المقدمة
الحمد لله الذي أبدع الكائنات، وخلف الإنسان وكرمه على سائر المخلوقات، ومنحه العقل ليمتاز في السلوك والتصرفات، فبوحي العقل ونور العلم يشارك الطير في الفضائيات وتبارك المنزل على عبده (وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ) (الاعراف: 185) ([1]) .
فإن منهج الشريعة الاسلامية يعتني بعقل النشئ المسلم ويعلمه باعتبار ان العقل والعلم هما من أهم الوسائل المعينة على كسب المعرفة، وإذا عرف الانسان دينه منهاجا وسلوكا استقامة له الحياة، فإن الآيات والدلالات التي تنظم عقل المسلم وفكره، ترسم خطاه وعلاقاته الانسانية من حيث الجانب السلوكي التطبيقي لقوانين العقيدة بما يصنع مجتمعا إسلاميا يجمع بين السماحة والرحمة والعدل، لأن مفاهيم الاسلام تتفق مع الفطرة الانسانية التي فطر الله تعالي الناس عليها (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30) ([2]).
فالمسلم حين يرى سلوك العدل هو جوهر السلوك الإسلامي الذي رباه عليه القرآن الكريم، فلا يطغى ولايتجاوز حد في استخدام مايفسد الحياة فلا يستخدم نعم الله في سفك الدماء وتعميم الدمار بدلاً من الاعمار كإفساد مياه الأنهار وقتل كائنات البحار وظلم أخاه الإنسان فيغتصب حقه، ويبدد خيراته بغياً وعدواناً أو زوراً وبهتانا، فالإسلام من مثل هذا السلوك براء، لذا وجب تربية النشئ تربية سليمة يعرف فيها أصول دينه وصحة عقيدته ومنهج سلوكه، ولقد حث القرآن العظيم المسلم على تنمية عقله وشحذ قدراته وعلو همته وتنمية مهاراته عن طريق الفكر والتأمل والإحاطة بما في الكون من نظام بديع فقال سبحانه (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿17﴾ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿18﴾ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿19﴾ ) ([3])
وما أجمل الاسلام منهجا وتربية، وهذا الكتاب عن طرق تدريس التربية الاسلامية تضمنته موضوعات علمية وأفكاراً جلية تعيين المعلمين على إفهام الناشئين التربية الاسلامية بيسر ولين والله أسأل أن ينفع الدارسين والمدرسين.. أنه نعم المولى ونعم المعين،،،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
أهداف التربية الاسلامية
إن التربية الاسلامية تربية هادفة قبل كل شيء فهي ابتداءً تربية ربانية وضع الله سبحانه وتعالى أسسها، وجعلها شريعة للبشرية جمعاء، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى وضع الهدف الشامل السامي لهذه التربية، فقد أوجد الله الكون الهدف، وأوجد الانسان على الأرض لهدف أيضاً، فالإنسان خليفة في هذه الأرض سخر الله له السموات والأرض، ولكنه سبحانه وتعالى طلب من الانسان أن يتأمل في هذا الخلق، فيدفعه ذلك بالضرورة الى طاعة الله وحبه، والخضوع لأوامره، فضلاً عن أن الله سبحانه جعل الإنسان مستعداً للخير والشر، ثم أرسل الرسل ليهدوا الناس الى طريق الخير.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى للحياة الدنيا نهاية تتوقف في وقت محدود عند الله، ثم يفنى الكون، وتفنى الحياة الدنيا، ثم يخلق الله الإنسان خلقاً جديداً، ويخلق كوناً جديداً.
إن هذه النظرة إلى الكون تظهر بوضوح أن الهدف الأساسي لوجود الانسان هو عبادة الله، والخضوع المطلق له، وقد صرح القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)([4])، وإذا كان الأمر كذلك فإن تربية الإنسان تكون خاضعة للهدف نفسه، لأن التربية الاسلامية قائمة في الأصل على تنمية فكر الإنسان، وتنظيم سلوكه وعواطفه على أساس هذا الدين الحنيف..
وهكذا يكون الهدف النهائي للتربية الاسلامية هو تحقيق العبودية لله في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية.
إن من مرامي التربية الاسلامية بعد ذلك، هو تكوين الشخصية المخلصة للعقيدة الإسلامية، وللقيم التي نادى بها الإسلام، على أن تظهر في سلوكه عظمة الأخلاق الإسلامية، كالصبر والاستقلال بالرأي والجهر بالحق والاعتماد على النفس، فالأهداف الإسلامية لاتقبل بأي حال من الأحوال أن يكون الفرد المسلم مدفوعاً الى الطمع أو الخوف، ولا أن يكون جباناً متردداً خائر القوى، مثلما لاتريد له أن يؤمن بكل ما يؤدي الى الضلال.
إن التربية الإسلامية تهدف إلى إيجاد إنسان يعد الايمان بالله هو أنقى وأقوى حالات الوجود الإنساني، وأن تكون تقوى الله لديه أسمى حالاته، على أساس أن هذا الايمان هو وسيلة للسيطرة على كوامن الطبيعة، فضلاً عن كونها وسيلة السيطرة على نزعات النفس وميولها وغرائزها، وعلى ذلك فإن الأهداف العامة للتربية والتعليم في المنظور الإسلامي تتمثل بما يأتي:
1. إعداد الشخصية الاسلامية الواضحة، ويكون وضوحها بالإيمان عن طريق الفكر المستنير الواعي، وتوضيح المعاني الإسلامية في حياة الأفراد، وإيجاد الانسجام التام بين الفكر والسلوك.
2. تنمية المهارات الأساسية لدى كل فرد، ويتمثل ذلك في تمكين الأفراد من أساسيات التعليم عن طريق القراءة والكتابة , ومتطلبات الدين، وكذلك في مساعدة المتعلمين على نقل الأفكار عن طريق التعبير الكتابي والشفوي بلغة عربية مفهومة، وإتقان المهارات المتنوعة في شؤون الحياة، وإتباع الأسلوب العقلي لتنمية الاستقلال بالتفكير، بما يساعد على التمييز بين المعلومات الصحيحة وغير الصحيحة.
