eKtab
EN ع
أساليب تدريس اللغة العربية - د. أحمد إبراهيم صومان
اقرأ عينة مجانية

أساليب تدريس اللغة العربية - د. أحمد إبراهيم صومان

بقلم د. أحمد إبراهيم صومان

صفحة 1
المقدمة

الحمد لله رب العالمين، الذي خلق فسوّى وقدّر فهدى، والصّلاة والسّلام على سيدنا محمد البشير النذير، والرسول المربي، وعلى آل وصحبه وسلم.

ها نحن أولاً نضع بين أيديكم كتاب أساليب تدريس اللغة العربية، وقد راعينا فيه أن يكون متضمناً لمفردات المساق، وملبياً لأهدافه التي نصت عليه خطته، ليفي بحاجات الطلبة الأساسية في الإلمام بأساليب تدريس اللغة العربية.

ولقد حرصنا، ما وسعنا الجهد، على أن يكون الكتاب سهلاً مُيسراً، يقدم للطلبة المعلمين الفائدة والمتعة، ويعينهم على تقديم أفضل الطرائق في تدريس لغتنا العربية.

وراعينا في تأليف فصول الكتاب أن يكون البناء متناسقاً، فكل فصل يحتوي عدداً من الموضوعات الضرورية لإقامة بناءه؛ متدرجاً نحو تحقيق المفهوم الواضح الشامل وقد نأينا، ما استطعنا عن التفصيلات والتشعبات التي لا ضرورة لها، وحرصنا على تقديم المعلومات الضرورية في هذا العمل المتواضع.

وقد تقاسمت الكتاب الفصول الآتية:

الفصل الأول: وتضمن نشأة اللغة واشتقاقها وتعريفها، ووظائفها، وألم بالنمو اللّغوي عند الطفل، وتناول الفصل الثاني اللغة العربية وأهميتها، وأهدافها وعلاقتها بمعلم الصف، والغرض من تدريسها في المرحلة الأساسية.

وخُصص الفصل الثالث للتحدث عن مهارة القراءة ومفهومها، وأهدافها ووظائفها وطرائق تدريسها، وعُني الفصل الرابع بمهارة الاستماع وأهميتها وأنواعها والعلاقة بينها وبين الاستيعاب، وخطوات تدريسها.

وتخصص الفصل الخامس بدراسة مهارة التعبير وأهدافها وأنواعها من حيث الأداء ومن حيث الغرض وطرائق تدريسها.

وجاء الفصل السادس ليتناول مفهوم الإملاء وأنواعه والشروط التي تتوافر في قطعة الإملاء، وطرائق تدريسها.

أما الفصل السابع فكان لموضوع القواعد النحوية وأهدافها ومراحل تدريسها في المراحل الدراسية المختلفة.

وتناولت الفصول الثلاثة اللاحقة (الثامن، التاسع، العاشر) موضوعات الأناشيد والمحفوظات وطرائق تدريسها وكذلك القصة والمسرحية وأهميتها في المرحلة الأساسية، والخط ومكانته في التعليم، ومعايير الحكم على جودة الخط، وذكّر الفصل الحادي عشر بطرائق تدريس الدراسات الأدبية (النصوص الأدبية، وتاريخ الأدب، والبلاغة) بأسلوب شائق وبخطوات منهجية منظمة.

واختُتم الكتاب بالفصل الثاني عشر الذي اهتم بدراسة أساليب التقويم اللّغوي، وتتضمن التعريف بالتقويم وأهميته وأهداف التقويم في اللغة العربية ومجالاته، ومما تميز به هذا الفصل بيان أدوات التقويم وإستراتيجياته الحديثة في مجال اللغة العربية.

وبعد الذي ذكرت استدرك فأقول: لا ندّعي أنّا بلغنا الغاية، فالرجاء المبذول للزملاء والطلبة الأعزاء، ألا يبخلوا علينا بملحوظاتهم واقتراحاتهم القيمة.

راجين من الله التوفيق والسّداد، وهو نعم المولى ونعم النصير.

المؤلف
صفحة 2
الفصل الأول: اللغة

- تعريفها

- نشأتها

- وظائفها

- النمو اللغوي عند الطفل

تمهيد

اللغة هبة طبيعية، خص الله بها الإنسان، وميزه بها عن سائر ضروب الحيوان، لتكون سبيله إلى معرفة ذاته أولاً ثم معرفة الكون بعد ذلك.

وهي – أيضاً – شكل متميز من أشكال السلوك الإنساني، فلم يُعرف في التاريخ الإنساني مجتمع بشري لم تكن له لغة خاصة تربط أبناء هذا المجتمع، ويتبادلون بها المنافع، فالمفردات في كل لغة رموز تشير إلى القيم والسلوك والمواريث الاجتماعية التي يؤمن بها المجتمع، كما أنها ترمز إلى الأحداث الاجتماعية والأنشطة المختلفة التي يمارسها الناس في واقع حياتهم اليومية، ومن هنا كانت اللغة ترجمة حية صادقة لشعب من الشعوب تكشف عن حياته المادية والمعنوية معاً، وهي في الأصل أداة اجتماعية صنعها المجتمع ليرمز بها إلى عناصر معيشته وطرق سلوكه.

واللغة توحد مشاعر الأمة الناطقة بها، وتجعل من المجتمع بنية واحدة، تخضع لقوانين مشتركة، إنها الرابطة الحقيقية والوحيدة بين عالم الأجسام وعالم الأذهان، وهي لذلك ظاهرة إنسانية اجتماعية كالعادات والتقاليد والأزياء، بل هي بين الظواهر الاجتماعية كلها دليل نشاطها، ووعاء تجاربها، بل وتستقصي الملامح المميزة لكل مجتمع.
صفحة 3
اللّغة

اشتقاقها:

أصلها لُغَيّ أو لُغَوٌ حذفت منها الياء والواو، الهاء عوض، وعلى هذا فوزنها فُعَة، وجمعها: لُغىً ولغات ولغون، والنسبة إليها لُغوي (بضم اللام ولا يجوز فتحها). (الصحاح).

وذكر بعض الباحثين المحدثين أن كلمة (لغة) ليست عربية أصلية، وإنما هي معرّبة عن كلمة lagos الإغريقية التي تعني: كلمة أو فكرة، مستدلاً على ذلك بعدم ورودها في القرآن الكريم، وبعدم ورودها في أشعار العرب، ولوجود تشابه كبير بين اللفظتين العربية والإغريقية.

ولكن هذا الرأي لا يثبت أمام الأدلة التي تقطع بعربية هذه الكلمة، والتي يمكن إيجازها فيما يأتي:

1- إن عدم ورودها في كتاب الله أو في أشعار العرب ليس دليلاً على عجميتها، فإن كثيراً من الألفاظ لم ترد فيهما.

