هؤلاء أن الأب من أسرة بورغونية عرفت بحب المغامرة والخمر والنساء ( كذا ) ولم يفتهم أن يضيفوا أن شأن الأب في ذلك شأن سكان مقاطعة بورغونيا ( بلاد الشمس والنبيذ ) . وكأن كل ذلك عناصر امتزج بعضها ببعض امتزاجاً حتمياً لنحصل على نتيجة لا مجال للمصادفة فيها هي : هذا الفتى البوهيمي الشاذ !

الطريف في الأمر أن أسرة رامبو كانت تقيم في ( الأردين ) وليس في (بورغونيا) التي تبعد عنها بمئات الأميال . ولم يرد في جميع ما عرف من سيرة رامبو أنه زار مقاطعة بورغونيا أو اتصل بأحد من أسرة أبيه ولو عن طريق المراسلة . وأطرف من ذلك أن رامبو نفسه لم ير أباه منذ ولادته عام 1854 حتى وفاته ( وفاة أبيه ) في ديجون عام 1878 سوى مرتين : الأولى عندما كان عمره سنتين ، والثانية كانت بعد الأولى بثلاث سنوات . وإذا وثقنا بدولاهيه فإن الذكرى الوحيدة التي يحتفظ بها رامبو عن أبيه : وعاء فضي من مقتنيات العائلة تقاذفه الأبوان في غضب فأحدث ضجيجاً أرعب الأطفال . هذا وقد مات رامبو الأب ورامبو الإبن خارج فرنسا فلم يحضر جنازته ، ولا زار قبره في أي وقت من الأوقات . إذن كيف ورث الإبن بوهيميته عن أبيه ؟ ليس أمامنا وفق هذا المنطق إلا أن نقتنع بأن بوهيمية رامبو كانت كامنة في جينات أبيه ، فورثها عنه ، سواء رضيت بذلك قوانين علم الوراثة أم لم ترض .

غير أن مؤرخين آخرين ، ربما أرادوا أن ينتصفوا للأب ويبرّئوه من هذه التهمة ، فاستهدفوا الأم ، لأنها ، كما يرون مصدر كل عذاب لحق برامبو ، وأصل كل شر أصاب العائلة . وهكذا بحثوا في سيرة الأب عن كل ما يظهره بمظهر الشخصية الجادة اللامعة ، وجاءوا بتفاصيل أخرى من سجل خدمته في الجيش الفرنسي ، ثم التفتوا إلى الأم وتاريخ عائلتها ، فراح غودشوت ينقب فيه ، ويجد في سيرة أخويها جان – شارل فيلكس كويف ، وشارل أوغست كويف ، ما يرجح أن رامبو ورث بوهيميته من خاليه ، أي عن طريق أمه .

ففيلكس كويف كان فتى طائشاً مغامراً ، قيل عنه إنه اقترف جريمة غامضة وهو في السابعة عشرة من عمره ، فتطوع في الجيش الفرنسي في الجزائر تخلصاً من العقوبة ، وقضى هناك حياة حافلة بالمغامرات ( التي لا ندري ما هي ) حتى أطلق عليه بسببها لقب : الإفريقي . غير أنه عاد بعد تلك المغامرات إلى عائلته عليلاً ، وكان ذلك قبل زواج أخته ( أم رامبو ) بنحو سنتين ، وما إن عاد حتى طالب بنصيبه من الإرث العائلي ، ولكن علته ( المجهولة ) لم تمهله طويلاً ، فمات بعد ذلك بعام ، وظل بالنسبة إلينا نحن شخصية غامضة ، وجذابة على نحو ما ، تضفي شيئاً من غموضها ، وشيئاً من جاذبيتها ، على شخصية رامبو ونسيجها الأسطوري ، وإن من بعيد .

أما أوغست كويف فكان أصغر من أخته بخمس سنوات . عاش خلال حقبة اختفاء أخيه مع أبيه وأخته يساعدهما في بعض أعمال المزرعة التي تملكها العائلة في روش . ولكنه كان محدود الفعالية والنشاط ، وكانت أخته صارمة في معاملته ، فتزوج في الثانية والعشرين من عمره هرباً من صرامتها . وكان ذلك قبل زواجها من الكابتن رامبو بعام . وبعد هذا الزواج قرر كويف الأب أن يعيش مع ابنته في شارلفيل ، وأوكل لابنه أوغست إدارة المزرعة بعد أن أعطاه مبلغاً من المال . غير أن هذا سرعان ما تحول إلى سكير متلاف ، بذر المال الذي أعطي له لإدارة المزرعة ، ثم أخذ يسيء معاملة زوجته حتى اضطرت إلى تركه والعودة إلى أهلها . وعندئذ خلا له الجو ، فأهمل المزرعة إهمالاً كاملاً حتى لحق بها الخراب . ولم يكتف بذلك ، بل راح يطالب ببيع نصيبه منها ، فأعطي لقاء ذلك مبلغاً آخر من المال ، ولكنه سرعان ما بدد هذا المبلغ كما بدد غيره ، وراح يتشرد في الأرياف ، فكان يتنقل بين أبناء الأعمام والأخوال طلباً للمساعدة ، أو يفد على أخته فيتالي بحثاً عن مبالغ أخرى ، وكانت هذه تعطيه مرة ، وتمنعه في الثانية ، ومع ذلك خيب ظن المؤرخين فعاش حتى طعن في السن ، ومات في الرابعة والتسعين من عمره في دار للإيواء تديرها الكنيسة ، ولكنه حابى المؤرخين ، فكان وهو على فراش الموت ، يأبى الاعتراف ، ويرفض تناول القربان المقدس ، ويطلب بدلاً من ذلك ليتراً من النبيذ الأحمر !

لا عجب إذن أن يولد رامبو بوهيمياً . فالبوهيمية تجري في عروق خاليه ، وثلثا الولد خاله ، كما يقول المثل الشعبي في العراق . وهكذا أتيح لبعض المفسرين (إينيد ستاركي وغيرها ) أن يأتوا بالنظرية الثانية ، فيزعموا أن بوهيمية رامبو جاءته إرثاً عن أمه ، وليس عن أبيه . وسواء أخذنا بالنظرية الأولى أم بالنظرية الثانية ، أم بكلتيهما ، فإن علينا أن نقبل ما رواه الرواة حول عائلة أبيه وعائلة أمه ، وأن نقر قبل ذلك وبعده بأن رامبو كان بوهيمياً خلقةً ، وبهذا فقط يصلح أن يكون النموذج البوهيمي المطلوب .

صفحة 5

رامبو الزنديق

ولكي تكتمل ملامح النموذج البوهيمي كان على المؤرخين أن يبرهنوا على أن رامبو كان زنديقاً متمرداً منذ نعومة أظفاره ، فتشبثوا بإشارتين وردتا في اثنتين من قصائده هما قصيدتا : ( شعراء السابعة ) و( حيوات ) . ففي الأولى يقول رامبو إنه ( لم يكن يحب الله ) في السابعة من عمره . وفي الثانية يذكر أنه حبس ، وهو في الثانية عشرة من عمره ، في حجرة السلّم . وبناء على ذلك يزعم المؤرخون أنه حبس لأن أمه ضبطته وهو يقرأ في كتاب يتنافى والتعاليم الكاثوليكية ، فما كان منها إلا أن تنتزع الكتاب من يده بغضب ، وتعاقبه بهذا العقاب طوال النهار . أما ما هو هذا الكتاب ، ومن أين جاء به رامبو وهو في هذه السن فلا أحد يقول عن ذلك شيئاً .