3. تحقيق النمو المتكامل للأفراد، بأبعاده الروحية والعقلية والجسمية والانفعالية والاجتماعية.
4. تلبية حاجات المجتمع الانية والمنتظرة، وذلك بإيجاد برامج تعليمية متنوعة تتفق مع استعدادات الأفراد وقدراتهم.
5. تزويد المتعلم بالثقافة الإسلامية لشؤون الحياة.
6. إتاحة الفرصة أمام الجميع بصورة متكافئة للحصول على نصيب من العلم والثقافة.
7. تحقيق المطالب الدنيوية والأخروية على حد سواء.
إن هذه الأهداف الشاملة والمحورية لا تعني اقتصار الدراسة في التربية الاسلامية على الموضوعات المنهجية التي تتضمن الآيات والأحاديث والعقائد والسير والعبادات والمعاملات والأخلاق، وإنما هي زيادة على ذلك عبارة عن نمط حياة وسلوك، وهكذا يكون هدف التربية الاسلامية الشامل هو الإنسان بكيانه متكاملاً، وبطاقاته وقدراته كلها، وهي بذلك تعني بالجانب العقلي والروحي والجسدي والخلقي والاجتماعي والجمالي، وهي عندما تتعهد هذه الجوانب بالتربية فإنها تستهدف، بالوقت نفسه، تكاملها في حركة نموها وتناسقها، بحيث يصبح الانسان ذا نظرة شمولية، لأن الأهداف تمثل نقطة البداية لعمليات التربية بشكل عام، والمناهج المدرسية بشكل خاص.
لقد اهتمت التربية في الاسلام بتنشئة الأطفال والشباب على معرفة الدين، وحسن الخلق، وعدم إهمال إقامة الشعائر الدينية من صلاة وصيام وزكاة وحج، وإقامة الروابط الأخوية والعلاقات الطيبة بين الأفراد، واحترام الناس وأعمالهم، ومن الأهداف أيضاً ان يصير الإنسان عابداً، وذلك هو الهدف الكلي للتربية والتعليم في الإسلام، إضافة الى تنمية الإنسان الصالح وتكوينه، وهذا هدف أعلى تنطوي تحته مجموعة الأهداف الخاصة، وهو من أهداف التربية الاسلامية الخلقية أي تنمية أخلاقيات معينة لدى الانسان تتفق مع الفكرة الاسلامية.
وقد ارتأى فريق من الدارسين بأن هدف التربية الاسلامية يتخلص من الناحية الفلسفية (بالفضيلة)، اذ يرى المسلمون أن التربية الخلقية هي روح التربية الإسلامية، فالهدف الأسمى فيها هو تهذيب الخلق وتربية الروح، وقد وجد بعض الباحثين أن أغراض التربية الاسلامية كلها تتحقق في الآية الكريمة (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ)([5])
وبعد ذلك كله يمكن وضع أهداف التربية الاسلامية في النقاط الاتية:
1. تكوين قاعدة علمية نظرية للعقيدة الإسلامية التي يأتي بها المتعلم الى المدرسة.
2. إشباع حاجات المتعلم الى المعرفة
3. تزويد المتعلم بالمعرفة الدينية اللازمة له
4. تصحيح ما قد يكون لدى المتعلم من مفاهيم دينية غير صحيحة.
5. محاربة الأفكار الهدامة الموجهة ضد الدين الاسلامي.
6. إشباع العواطف النبيلة لدى المتعلم
7. تنمية العواطف والقيم المرغوب فيها لدى المتعلم
8. محاربة القيم والعواطف غير المرغوب فيها
9. دعم أنواع السلوك الطيبة لدى المتعلم
10. تعويد المتعلم العادات والمهارات وألوان السلوك المرغوب فيها
11. العمل على أن يحفظ المتعلمون قدراً من القرآن الكريم والحديث الشريف بوصفها أهم أسس التشريع الاسلامي
12. إعداد المسلم للحياة الأخرى بجانب إعداده للحياة الدنيا.
13. تنمية الوازع الديني لدى المتعلم
14. إقدار المتعلم على التمييز بين الأصيل والدخيل من العقائد والممارسات الدينية.
15. إقدام المتعلم على أن يمد يد العون لغيره فيما يتعلق بالمعرفة الدينية
وأخيراً، فإن هذه الأهداف تشمل الأهداف المعرفية والوجدانية والمهارية، والتي تتحقق بمساهمة فروع التربية الاسلامية وأنشطتها كافة.
مفهوم التربية الاسلامية
لقد شاع استعمال كلمة التربية كثيراً وسارت على ألسنة الناس قديماً وحديثاً، ومع ذلك فهي تعني بمعناها الواسع كل ما يؤثر في حياة الفرد من خلال تفاعله المستمر مع المجتمع، تفاعلاً يؤدي الى تعديل سلوكه، وهي عند بعض المفكرين من أوسع الميادين التي لا يمكن أن يحيط بها البحث، فهي ليست قاصرة على مرحلة معينة في حياة الفرد، بل هي عملية مستمرة من المهد الى اللحد تجري في جميع الميادين والبيئات والأماكن.
وبحسب هذا المفهوم يكون موضوع التربية هو الفرد، واستناداً الى ذلك فإن البرنامج التعليمي ما هو الا محاولة يؤديها المتخصصون للتأثير على نمو الأفراد، ويكون ذلك باختيار الخبرات التي تنمو بها القيم المطلوبة لهؤلاء الأفراد، وكذلك تنظيم الخبرات.
إن التربية هي الوسيلة والأسلوب الاجتماعي الذي يكتسب به الأفراد طرائق الحياة وقيم المجتمع الذي يعيشون فيه، لأنها أداة رئيسية يعتمد عليها في التعبير عن إرادة التغيير.
والتربية أحد العناصر الأساسية في تحقيق التنمية، لأن جدوى التربية ينبغي أن يقاس بمقدار ماتسهم به، لا في النمو الاقتصادي الكمي فحسب.
أما التربية الاسلامية فتحتل مكانة مهمة في العملية التربوية من خلال ما تتضمنه من أبعاد روحية وتربوية وعلمية وأخلاقية، مستنبطة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهي تهدف الى بناء شخصية متكاملة ومتوازنة.