2- إن كثيراً من الألفاظ المعرّبة قد وردت في القرآن الكريم وفي أشعار العرب (وعدم ورودها، بناء عليه، دليل على عربيتها).

3- لم تنص المعاجم العربية – قديمها وحديثها – على أن هذه الكلمة معربة.

4- لم تذكر كتب التعريب أنها أعجمية الأصل.

5- كان استخدام كلمة "لسان" بمعنى اللغة شائعاً منذ الجاهلية وفي القرآن الكريم.

تعريفها

أقدم تعريف عرفه العرب هو تعريف ابن جنيّ (ت 392 هـ)، وهو: "أما حدها (اللغة) فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" أما تعريف ابن خلدون في المقدمة "اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئة عن القصد لإفادة الكلام، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحهم" ويقول في موضع آخر: وهي ملكة في اللسان، وكذا الخط صناعة ملكتها في اليد".

وأورد أبو البقاء الكفوي تعريفات عدة: أولها تعريف ابن جني السابق، وبعدها يقول:

وقيل: ما جرى على لسان كل قوم.

وقيل: الكلام المصطلح عليه بين كل قبيلة.

وقيل: معرفة أفراد الكلمة وأوضاعها.

وهي تعريفات لا تتعدى في مضمونها تعريف ابن جني وابن خلدون.

هذه هي أهم تعريفات القدامى، وبالنسبة لتعريفات المحدثين، عرباً وغربيين، فقد كثرت وتنوعت واختلفت إلى حد كبير، وبحسب وجهة نظر صاحبها، وهذا عرض لأهمها، وسأبدأ بتعريفات الباحثين العرب، وهي على النحو الآتي:

تعريف د. عبد الرحمن أيوب في كتابه "العربية ولهجاتها".

"اللغة نظام تعبيري صوتي استقر عليه العرف والاستعمال في عصر معين، وبين جماعة معينة أو طائفة معينة يمكن بواسطته التفاهم بين أفراد هذه الجماعة الذين يبلغون مستوى عادياً من الإدراك".
صفحة 4
تعريف د. سمير ستيتية، ويقول فيه:

هي – يعني اللغة – "مجموعات من الأنساق الصوتية التي تشكل كلمات تقوم بينها علاقات تركيبية تسهّل عملية الاتصال والتفاهم".

تعريف د. محمد علي الخولي:

"هي نظام اعتباطي لرموز صوتية تستخدم لتبادل الأفكار والمشاعر بين أعضاء جماعة لغوية متجانسة".

والجديد في هذا التعريف قوله: "نظام اعتباطي"، وقد فسّره بقوله: ... وفي اللغة العربية – على سبيل المثال- الفاعل مرفوع. ولكن لا يوجد سبب يجعل الفاعل مرفوعاً على وجه التحديد. كان يمكن أن يكون الفاعل منصوباً لو اتفق أهل اللغة على نصبه. إذن اللغة اتفاقية، وهذا هو المقصود باعتباطية النظام اللغوي".

وقد أورد الدكتور عبد الرحمن أيوب في كتابه – اللغة والتطور – تعريفات عدة:

تعريف أنيس فريحة:

"اللغة ظاهرة سيكولوجية ثقافية مكتسبة، لا صفة بيولوجية، ملازمة للفرد، تتألف من مجموعة رموز صوتية لغوية اكتسبت عن طريق اختبار معاني مقررة في الذهن، وبهذا النظام الرمزي الصوتي تستطيع جماعة أن تتفاهم وتتفاعل ..".

ويلاحظ في هذا التعريف أن اللغة تخضع لأبحاث علم النفس وهو ما يسمى بعلم النفس اللغوي، وهي "مكتسبة" ويفسرها في الحاشية بقوله: "إذا فصل طفل عن المجتمع فإنه لن يتكلم بل ينطق بأصوات غير لغوية كالحيوانات".

تعريف د. حامد عبد القادر:

"هي العمل الفكري المتكرر دائماً لإبراز الفكر الإنساني في أصوات منظمة أو أصوات مختلفة".

الفكر هو إنزال الحكم على الواقع، بمعنى أن التصرفات التي يقوم بها الإنسان، والنتائج التي يصل إليها هي عمليات لا دخل للغة فيها، ويحتاج إلى اللغة عند إرادة التعبير عن هذه التصرفات أو تلك النتائج. وثمة أمر آخر وهو أن اللغة المنطوقة يكون النطق بها آلياً تماماً كما يفعل سائق السيارة عند قيادته لها بشكل آلي، وقد تنبه إلى ذلك الباحثون في تعليم اللغات، وتفننوا في إيجاد طرائق وأساليب لتعليم اللغة ليكتسبها المتعلم بشكل آلي ميكانيكي.

هذه أبرز التعريفات التي وضعها بعض الباحثين العرب القدامى والمحدثين، ولم أشأ ذكر المزيد خشية الإطالة أولاً ولكثرة التكرار ثانياً. أما علماء اللغة الغربيون فقد كانت لهم في هذا المجال أبحاث أضافية، ولذلك سنجد تعريفات كثيرة لديهم، وفي هذه السطور محاولة للإشارة إلى أبرزها مع بيان ما تضمنته من أفكار ذات بال.

تعريف إدوارد سابير Edward Sapir

"هي طريقة أو وسيلة إنسانية خالصة وغير غريزية إطلاقاً لتوصيل الأفكار والانفعالات والرغبات بوساطة نظام معين من الرموز اختاره أفراد مجتمع ما واتفقوا عليه".

إن المدقق في هذا التعريف ليلحظ مدى اشتماله على العناصر الرئيسة التي وردت في تعريفات الباحثين العرب من حيث:

- النظام الذي يخضع لقوانين وقواعد محددة.

- العرفية (الاصطلاح) الذي تواضع عليه أهل اللغة.

- الأصوات (الرموز) التي تتآلف معاً لتكون كلمات وجملاً وتراكيب.

- اجتماعية اللغة (أفراد مجتمع ما)، إذ يتحدث بها أفراد مجتمع متجانس لغوياً.

- الاتصال (توصيل الأفكار ...)، وهو التعبير والتفاهيم اللذان يعدان من أهم وظائف اللغة.

وشبيه بتعريف سابير السابق التعريفان التاليان:

تعريف هنري سويت Henry Sweet

"إن اللغة هي التعبير عن الأفكار بواسطة الأصوات الكلامية المؤتلفة في كلمات".

تعريف بلوش Bloch وتراجير Trager :

"نظام من الرموز الصوتية الاختيارية يتعاون بوساطتها أفراد المجتمع".

تعريف دي سوسير De Saussure :

"هي تنظيم من الإشارات المفارقة" أو "نظام من الإشارات المتميزة يرتبط بأفكار متميزة".