وهكذا حكموا عليه بالزندقة منذ طفولته ، وحمّلوا أمه فيتالي كويف مسؤولية زندقته ، فراحوا يرسمون لها صورة امرأة متدينة ، بل متزمتة في تديّنها ، حاولت أن تغرس في نفوس أطفالها الأربعة التعاليم المسيحية الكاثوليكية ، وحب التقشف والطاعة ، وجعلت من المنزل شبه محراب . وعندئذ لم ينسوا أن يصفوا لنا الشموع الشاحبة ، وصليب المسيح المعلق في صالة البيت ، ووجه فيتالي المعذب القاسي ، وأثر كل ذلك على روح الطفل رامبو وجموحه وجنوحه نحو الكفر والتجديف . ولابد، لهذه المناسبة ، من أن يتذكر أحدهم ( دولاهيه ) كيف كانت فيتالي تقتاد أطفالها الأربعة إلى الكنيسة صباح كل أحد . ولكي يضفي على هذه الذكرى طابعاً مسرحياً يتبرع بتقديم مشهد فريد : الأم فيتالي وهي تسير بوقار صوب الكنيسة ، تتقدمها ابنتاها ( فيتالي وإيزابيل ) وكل منهما تمسك بيد الأخرى ، ووراء البنتين يسير الولدان ( فريدريك وآرتور ) وفي يد كل منهما مظلة زرقاء ، وعلى رأسه قبعة مستديرة . وحيث أن آرتور هو الشخصية الكافرة في هذا الجمع المؤمن ، وحيث أنه بطلنا ونموذجنا الفريد ، فلابد من إحكام هذا المشهد المسرحي بلمحة معبرة عن شذوذه وتجديفه ، فهو الوحيد الذي كان يتلفت يمنة ويسرة ، ويتحدى بلفتاته ونظراته عيون المارة المبتسمين !

بهاتين الحكايتين ، حكاية الحبس في حجرة السلم وحكاية صباح الأحد ، مع ما يكتنفهما من وصف إنشائي مؤثر ، حاول المؤرخون إقناعنا بأن فيتالي كويف امرأة متزمتة في تدينها ، وغير متسامحة ، بل قاسية في عقوبتها ، وأن ابنها الصغير رامبو كان ميالاً للتمرد والزندقة منذ نعومة أظفاره . وهذه ليست الحقيقة ، أو ليست كل الحقيقة . فثمة حقائق أخرى ، وحكايات أخرى ، تدل على عكس ذلك ، وهم يروونها من غير أن يشعروا بالتناقض . فهم أنفسهم يذكرون أن رامبو كان متديّناً في صباه حتى أنه أراد أن يصبح كاهناً ! وهم أنفسهم يروون أنه غضب ذات يوم غضباً شديداً حين رأى أولاداً أكبر منه يعبثون بالماء المقدس خارج الدير ويرش به بعضهم بعضاً ، فما كان منه إلا أن يهجم عليهم ، وما كان منهم إلا أن يطلقوا عليه لقب ( المتعبد القذر) . فأين هي الحقيقة إذن ؟

الحقيقة هي أن رامبو تكوّن تكويناً دينياً منذ نعومة أظفاره ، وظل هذا التكوين مهيمناً عليه برغم ما أبداه من تمرد على الدين حين اجتاحته أزمة المراهقة . وكل من يقرأ شعره يجد مشاعره الدينية العميقة مبثوثة في ثناياه . وحيثما ورد عليه ذكر المسيح ، أو مريم ، أو أحد القديسين ، فاضت هذه المشاعر في نفسه ، وأفصحت عن نفسها في جملة عابرة ، أو كلمة في الأقل . فتجديفه كان طارئاً عليه ، كان ضرباً من العناد والتكبر ، ولم يكن وليد قناعة داخلية راسخة . ورغم كل ما قاله وما فعله ، كان شعوره بالإثم يثقل ضميره ، حتى إذا انفجرت الأزمة بينه وبين صاحبه فرلين ، وكان ما كان في مأساة بروكسل ، اتخذ من كتابه ( فصل في الجحيم ) كرسياً للاعتراف وإعلاناً للتوبة . فقد استعاد في هذا الكتاب إيمانه المسيحي ، وثمة العديد من العبارات الدالة على ذلك في ثنايا هذا الكتاب :

قال في ( دم فاسد ) : ( الله صانع قوتي ، وإنني لأحمده . ) وقال راجياً ( لو وهبني الله الهدأة السماوية ، الأثيرية ، الصلاة ، كقديس من القديسين ، أقوياء ، نساك كهوف ، فنانون كما لم يعد أحد يريد ) .

وقال في ختام ( ليل الجحيم ) : ( إلهي رحماك ، خبّئني ، إنني لا أتماسك ، مخبأ أو غير مخبأ . إن النار لتعلو مع رجيمها ) .

وقال في ( هذيانات 2 ) : ( السعادة ! كان ضرسها ، الرقيق لدى الموت ، ينبهني عند صياح الديك في الصباح أن ( المسيح آت ) في أكثر المدن حلكة ) .

وقال في ختام ( المستحيل ) : ( لحظة اليقظة هذه هي التي وهبتني النقاء ! بالروح نذهب إلى الله . سوء حظ محزن ) .

وقال في ختام ( ومضة ) : ( أيتها الروح الفقيرة العزيزة لن نخسر الأبدية ) .

ومما يؤكد عودته إلى إيمانه المسيحي ما أجراه على بعض مسودات ( فصل في الجحيم ) من تعديلات ، ومن ذلك مسودة ( الإهتداء الكاذب ) . فقد أعاد كتابتها وغير عنوانها بعنوان آخر هو ( ليل الجحيم ) وحذف منها مع ما حذف عبارة ( شعور كاذب، صلاة كاذبة ) التي كانت في خاتمة القطعة المدونة في المسودة .

هذا لا يعني أنه أصبح متديّناً كالمتديّنين ، بل استعاد إيمانه المسيحي فحسب .

ولكن ماذا عن فيتالي كويف نفسها ؟ أكانت متديّنة متزمتة كما يقولون ؟

إن معظم الأمهات في الأرياف والبلدات الصغيرة متديّنات ، بل شديدات التديّن، وهذا لا يجعل فيتالي كويف شاذة بينهن ، إلى الدرجة التي تدفع بأبنائها ، كلهم أو بعضهم ، إلى التمرد على الدين وتعاليمه . ولكن ما دامت فيتالي هذه هي أم الشاعر المجدّف آرتور رامبو ، فتديّنها إذن هو السبب في تجديفه . ترى لو كان رامبو شخصية ورعة متديّنة ، أما كان هؤلاء سيقولون : إن ورعه وتديّنه كانا بتأثير من تديّن أمه وورعها ؟

ومع ذلك ، فإن فيتالي ، إن كانت متديّنة حقاً ، فإنها ليست متزمتة في تديّنها، والدليل على ذلك أنها أدخلت ابنها في مدرسة روسّا ، وهي مدرسة معروفة بنزعتها العلمانية واتجاهاتها واتجاهات أساتذتها الحرة ، باعتراف المؤرخين أنفسهم . ولو كانت فيتالي متزمتة ، كما يزعمون ، لما قبلت علاقة ابنها الشاذة بفرلين بـ ( تسامح مدهش ) كما يقول إيف بونفوا . فقد سكتت على هذه العلاقة ، ولم تشجبها بكلمة استنكار واحدة .