والتربية الاسلامية لم تعد مجرد مقررات تعليمية تتصل بالدين الاسلامي وعقائده وشرائعه وأخلاقه، بل هي علم متكامل له أهدافه ومباحثه، وبناء على تلك القناعة ورغم اختلاف وجهات النظر في مجال التربية الاسلامية فقد طرحت مفاهيم تدل على مغزى هذه التربية، فهي إطار فكري يتناول قضايا التعليم ومفاهيم التربية المختلفة في أسسها النظرية ووسائلها العملية، ومصدر هذا الإطار القرآن والسنة بصفة رئيسية، ثم تأتي الجهود الفكرية لمفكري الاسلام.
إن التربية في الاسلام هي إعداد الإنسان منذ الطفولة لإنجاز مهمات الإسلام، لنيل سعادة الدارين، وبهذا انفردت التربية الإسلامية عن سائر النظريات التربوية، وإن الغاية الاساسية من التربية الاسلامية تكون في جعل الدين القوة الأكثر تأثيراً ودفعاً في كيان الطلبة الذين نعلمهم، بحيث تظهر آثار ذلك في سلوكهم وأنماط تعاملهم مع المجتمع وإن لم يصل المربون الى هذا الهدف فإنهم لن ينجحوا في التربية الدينية.
وما دمنا نتحدث عن التربية الإسلامية فلا بأس أن نتحدث عن الدين، فهو اتجاه المرء عقلياً أو انفعالياً نحو الله سبحانه وتعالى، والارتباط به ارتباطاً يجعله يؤدي ما عليه من حقوق وواجبات اتجاه الخالق، والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، وهو وضع إلهي بوصفه مجموعة العقائد والعبادات والأحكام والقوانين التي شرعها الله سبحانه لتنظيم علاقة الناس بربهم.
والدين الصحيح هو الذي يجمع بين جانبي الروح والمادة أو بين عالم الروح وعالم المادة، وهو الذي يوازن بين متطلبات الروح ومتطلبات الجسد، فهو دين الوسطية الذي جمع بين مطالب الروح ومطالب الجسد، وبين عالم الغيب والشهادة، وبين الآخرة وحاجات الدينا، لذا يجب أن يكون هدف العملية التعليمية تلبية حاجات الروح والجسد معاً.
وعلى هذا فليس المقصود من الدين في المجال التعليمي هو تفهم النصوص وحفظها ودراسة النهج المقرر فحسب، وانما الى جانب ذلك هو عادات تمارس ومهارات تكتسب، تؤدي إلى تنظيم سلوك الفرد وتكوين أخلاقه وفضائله التي ينبغي أن يحرص عليها، ويتمسك بها في حياته.
إن الهدف الأول في تدريس الدين هو تعليم الطلبة بطريق الممارسة كيف يسلكون في حياتهم سلوكاً دينياً حميداً، مع توفير الأمل والطمأنينة لهم، وتخليصهم من المشكلات في حياتهم، وذلك يقتضي من المربين أن يجعلوا الدين شيئاً ذا قيمة في حياة الطلبة وفي كيانهم، وأن يرتفعوا بمستوى شعورهم الديني، بحيث تنعكس تعاليم الدين وقضاياه العلمية وقواعده المعرفية على ألوان سلوكهم.
وهكذا فإن التربية الإسلامية مستمدة من طبيعة الدين الإسلامي، وهي تستمد من القرآن الكريم مبادئها واتجاهاتها التربوية في تكوين الفرد والمجتمع.
وهنا يعد القرآن الكريم الإطار المرجعي لشؤون الحياة كافة، وهو الأصل في تشريع الأحكام وتحديد التصرفات، وهو يشتمل تصوراً للكون والإنسان والحياة، وهو الدستور الجامع لحياة الأمة الإسلامية.
ففي القرآن الكريم منهج كامل للتربية من حيث فلسفتها ومبادئها وأهدافها وأساليبها ووسائل التقويم فيها، وفيه عناية كبيرة بكل مايهم التربية والفلسفة، إذ يعالج نشوء الخليقة ونشوء الإنسان وطبيعته، ويؤكد وجود النظام في المجتمع والطبيعة، ويطلب تهذيب النفس وتقويم السلوك لتحقيق الأهداف التربوية السليمة.
إن التربية الإسلامية بعد ذلك تربية إنسانية لأنها تعني بالإنسان في مراحل حياته كلها، والتربية التي تعني بتنشئة الإنسان يقوم عليها أفراد انسانيون، ولذا اصطفى الله سبحانه وتعالى من عباده رسلاً وأنبياء لتبليغ الهداية ونشرها.
ونجد أن القرآن الكريم يعنف المشركين الذي كانوا يطالبون برسل من الملائكة، ويستنكرون كون الرسل بشراً قال تعالى:(قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُول) ([6]) فهذه الآية وآيات أخرى كثيرة تظهر أن من لطف الله في عباده أن يبعث فيهم رسلاً من أنفسهم، لأن هذا يعينهم على فقه ما يبلغونهم به، إذ لو كان الرسل ملائكة لما استطاع البشر الأخذ عنهم والتفاعل معهم.
وهكذا فإن الدين نوع من أنواع الحماية الفكرية والروحية والسلوكية، إذ له القدرة على إعادة تشكيل السلوك على نحو أفضل.
لقد أخذت التربية الإسلامية حيزاً بين المناهج التربوية العالمية منذ اللحظات الأولى للبعثة المحمدية، حيث عرف عن الدعوة الإسلامية بأنها دعوة العلم والمعرفة، فقد كانت أول آيات القرآن الكريم هي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ([7])، وقد عملت هذه التربية السماوية بالوسائط كافة (القرآن والحديث الشريف)، على تنمية جميع جوانب الشخصية الإسلامية الفكرية والعاطفية والجسدية والاجتماعية والروحية، وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإسلام وأحكامه وتعاليمه، لتحقيق الأهداف في شتى المجالات.