من الملاحظ أن في هذا التعريف جدة لم نعهدها في التعريفات السابقة، كما يلاحظ فيه الغموض الذي يحتاج توضيحاً، على النحو الآتي:

1- كلمة "تنظيم" تعني مجموعة القضايا التي تحدّد، ضمن اللغة، استعمال الأصوات والصيغ والتراكيب وأساليب التعبير النحوية والمعجمية.

2- كلمة "الإشارة" التي هي مفرد الإشارات، هي الوحدة اللغوية التي تتكون باتحاد الدال (الرمز) والمدلول (المشار إليه). ونراه يوضح المصطلحين السابقين: الدال هو الإدراك النفساني للكلمة الصوتية، والمدلول هو الفكرة أو مجموعة الأفكار التي تقترن بالدال.

3- "المفارقة" في التحليل اللغوي تعني إمكانية الحصول على وحدة لغوية، من خلال السياق الكلامي، بواسطة لحظ العلاقة القائمة بين عنصرين من التنظيم نفسه، ويتميز العنصر من خلال تعارضه مع بقية العناصر.

ليس هذا هو التعريف الوحيد الذي عرضه دي سوسير للغة، فنجد أن لديه تعريفاً آخر هذا نصه "اللغة نتاج اجتماعي لملكة اللسان ومجموعة من التقاليد الضرورية التي تبناها مجتمع ما ليساعد أفراده على ممارسة هذه الملكة" ونرى هذا التعريف يقترب إلى حد كبير من التعريفات السابقة كالنظام والاجتماعية والاصطلاحية والاتصال... ولكنه يضيف شيئاً آخر وهو "ملكة اللسان"، وهذا يذكرنا بقول ابن خلدون "ملكة لسانية"، ونراه يفسر الكلمتين كلاً على حدة، فاللسان يشتمل على جوانب عدة: الفيزيائي (الطبيعي)، والفسيولوجي (الوظيفي)، السيكولولجي (النفسي). أما الملكة -عنده- فهي "قيام الأعضاء المختلفة بوظائفها يكمن وراءه ملكة عامة تتحكم بالإشارات، وهي الملكة اللغوية الحقيقية".
صفحة 5
تعريف هاليدي Halliday :

اللغة، كما يعرفها علم اللغة الوصفي، هي أنماط النشاط الاجتماعي للإنسان يعرض أنماطاً من المادة (الصوتية والمكتوبة) والصيغة (النحو والمعجم) والسياق.

يلاحظ في هذا التعريف استخدام كلمة (أنماط) التي تعني ألواناً منظمة من الاستخدام اللغوي، و "اللغة نشاط يُكوّن أساساً من أربعة أنواع: الكلام، والسماع، والقراءة، والكتابة". كما ضم التعريف السابق المستويات التي يتضمنها علم اللغة وهي: "الصوتي، والنحوي بما فيه الصرفي، والمعجمي والدلالي".

تعريف المدرسة السلوكية في علم النفس، وينص على ما يأتي:

"اللغة تتألف من ردود فعل أو استجابات لمؤثرات خارجية يصبح الشكل المقبول اجتماعياً منها عادةً لدى الفرد عن طريق الثواب الذي يقدمه له المجتمع".

يُعد بلو مفيلد Blommfield من أعلام هذه المدرسة التي تنظر "إلى طبيعة اللغة نظرة سطحية ظاهرية تمشياً مع مبادئ ومنهج علم النفس السلوكي الذي لم يكن يُعنى إلا بظاهر الأشياء التي يمكن قياسها وإجراء التجارب عليها. وبهذا حولوا عملية الكلام واكتساب اللغة إلى عملية آلية لا كبير دخل للمحاكمات العقلية بها كما أنهم استبعدوا المعنى من دراسات اللغة وحصروها بالأصوات والتراكيب الصرفية والنحوية فقط..".

وعرفها هجمان بأنها: "قدرة ذهنية مكتسبة يمثلها نسق يتكون من رموز اعتباطية منطوقة يتواصل بها أفراد مجتمع ما". وهذا التعريف في واقعه يقرر مجموعة من الحقائق التي تنطوي عليها طبيعة اللغة في حقيقتها وكيانها الداخلي الدقيق، وهذه الحقائق هي:

1- أن اللغة قدرة ذهنية تتكون من مجموع المعارف اللغوية، بما فيها المعاني والمفردات والأصوات والقواعد التي تنتظمها جميعا. تتولد وتنمو في ذهن الفرد ناطق اللغة أو مستعملها فتمكنه من إنتاج عبارات لغته كلاماً أو كتابة، كما تمكنه من فهم مضامين ما ينتجه أفراد مجموعته من هذه العبارات، وبذلك توجد الصلة بين فكره وأفكار الآخرين، وتتداخل في تكوين هذه القدرة عوامل فسيولوجية تتمثل في تركيب الأذن والجهاز العصبي والمخ والجهاز الصوتي لدى الإنسان.

2- أن هذه القدرة تُكتسب، ولا يولد الإنسان بها، وإنما يولد ولديه الاستعداد الفطري لاكتسابها، ويدفعه لهذا الاكتساب في العادة شعوره بالانتماء إلى مجموعته البشرية نفسياً واجتماعياً وحضارياً ورغبته في التعايش وتبادل المنافع والمصالح بينه وبين أفراد هذه المجموعة.

3- أن هذه القدرة المكتسبة في طبيعتها تتمثل في نسق متفق أو متعارف عليه بين أفراد ما يطلق عليه الجماعة اللغوية، الجماعة الناطقة بلغة ما.

نشأة اللغة

الحديث عن نشأة اللغة موضوع شغل المفكرين والفلاسفة منذ الزمن القديم واستمر إلى يومنا هذا، وكثيراً ما تضاربت آراؤهم وتناقضت فكرهم في هذا المجال، وواقع الأمر ليس في طاقة الباحثين الكشف عن أطوار النشأة الأولى للغة، لأن من يدخل في مناقشة جوانب هذا الموضوع المتشعب لن يصل إلى نتيجة مرضية، وعلى الرغم من إيماننا بعدم جدوى البحث في هذا المجال، رأينا أن نعرض فكرة موجزة عن آراء بعض المفكرين، والتي يمكن أن تلخص في ثلاثة اتجاهات:

- الأول: يرى أن اللغة توقيفية.

- الثاني: يتجه إلى أن اللغة مواضعة واصطلاح.

- الثالث: يوفّق بين الاتجاهين الأول والثاني.

(1) الاتجاه الأول: توقيفية:

ويقرر هذا الاتجاه أن نشأة اللغة الإنسانية إنما هو إلهام من الله تعالى، أي أن الله أوحى إلى الإنسان الأول وأوقفه على أسماء الأشياء، ويستشهد أصحاب هذا الاتجاه بالآية الكريمة (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ)البقرة: 31.
صفحة 6
منطلقين من أن الأسماء المقصودة هنا هي اللغة كلها: أسماؤها وأفعالها وحروفها. ومن أصحاب هذا الاتجاه ابن فارس فقد قال في كتابه "الصاحبي في فقه اللغة": "والدليل على صحة ما نذهب إليه من التوفيق إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه، ثم احتجاجهم بأشعارهم، ولو كانت اللغة مواضعة واصطلاحاً لم يكن أولئك (أي الأقدمون) بالاحتجاج بهم بأولى منا لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق".