إذن فحقيقة الأمر أن رامبو لم يكن ميّالاً إلى الزندقة والكفر في طفولته وصباه ، بل كان عكس ذلك ، بغض النظر عما قاله بعد أن شبَّ وتمرد . ولم تكن أمه متزمتة في تدينها ، بل كانت متسامحة ، ولكن المؤرخين جمعوا من الحكايات والمرويات كل شيء يمكنهم من رسم ذلك النموذج التجريدي المتخيل للبوهيمي الزنديق ، وسنكتشف أن الكفر قد طرأ عليه بعد التقائه بمعلمه وصديقه جورج إيزامبار ، وأنه لازمه خلال مرحلة مؤقتة من حياته ، هي مرحلة تمرده التي دامت أربع سنوات ، وانتهت بما قدمه من اعترافات في كتابه ( فصل في الجحيم ) .

صفحة 6

رامبو وأمه

حين نقرأ ما كتبه المؤرخون عن فيتالي كويف ، ونمعن في تفاصيله ، فلابد لنا من أن نعجب من هذه الصورة البشعة التي رسموها لها وندرك أن هذه الصورة زائفة ، لا تمثل الأصل ، ولا تعبر عن حقيقته ، وهي صورة تجريدية رسمت لمتطلبات بناء ( النموذج الرامبوي ) .

لقد أراد المؤرخون أن يحمّلوا فيتالي كويف مسؤولية كل تصرفات ابنها الشاذة. فهي ليست امرأة متزمتة في تدينها فحسب ، بل هي حازمة وصارمة وقاسية أيضاً ، وهذا ما دفع ابنها إلى التمرد في زعمهم . ومن هنا راحوا يبحثون عن كل موقف من مواقفها يلمسون فيه شيئاً من الصرامة والحزم تجاه حماقات ابنها وتصرفاته الطائشة أيام جنوحه ، وإن لم يجدوا فلا بأس إذن في أن يتخيّلوا ويختلقوا . فإذا كتبت رسالة إلى معلمه إيزامبار ، الذي اكتشفت أنه يزوده بالكتب الممنوعة ، وطلبت منه بلباقة وتهذيب ألا يفعل ، وإذا شكته في ما بعد إلى مدير المدرسة طالبة منعه من إفساد ابنها المراهق ، استكثروا عليها ذلك ، وعدّوا تصرفها نوعاً من الصرامة التي دفعت الإبن إلى التمرد على أمه ومعاداتها . وإذا حبس الإبن في مصادفة سيئة واتهمت أمه إيزامبار بتشجيعه على تصرفاته الطائشة ولامته على إيوائه في منزله ، انتصروا جميعاً للمعلم الطيّب ، واستنكروا حزم الأم المجروحة في كرامتها ، والمفجوعة في ابنها الذي بنت عليه أحلامها ، وزادوا صورتها جفوة وبشاعة . وهم في كل ذلك يتناسون أنها أمه ، وأية أم ؟ أم في بلدة صغيرة كان زوجها بعيداً عن أسرته دائماً ، ولم يكد أكبر أبنائها الأربعة ( فريدريك ) يبلغ السابعة حتى انفصل عنها وتركها وحيدة تواجه مسؤولية إعالتهم وتنشئتهم بمفردها ، ولم يكن عمرها يزيد على خمسة وثلاثين عاماً ، وكان دخلها السنوي لا يزيد على ( 300 ) فرنك . فهل كان أمراً شاذاً أن تمنع هذه الأم ابنها من قراءة كتاب تعتقد ، خطأ أم صواباً ، أنه يشجعه على الانحراف ، وتؤنب رجلاً غريباً أحست بغريزتها أنه يفسد ابنها ؟ أليس هذا ما كانت ستفعله أية أم وحيدة حماية لابنها المراهق ؟ وهل في هذا إلا ما هو مألوف وطبيعي وغريزي لدى كل أم حتى يومنا هذا ، إلا إذا كانت أماً شاذة حقاً لا يهمها أمر أبنائها ؟

ولا يكتفي هؤلاء المؤرخون بتقديم هذه الصورة عن تزمّت فيتالي كويف ، بل يعمدون إلى تجهيلها والسخرية منها . فهم يصدقون إيزامبار ويزعمون أن الكتاب ، الذي أعاره لابنها واعترضت عليه يومها ، لم يكن سوى رواية ( أحدب نوتردام ) وأنها كانت تظنه رواية فيكتور هوغو الشهيرة ( البؤساء ) . فهي إذن أم جاهلة لا تفرق بين هذه وتلك ، وهي حمقاء متسرعة تشكو مما لا تعرفه ، ولكنهم يتناسون هنا أن إيزامبار كان يضع بين يدي ابنها كل ما لديه من كتب وصحف ممنوعة ، وأن الأم كانت تعترض على المبدأ أكثر مما تعترض على كتاب بعينه .

نريد أن نقول : إن مؤرخي رامبو جعلوا الطبيعي شاذاً والشاذ طبيعياً ، لكي يجدوا مسوّغاً لتمرده ، حتى جعلونا نبغض أمه بالمقدار الذي نشفق به عليه . ترى لو كانت هذه الأم شاذة حقاً ، ولو انشغلت بنفسها عن أبنائها ، أو ارتبطت بعد انفصال زوجها عنها برجل آخر يلهيها عنهم ، أما كانوا سيقولون عنه ، كما قالوا عن بودلير ، إن سبب تمرده هو إهمال الأم ، وليس تزمتها وصرامتها ؟

وهكذا نجد أن هؤلاء قد نقّبوا عن كل صغيرة وكبيرة في تاريخ هذه العائلة ، والتقطوا كل التفصيلات ، حتى أتفهها ، وبالغوا في وصفها وعرضها ، وحملوها ما طاب لهم من الدلالات ، واختلقوا تفصيلات أخرى تسندها ، ليبرهنوا أن فيتالي كويف أم سيئة ، وأنها كانت السبب في جنوح ابنها . بل هم جهدوا في أن يرسموا لها صورة بشعة، منفرة ، مجردة من كل الحسنات . فهم يحمّلونها مسؤولية انفصال زوجها عنها ، مع أن زوجها هو الذي بادر إلى الانفصال . وهم يزعمون أن ( روح زوجها الحية المغامرة ) ما كانت لتنسجم مع أخلاقيات امرأة متزمتة صارمة مثلها . وهم يدعون أنها كانت تلقن أبناءها أنهم ورثوا كل شيء سيء عن أبيهم . بل أن إينيد ستاركي ، بخلاف جان ماري كاريه ، ترى أنها لم تكن جميلة ولا فتيّة ، فتصفها ، من خلال صورة لها ، من رأسها حتى أخمص قدميها ، ثم تتساءل عما دفع الكابتن فريدريك رامبو إلى اختيارها زوجة له ، بل هي تقول ( ربما كانت هي التي اختارته زوجاً لها ، فهي امرأة لا تنقصها الشجاعة ولا العزيمة ) ! هذا مع أن فيتالي تزوجت من الكابتن رامبو وهي في الثامنة والعشرين من عمرها ، وكان زوجها يكبرها بأحد عشر عاماً .

أما غودشوت فيصفها بأنها بخيلة ومحتالة تلاعبت بحصة أخويها من الإرث العائلي ، وعاملت أخاها الذي يصغرها بجفاء ونكران ، ولم تكن سبباً في زواجه المبكر وانفصاله عن العائلة فحسب ، بل كانت سبباً في تشرده وفاقته أيضاً ، ليبدو لنا طبيعياً أن تكون سبباً في تمرد ابنها وتشرده .

