eKtab
EN ع
أساليب تدريس قواعد اللغة العربية
اقرأ عينة مجانية

أساليب تدريس قواعد اللغة العربية

بقلم د. كامل محمود نجم الدليمي

صفحة 1

المقدمة

هذا كتاب في (أساليب تدريس قواعد اللغة العربية)، وهو يقع في سبعة فصول، وقد تفاوتت هذه الفصول بحسب محتوى الفصل والقضايا التي يعالجها.

يتناول الفصل الأول مقدمة في اللغة بشكل عام واللغة العربية بشكل خاص وخصائص اللغة، ووظيفة اللغة بالنسبة للفرد والمجتمع، وخصائص اللغة العربية، ووظيفتها.

أما الفصل الثاني فيتناول (في قواعد اللغة العربية وتيسيرها) وتضمن هذا العنوان عناوين فرعية هي: مفهوم القواعد والنحو، والأهداف العامة لتدريس قواعد اللغة العربية، وأسباب صعوبة قواعد النحو، ومحاولات تيسير قواعد النحو.

ويتناول الفصل الثالث (طرائق التدريس)، وشملت نبذة عن نشوء الطريقة وتطورها، وعلاقة طرائق التدريس بفلسفة التربية وأهدافها.

وكان الفصل الرابع خاصاً بطرائق تدريس قواعد اللغة العربية، والبدء بتدريس هذه القواعد.

ويتناول الفصل الخامس بعض الدراسات الخاصة بطرائق تدريس قواعد اللغة العربية، وهي دراسة الخياط، ودراسة الدليمي، ودراسة السلطاني، ودراسة الدليمي ونجم، ودراسة العزاوي، ودراسة الخماسي. وتناول أيضا دراسات أجنبية خاصة بقواعد تلك الدراسات، ومنها دراسة كلوزر، ودراسة روبنسن، ودراسة مولكاهي.

أما الفصل السادس فيتناول أسلوب المواقف التعليمية في تدريس قواعد اللغة العربية، وتضمن تمهيداً، وتعريفا بمزايا هذا الأسلوب.

وجاء الفصل السابع متضمناً لدروس مختارة في تدريس قواعد اللغة العربية بأسلوب المواقف التعليمية.

لقد فصل المؤلف في أسلوب المواقف، وأعطى دروساً كثيرة في هذا الأسلوب، بوصفه أسلوبا حديثا في تدريس القواعد، ولأن مؤلفات طرائق تدريس اللغة العربية تضمنت تفصيلات كثيرة عن الأساليب الأخرى، وأنها لم تذكر أسلوب المواقف إلا قليلاً.

إن المؤلف إذ يضع هذا الكتاب بين أيدي المهتمين باللغة العربية وطرائق تدريسها ليحدوه الأمل في أن يفيد من ملاحظاتهم القيمة حول الكتاب لإخراجه في الطبعات القادمة بشكل أفضل مما هو عليه الآن. والله من وراء القصد.

د. كامل الدليمي

صفحة 2

تمهيد

عرفت اللغة تعاريف عدة، ووجد الدارسون في تعريفها الدقيق مشقة كبيرة على الرغم من وضوح اللغة وجريانها على كلّ لسان. فقد عرفها إبراهيم أنيس بقوله: ”نظام عرفي لرموز صوتية يستغلها الناس في الاتصال بعضهم ببعض، وفي التعبير عن أفكارهم“. أو هي الأصوات التي يحدثها جهاز النطق الإنساني التي تدركها الأذن فتؤدى دلالات اصطلاحية معينة في المجتمع المعين. وتعد الأصوات التي تصدرها أعضاء النطق الإنسانية مظهراً من مظاهر اللغة العالمية ومن تلك الأصوات المنظمة تتألف الكلمات والجمل والعبارات التي تكون رموز حلها الإنسان بقابليته المبدعة محل الخواطر والأفكار. وتعد الرمزية سمة أساسية في الفكر الإنساني.