إن التربية الاسلامية مصنع تربوي يمكن أن يشكل الفرد ويضعه في ضوء مثل عليا وقيم سامية وهي تربية تهيئ له فرص النمو المتعدد، وتمده بوسائل النضج المتوازن، وتشكله على نحو يتلاءم فيها سلوكه مع معتقده وقيمه، فضلاً عن أنها تزود الأفراد بما يحميهم من الانحراف، وتعرفهم طريق الهدى والرشاد، وتحبب إلى نفوسهم الخصال الحميدة وفعل الخير، وفي هذا تماسك المجتمع وقوته.
لقد تميزت التربية الاسلامية بميزة التربية الحديثة من حيث العناية بالطفل، بوصفه كائناً حيا له اعتباره المستقل، وحقه في النمو نمواً طبيعياً، وتمتعه بمواهبه التي منحها الله له، إذ أن التربية الاسلامية لا تعد الطفل وافداً مزعجاً لوالديه ليحيطاه بأغلال وقيود تحد من مواهبه، ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة في رحمته بأحفاده وأبناء المسلمين، رفقاً وشفقة ورأفة بهم.
والتربية الإسلامية تربية واقعية لأنها تتعامل مع إنسان يعيش على ظهر الأرض، لا مع إنسان خيالي، أي انها تبدأ بالانسان من حيث هو إنسان، ثم تعمل على إيصاله الى كماله الإنساني، فالمبادئ الاسلامية لاتعمل في فراغ، بل أنها تتفاعل مع ما غرسه الله سبحانه وتعالى في طبيعة الانسان، التربية الاسلامية واقعية لأن الكون الذي يتفاعل معه الفرد حقيقة موضوعية لا فكرة مجردة.
وهكذا، فالتربية الإسلامية عملية تفاعل بين الفرد والبيئة الاجتماعية المحيطة به، مستضيئة بنور الشعور الإسلامية، بهدف بناء الشخصية الإنسانية المسلمة، المتكاملة في جوانبها كافة، وبطريقة متوازنة.
وإذا أردنا الحديث أكثر من ذلك عن مفهوم التربية الإسلامية، فإنه ينبغي أن نعرف أن الاسلام ثورة حضارية بما جاء فيه من عقيدة توحيد الوجود وتكوينه، وبما وضع من نظام لحياة الإنسان وحياة المجتمع، وبما دعا اليه من أخوة إنسانية شاملة.
إن التربية الإسلامية تدعو الإنسان الى تأمل هذا الكون، ودراسته والتفكير في نظامه وسنته، وتقدير ما فيه من معاني الوجود ومعاني الحياة، ومع مبدأ التوحيد والنظرة الى مافي الكون لا يجوز للمسلم أن يبخس حق الروح وحق الجسد، إذ يجب تأكيد التوازن بين الروح والجسد، فهما ملاك الذات الإنسانية، وإن التربية الإسلامية تؤكد احترام عقل الإنسان ودعوته الى أن يكون هو المعول عليه، وفي القرآن تأتي هذه الدعوة متكررة للاعتماد على العقل في أمر العقيدة وفي شؤون الحياة عامة، وهي تشمل سائر وظائف العقل (الإدراك والفهم والوازع الأخلاقي والحكمة والتفكير).
وهكذا فإن الإسلام دين التوحيد والوحدة، ويجب أن تسير التربية الإسلامية في هذا الإطار، ركيزتها الإيمان بالله الواحد الأحد خالق الكون واهب النعم، وضرورة عبادة الخالق عبادة صادقة لأنها تحرر الإنسان من العبودية لكل المخلوقات والتربية الاسلامية ايضاً تعمل على تكريم الانسان، وتبين له أن الكون خلق لإسعاده، إن الدين الإسلامي بعد ذلك دين العقل والعلم، فهو يدعو لاعتماد العقل والفكر مثلما يحث على طلب العلم والبحث عن الحق والحقيقة، والإسلام دين العدل، والحرية، والإخاء، والعمل والتكافل الاجتماعي، والشورى في الحكم والأخلاق والفضائل، والتسامح والتفاهم.
ويمكن استخلاص من كل ماتقدم ما يأتي:
- تقوم التربية الإسلامية على مبدأ الخلق الهادف، ويعني أن الله جل جلاله هو الخالق، وجميع ما عداه مخلوقات ما عداه مخلوقات له، وأن ذلك ينعكس على العملية التربوية، فتكون عملية مقدسة هادفة، ميدانها الكون، ومحورها الإنسان، وهدفها الحياة المؤمنة.
- وتقوم التربية الإسلامية على مبدأ الحياة، وهذا يعني أن الله الواحد الأحد خلق الكون والإنسان والحياة في انسجام كامل، وينعكس ذلك على العملية التربوية من أنها توحد في النظرة الى العلوم والمعارف جميعا.
- وتقوم التربية الإسلامية على مبدأ التوازن، ويعني أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء بقدر، وينعكس ذلك على العملية التربوية في أهمية النظرة الى توازن العلوم التي يحتاج اليها الفرد والمجتمع، يزاد على ذلك التوازن بين النظرية والواقع، والتوازن بين القول والعمل.
- إن التربية في الإسلام اذن ليست كماً منفصلاً عن غاية الدين ومنهج الإسلام في الحياة، بل هي التي استخدمها النبي (صلى الله عليه وسلام) في نشر الدين وتربية الجيل، وتنظيم الحياة بجميع ميادينها على هدي من القرآن الكريم.
وخلاصة القول أن التربية الإسلامية عملية هادفة، لها أغراضها وأهدافها وغاياتها، وإن المربي الحق هو سبحانه وتعالى، وبالتالي فإن عمل المربي هو تال وتابع لخلق الله وإيجاده.
وتتمتع التربية الإسلامية بخصائص قد لاتكون في أي نوع من أنواع التربية الأخرى، فهي (ربانية)، أي أنها عملية مقدسة عظيمة، فالله المربي العظيم بما نزل وبين من أحكام وتعاليم تجسدت في القرآن الكريم دستور المسلمين، وهنا يجب عقد الصلة الدائمة بين العبد وربه.
وهي شمولية، أي تشتمل على العلوم الدينية والدنيوية جميعها، إلا أنها تدعو الى ضرورة التعمق والتفقه في الدين، قال تعالى(فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )([8]).