غير أن هناك وقائع كثيرة تثبت أن هذه السيدة ، ذات الدخل السنوي المحدود ( 300 فرنك ) والمسؤولة عن إعالة أربعة أطفال ، لم تكن بخيلة ، بل كانت امرأة منظمة مدبرة . والدليل على ذلك أنها لم ترغم أحداً من أبنائها ، وخاصة ابنها الشاعر ، على العمل المبكر ، بل علمتهم ، وأنفقت على تعليمهم بسخاء ، وحين لمست في رامبو نبوغاً استأجرت له معلماً خاصاً يعلمه اللاتينية واليونانية ، إضافة إلى ما كان يتلقاه من تعليم في المدرسة . ثم أن هذه السيدة التي تتهم بالبخل هي التي تبرعت بنفقات طبع كتابه ( فصل في الجحيم ) من دون أن تأمل بأي مردود غير المردود المعنوي على ابنها ، وحين كتب لها من لندن عام 1874 مدعياً المرض ، خفت إليه بصحبة ابنتها فيتالي لترعاه وتنقذه من إفلاسه . وهي بعد ذلك لم تكن أختاً محتالة ، بل كانت تخشى من أن يبدد أخواها الطائشان إرث العائلة ، ومصدر رزقها الوحيد ، كما بددا ما أعطيا من أموال مرة بعد مرة .

ولكن المؤرخين يصرون ، مع ذلك ، على البحث عن المزيد من التفاصيل الهامشية لتبشيع صورتها ، حتى إذا علموا أن لها حفيدة ولدت سفاحاً من ابنها الكبير فريدريك ، وأودعت منذ طفولتها في دير ، بحثوا عنها حتى وجدوها ، ثم راحوا يستنطقونها وينقلون عنها المزيد من مثالب جدتها . فقد وصفت الحفيدة الجدة بأنها ( امرأة شريرة غالباً ما كانت تخرج مساء لتنقل علامات الحدود الفاصلة بين حقلها وحقول جيرانها ) لتوسيع مساحة حقلها ، وأنها ( ردمت ذات مرة نبعاً لئلا يستقي منه القرويون ) .

إذن ، هذه هي الصورة التي رسمها المؤرخون لفيتالي كويف : زوجة قبيحة منفرة سيئة الخلق ، وأم متزمتة صارمة ، وأخت بخيلة ومحتالة ، وجدة لئيمة قاسية، وجارة شريرة عدوانية . ولسنا هنا في معرض الدفاع عنها ، ولكننا نريد أن نوضح كيف قدمها المؤرخون في أبشع ما استطاعوا من صورة ، وكيف جرّدوها من كل صفة إنسانية ، لكي يزعموا أنها كانت السبب في جنوح ابنها. بل هي (امرأة لا إنسانية) في نظر ستاركي . وكان كل مؤرخ جديد يضيف إليها مثلبة ، بل مثالب ، جديدة ، ويضع على صورتها المرسومة رتوشاً منفرة أخرى حيثما وجب ذكرها ، حتى جعلوا منها أسطورة مجسدة من أساطير الشر ، لكي تقابل أسطورة ابنها الطفل العبقري وتكون نقيضها الحاد . فأم كهذه لا يمكن أن تقدم للحياة إلا غلاماً كهذا الغلام . وبذلك جعلوا من الإبن الطائش المنحرف ضحية من ضحايا أمه الكثيرين ، فأضفوا على تمرده وبوهيميته وزندقته مسحة بطولية ، ومعنى من معاني الشهادة ، وبهذا كله ، وبغيره، أسبغوا على شعره هالة من خارج الشعر ، وبنوا عمود أسطورته الفقري .

صفحة 7

رامبو والمدرسة

حين يتحدث مؤرخو رامبو عن حقبة تعليمه ، فإنهم يلحون على مسألتين متناقضتين : ذكائه وشغبه ، ويتخذون منهما مادة أخرى لبناء أسطورته .

أما ذكاء رامبو فحقيقة ثابتة تؤيدها الوقائع والأدلة ، وهو ذكاء غير عادي ، من دون ريب . ولكن المؤرخين يأبون إلا أن يضفوا عليه طابعاً أسطورياً ، ويصطنعوا له أكثر من حكاية ، ومن ذلك مثلاً ما يروى عن قدرته على نظم الشعر باللغة اللاتينية .

وموجز الحكاية أن معلم اللغة اللاتينية أمر تلاميذه ، في معرض تمرينهم على نظم الشعر بهذه اللغة ، بأن ينظم كل منهم مقطوعة من عدة أبيات في موضوع موحد . وقد استغل رامبو ( عدة ثوان ) أدار خلالها المعلم ظهره لتلاميذه وانصرف إلى اللوح ، فكتب لنفسه ، ولبعض زملائه ، ما كلفوا بكتابته من مقطوعات ثم وزعها عليهم ، وكأنها لهم من دون أن يشعر به المعلم . ولنتصور بعد ذلك مدى الإعجاز في هذه الحكاية . لنتصور كيف يمكن لأي كان ، رامبو أو غيره ، أن يكتب عدة مقطوعات شعرية ، بلغة أخرى غير لغته ، وتختلف إحداهما عن الأخرى وإن جمعها موضوع واحد ، وينجزها جميعاً خلال عدة ثوان لا أكثر . ترى أتكفي هذه الثواني لتدوين عدة أبيات محفوظة عن ظهر قلب على الورق ، أم هي الرغبة نفسها في نسج أسطورة رامبو وتزويقها ؟

ربما كان في وسع رامبو ، خلال تلك الثواني ، أو قل الدقائق إن شئت ، أن يكتب مقطوعة واحدة لنفسه ، وأخرى لأحد زملائه ، ولكن أن يكتب عدة مقطوعات ، فهذا ما لا يستطيع إنجازه حتى الحاسوب المبرمج ، ومع ذلك فإن الابتذال يبلغ بالمؤرخين هذا الحد من المبالغة .

هذا عن ذكاء رامبو وقدراته الخارقة . أما عن شغبه فالمؤرخون لم يدعوا شيئاً يثبت أنه كان تلميذاً مشاغباً إلا وجاءوا به . ومن ذلك أنهم زعموا أنه حل في المدرسة ( مثل زوبعة شريرة لا تعرف الاستقرار ولا تحب النظام ) . فهو ضد نظام المدرسة وتقاليدها ، وهو ضد الكتب المدرسية وتفاهتها ، وهو لا يصغي لمعلميه حين يحاضرون ، ولا يكترث لهم حين ينصحون ، بل هو لا يحفل حتى بتأنيب مدير المدرسة ، وهو يتحدى الجميع ويسخر من الجميع ، ولكل شيء من ذلك حكاية تروى . وهو يقول ( لا فائدة من أن نبلي سراويلنا على مقاعد الدراسة ) . ويروى عن السيد بيريت معلم اللاتينية أنه قال ( لا تعجبني عينا هذا الفتى ولا ابتسامته . إنه ذكي بقدر ما تريد ، ولكن نهايته ستكون سيئة ) . أما السيد ديدو مدير المدرسة فيروى عنه قوله ( ما في رأس هذا الفتى ليس شيئاً تافهاً ، فهو إما ملاك وإما شيطان ) . وهكذا نخرج بنتيجة أن رامبو كان نموذجاً استثنائياً حتى في الشغب .

ولكن ما نصيب ذلك من الحقيقة ؟

الحقيقة ، ببساطة ، أن رامبو لم يكن طالباً مشاغباً قط ! تقول إينيد ستاركي بحق ( ليس هناك أي دليل ، من أي شكل ، على أن رامبو كان مشاكساً ، أو مزعجاً ، حينما كان في المدرسة ) . بل أن تحقيقاتها أثبتت أنه كان ( طالباً جيداً ) . فهو متفوق عالي التفوق في دروسه ، وهو هادئ ، وخجول ، ومواظب على الدوام ، ومجدّ ملتزم في تنفيذ ما يطلب منه من واجبات . وكانت المدرسة هي كل عالمه ، وكان يجد في هذا العالم سعادته الخاصة ، حتى بدا عليه ( أنه لا يرغب في شيء أكثر من أن يفعل ما يطلب منه فيربح الجوائز وينال ثناء معلميه ) .