واللغة علم من العلوم الإنسانية، فقد قال أبو نصر الفارابي عن هذا العلم بأنه: ”علم الألفاظ الدالة عن كل أمة، وعلم قوانين تلك الألفاظ، وهو الذي يعطي قوانين (النطق الخارج) أي القول الخارج بالصوت. وهو الذي به تكون عبارة اللسان عما في الضمير“، وقال الأستاذ هنري دولاكروا عن اللغة ”هي دالة الفكر عما عبّر“.

وتختلف اللغة عن الكلام من وجهين:

1- من حيث أننا نقصد بلفظ (الكلام) الخارجية فقط. وبهذا المعنى تكون (اللغة) جنسا، و(الكلام) نوعا من أنواعها.

2- من حيث أن (الكلام) يفيد الفعل الفردي الذي به نمارس وظيفة اللغة.

وعرّفت اللغة بأنها ”أداة التفاهم الذي لا بد منه في كل مجتمع ولكل إنسان، والتفاهم هو تبادل المعاني، وله ناحيتان هما: الفهم والإفهام“ والفهم يتم عن طريق سماع الكلام أو الحديث، وهذا هو الجانب الطبيعي في الإنسان، ويتم عن طريق النظر في القراءة. وتعدّ القراءة الجانب الاصطلاحي الصناعي. وكذا الحال بالنسبة إلى الإفهام الذي يتم عن طريق اللسان في الحديث أو الكلام، وعن طريق القلم في الكتابة الإنشائية. فالسمع واللسان هما الوسيلتان الطبيعيتان للتفاهم في جميع مراحل الطفولة قبل أن يتعلم الناشئ ما اصطلح عليه بالقراءة والكتابة اللتين اقتضتهما طبيعة الحياة. فالتفاهم الشفهي صحب الإنسان منذ نشأته وصغره، فسماع العبارات الصحيحة وفهمها، وقراءة الأساليب الجيدة المقرونة بالإدراك والتفهم كلها تؤدي إلى تنمية القدرة على التعبير. وبذا يكون السمع واللسان أقوى الوسائل في تثبيت اللغة وأساليبها من النظر واليد. فالتعلم الشفهي يسبق استخدام القراءة والكتابة. فالأثر يكون عظيماً في طبع الأساليب والتراكيب السليمة في الأذهان عندما تلخص دروس المطالعة، وعندما يتم الحوار في التعبير الشفهي، وتكرر العبارات الصحيحة على إسماع التلاميذ.

ويعرف علماء النفس اللغة بأنها ”الوسيلة التي يمكن بها تحليل أية صورة أو فكرة ذهنية إلى أجزائها أو خصائصها التي بها يمكن تركيب هذه الصورة مرة أخرى في أذهاننا أو أذهان غيرنا بوساطة تأليف كلمات ووضعها في ترتيب خاص“.

وينظر علماء الاجتماع إلى اللغة ”كأنها عربة تحمل إلى الأجيال التالية ما عند الأجيال السابقة من ثقافة وعلم وفن وأدب“. وقيل أن اللغة ”هي مجموعة من الأصوات والألفاظ والتراكيب التي تعبّر بها الأمة عن أغراضها، وتستعملها أداة للفهم والإفهام، والتفكير، ونشر الثقافة، فهي وسيلة الترابط الاجتماعي لا بدّ منها للفرد والمجتمع“.

صفحة 3

والناس لديهم وسائل للتعبير عن أغراضهم، فلم تكن اللغة هي الوسيلة الوحيدة للتعبير، فهناك الإشارة، والحركة، والضحك، والبكاء، والرقص والغناء والموسيقى والرسم. ومع هذا تبقى اللغة (الكلام) أرقى أنواع التعبيرات الصوتية، وهذه الظاهرة لا توجد إلا عند الإنسان وحده. إذ بها كرم الله الإنسان على سائر المخلوقات. قال تعالى (خَلَقَ الْإِنْسَانَ،عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)الرحمن: ٣ - ٤

وقال تعالى (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ،عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ )العلق: ٤ - ٥