وقال (صلى الله عليه وسلم): (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
وهي تقول بالتوازن، أي التعامل والتساوي بين النظرية والتطبيق، وتعني كذلك توازناص بين المعرفة الإنسانية المفيدة للفرد، والمفيدة للمجتمع، قال تعالى:(وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ([9]).
وهي إلزامية، أي يجب على كل فرد مسلم ذكراً كان أم أنثى، أن يتعلم، قال (صلى الله عليه وسلم ) (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).
وهي إنسانية، أي أنها تعني أن البشرية كلها مخلوقة لله، بمعنى أنه تؤمن بالمساواة والعدالة بين البشر، والالتزام بالعبادة لله عز وجل.
وهي أخلاقية، أي أن الأخلاق في الإسلام تشكل جانباً في حياة الإنسان المسلم، والأخلاق هي من ثمار الإسلام، وهي من الضوابط النفسية والاجتماعية للفرد والمجتمع، قال تعالى يمدح نبيه الكريم(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) ([10]).
وهي أخيراً عملية، أي تأكيدها الناحية العملية لآثارها المهمة في الحياة الدنيا، قال (صلى الله عليه وسلم) (اللهم إني أعوذ بك من علم لاينفع).
إن التربية الإسلامية بعد ذلك وظائف وأهدافاً:
أما وظائفها فهي روحية، ونفسية، واجتماعية، وفكرية فإن تعتقد بالله، وتقوي إيمانك به، وتعتز به، وتراقبه في السر والعلن فهذه وظيفة روحية، وأن تجاهد النفس بالصبر والشجاعة، وتحمل الشدائد فهذه وظيفة نفسية، وأن تهتم التربية بالصلاح والتقوى والامتثال لأوامر الله، وتجنب ما نهى عنه، والحرص على طاعته فتلك وظيفة اجتماعية، وأن تنظر إلى الكون نظرة تعقل وتدبر فتلك وظيفة فكرية.
أسس التربية الإسلامية
تقوم التربية الإسلامية على ثلاثة أسس رئيسية هي:
- الأسس الفكرية
- الأسس التعبدية
- الأسس التشريعية
أولاً: الأسس الفكرية
إن التصور الإسلامي عن الكون والحياة والعقيدة يمتاز بوضوح الأفكار التي بني عليها نظام حياة المسلم، فاعتنقها، ودعا إليها، وآمن بها، وتابع تذكرها، ويمتاز بمنطقية المعتقدات ومعقوليتها وملاءمتها للفطرة العقلية والوجدانية والنفسية، والتي تمتاز بدورها باقناعها، والدعوى الى الأمل لما يوصل إلى معرفة الله وقدرته ووحدانيته.
لقد عرض الإسلام الإنسان على حقيقته وبين مميزاته، وأفضليته على سائر المخلوقات، ومهمته في الحياة، وقابليته للخير والشر، فحقيقة خلق الإنسان هي أن الله خلقه من نطفة، وجعله مخلوقاً مكرماً، فهو ليس ذليلاً أو مهاناً أو مبتذلاً، قال تعـــالى(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) ([11]).
وإن الانسان مميز مختار، فقد جعله الله قادراً على التمييز بين الخير والشر، إذ ألهم النفس فجورها وتقواها، وأن على الإنسان تقع مسؤولية تطبيق شريعة الله وتحقيق عبادته، وقد حمّله الله مسؤولية عظيمة، وكلفه بتكاليف كثيرة، ورتب عليها الجزاء الوفاق، وتبقى المهمة العليا للإنسان هي عبادة الله سبحانه.
إن نظرة الإنسان إلى الكون بحسب فلسفة التربية الاسلامية تقوم على تحريك عواطفه، وشعوره بعظمة الخالق، ويصغر الإنسان أمامه، فالكون كله مخلوق لله خلقه لهدف وغاية، وأن هذا الكون خاضع لسنن سنها الله على وفق اقدار قدرها سبحانه وتعالى، وأن الكون مُسير مدبر دائماً بقدرة الله، فالله الذي رتب سنن الكون بقي وما زال قائماً على تسييره وتدبير أمره، والإنسان جزء من هذا الكون خاضع في كل شؤونه وحياته وموته لتقديره ولسننه سبحانه، وأن الله سبحانه وتعالى أرسل على أساس هذه السنن الرسل فعذب أمماً، وأهلك أخرى، ورتب الآجال، وغير الأحوال، ومن هنا يكون الكون كله قانتاً لله، أي أن كل ما في الكون خاضع له ولتدبيره ولأمره ولإرادته ومشيئته . إن الإسلام ينظر الى الحياة نظرة خاصة، فللحياة أهميتها ودروها في التربية الإسلامية، فمبدأ الحياة هي كونها دار اختبار وامتحان للإنسان، وأن القرآن الكريم وصف الحياة الدنيا بأنها متاع مؤقت، يستمتع بها الإنسان، وليس له أن يجعلها هدفاً وغاية، فيغتر الإنسان بها، وينسى الهدف الذي خلق من أجله، والامتحان الذي أعده الله له، فالدنيا دار فناء، وهي متاع مؤقت ومكان عبور، وهي مليئة بالزينة والزخرف والشهوات والملذات، وهذا هو الانبلاء والاختبار ويجوز للمسلم ان يتمتع بالحياة الدنيا وزينتها في حدود الشرع، فالدنيا عالم له قوانينه الاجتماعية والبشرية، والحياة فيها قصيرة الأمد لاتعدو أن تكون ساعة أو يوماً من أيام الآخرة، كما أن الحياة الدنيا دار تعب وكدح وجد، فضلاً عن أنها دار لعب وفخر وتكاثر.
وهكذا تبدو صفات الحياة بمجموعها بأنها دار غرور، ومع ذلك يجب أن لايحرم الإنسان نفسه من خيراتها، ويجب عليه أن يصبر على بلواها، وأن يقاوم شهواتها وملذاتها.