ويجيب أحمد بن فارس عن التساؤل: هل نزلت اللغة كاملة في زمن واحد؟ قائلاً: "ولعل ظاناً يظن أن اللغة التي دللنا على أنها توفيقية إنما جاءت جملة واحدة وفي زمن واحد، وليس الأمر كذلك، بل وفق الله آدم عليه السلام على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه، وانتشر منذ ذك ما شاء الله، ثم علم بعد آدم من العرب والأنبياء صلوات الله عليهم نبياً نبياً، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد (ص) فآتاه الله عز وجل من ذلك ما لم يؤته أحد من قبله، ثم قر الأمر قراره فلم نعلم لغة بعده حُدّثت".

ويرى أيضاً أنه "لم يبلغنا أن قوماً من العرب في زمان يقارب زماننا أجمعوا على تسميته شيء من الأشياء مصطلحين عليه، فكنا نستدل على اصطلاح قد كان قبلهم، وقد كان في الصحابة رضي الله عنهم وهم البلغاء والفصحاء من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاء به، وما علمناهم اصطلحوا على اختراع لغة أو إحداث لفظة لم تتقدمهم، ومعلوم أن حوادث العالم لا تنقضي إلا بانقضائه ولا تزول إلا بزواله وفي كل ذلك دليل على صحة ما ذهبنا إليه في هذا المجال".

وفي العصر الحديث يذهب إلى هذا الرأي من الغربيين الفيلسوف الفرنسي (دوبانالد) مذهب النظرية التوفيقية في أثناء بحثه عن العلاقة بين اللغة والفكر، إذ يرى أنه لكي يخلق الإنسان اللغة يجب أن يكون لديه فكرة واضحة عنها، فلا يعقل أن يخلق خالق شيئاً لا يملك عنه أي فكرة، ولكي تحصل هذه الفكرة عن اللغة عند الإنسان يجب أن يكون مفكراً منذ البداية، ولما كان هذا مستحيلاً على الإنسان وجب أن تكون اللغة هبة من لدن الله.

(2) الاتجاه الثاني: المواضعة والاصطلاح:

يقر هذا الاتجاه بأن اللغة وضعية، أي أنها استحدثت بالتواضع والاتفاق لا بالوحي والتوفيق.

ومال كثير من العلماء والمفكرين إلى هذا الاتجاه، فأرسطو تلميذ أفلاطون الذي ذهب إلى مذهب التواضع والاصطلاح "فالاسم كما يراه، هو لفظة دالة بتواطؤ" ولم يكتف أرسطو عند مجرد القول إن اللغة نظام لفظي بل أخذ في دراسة هذا النظام اللفظي، فقسم الألفاظ إلى أسماء وأفعال وحروف، وتحدث عن الحالات الإعرابية والتذكير والتأنيث والأسماء البسيطة والمركبة. كما أن ديمقريطس، يرى هو الآخر، أن الأسماء تعطي من لدن الإنسان، لا من لدن قوة إلهية".

ويقدم "ابن جنى" في كتابه "الخصائص" دليله على أن اللغة مواضعة واصطلاح تعارف عليها القوم، وليست وحياً، بقوله: "أن أكثر أهل النظر أجمعوا على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوفيق وذلك بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعداً، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات فيضعوا لكل سمة لفظاً إذا ذكر عرف به مسماه، ليمتاز من غيره".

وفي العصر الحديث ينحو الفيلسوف الإنجليزي "لوك" منحى التواطؤ والاصطلاح في أثناء بحثه عن العلاقة بين اللغة والفكر إذ يقول في صدد الإجابة عن التساؤل: من قام العلاقة بين الكلمات والأفكار؟ إن الإنسان هو الذي أقام هذه العلاقة.

(3) الاتجاه الثالث: التوفيقي:

هذا الاتجاه يوفق بين التوقيفية والمواضعة وذهب أفلاطون هذا المذهب عندما تساءل في كتاب "قراطولوس" هل يرجع أصل الدالة على الأشخاص والمعاني إلى الطبيعة نفسها ولا دخل للمتكلمين في وضعها أم يرجع إلى ما يتواضع عليه المتكلمين أنفسهم؟ وقدم أفلاطون هذه المسألة على شكل حوار كعادته بين أشخاص ثلاثة؟ قراطولوس الذي يتبنى وجهة نظر الوجود بالطبع، فلكل شيء اسم سديد الدلالة مطابق تماماً لمدلوله، وليس للناس غيره سواء أكانوا يونانيين أم أعجمين.

وأرموجينس الذي يقول: أنه لا مطابقة بين الاسم والمسمى إلا بالتواضع، فلو سمينا رجلاً باسم فهو سديد، وإن سميناه باسم آخر فهو أيضاً سديد، لأنه لا تسمية بالطبع بل بالاستعمال والعادة.

والشخص الثالث هو الحكم الذي تحاكم إليه قراطولوس وأرموجوينس، وتخيل أفلاطون أنه شيخه سقراط، ولهذا الحكم رأي ثالث هو مزيج من الرأيين مع زيادات وتنقيحات، وهو طبعاً رأي أفلاطون نفسه، فهو يؤكد أن للمسميات حقيقة خارجة عن أنفسنا وإرادتنا، ومن ثم فلا شك أن المطابقة القائمة بينها وبين أسمائها هي مطابقة طبيعية نوعاً ما، فلكل صوت دلالة خاصة، إلا أن الأسماء لا بد لها من واضع واحد حكيم.

وفي تراثنا العربي الإسلامي يرى القاضي أبو بكر "أن كل واحد من المذهبين السابقين ممكن وقوعه، فقوله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" يعني أن التعليم قد حصل بالإيهام أي بالقوة، فلقد وضع الله في الإنسان ملكة الخلق، ثم تركه يخلق على هواه".
صفحة 7
والخلاصة التي تنتهي إليها من عرض الاتجاهات الثلاثة هي أن الآراء التي عليها ليست إلا فروضاً ينقصها الدليل العلمي لإقرار صحتها، ولكن أغلب الظّن أن اللغة نشأت متجردة من إيماءات وإشارات إلى مقاطع صوتية على أبسط ما يكون، ومنها محاكاة للأصوات الطارئة على مسمع الإنسان طبيعية كانت أو غير طبيعية مختلفة باختلاف المناسبات المرتجلة أو الطبيعية من القوة والضعف، القرب والبعد، وكان للبيئة والزمان والأحوال العارضة تأثيرها الفعال فكان التشتت والتشعب، وازداد بطول المدة وبعد الاتصال بين الأصول والفروع حتى انقطعت دلائل الاتصال وازدادت ضعفاً على تطاول العهد.