ورأى قورة أنّ اللغة بمعناها الواسع هي ”أداة التفاهم ووسيلة التعبير عما في النفس بين المخلوقات. فالطيور بفصائلها المتعددة لها وسائل تعبيرية يتعارف عليها أفراد كل فصيلة ويستجيب أحدها للآخر استجابات مختلفة تبعا لنماذج الاختلاف التي تشتمل عليها وسيلتهم في التفاهم ونقل المعارف والمشاعر... والحيوانات بأنواعها المختلفة يتفاهم أفراد كل منها بلغة خاصة به، وإن لم تكن ذات مقاطع وحروف وكلمات... وهناك من وسائل التعبير بين الطيور والحيوانات مالا يقوم على أصوات بل يؤدي وظيفته بالحركة أو اللمس أو الشم“.

وورد في القرآن الكريم عدد من الآيات تشير إلى أن للحيوانات لغة خاصة بها، (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) النمل: ١٦

وتمكّن سليمان u من أن يتفاهم هو والهدهد كما جاء في سورة النمل:(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ،إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ،وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) النمل: ٢٢ - ٢٤ ...إلى أن قال تعالى(قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ،اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) النمل: ٢٧ - ٢٨

وقد تفاهم سليمان u هو والنمل حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ النمل: ١٨

وعندها فهم سليمان u ما تعنيه النملة بقولها (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) النمل: ١٩. وربما كان قريباً من معنى اللغة الخاصة بغير الإنسان من قوله تعالى (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) الإسراء: ٤٤.

وقد عرّف قورة اللغة الخاصة بالبشر بأنّها ”العبارة التي يكشف بها المتكلم عن نفسه ويوضح بها مقصوده، وهي تتميز بالمقاطع والحروف والكلمات والجمل ذات التركيب الخاص“.

وهناك علاقة قوية بين الفكر واللغة، وهذا ما دعا علماء المنطق إلى تعريفها "بأنها علم قوانين الفكر" أو "العلم الذي تعصم مراعاته الذهن من الخطأ في التفكير" إذ لا يمكن نمو التفكير من غير اللغة، فهي التي تمد الطفل بالألفاظ التي يطلقها على الذوات والمعاني.

وقد أكّد تلك العلاقة جيل العاملين في ميدان علم نفس اللغة بقولهم ”عندما نقول بأن اللغة تؤثر في الفكر أو أن الفكر يؤثر في اللغة لا نقصد أنهما شيئان مختلفان تمام الاختلاف ويؤثر أحدهما في الآخر. بل نلمح إلى أن الظواهر التي تطلق عليها اسم الفكر تختلف عن الظواهر التي نسميها اللغة“.

ويرى عبد العليم إبراهيم بأنّ تكون الفكرة في الذهن يظل عاما شائعا حتى تجد تلك الفكرة الوسيلة التي تضبطها وتحددها وتعبّر عنها بوساطة اللغة أو الرسم أو النموذج. ”ودور اللغة في هذا التعبير له المقام الأول. لذا، قال: التفكير كلام نفسي، والكلام تفكير جهري“ ويقول الشاعر في هذا المعنى:

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

صفحة 4

نظريات نشأة اللغة واكتسابها

لا شك في أن الفضل الكبير في نشأة اللغة الإنسانية يعود إلى اجتماع الأفراد بعضهم ببعض، وحاجتهم إلى التعاون وتبادل الأفكار، فلولا المجتمع والحياة الاجتماعية ما وجدت لغة ولا تعبير إرادي. فاللغة أداة الفرد والمجتمع في التعبير عما يجول بالخواطر من معان ومدركات.

ومهما يكن من شيء فإن أهم ما قيل في نشأة اللغة يرجع إلى أربع نظريات: النظرية الأولى تقرر أن الفضل في نشأة اللغة الإنسانية يرجع إلى إلهام إلهي هبط على الإنسان فعلّمه النطق وأسماء الأشياء. إذ قال أبو الحسين أحمد بن فارس ”اعلم أن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله تعالى:(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)البقرة: ٣١.