ثانياً: الأسس التعبدية
من المعروف أنه لكل نظام فكري أساليب سلوكية ورياضيات خاصة تغلب عليها عادة الصفة الجماعية، وتكون مصحوبة بمجهود وحركات جسمية منظمة، لتواكب انطباعات الإنسان النفسية والفكرية، وقد أوجد الإسلام تكاملاً تربوياً لأداء هذا السلوكيات والرياضيات، إذ تظهر العبادات والنسك الإسلامية أعمالاً تعبدية وروحية عميقة الجذور، مرتبطة بمعان سامية تنبع من فطرة النفس المسلمة، فقد انتظمت حياة المسلم بممارسته اليومية التعبدية (الصلاة)، مثلما انتظمت بممارسات غذائية سنوية (الصوم)، وبالمفاهيم الاقتصادية(الزكاة)، زيادة على تنظيم وحدة المجتمع الإسلامي الكبير، وإيجاد الروابط والمشاعر الاجتماعية للأمة الإسلامية (الحج).
إن السر في هذه العبادات يكمن بارتباطها بمعنى واحد هو الذي وحد نوازع الإنسان كلها، وألف بين جميع أفراد المجتمع المسلم، ذلك هو العبودية لله وحده، وتلقي التعاليم والأوامر من الله وحده في أمر الدنيا والآخرة كله.
وهذه العبادات تعلم المسلم الوعي الفكري الدائم، لاتصافها بإخلاص النية، والطاعة لله، وممارسة هذه العبادات بالأسلوب الذي سنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم")، وأن العبادات أيضاً تربي المسلم على الارتباط بالمسلمين ارتباطاً واعياً منظماً مبنياً على عاطفة صادقة وثقة بالنفس عظيمة، وترتبط أيضا بتربية النفس المسلمة على العزة والكرامة، وعلى الاعتزاز بالله، لأنه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، بيده الموت والحياة والرزق والملك والجاه والسلطان.
وترتبط هذه العبادات بعد ذلك بالجماعة، وتحت لواء العقيدة فهم جميعاً يناجون رباً واحداً، ولايخلو عملهم هذا من التشاور، إذ يؤدي ذلك إلى حياة قائمة على التعاون والمساواة والعدل.
إن العبادة في الإسلام تعمل بعد ذلك على تربية المسلم على قدر من الفضائل الثابتة المطلقة، فالمسلم هو المسلم بأخلاقه وإنسانيته، والعبادة تزود الإنسان دائماً بشحنات متتالية من القوة المستمدة من قوة الله، والثقة بالنفس المستمدة من الثقة بالله.
وهكذا تكون تربية المسلم بالعبادة مجددة لنفسه باستمرار، تمنحه التوبة التي تزيل عن قلبه وتصوراته ما قد يعلق بهما من أدناس، وتمحو من جوارحه أثر ما قد يكسبه من آثام وأخطاء، فهي جزء من العبادة تقوم على تذكر رقابة الله وجبروته وعقابه، قال تعالى: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([12]).
ثالثاً: الأسس التشريعية
الشرع في القرآن الكريم هو سن التعليم الدينية، وبيان العقيدة التي يجب الإيمان بها، وعبادة الله على أساسها، وإصدار الأوامر والنواهي التي تحقق ذلك كله، وهو من خصائص الله تعالى، فكل من سمح لنفسه في التشريع، وأطاع غيره في غير ما شرع الله من أمور الدين وما يرتبط به، ومما وضع الله له تشريعاً فقد أشرك مع الله إلهاً آخر، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى في حق من اتخذ مشرعاً له من دون الله(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)([13]).
إن الشريعة الإسلامية أساس عظيم من أسس التربية الإسلامية، فهي بمعناها القرآني الواسع بيان للعقيدة والعبادة وتنظيم الحياة، ولتحديد جميع العلاقات الإنسانية وتنظيمها، إنها أساس فكري يشمل التصورات الفكرية كافة عن الكون والحياة والإنسان، كما أنها تقدم للمسلم قواعد ونظماً سلوكية تجعل حياته مثالاً للدقة والنظام والأمانة والخلق الرفيع والمنهجية والوعي السليم، اضافة الى أنها تربي التفكير المنطقي باستنباط الأحكام مع مرونة الشريعة الإسلامية وحيويتها، مما يوجد شعباً متحضراً حضارة راقية، وهذا يعني أن الشريعة الإسلامية تدعو ابتداء الى تعلم القرآن والكتابة، والى تلاوة القرآن الكريم، وتدبر أحكامه ومعانيه، وإلى تعلم الحساب لتعلم الفرائض، والتاريخ لفهم السيرة، والجغرافيا لمعرف مواطن الأقوام البائدة فضلاً عن الحض على التفقه في الدين وتعلم الشريعة.
إن هذه الخصائص الفكرية للشريعة الإسلامية لها نتائج مهمة، لتربية عقل المسلم على الشمول والوعي الفكري، والتفكير المنطقي، والرغبة في التعلم.
ولقد جاءت الشريعة الإسلامية بجانب تطبيقي يتجلى في الأمر والنهي، والتحريم والتحليل، والإباحة والحظر، والحدود والعقوبات والقصاص، وأساليب عملية في البيع والزواج وسائر العقود، وهي أيضاً ضابط خلقي للفرد يحكم المرء نفسه إليها عندما يقف أمام أمور مشتبهات، وهي ضابط اجتماعي، إذ تصبح الأحكام أعرافاً ومصطلحات اجتماعية، والشريعة الإسلامية بعد ذلك ضابط سياسي، فعندما تتولى تنفيذ أوامر الشريعة تصبح تعاليم الشريعة سلوكاً سياسياً ستسلكه الدولة مع جميع رعاياها، وهكذا نجد ان الشريعة الإسلامية تربي الناس بأسلوب تربوي نفسي ينبع من داخل النفس، ضابطه الخوف من الله ومحبته، كما تربيهم على التناصح الاجتماعي والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
إن ذلك يستدعي حفظ الدين، فالله تعالى أراد أن يسود الإسلام، ولايحق لمسلم أن يعيش ذليلاً تحت إمرة دين آخر، ويستدعي المحافظة على النفس، فقد حرم الله قتل النفس بغير حق، وأنزل أشد العقوبة بمرتكب هذا العمل، قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا) ([14]).