ولا يفوتنا أن نشير إلى رأي اللغوي الإيطالي "فيكو" في هذا المجال، إنه يرى أن الإنسان في بادئ الأمر لم يعرف سوى الألفاظ التي تقلد الأصوات الطبيعية، ثم ظهرت أدوات التعجب لأن العواطف العنيفة لا يمكن التعبير عنها إلا ببساطة ألفاظ وحيدة المقطع مثل الضمائر التي أعقبت أدوات التعجب، ونشأت عندئذ جزيئات لفظية غالباً ما كانت وحيدة المقطع تألفت منها معظم حروف الجر. وظهرت بعدها الأسماء والأفعال "لأن الجزيئات اللفظية تدخل في تركيب الأسماء والأفعال". ولقد نشأت الأسماء شيئاً فشيئاً قبل الأفعال، إذ لا بد للعبارة من فاعل، وأخيراً كانت الأفعال، ويضيف "فيكو" إلى ذلك قائلاً: "يبدو لنا أن هذا أقرب إلى المنطق والعقل".

ومحاكاة الإنسان للأصوات الطارئة على سمعه طبيعية كانت أو غير طبيعية يؤيده اكتساب الطفل للغة، كما أن بعض الباحثين في فقه اللغة يحاولون إيجاد علاقة بين أصوات الحروف وأصوات الأحداث فـ"غرق" يحصل معناها من تلاقي معاني حروفها، فالغين تدل على غيبة الجسم في الماء، والراء تدل على التكرار والاستمرار في سقوطه، والقاف تدل على اصطدام الجسم في قعر الماء، والمعنى الإجمالي الحاصل من اجتماع المعاني الجزئية للحروف هو مفهوم مادة "غرق"، وحرف الحاء إذا وقع في آخر الكلمة تدل على الظهور والامتداد، من ذلك باح بالسر، وأباح الشيء، وساح الماء: إذا تفرق على وجه الأرض، وصاح الرجل: إذا مدَّ صوته، وطوح به: أي ذهب به من مكان إلى مكان، وفاح الطيب أي انتشرت رائحته، ولاح القمر: أي ظهر، وشرح الكلام: أي كشفه وأزال غموضه، وفضح فلان فلاناً: أي أظهر سيئاته، وحرف التاء إذا جاء ثاني الكلمة دل على القطع نحو بت الحبل وبتر العضــو....الخ.

والواقع إذا كان هذا ينطبق على عدد محدود جداً من الأمثلة فإنه لا ينطبق على أغلب معاني المفردات، مما يجعل التحميل في هذا الصدد اجتهاداً شخصياً أو رأياً ذاتياً تعسفياً في بعض الأحيان، ويبقى قرار جمعية باريس اللغوية قراراً صائباً، فالبحث في أصول اللغة ضرب من السفسطة والغيبيات التي لا تمت إلى الموضوعية بأي صلة.

ثالثاً: وظائف اللغة

تؤدي اللغة وظائف متعددة في حياة الفرد والمجتمع، فهي وسيلة الفرد للتعبير عن مشاعره وعواطفه وأفكاره، وبها يقضي حاجاته، وينفذ مطالبه، ويحقق مآربه في المجتمع الذي يحيا فيه، وبوساطتها ينقل تجربته إلى الآخرين، كما أنه يطلع على تجاربهم الحاضرة والماضية وعلى تجارب الأمم الأخرى وخبراتها.

يضاف إلى ذلك أن اللغة وسيلة المرء للتحكم في بيئته لأنها أداة التفكير وثمرته، وبها تسهل عمليات التفاعل الاجتماعي والانصهار الفكري بين أفراد المجتمع والأمة، وهي مستودع تراث الأمة لأن كل كلمة تحمل في طياتها خبرة بشرية.

ومن هنا كانت معرفة اللغة وإدراك كنهها، والكشف عن أسرارها، يؤدي ذلك كله إلى معرفة متكلمي هذه اللغة والاطلاع على أنماط تفكيرهم، وتعرف المستوى الحضاري الذي بلغوه، إذ كما يقول هيدجر(1960): " حيث توجد اللغة يوجد عالم، ولما كان التاريخ لا يصير ممكناً إلا في عالم، اقتضى ذلك انه حيث توجد اللغة يوجد التاريخ ، فاللغة هي التي أوجدت الحضارات ، إن الذي يمنع الحيوانات من أن تكون لها حضارة هو في المحل الأول افتقارها إلى اللغة ، وبالتالي عدم وجود قدرة كلامية وفكرية تساعدها على مواصلة تجاريها وخبراتها " فما يكتسبه القرد مثلا من معرفة في حل مشكلة ما يظل خبرة استقرارية راكدة مقصورة عليه هو وحده ، وقد يتذكرها حين يصادف نفسه إزاء مشكلة مشابهة أو موقف مماثل ، ولكنه في الفترات التي تتخلل ذلك لا يعكف التفكير في تلك الخبرة أو التجربة بقصد تحسينها أو استخلاص أي نتائج في حل المشكلات الأخرى ، مثلما يفعل الإنسان الذي يناقش مشكلة عن طريق اللغة ، ويفكر فيها بعد انتهائها ليرى ما إذا كانت هناك تطبيقات أخرى ممكنة لتلك المعرفة ، فباللغة والتفكير تكون خبرات الإنسان وتجاربه مستمرة ومتصلة، وهذا يساعد على تطويرها وتنميتها ، فوجود اللغة يساعد الإنسان على ان يشارك الآخرين خبراتهم وأفكارهم مثلما ينقل إليهم هو خبراته وأفكاره ، وذلك بعكس الحال عند القردة السابقة العليا التي تعجز عن نقل خبراتها على الأقل بالطريقة نفسها ، وعلى المستوى نفسه من التفكير المجرد الذي نجده في الجماعات الإنسانية ، ومن هنا كانت الميزة الكبرى التي يتميز بها الإنسان هي القدرة على نقل تلك الخبرات التي تؤلف في آخر الأمر التراث الحضاري أو الثقافي من جيل إلى آخر عبر الزمن " (السيد، 1998).
صفحة 8
وسنحاول فيما يلي عرض ثلاث وظائف للغة متمثلة في التفكير والتواصل مقتصرين على هذه الجوانب الثلاثة التي تشمل سائر الوظائف الأساسية للغة.