إذا كانت هذه هي حقيقة الطالب آرتور رامبو ، فعلى أية بيّنة استند المؤرخون حين جعلوا منه طالباً مشاغباً متمرداً ؟

كل ما هنالك أنه كتب في طفولته ما يفيد بأنه لا يطيق الدراسة وتعلم القراءة والحساب، ولا يرى فائدة في تعلم اللاتينية واليونانية والجغرافية والتاريخ.

غير أن من يقرأ هذا الذي كتبه بنصه لابد له من أن يلاحظ أن هذه أفكار ساذجة كتبها طفل بريء في ساعة نفور من الدراسة ، قبل أن تتفتح له آفاقها ويفهم مغزاها وجدواها . فقد أثبتت الوقائع أن سلوكه الفعلي كان عكس ما كتبه . إذ أقبل على التعلم إقبالاً شديداً ، حتى صار يحفظ دروسه بسرعة عجيبة ، ويجتاز الامتحانات بدرجات عالية ، فنال بذلك إعجاب معلميه وثناءهم ، وجعل إدارة مدرسة ( روسّا ) ترشحه لدخول ( معهد شارلفيل ) قبل أقرانه ، ودفع إدارة هذا المعهد إلى ترقيته سنتين دراسيتين بعد ثلاثة أشهر من قبوله فيه . وهكذا أصبح الطفل الذي تساءل يوماً عن جدوى تعلم اللاتينية واليونانية متفوقاً فيهما ، فينظم الشعر في الأولى وينال الجوائز في الترجمة من الثانية ، وصار الطفل الذي لم يكن يرى فائدة في دراسة الجغرافية والتاريخ ، يكتب موجزاً مثيراً للإعجاب عن تاريخ مصر وسورية وبابل ، ويظهر اهتماماً غير عادي بمطالعة الأطالس وقراءة المجلات الجغرافية .

إن طالباً كهذا لا يمكن أن يكون طالباً مشاكساً مشاغباً ، بل كان كما وصفته إينيد ستاركي تماماً . ولكن سلوكه تغير في السنة الأخيرة من دراسته في ( معهد شارلفيل ) كما سنرى ، وما نقل عن بعض معلميه وأصدقائه مجرد ذكريات رويت بعد أكثر من ربع قرن ، وهي في أغلبها ذكريات مصنوعة ، وضعت لتلائم (النموذج البوهيمي) الذي كان يرسم له في حينه .

صفحة 8

رامبو وإيزامبار

نخلص مما تقدم أن رامبو لم يولد بوهيمياً ، ولا زنديقاً ، ولا متمرداً ، كما أراد المؤرخون إيهامنا ، بل ولد مثلما يولد غيره من أطفال الناس . وكان في طفولته هادئاً ، متزناً ، مطيعاً ، مهذباً ، خجولاً ، ميالاً إلى التدين ، مواظباً على الدرس ، متفوقاً فيه ، وكان الجميع ، أمه ، ومعلموه ، وأصدقاؤه ، يتوقعون له مستقبلاً باهراً في الحياة .

وتثبت الوقائع أن رامبو ، بصفاته هذه ، لم يتغير إلا في عامه الدراسي قبل الأخير ، عام 1870 ، وهو العام الذي التقى فيه بمعلمه جورج إيزامبار . ومع أن كل المؤرخين والمفسرين أشاروا إلى أهمية هذا اللقاء الذي تحقق بين التلميذ والمعلم ، وأثره الكبير على حياة التلميذ وثقافته ووعيه ، فإنهم لم ينتبهوا إلى الشرخ العميق الذي أحدثه في أخلاقه وسلوكه أو أنهم تجاهلوه من دون مسوّغ . فقد شغلوا جميعاً بالبحث عن مثالب أم هذا التلميذ وتبشيع صورتها وتحميلها مسؤولية ما حدث لابنها من تحول في الأخلاق والسلوك ، وأفرطوا في الثناء على المعلم وما فتحه للتلميذ من آفاق ثقافية جديدة .

غير أن الوقائع تثبت أن تأثير إيزامبار في رامبو كان سلبياً بقدر ما كان إيجابياً. فقد بدأت أخلاق الفتى وتصرفاته وعاداته تتغير منذ أن التقى بمعلمه وصار يزوره في منزله ، ويصطحبه في جولاته ، ويحاوره ، ويقرأ كتبه المسموحة والممنوعة . وهذا ما فاجأ الأم وأدهشها ، وجعلها تنظر بريبة إلى علاقة ابنها به ، وتحتج على ما يعيره من كتب ، فقد كانت هي أول من انتبه إلى تأثير هذه العلاقة على أخلاق ابنها وسلوكه ، فوجدتها علاقة غير طبيعية تهدد مستقبله .

وواضح من رسالة الأم الأولى إلى إيزامبار أن ابنها كان يوهمها بأن معلمه هذا يعطيه دروساً إضافية ، وكان هذا هو العذر الذي يقدمه لها في تسويغ لقاءاته به خارج المدرسة ، وزيارته في منزله ، وإلا لما كانت تقبل هذه اللقاءات وتسمح لابنها بزيارته :

( سيدي العزيز ، إنني عظيمة الامتنان لكل ما تفعله لآرتور ، فأنت تنصحه وتعطيه دروساً إضافية خارج ساعات المدرسة ، وهذه كلها رعاية ليس ثمة ما يجعلنا نتوقعها . ولكن ثمة شيء واحد لا أستطيع قبوله ، ذلك هو قراءة الكتاب الذي أعرته إياه أخيراً ، كتاب ( البؤساء ، لفيكتور هوغو ) . فأنت يجب أن تدرك أكثر مني أن اختيار الكتب التي توضع بين يدي الأطفال يجب أن يولى عناية كبيرة . ولذا أجدني مجبرة على الاعتقاد بأن آرتور أخذ الكتاب من غير علمك . وسيكون خطراً مؤكداً أن تسمح له بأن يستمر في قراءات مثل هذه .

لي الشرف ، سيدي ، أن أعرض لك هذا ، مع احترامي .. فيتالي رامبو ) .

ويبدو أن الأم لم تتلق جواباً إيجابياً يطمئنها ، ولذا لم تكتف بهذه الرسالة ، بل شكت إيزامبار لدى إدارة المعهد . ومع أن هذه الإدارة استدعته في ضوء الشكوى ، استمر هذا في لقاءاته مع ابنها خارج ساعات المدرسة ، وظل يعيره الكتب ويسمح له بقراءة ما يريد قراءته منها في منزله ، ويحاول تبديد شكوك الأم وغيرها بالأكاذيب . فقد ادعى أن الكتاب الذي اعترضت عليه الأم هو ( أحدب نوتردام ) وليس ( البؤساء ) ، وإن الأحاديث التي يتبادلها مع ابنها تقتصر على الشعر والشعراء ، وهذا خلاف الحقيقة . فهو قد وضع كتب مكتبته كلها بين يديه ، مسموحة كانت أم ممنوعة . وكانت أحاديثه معه تتناول كل شيء وخاصة الموضوعات السياسية الملتهبة وأخبار الجمهوريين وأنشطتهم في باريس . بل هو كان يطلعه على أعداد جريدة ( الصباح ) الممنوعة. وكان هذا كله يؤثر في رامبو تأثيراً قوياً ، ويغير تفكيره وسلوكه . وكانت أمه تلحظ هذا التغير وتستنكره ، وتعزوه ، وهي على حق ، إلى علاقته بإيزمبار ، ولكنها لم تكن تملك القدرة على وضع حد لهذه العلاقة وإنقاذ ابنها المراهق من عواقبها .