ويستدعي أيضاً المحافظة على المال، فالمال وديعة في أيدي العباد يستثمرها المسلم بالطرق المشروعة دون ظلم، ولاينفقها في المفاسد الخلقية، ويستدعي المحافظة على العقل، فقد أشاد القرآن الكريم بذي العقل المفكر، قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَىٰ) ([15]). ويستدعي أخيرا المحافظة على الحرث والنسل والأنساب، فمن عظمة الإسلام التربوية أنه حمى الطفولة وأحاطها بحسن الاجتماع المتين، حيث جعل علاقة الأبوين على درجة من المتانة لايعتريها خلل أو شك.
وهكذا يكون الإيمان هو أساس العقائد، فالايمان أساس من أسس التربية، والإنسان يؤمن بعد أن يستقر في ذهنه ذلك تصديقاً ويقيناً، واذا قوي ايمان المرء تكون سيرته على ماصدقه، واطمأن قلبه إليه، غير أن الايمان لايكون لدى جميع الناس مصدر خير، فقد يبني الايمان لآخرين وفي بعض الأديان على أساس الوثنية والخرافات والأساطير، وهذا يستدعي وجود ضابط لكل عناصر الإيمان وتصورات المؤمن وأفكاره، أي لابد أن يكون كل ما يؤمن به الفرد حقاً وصحيحاً، فقد لجأ القرآن الكريم في دعوته إلى الايمان الى العقل، يرشده الى مايجب أن يؤمن به، فالعناصر الإيمانية الصحيحة هي التي تعتمد على برهان عقلي صحيح.
ولابد للإيمان من أركان، وهي في نظر الإسلام كل لايتجزأ، وكل من كفر بواحد منها أو بجزئية من لوازمها فقد حبط عمله، ولايقبل منه إيمانه بباقي الأركان.
ونرى من ذلك أن أركان الإيمان سلسلة لاينفك بعضها عن بعض، فالإيمان بالله هو الركن الأساسي الأول، وقد أخطأ من اعتقد أن مجرد السليم أو الاعتقاد بوجود الله، وبكونه خالقاً لهذا الكون، أن عقيدته كافية وتنجيه من عذاب الله، لأن الإيمان الصحيح بالله تعالى يجب أن يشتمل:
أولاً: معرفة معنى الإله
ثانياً: إثبات معنى الإلوهية لله عز وجل
ثالثاً: نفي معنى الإلوهية عن كل كائن سوى الله
لقد تصورت معظم الأديان عدا الإسلام الإلوهية تصوراً خاطئاً أو ناقصاً أو ملوثاً بالتشبيه والتجسيد والتناسل، اما بالإسلام دستوره القرآن فقد صحح هذه التصورات الخاطئة.
فخلاصة ما جاء بالقرآن الكريم عن معنى الإلوهية أنه لايجوز أن يكون الإله إلاّ من يكون صمداً، حياً قيوماً، لم يلد ولم يولد، ويكون من الأزل، فليس قبله شيء، ويبقى الى الأبد، فليس بعده شيء، ويكون علمه محيطاً بكل شيء، ورحمته وسعت كل شيء، وقوته غالبة على كل شيء، كما يكون منزهاً عن أي نقص في حكمته أو عيب في عدالته، ويكون قادراً، مشرعاً، حاكماً على الإطلاق، واهباً للحياة، ومهيئاً لأسبابها ووسائلها مالكاً لكل قوة من قوى النفع أو الضرر، ويكون كل من سواه محتاجاً لعطائه، فقيراً الى حفظه ورعايته، كما يكون إليه مرجع كل مخلوق، ويكون هو المحاسب والمجازي لكل من سواه.
وهكذا تنظيم عقيدة التوحيد حياة الإنسان النفسية، وتوحد نوازعه وتفكيره وأهدافه، وتجعل كل عواطفه وسلوكه وعادته قوى متضافرة متعاونة ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد هو الخضوع لله وحده، فعقيدة التوحيد والإيمان بالله تربي عقل الإنسان على سعة النظر وحب الإطلاع على أسرار الكون، والطموح إلى معرفة ما وراء الحس، وتربي عند الإنسان التواضع، وعدم التطرف أو الغرور، وهنا يبتعد الإنسان عن التعلل بالآمال الكاذبة، فلا تنفع عند الله شفاعة الشافعين، إلا لمن يأذن الله ويرضى، وما من أحد يفيده تقربه من الله إلا عن طريق العمل الصالح، فليس لله قرابة رحم، ولا صلة أبوية، ولا صحبته سابقة لأحد من العالمين، فالكل عباد الله والكل محاسبون مجزيون بأعمالهم، إن خير فخير، وأن شر فشر.
وهناك ركن آخر مهم من أركان الإيمان وهو الإيمان بالملائكة، فإذا تدبرنا الآيات التي ذكرت فيها الملائكة يمكن أن نقول: إن الملائكة كائنات خلقها الله، وسخرها لأعمال ومهمات معينة، ولعل من أشرف هذه الوظائف النزول بالوحي على الأنبياء، وهم أيضاً ليست لهم بالله أية صلة، من حيث القربى والنسب، فقد أمر الله سبحانه أن يسجدوا لآدم عندما خلقه اعترافاً بفضل الله وإبداعه فيما خلق، ويميزه الإنسان على الملائكة، وهكذا لايجوز لإنسان أن يعبد ملكاً.
ومن أركان الإيمان الأخرى هو الإيمان بكتب الله المنزلة، فالكتاب المنزل يحتوي على شريعة الله وأوامره وكلامه وهديه الذي ينير للبشر سبل الحياة، ويحدد لهم ما كلفهم الله به من حرام وحلال وأوامره نواه عبادات ونسك .. وغير ذلك، ومن أركان الإيمان أيضا الإيمان بالرسل، فالرسول هو القدوة والمربي الأول لجيل مثالي، يكون من بعده من أجيال البشرية تبعاً له، وفي الإسلام يمكن اقتباس العملية للتربية الإسلامية من حياة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).