1- العلاقة بين اللغة والفكر

تبدو العلاقة بين اللغة والفكر واضحة ، إذ رأى بعض علماء النفس أن الطرفين وحدة متكاملة ، فها هو ذا وطسن يرى "أن الفكر ما هو إلا كلام ، فعندما نفكر نتكلم فعلاً على الرغم من أن الكلام لا يكون مسموعاً"، على حين أن "جون كارول" يذهب إلى التوحيد بين الفكر واللغة على الرغم من إقراره بأن ثمة صلة وثيقة بينهما ، إذ يقول في كتابه "دراسة اللغة" : "أن اللغة والفكر يكوّنان ثنائيا متعدد العلاقات ولا يمكن فصله ، وأن الكلام أحد نتائجه الممكنة ، وليس معنى ذلك أن اللغة لا تلعب دورا هاما جدا في الفكر ، بل العكس ، فإن آلية الاستجابات اللغوية وتنوعها – متى أصبحت هذه الاستجابات مكتسبة – تجعل من المستحيل أن ندرك أن اللغة لا تقتحم باستمرار ما نصفه بالفكر ".

ويرى الدكتور طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة" أننا نفكر باللغة وأنها هي أداة التفكير إذ يقول: "نحن نشعر بوجودنا وبحاجاتنا المختلفة وعواطفنا المتباينة وميولنا المتناقضة حين نفكر، ومعنى ذلك أننا لا نفهم أنفسنا إلا بالتفكير، ونحن لا نفكر في الهواء ولا نستطيع أن نفرض الأشياء على أنفسنا إلا مصورة في هذه الألفاظ التي نقدرها ونديرها في رؤوسنا، ونظهر منها للناس ما نريد، ونحتفظ منها لأنفسنا بما نريد، فنحن نفكر باللغة، ونحن لا نغلو إذا قلنا أنها ليست أداة للتعامل والتعاون الاجتماعيين فحسب، وإنما هي أداة للتفكير والحس والشعور بالقياس إلى الأفراد من حيث هم أفراد أيضاً".

وهذا يذكرنا بما ورد على لسان "تشمبرلن" من أن اليابانيين يرون أن اللغة إنما وهبت للإنسان من أجل أن يخفي ما يدور في ذهنه". وها هو ذا "مالاغريدا" يقول: "لقد أعطي الإنسان النطق ليخفي أفكاره".

ويعد "جيروم برونر" اللغة والرياضيات أداتين من الأدوات الفكرية الأساسية عند الإنسان، إذ أن كلاً منهما ابتداع لتنظيم أفكار الإنسان حول الأشياء وتنظيم التفكير في التفكير نفسه، فلنستمع إليه يقول: "لقد قال "دانتي" أن الرجل الفقير يكره أدوات عمله، وإنه لشيء أكثر من مقلق بالنسبة إلي أن أجد أكثر طلابي ينفرون من اثنتين من أدواتهم الفكرية الأساسية: الرياضيات والاستعمال الواعي للغتهم الأم في صورتها المكتوبة، وكلتاهما ابتداع لتنظيم أفكار الإنسان حول الأشياء وتنظيم التفكير في التفكير نفسه، وإني لآمل أن تشهد الحقبة القادمة اهتماماً أكبر لإثارة رغبة الشباب في هاتين الأداتين العقليتين الممتازتين، ولعل خير السبل إلى ذلك هو تدريب الطلاب بصورة تجعل هاتين الأداتين أقوى فعلاً في أيديهم".

وقد أوضح الفيلسوف الإنجليزي "جون لوك" Locke كيف ينشأ الفكر، ويبين الفيلسوف الفرنسي "كوندياك" Condillse كيف تكون الصلة بين الأفكار، ولم يفت كليهما أن يدرك العلاقة بين الفكر واللغة على اختلاف بينهما، فبينما حسب "لوك" أن الفكر ينشأ أولاً ثم تأتي اللغة بعد ذلك لتجسده، رأى "كوندياك" أن عملية التفكير نفسها مستحيلة بغير اللغة ورموزها، ويرى أنه لا معرفة بغير تحليل ولا تحليل بغير رموز أي بغير ألفاظ" (السيد، 2000).

وظائفها

أ- وظائفها النفسية:

لعل أهم الوظائف النفسية للغة، التعبير الصوتي عن الحالات النفسية. وهذا موجود حتى عند الحيوانات: يخرج الديك من الخم صباحاً فيشعر بالحرية والزهو ويرفرف بجناحيه ثم يعلو ظهر الخم أو مكاناً مرتفعاً ويطلقها صيحة مدوية تدل على سروره وزهوه؛ ويسجن الأسد في محبسه الحديدي فيرسل زئيره يشق سكون الفضاء ليدل على تضايقه وألمه النفسي. ويصيح فرخ الدجاج لدى رؤيته طيراً من الطيور الجارحة فتتجاوب معه أمه بصيحات الفزع ويستجيب لها سائر الفراخ ويسارعون إلى مخبأ أو ملجأ... وهكذا دواليك...، فكأن هذه الصيحات تؤلف في عالم الحيوان لغة حيوانية تتناسب مع حاجات كل حيوان بحبسه إلا أن صيحات الحيوانات هذه محدودة الأشكال، محدودة الأهداف لا يمكن أن تفصح بوضوح عن التصورات والعلاقات المشتركة بين أفراد الحيوانات، ولئن تساهلنا وسميناها لغة بالنسبة إلى الحيوان، فلا يمكن أن تشبه النطق والكلام عند الإنسان.

فالكلام هو أرقى أنواع التعبيرات الصوتية، وهو ظاهرة لا توجد إلا عند الإنسان وحده كرمه الله بها على سائر المخلوقات فقال تعالى:

(خَلَقَ الإِنسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)الرحمن 3،4 وعلى كل حال فالتعبير بالكلام عن حاجات الطفل ومشاعره أهم أهداف تعليم اللغة ووسائلها، والمعلم البصير هو الذي يستغل هذه الوظيفة النفسية فيفسح المجال أمام الأطفال ليصفوا ما شاهدوا أو ليصفوا ما أحسوا به في مناسبة من المناسبات، أو ليفصحوا عن شعور أو انفعال حالي يخالج نفوسهم في لحظة من لحظات الدرس بسبب موقف مدهش أو محزن، أو عند مرحلة حاسمة من مراحل قصة ما، في أثناء سرد المعلم لها، أو نحو ذلك...

ويجد الفرد راحة وسروراً حين يستطيع الإفصاح عن حاجاته ومشاعره، وخاصة إذا وجد من الآخرين استجابة لها. فلا يكفي أن يستثير المعلم الأطفال ويحملهم على بث مشاعرهم باللغة، بل يجب أن يتجاوب مع هذه المشاعر ويظهر الاهتمام بها، ويقوّمها إذا احتاجت إلى تقويم، أو يربطها بنظام خلقي، أو اجتماعي أو نحو ذلك.

فالفرد إذن لا يبتغي من الكلام مجرد إظهار شعوره أو إيضاح تصوراته، بل ينبغي أن يؤثر في الآخرين تأثيراً ما، يجعل هؤلاء يتجاوبون معه ويتعاونون وهاتان وظيفتان من وظائف اللغة النفسية:

أ‌- إيضاح أفكار الإنسان وتصوراته ومشاعره والإفصاح عنها والتلذذ بالتعبير عنها...