ويبدو أن إيزامبار نفسه ، وهو شاب صغير بعيد عن أهله وأصدقائه ، كانت به حاجة إلى صحبة كصحبة رامبو ، ويبدو أيضاً أنه قد راقه أن يجد في رامبو طينة طرية قابلة للتشكل على يديه ، وصفحة بيضاء قابلة لاستقبال أفكاره ، فراح يمارس تأثيره عليه من غير أن يعبأ بظنون أمه وشكوكها واعتراضاتها ، ولا بما يطرأ عليه من تحولات في العادات والسلوك . ويبدو لنا أن دوافع إيزامبار كانت سياسية أكثر مما هي أدبية ، أو هي سياسية بقدر ما هي أدبية . ومهما تكن حقيقة هذه الدوافع ، فإن التغير الذي طرأ على تفكير رامبو وسلوكه وأخلاقه كانت نتيجة مباشرة من نتائج علاقته به .

ولسنا نريد هنا أن نلوم المعلم ونبرئ الأم ، بل نريد الوصول إلى الحقيقة . والحقيقة هي أن رامبو لم يولد ( مختلفاً ) كما يدعي غود شوت ، ولا ولد ( غجرياً ) كما يرى دولاهيه ، ولا ( نموذجاً لمجنون لا يفهمه أحد ) كما يقول كاريه ، بل ولد طفلاً كسائر الأطفال ، فرعته أمه وهذّبته ، وأنفقت على تعليمه بسخاء ، حتى جاء إيزامبار ونشأت علاقته به ، فحدث ما حدث لسلوكه ، سواء نجم هذا عن حواراته معه ، أو عن قراءة الكتب التي وضعها بين يديه .

لقد فوجئت الأم ودهشت حينما فرّ ابنها من البيت في المرة الأولى ، بعد سفر إيزامبار إلى بلدته ( دويه ) خلال العطلة الصيفية . فهي لم تعتد من ابنها إلا ما يخالف هذا السلوك . ولذلك كتبت إلى معلمه تتساءل بطريقة لا تخلو من لوم مبطن (إلى أين كان يريد الذهاب ؟ أيمكن أن تفهم حماقة هذا الصبي ، وهو الهادئ الرزين ؟ وكيف جاءت إلى رأسه هذه الفكرة الجنونية ؟ ) .

الوقائع تقول إن هذه (الفكرة الجنونية) خطرت لهذا (الصبي الهادئ الرزين) بعد ما شعر به من فراغ كبير بعد سفر إيزامبار . كان هذا الفراغ موجوداً في حياة الصبي قبل لقائه بمعلمه ، ولكنه لم يكن يشعر به أو ينتبه إليه ، حتى إذا حصل اللقاء بينهما وامتلأ الفراغ ، صار وجود المعلم ضرورة من ضرورات حياته .

كان إيزامبار أكثر من معلم في حياة تلميذه المراهق خلال هذه الأيام . كان صديقاً ، بل أكثر من صديق . كان أخاً ، وأباً ، استحوذ على عواطف المراهق المشبوبة وملأ الفراغ الذي لم يملأه سواه ، لا أبوه الغائب ، ولا أخوه فريدريك ، ولا صديقه دولاهيه ، ولا أي شخص آخر . ويبدو أن عواطف المراهق تجاه صديقه الجديد لم تخل من المبالغة والاضطراب . وربما كانت لا تخلو من بعض الانحراف ، وهو انحراف يحدث لبعض المراهقين حين لا يجدون من الجنس الآخر من يستهلك عواطفهم أو ينفس عنها .

( ماذا سأفعل على الأرض حين يذهب السيد إيزامبار ؟ ثمة شيء واحد أكيد هو أنني لا أستطيع تحمل هذه الحياة سنة كاملة أخرى . سأهرب . أنا أعرف كيف أكتب . سأصبح صحفياً في باريس ! ) .

( أتظن أن الأمر بهذه السهولة ؟ كيف ستستطيع أن تشق طريقك وحدك ؟ )

( حسن . إذن سأسقط على حافة الطريق ، وأموت على كومة أحجار ، ولكنني سأهرب. )

هذا جانب من حوار دار بين رامبو ودوفريير ، صديق إيزامبار ، على مسمع من هذا الأخير . وعلى الرغم من أن إيزامبار نهاه عن الهروب ، ولكنه كان سيهرب ، شاء المعلم ذلك أم لم يشأ . فهو لا يستطيع تحمل الحياة في شارلفيل عاماً آخر بعد رحيله، كما قال .

ترى ما الذي فعله المعلم لتلميذه حتى لم يعد التلميذ يجد بديلاً لغياب المعلم من حياته سوى الهروب ؟

لقد لبى إيزامبار حاجة رامبو إلى ( أب ) يحنو عليه ، و( أخ ) يحبه ، و(مرشد) يوجهه ويساعده على اكتشاف ذاته وتلمس طريقه . وقد علمه إيزامبار قيمة الشعر ، وقيمة الشاعر ، وقيمة الحرية ، وقيمة أن يكون الشاعر حراً ، فغير مفاهيمه كلها ، وفتح له آفاق قراءات لم يكن يألفها ، وغذاه بمفاهيم لم يكن يعرفها ، وبأحلام وعناصر ثقة هي فوق قدرة مراهق مثله على استيعابها وتمثلها برصانة واتزان . وربما حدثه عن أدباء باريس ومقاهيهم وحاناتهم ونمط حياتهم وما فيها من تعطل ومجون وعربدة . بل هو أتاح له أن يقرأ بودلير ، ويتعرف على سيرته ، وربما وفر له من أعماله كتاب ( الفراديس الاصطناعية ) وكل هذا ، وغيره مما لا نعرفه ، أخل بتوازنه ، وأفقده اتزانه ، وأعطاه تصوراً خاصاً عن الشعر والشعراء ، ونمط حياتهم وسلوكهم ، فانفلت من كل عقال .

كتب له مرة في ذيل أحد موضوعاته في درس البلاغة ( هؤلاء الشعراء كما ترى ليسوا من هذه الأرض . دعهم يعيشون حياتهم الغريبة . دعهم يعانون البرد والجوع ، يركضون ويحبون ويغنون . إنهم أثرياء هؤلاء الأطفال المجانين ، لأن نفوسهم ملأى بالأوزان والقوافي ، ملأى بشعر يضحك ويذرف الدموع ، ويثير فينا الفرح والبكاء ) . وقد كان تكوين الفتى الذهني والثقافي أوهى من أن يستقبل هذه الكلمات بموضوعية ووعي ، وكانت نفسه المضطربة أكثر هشاشة من أن تتلقاها برصانة واتزان. والله وحده يعلم بما كان يدور بين التلميذ ومعلمه من حوارات أخرى حول هذا الموضوع وغيره من الموضوعات ، ولكن النتيجة هي ما عرفناه من تحول عميق حدث في تفكير التلميذ وسلوكه .

وهكذا يتضح لنا أن مئات الصفحات التي سودها المؤرخون والمفسرون حول أم رامبو ودورها في إرثه البوهيمي واندفاعه في حياة التمرد والانحراف لم يكن ضرورياً قط ، أو كان ضرورياً لهم فقط ، لبناء ( النموذج الرامبوي ) وتأثيث ( أسطورته ) .