ومن أركان الإيمان، الإيمان باليوم الآخر، فالنتيجة الطبيعية لنظرة الإسلام الى الكون والحياة هي الإيمان بالحياة الآخرة، فالدنيا مرحلة مؤقتة، ولم يخلق الله سبحانه الكون عبثاً، وقد خلقه إلى أجل مكتوب عنده، وتقوم النتائج التربوية للإيمان باليوم الآخر على أساس تربية الشعور الحقيقي بالمسؤولية، وتحقيق الأخلاق الفاضلة المطلقة، والتحكم بجميع الدوافع والغرائز، وإيثار الآخرة على الدنيا، والصبر على الشدائد، وتربية العقل على الفطرة السليمة،
أما الركن الأخير من الإيمان فهو الإيمان بالقدر خيره وشره، وهذا الإيمان من لوازم الإيمان بالله، لأن الله هو الذي قدر كل ماسيقع في الكون والمجتمع الإنساني، وقد جعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الإيمان بالقدر ركناً مستقلاً، وجانباً مهماً في حياة الإنسان وتربيته، إذ أن من آثاره التربوية العزم والقضاء على التردد، وعدم الندم والحسرة على مافات، والجرأة أمام الموت، والتفاؤل والرضا، وبالنتيجة فإن المؤمن يتربى على التعقل، وعدم تعليل الأمور بحسب هواه ومصلحته، بل يجب عليه أن يدرك أن الكل ظاهرة كونية فوائد ومضاراً فيطلب الفوائد ويبتعد عن المضار.
مصادر التربية الإسلامية
إن التربية الإسلامية هي التنظيم النفسي والاجتماعي الذي يؤدي إلى اعتناق الإسلام وتطبيقه،، وبهذا المعنى لا بد من تهيئة النفس الإنسانية لحمل هذه الأمانة، ومن هذا المنطلق تكون مصادر الإسلام هي نفسها مصادر التربية الإسلامية، ولعل أهم مصدرين في التربية هما القرآن الكريم والسنة النبوية.
فالقرآن الكريم يتقدم على سائر المصادر الأخرى، فهو الكلام المعجز المنزل على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر المتعبد بتلاوته، فقد ترك القرآن الكريم أثراً لا شك فيه في تربية نفس الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ونفس صحابته رضي الله عنهم، فقد ذكر عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأنه (كان خلقه القرآن).
وقد سمي القرآن بذلك إشارة إلى حفظه في الصدور، وقد امتاز عن سائر الكتب السماوية بأمور عديدة منها أن القرآن الكريم يخاطب البشرية جمعاء، وأنه وصل إلينا سالماً خالياً من التحريف، وأنه ينظم مظاهر الحياة الإنسانية جميعها، وأنه جاء ناسخاً لما سبقه من كتب سماوية، فهو صالح للأزمنة كافة، لأنه في غاية الكمال.
إن القرآن هو المصدر الأساسي الأول للتربية الإسلامية، وهذا يستدعي أن تتحول آياته إلى سلوك واقعي، لا أن نقرأه فقط، أو ندرسه على أساس ترف عقلي أو رياضة فكرية، بمعنى أن التطبيق العملي لما جاء في الآيات القرآنية هو ماتهدف اليه التربية الإسلامية، واستناداً إلى ذلك يكون القرآن هو الذي حفظ وبحفظ للأمة الإسلامية وحدتها الفكرية والثقافية.
إن القرآن الكريم بعد ذلك يحدد الهدف الأسمى للإنسان الذي فضله الله على سائر مخلوقاته، ويحدد تحديداً واضحاً علاقة الانسان بالكون، ويرشد الإنسان إلى الطريقة المثلى التي يكتسب بها المعرفة، قال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴿190﴾ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿191﴾) ([16]).
إن الله سبحانه وتعالى يحثنا على التفكر بقدرته، فنسبحه ونستغفره، ويحثنا على أن نبدأ بالعمل والمعرفة بالنظر فيما يحيط بنا في عالم الشهادة، ثم يطالبنا بالانتقال إلى عالم الغيب والإيمان به سبحانه.
إن التربية التي تهتم بتنشئة الإنسان تحتاج إلى مجموعة من المبادئ التي تحدد لها الأهداف والوسائل، وهذه المبادئ موجودة في القرآن الكريم، وإن الطريقة الفريدة التي جمع بها القرآن الكريم تزود التربويين بمنهجية في البحث تقوم على أسس منها: حسن الاختيار، وتحمل المسؤولية، وتتبع المعلومات من مصادرها الأساسية والتثبت من صحة المصادر.
بقي أن نذكر أن للقرآن الكريم أسلوباً رائعاً ومزايا فريدة في تربية المرء على الإيمان بوحدانية الله وباليوم الآخر، فالقرآن الكريم يفرض الإقناع العقلي مقترناً بإثارة العواطف والانفعالات الإنسانية، فهو بذلك يربي العقل والعاطفة متمشياً مع نظرة الإنسان في البساطة، وعدم التكلف وكرق باب العقل مع القلب مباشرة، وإن القرآن يبدأ بالمحسوس المشهود المسلم به، ثم ينتقل الى استلزام وجود الله وعظمته وقدرته وسائر صفات الكمال، مع اتخاذ أسلوب الاستفهام، إما للتقريع، وإما للتنبيه، وإما للتحبيب، مما يثير في النفس الانفعالات الربانية كالخضوع والشكر ومحبة الله والخشوع له.
لقد بلغت التربية القرآنية ذروتها في توحيد النفس، واستنفاذ طاقتها لخير الإنسانية، ولعل أوضح مثال على هذا الأسلوب التربوي القرآني ما جاء في سورة الرحمن، إذ يذكرنا الله جل جلاله بنعمه، ودلائل قدرته الى ماسخر الله من شمس وقمر ونجم وشجر وفاكهة وثمر.
فقد تكرر الاستفهام مثلاً (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ([17]) إحدى وثلاثين مرة، وفي كل مرة يثير انفعالاً يختلف بحسب الآية التي تسبقه.
أما المصدر الثاني من مصادر التربية الإسلامية فهو السنة المطهرة، ونعني بها ما صدر عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) من قول أو فعل أو تقرير، وإن لهذه السنة النبوية مكانة مهمة في التشريع الإسلامي فهي حقيقة أقرها القرآن الكريم في آيات عديدة، منها قوله سبحانه وتعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ) ([18])، وقوله تعالى:(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ)([19]).
لقد جاءت السنة النبوية لتحقيق هدفين:
أولهما: إيضاح ماجاء في القرآن
ثانيهما: بيان تشريعات وآداب أخرى.