ب‌- التأثير في الآخرين وحملهم على التجاوب مع هذه المشاعر والتصورات...

ج- الوظيفة الثالثة هي تذوق المعاني والظواهر النفسية، وصياغة الأفكار في قوالب من الألفاظ تنير للعقل السبيل في تفهمها وتقليبها على وجوهها، والتفنن في اشتقاق المفاهيم والمعاني من الألفاظ، ثم تطبيق هذه الألفاظ على مفاهيم وتصورات جديدة وهكذا...

فكأن اللغة من هذه الناحية وسيلة من وسائل إغناء الفكر ومرونته فمثلاً إذا تعلم الطفل كلمة كلب وأطلقها على الكلب المعروف بعوائه، ثم رأى كلباً آخر، وثالثاً ورابعاً فإنه يستفيد من كلمته تلك فيطلقها على الحيوانات الجديدة. لكنه إذا كبر فكر في الصفات الفارقة بين أنواع الكلاب فأضاف إلى لفظ الكلب - وهو المفهوم الأول، كلمة جديدة تميز الكلب الذي يريد التحدث عنه، وهكذا تسعفه اللغة في تخصيص مفاهيمه، وإغناء ثروته الفكرية؛ وإذا سمع صوتاً وصفه بالجمال أو الإزعاج... وإذا رأى منظراً وصفه بالروعة والجمال، وبهذا تكون اللغة خير معوان على التفريق الدقيق بين التصورات والكائنات، وعلى تذوق المشاعر التي تنعكس عن تأمل هذه الكائنات.
صفحة 9
وعلى هذا النحو تساعد اللغة على تحليل تصوراتنا النفسية وتركيبها، فإذا كان الإنسان في حديقة ما، ورأى شجرة لفتت نظره، بخاصة ميزتها عن غيرها؛ فإنه يقول مثلاً "هذه الشجرة عالية" وكأنه حلل هذا التصور الكلي للحديقة إلى صور صغيرة ثم أخذ منها الصورة التي أثارت في نفسه شعوراً ما فحدّث عنها، ولولا اللغة لبقيت هذه العملية الذهنية من دون نتيجة أو فائدة، ولما استطاع الإنسان أن يضيف إلى خبراته وذكرياته هذه التجربة المختزنة في قالب لغوي، بحيث يمكن استخدامها لمواقف أخرى، والاستعانة بها لتحليل وتركيب آخرين، أو لتأمل جديد يشعره بجمال الشجرة العالية بين أخواتها...

ب- الوظائف العقلية:

لا شك أن الناحية العقلية هي جزء من النفس. فإفراد هذا النوع بالذكر هو من قبيل ذكر الجزء بعد الكل، لفائدة تميز بها هذا الجزء.

فالعقل يمتاز عن باقي القوى النفسية بأنه سبب التطور والرقي والتفنن في أشكال المعيشة وأسباب الحياة؛ يحل المشكلات ويناقش الأمور ويستقرئ المشهودات والحوادث ليصل إلى نتائج جديدة. واللغة هي التي تقدم للعقل أدواته التي يتعامل بها مع البيئة، أي تقدم له الألفاظ والمفاهيم، وتساعده على تخريج الأفكار الجديدة وتوليدها، أو إغناء الأفكار القديمة وتخصيصها، كما قدمنا في الأمثلة السابقة.

فللغة ثلاث وظائف عقلية:

1- أنها تقدم للعقل قوالب لفظية تساعده على تكوين المدركات العقلية التي بها ينشط العقل ويقوم بالمحاكمة ومناقشة المواقف الجديدة وابتكار الحلول للمشكلات الطارئة فلولا مفاهيم القانون والجريمة والعدل والإدانة... لما تقدم علم الحقوق. ولو المفاهيم الأدبية والتشابيه الجميلة لما تقدم العقل في مجال الأدب وهكذا دواليك.

2- أنها تساعد على نمو العقل السريع. فالطفل ينشأ وعنده استعداد فطري للتفكير وحل المشكلات "يسمى الذكاء" ولكن إذا قدر لهذا الطفل أن يكون أبكم لا ينطق ولا يسمع فأي فائدة يستفيدها من ذكائه وأي نمو يحرزه تفكيره؟ وكم من طفل كان مصاباً بعاهة لسانية فلما شفي وانطلق في الكلام سار في النمو العقلي شوطاً سريعاً. وكأن عقله كان متوقفاً عن النمو واستكمال أسباب الحياة فلما انفتحت أمامه آفاق اللغة كانت بمثابة مجال حيوي يساعده على النمو...

3- تساعد اللغة على تكوين عادات عقلية، كطريقة التفكير في حل المشكلات، وطريقة الإقناع، ولكل مفكر من لغته أسلوب يُعد بمثابة عادة عقلية تساعده على توليد الأفكار وجريانها، أو انتقائها وترتيبها، كما أن لكل علم من العلوم ألفاظاً ومصطلحات كلما سمع بها أو لفظها أصحاب هذا العلم قادتهم إلى التفكير في قضاياه فهي عادات فكرية تنظم لأصحابها طريقة التفكير للوصول إلى الحقائق العلمية الجديدة...

4- نتائج تربوية: من تأمل هذه الوظائف العقلية يمكننا أن نلقي ضوءاً على تعليمنا اللغة العربية في المدارس الأساسية. فنذكر المعلم بالوصايا الآتية:

إذا بلغ الأطفال مرحلة مناسبة من النضج اللغوي فكن معهم دقيقاً في ملاحظة الفرق بين معاني الكلمات وشمولها كالفرق بين الجنس والنوع، فلا تتركه يستعمل لفظاً إلا بمعناه. ولا يجيب عن سؤال إلا ويكون الجواب على قدر السؤال وبهذا تكوّن عند الطفل عن طريق اللغة، عادات فكرية جيدة، كالدقة والوضوح في التفكير، وأكثر في جميع مراحل التعليم من الاستجواب وإغراء الطلبة بالنطق بعد إعمال الفكر، واترك لهم مجالاً في بعض الدروس للتعبير بحرية عن تصوراتهم وعن مشاعرهم، وهكذا...

ج- الوظائف الاجتماعية

اللغة بنت المجتمع، في جوّه نشأت، وباحتكاك أفراده نمت وكثرت ألفاظها فلا عجب أن يكون لها دور هام في حياة الجماعة وإليك أهم وظائفها:

1- اللغة أداة للتفاهم وتبادل الخبرات والتصورات، وقد عرضنا للتعبير عن العواطف الشخصية على أنه وظيفة نفسية تبعث على الراحة، ولكن الأهمية الاجتماعية لهذه الوظيفة تبدو عندما يحدث احتكاك فكري وتبادل للعواطف والمشاعر الوجدانية بين أفراد الجماعة، وبهذا تزداد خبرات الأفراد ويستطيعون التعاون على مصاعب الحياة ومشقاتها ويصبح للحياة الاجتماعية معنى إنساني راق يرتفع بالإنسان عن مستوى القطيع والسائمة وخاصة حينما تأخذ جماعة بتعاليم وتصورات، وقيم عليا، وأناشيد مشتركة، أي حينما تتخذ من اللغة وسيلة لشد أزرها وتمتين أواصر المحبة بين أفرادها، والتقريب بين أفكارهم وميولهم وغاياتهم فينبغي على ذلك إيجاد وحدة اجتماعية، وتقوية الرابطة بين أبناء الأمة، فيصبح لها كيانها الخاص ووجودها المستقل، ومثلها العليا التي تعمل من أجلها.