صفحة 9

رامبو وكومونة باريس

يدعي مؤرخو رامبو ومفسروه أنه كان قد تطوع للقتال مع مقاتلي (كومونة باريس ) وحضر جانباً من أحداثها . وقد أضفى المؤرخون على هذا الحضور طابعاً درامتيكياً ربما لم يضفَ مثله على مشاركات أبطال حقيقيين من أبطال الكومونة . وقد لعبت الدعاية السياسية اليسارية دوراً مهماً في الترويج لهذا الأمر واستثماره لأغراض دعائية خالصة ، حتى زعم بعضهم أن أباه نفسه كان حاضراً هو الآخر في هذه الأحداث ، ربما بحكم واجباته العسكرية . وكانت النتيجة إضافة رتوش أخرى لأسطورة رامبو وإحاطتها بهالة ثورية براقة تكمل زينتها وجاذبيتها .

ولكن ما حكاية رامبو والكومونة ؟

مر بنا أن رامبو تلقى عن معلمه إيزامبار أفكاراً جمهورية واشتراكية ، وقرأ عنده كتباً ممنوعة وصحفاً سرية تدعو لهذه الأفكار . وكانت هزيمة فرنسا أمام بروسيا في حرب السبعين ( 1870 ) قد حزت في نفسه وملأتها بالمرارة وبالنقمة على النظام الإمبراطوري ، حتى إذا انفجرت ثورة الكومونة حدثته نفسه بالالتحاق بصفوف الثوار .

وبحسب رواية لفرلين ( ربما نقلها عن رامبو ) أنه قدم نفسه في باريس إلى مجموعة من الثوار ، مدعياً أنه أحد تلاميذ بلانك ، وأنه أرسل إلى باريس من قبل لجنة ( الأردين ) فقبلوه في صفوفهم ، برغم صغر سنه . وقد ردد هذه الرواية وأشباهها مؤرخون مثل دولاهيه وبريشون وكولون وكاريه ، ونسجوا حولها أسطورة كاملة بتفاصيلها ورتوشها ، وكأنهم كانوا شهود عيان . فقد رووا أن رامبو رحل من شارلفيل إلى باريس سيراً على الأقدام ، ولم يكن لديه أي مبلغ من المال ، وما إن أصبح خارج المدينة حتى أخذ يتعلق بالعربات العابرة ، ويتعرف على أصحابها ، ويبادلهم الأحاديث والقصص ، وما إن تصل به عربة إلى قرية حتى يودع صاحبها ويبحث عن عربة أخرى يقطع بها جزءاً آخر من الطريق . وكان إذا جن الليل ينزل ضيفاً على بعض الفلاحين ، أو ينام مع عمال الطرق ، فيسامرهم بحكايات غريبة يبتكرها ، ويحدثهم بحماسة وانفعال عن أفكار روسو وبابو والحركات الاشتراكية ، ويتبلّغ بما يقدمونه له من زاد قليل ، وهكذا حتى وصل باريس . ( ترى من كان معه حتى يصف الرحلة بمثل هذه التفاصيل ؟! ) .

ويزعم المؤرخون أنه شهد في يوم التحاقه بالثوار معركة نشبت بينهم وبين أنصار الإمبراطور استعملت فيها الرشاشات ، وأنه قضى معهم أياماً من غير سلاح في ثكنة للتدريب كانوا قد لجأوا إليها . ثم نشبت في ( 16 مايس 1871 ) معارك شديدة بين الطرفين قتل فيها عدد كبير من العمال وارتكبت أعمال وحشية دامية ، ودامت هذه المعارك أسبوعاً كاملاً سمي باسم ( الأسبوع الدامي ) . وقد تركت هذه المعارك في نفس رامبو مرارة الخيبة ، وبددت الكثير من حماسته . وفي ليلة قمراء ، وبينما كان الجنود يسمرون في الثكنة ، التف بمعطف قديم وخرج من الثكنة هارباً ، وظل يمشي طوال الليل حتى رأى نفسه عند الفجر على طريق شارلفيل ، فعاد إليها ووصلها بعد أيام .

هذا هو موجز الأسطورة ، وهي تروى عادة بمزيد من التفاصيل ، ومزيد من الوصف الإنشائي المؤثر . ويذهب بعض المؤرخين وبعض المفسرين ، ومنهم كولن ولسون ، إلى أن رامبو قد اغتصب جنسياً خلال هذه المغامرة ، ولا يعرف من اغتصبه أهم رفاق الكومونة أم جنود الإمبراطور ، وهنا تلعب الميول السياسية في تحديد هوية المغتصبين . فاليمينيون يتهمون رفاق الكومونة ، واليساريون يتهمون جنود الإمبراطور ، والمهم هنا ليست هوية المغتصب ، بل الاغتصاب ونتائجه .

ويقال إن هذه التجربة المرة قد أسفرت عن قيامه بكتابة عدة قصائد ، منها ما ضاع ومنها ما بقي ، فما ضاع منها هما قصيدتا ( عشاق باريس ) و ( موت في باريس ) . أما ما بقي فقصائده ( الخلاعة الباريسية ) و ( القلب المسروق ) و ( أغنية حرب باريسية ) .

أليست هذه حكاية محكمة النسيج ؟ بلى ، ورواتها يبدون ثقاة في الوهلة الأولى . فأولهم رامبو نفسه ، أما الآخرون فصديقاه فرلين ودولاهيه ، وصهره بريشون . وثمة قصائد معلومة كتبت في الواقعة ، وثمة وثيقة تعززها هي رسالة رامبو إلى إيزامبار المرسلة بتاريخ 13 مايس 1871 . فقد كتب يقول ( سأصبح عاملاً. هذه هي الفكرة التي تملكتني حينما كان الغضب الجنوني يدفعني نحو معركة باريس ، حيث يموت الكثير من العمال بينما أنا أكتب إليك ) . ويقال إن رامبو رحل بعد هذا إلى باريس ليقاتل مع الثوار .

لكن الملاحظ أن المصدر الأول ، والوحيد ، لأصل الحكاية هو رامبو نفسه ، أما الباقي فتكفل بصياغته وتزويقه الرواة والمؤرخون . ورامبو ، في رأي بعض المحققين ، قد يقول ما لا يفعل . فرامبو هو الذي حدث صديقيه عن رحلته المفترضة إلى باريس، وهو من كتب القصائد ، وأرسل الرسالة إلى إيزامبار . ولو دققنا في القصائد المتبقية لاكتشفنا أنها كتبت بعد أن انتهت واقعة الكومونة وليس في أثنائها ، وليس فيها ما يدل ، أو يثبت ، أنه كان قد شارك في المعركة مشاركة فعلية أو حضرها مجرد حضور .

إن الوقائع تثبت أن هذه الحكاية مختلقة جملة وتفصيلاً . فرامبو لم يلتحق بثوار الكومونة ولم يشهد أياً من أحداثها . ورحلته الأولى إلى باريس كانت في 25 شباط 1871 واستمرت حتى 10 آذار 1871 ، أي قبل اندلاع المعركة التي يزعم أنه حضرها بنحو شهرين ، وهو لم يرحل ثانية إلى باريس إلا بعد تلقيه دعوة فرلين الشهيرة .

ينسب إلى دولاهيه أنه يتذكر أن رامبو ذهب إلى باريس في نيسان 1871 سيراً على الأقدام ، ووصلها بعد ستة أيام ، فالتحق بثوار الكومونة في ثكنة بابلون ، في حين أن المؤكد هو أن رامبو كان ما يزال موجوداً في شارلفيل حتى 15 مايس من ذلك العام في الأقل ، إذ أرسل إلى كل من إيزامبار وديميني رسالتيه الشهيرتين ( 13 و 15 مايس 1871 ) فكيف نوفق بين ما تتحفنا به ذاكرة صديقه دولاهيه وبين هاتين الحقيقتين ؟ ترى هل اختلطت الأمور على ذاكرة الرجل فظن أن رحلة رامبو إلى باريس في شباط من ذلك العام قد حصلت في نيسان ؟

وهناك من يحاول أن يكيّف الأمر فيزعم أن رامبو التحق بالكومونة في أواسط الأسبوع المعروف باسم الأسبوع الدامي ( 22 – 28 مايس 1871 ) ، ولكن هذا يدعو للتساؤل : لماذا يفعل رامبو هذا بعد مرور أكثر من شهرين على انفجار الثورة ، وفي وقت كان فيه الكومونيون يندحرون في موقع تلو آخر ؟ أترى خفّ لنجدتهم أم ماذا؟!

صفحة 10

ولو افترضنا جدلاً ، كما فعل رنيه إتيامبل ، أن رامبو قام برحلة أخرى بقصد الالتحاق بثوار الكومونة ، فإنها لا يمكن أن تكون قد حدثت قبل 19 مايس 1871 في الأقل . ذلك أن رسالته إلى إيزامبار المؤرخة في 13 مايس 1871 تدل على أنه كان ما يزال في شارلفيل . وتدل رسالته إلى ديميني المؤرخة في 15 مايس 1871 ، وهي إحدى رسالتي الرائي ، على أنه كان ما يزال في شارلفيل ليومين آخرين في الأقل . بل أن هذه الرسالة تجعلنا نجزم بأنه لم يكن في وسعه مغادرة شارلفيل قبل 19 مايس 1871 . فهو قد طلب من ديميني أن يسرع في الإجابة على رسالته ، وأخبره أنه سيغادر شارلفيل خلال ثمانية أيام اعتباراً من تاريخها . وهو ما كان سيطلب هذا الطلب لو لم يكن قد قرر البقاء في شارلفيل أربعة أيام أخرى في الأقل .

وإذا افترضنا الآن أن رامبو غادر شارلفيل في 19 مايس فعلاً ، وأنه رحل إلى باريس سيراً على الأقدام أوتعلقاً بالعربات كما يزعم المؤرخون ، فإنه ما كان سيصلها قبل 25 مايس 1871 أو قبل ذلك بيوم أو يومين ، كما يقول إتيامبل . أما إذا كان قد ذهب إليها بالقطار فإنه ما كان سيصلها قبل يوم 21 مايس . هذا في حين استطاع جنود الإمبراطور استعادة ثكنة بابلون من الثوار في هذا اليوم نفسه ، أي 21 مايس . فكيف تسنى لرامبو إذن أن يشهد أحداث ( الأسبوع الدامي ) ومآسيه ؟!

لقد أثبت إتيامبل بحجج منطقية قوية وأدلة حاسمة أن كلاً من فرلين ودولاهيه كانا مخطئين لأنهما نقلا ما حدثهما به رامبو نفسه . أما بريشون فهو يتحدث بما لا يعلم ، وقد ثبت في ما بعد أنه ليس أهلاً للثقة . ويوضح إتيامبل أن الثناء الذي حظي به رامبو بعيد وفاته عام 1891 دفع أحد الأشخاص المجهولين إلى الاستنكار والسخرية ، فكتب بتوقيع ( ل. م. ) واصفاً رامبو بالكوموني الحافي الذي لم يكن كفؤاً لشيء سوى إطلاق الأربع مائة إطلاقة . وقد جاءت هذه الكلمات في مقالة أخذتها صحيفة محلية ( أردينية ) عن مقالة نشرت في صحيفة باريسية . وبعد عدة أيام ظهرت في الصحيفة المحلية مقالة كتبتها إيزابيل رامبو دفاعاً عن أخيها ، وجاء في مقالها ( إنني لا أعرف أين استطاع كاتب المقالة أن يجد حكاية الكومونة ( .. و .. ) كل هذا النسيج الشنيع من الأقاويل الشائنة ) . غير أن صورة الكوموني ، كما يقول إتيامبل ، كانت أكثر توافقاً بكثير مع ما هو معروف عن (الولد الفاسد) فلصقت به ، وإلا فمن كان سيتذكر أن رامبو كان قبل ذلك بعشرين عاماً ( مايس 1871 ) يتسكع في طرقات شارلفيل ؟

يقول إتيامبل ( إن إيزابيل لم تقنع يومئذ أحداً سوى نفسها ) . وعبثاً حاولت بعدئذ إقناع بريشون الذي راقت له اللعبة فاستغلها . فبتاريخ 21 آب 1896 كتبت إليه تقول ( المشاركة في الكومونة ؟ هذا مستحيل ، وإلا لكنت عرفت هذا وتذكرته . ربما كان رامبو قد فاخر بذلك من باب التبجح . فيومئذ كان الكومونيون ملاحقين أو موقوفين أو محكومين . أما هو فقد نجا من أية ملاحقة ) . غير أن بريشون رد عليها بعد عدة أيام ( 29 آب 1896 ) بأنه حصل على معلوماته من ( مصادر متعددة ) و ( تحديداً من بعض رفاق السلاح .. من كوموني شرس ) . ثم ختم الرد بتهدئة مواربة ، فزعم أن رامبو شارك في الكومونة ( مشاركة بسيطة ، هذا صحيح )!

ولكن بريشون الذي ادعى على رامبو هذه ( المشاركة البسيطة ) لم يتورع عام 1897 عن إلقاء محاضرة عن رامبو بوصفه ( رامياً ) من رماة جيش الثورة ! ويبدو أن إيزابيل ، التي تزوجت من بريشون في ما بعد ، قد استمرأت اللعبة هي الأخرى ، فسكتت ، ولم تعد تجادل زوجها فيها لأسباب مفهومة . وهكذا أصبح من حق دولاهيه، وهو صديق رامبو الحميم أن يشارك في اللعبة ، فادعى عام 1905 أن جيش الكومونة عدَّ رامبو أحد المقاتلين المسجلين في صفوفه ( لأن رامبو لم يكن رجلاً يكتفي بالنظريات ) حسب قوله .

هكذا لفقت الحكاية ، وهكذا نسجت : أسطورة رامبو الكوموني .

تؤيد ستاركي ما ذهب إليه إتيامبل في أدلته وحججه ، ثم تتساءل بحق عما إذا كان ممن الممكن لهذا الفتى الذي قرر الالتحاق بصفوف الثوار ( في 13 مايس 1871 ) أن يفكر بقضايا نظرية مجردة حول الشعر كالتي جاءت في رسالته إلى ديميني ( في 15 مايس ) بدلاً من التفكير بالكومونة وثوارها وتنفيذ قرار التحاقه بهم .

إذن كل الوقائع والأدلة والقرائن يثبت أن رامبو لم يشارك في الكومونة ، ولم يشهد أحداثها ، وكان مجرد متعاطف متحمس لها . وربما كان كل ما ذكره لفرلين أو دولاهيه أو إيزامبار بشأن التحاقه بها نوعاً من التفاخر والتبجح ، كما قالت إيزابيل أخته التي تعيش معه في بيت واحد . ولكن على الرغم من ذلك دخلت الحكاية في نسيج أسطورة رامبو ، وظل اليساريون متشبثين بالادعاءات التي تجعل من رامبو مناضلاً ثورياً ، لا مجرد فتى ذي مشاعر وطنية ، وظلوا يرددون مقاطع من قصيدة (الخلاعة الباريسية ) في احتفالاتهم ومظاهراتهم ، ويتهمون كل من يسفه حكاية مشاركته في معارك الكومونة بأنه ( برجوازي عفن ) أو ( خادم للبرجوازية ) .