2- فاللغة بهذا المعنى سبب من أسباب تمتين الروابط بين أفراد الأمة وتقويتها وبهذا اعتبرت رباطاً قومياً متيناً للشعوب.

3- ومن وظائف اللغة القومية والإنسانية ربط الحاضر بالماضي، وبناءً عليه. فكل أمة تحتفظ بتراثها الحضاري والتاريخي والروحي بوساطة اللغة، ولكن العوامل الروحية نفسها كثيراً ما تكون سبباً أقوى من اللغة في ربط الحاضر بالماضي وفي الاحتفاظ بأمجاد الماضي. فهذه الأمة العربية تبعثر أفرادها وتباعدوا في أقطار الكرة الأرضية، وتعددت لهجاتهم ومع ذلك فقد بقي حفاظهم على القرآن ومعانيه الخالدة سبباً قوياً في المحافظة على اللغة العربية من الضياع والاندثار. وأصبحت الأمة العربية تكاد تنفرد بين الأمم في قدرتها على إحياء تراثها منذ أربعة عشر قرناً، وفهمه وتلقيه كما يتلقى أبناؤها لغتهم المدرسية العادية من غير ترجمة ولا عناء...
صفحة 10
أما حفظ تراث الإنسانية فينقلنا للبحث عن:

د- الوظائف الثقافية للغة:

1- اللغة هي التي سجلت للإنسانية تراثها العقلي في نواحي العلم والمعرفة والفن والأدب، وحفظته ذخراً تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.

واللغة هي التي ربطت حاضر الإنسانية بماضيها، وعملت على احتكاك حضارات الأمم وازدواج ثقافتها بالترجمة والنشر فازداد التقدم العلمي ووصلت المخترعات والمدنية والرفاهية إلى ما نراه اليوم...

من أجل ذلك كانت اللغة مرآة لخصائص الأمة العقلية، ودليلاً على تقدمها الفكري، ومميزاتها في الإدراك والوجدان والنزوع، ومدى ثقافتها، ومنهجها في التفكير، وتفسيرها لظواهر الكون وفهمها لما وراء الطبيعة... كل ذلك ينبعث صداه في لغتها... ويظهر أثره في تراكيب هذه اللغة. لذلك كانت دراسة آداب اللغات من أهم وسائل معرفة الشعوب.

2- اللغة هي الوسيلة التي يعتمد عليها في تربية الطلبة وتثقيفهم وتوجيههم، وهي الأساس الذي يقوم عليه كسب خبراتهم ومعارفهم ومهاراتهم، كما أنها وسيلة تحصيل الثقافات وكسب المعارف والحقائق العلمية بالاطلاع والاستماع سواء أكان ذلك في المدارس أم في غيرها من مجالات الحياة، في الصحف والمذياع ودور المطالعة وغير ذلك..

3- ولعل من معاني التثقيف وآثاره، تطوير السلوك وتوجيه الحياة بعد نمو قوى الإنسان العقلية. فكثير من الشباب، الذين تأثروا بقصة قرؤوها، أو ببطل عربي تتبعوا حياته وتقمصوا عاداته، أو بكتاب إلهي خالد كالقرآن، تبنوا تعاليمه، وخشعوا بقراءته لنداء ربهم، فكان للغة أثرها العظيم في تطوير حياة هؤلاء وبمثل هذا التأثير الرائع للغة القرآن وإعجازه تغيرت نفوس أجدادنا العرب، فأصبحوا أبطالاً فاتحين للقلوب، وحملة رسالة خالدة، بعد أن كانوا تجاراً غزاة رعاة، لا هدف لهم ولا هم إلا الحياة وإلا حفظ البقاء ضمن حدود القبيلة الضيفة. فوحدهم القرآن، وألف بين قلوبهم بمعانيه العظيمة المعروضة عرضاً جذاباً بلغة رصينة محببة وأسلوب سلس عذب، وجعل منهم قادة الدنيا في السياسة والحضارة والفكر والثقافة، مدة قرون طويلة...

اللغة العربية في ضوء الوظائف السابقة:

هذه أهم وظائف اللغة وأهدافها في النفس والمجتمع، وفي مجال الثقافة والحضارة ولقد قامت اللغة العربية بهذه الوظائف خير قيام، وحققت جميع هذه الأهداف خير تحقيق.

فكانت – من الناحية النفسية – سلوة للعربي في صحرائه، وأنيسه في حقله وعمله، يعبر بها عن مشاعره، ويهدهد أعصابه المتعبة بأناشيدها وأشعارها، ويطلق العنان لخياله: يجري ويحلق في سماء مثلها العليا، بتلاوة آيات القرآن..

وكان لها أعظم الأثر في تربية نفوس العرب وانعكاس ذكائهم، فاشتهروا بسرعة البداهة ودقة الفهم ووضوح الفكرة مع اختزال العبارة وبعد الإشارة..

كما كان لها القدح المعلى في قوة التأثير، وبلاغة التعبير حتى إن قصائدها وآيات إعجازها لتأخذ بالألباب وتبهر العقول...

أما من الناحية العقلية والثقافية فقد كان للعرب منطقهم الخاص الذي برزوا به غيرهم من الأمم؛ وانتقد فلاسفتهم – كالغزالي، وابن تيمية – منطق اليونان؛ وصاغوا من لغتهم تصورات ومفاهيم أخذها عنهم شعوب الأرض فنقلوا بعضها بلفظه وبعضها بمعناه، كمصطلحات العلوم من رياضيات وكيمياء وطب، وعربوا كثيراً من مصطلحات الأمم الأخرى ومفاهيمها، وأوضحوا غامضها. وغزت هذه اللغة بمصطلحاتها ومفاهيمها وألفاظها جميع اللغات التي تسرب إليها الفتح العربي الإسلامي، كالتركية والفارسية والهندية والصينية...

وكان علماء الغرب من روم وبيزنطيين وأسبان وإفرنج يتفنون اللغة العربية ويفدون إلى جامعات الأندلس وبغداد يدرسون فيها الطب والعلوم والفلسفة والمنطق، حينما كانت اللغة العربية حاملة مشعل الحضارة ممسكة بزمام القيادة الفكرية للعالم (خرما، 1978).