فالأسماء كلها معلّمة من عند الله بالنص، وكذا الأفعال والحروف، لعدم القائل بالفصل، ولأن الأفعال والحروف أيضاً أسماء، لأن الاسم ما كان علامة، والتمييز من تصرف النحاة، لا من اللغة، ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر.

في حين تقرر النظرية الثانية أن اللغة ابتدعت واستحدثت بالتواضع والاتفاق وارتجال ألفاظها ارتجالا. إذ قال ابن جني ”إن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي ولا توقيف“. ويتم التواضع بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات، فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا، إذا ذكر عرف به ما مسماه، ليمتاز عن غيره، وليغنى بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين... فكأنهم جاءوا إلى واحد من بني آدم فأومئوا إليه، وقالوا: (إنسان، إنسان، إنسان) فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق... وهلم جرا فيما سوى ذلك من الأسماء والأفعال والحروف.

وهناك رأي يوفق بين النظريتين، وهذا الرأي هو لإمام الحرمين إذ قال: ”اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات، فذهب ذاهبون إلى أنها توقيف من الله تعالى، وصار صائرون إلى أنها تثبت اصطلاحا وتواطؤا، وذهب أبو إسحاق في طائفة من الأصحاب إلى أن القدر الذي يفهم منه قصد التواطؤ لا بد أن يفرض فيه التوفيف...

والمختار عندنا أن العقل يجوز ذلك كلّه“ ثم قال ”أليس في قوله تعالى :(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) البقرة: ٣١، دليل على أحد الجائزين، فإنه لا يمتنع أن تكون اللغات لم يكن يعلمها، فعلمه الله تعالى إياها، ولا يمتنع أن الله تعالى أثبتها ابتداء، وعلمه إياها“.

أما النظرية الثالثة فتقرر أن اللغة الإنسانية نشأت من الأصوات الطبيعية، إذ قال أبو الفتح ابن جني: ”حدّ اللغة أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم“، فذهب أصحاب هذه النظرية إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد وسارت في سبيل الرقي شيئاً فشيئاً تبعا لارتقاء العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة واتساع نطاق الحياة الاجتماعية، وتعدد حاجات الإنسان وما إلى ذلك.

أما النظرية الرابعة فقد تقرر أن الفضل في نشأتها يرجع إلى الغريزة الخاصة التي زود بها جميع أفراد النوع الإنساني مما يقدره على التعبير عن كل مدرك حسي أو معنوي بكلمة خاصة، كما أن غريزة التعبير الطبيعي عن الانفعالات تحمل الإنسان على القيام بحركات وأصوات خاصة (انقباض ا لأسارير وانبساطها، وقوف شعر الرأس، والضحك، والبكاء وكلما عرضت له حالة انفعالية معينة كالغضب، والخوف، والحزن، والسرور.... الخ).

ولم تحتفظ اللغة الإنسانية في تطورها بالوحدة التي بدأت بها، ولكنها انشعبت إلى لغات متعددة، ولهجات متباينة رجعها بعض العلماء إلى ثلاث فصائل، الأولى فصيلة اللغة الهندية- الأوربية، ومنها اللغة الفارسية والإنجليزية والفرنسية، والثانية فصيلة اللغات الجزرية، ومنها اللغة العربية، والثالثة فصيلة اللغات الطورانية ومنها – على ما قيل- اللغة التركية. ويرجع السبب في هذا الانشعاب والاختلاف إلى عوامل ثلاثة:

1- البيئات المختلفة التي عاشت لغة الإنسان فيها.

2- المساحات الشاسعة التي انتشرت بين ربوعها.

3- الجماعات الكثيرة التي تحدثت بها.

صفحة 5

وقد اصطبغت دراسة اللغة بحاجات المجتمعات ومشكلاتها عموما، وبهذا يكون شأن اللغة شأن العلوم الأخرى إذ إنها تنشأ وتترعرع لدى الإحساس الاجتماعي بالحاجة إليها لحل مشكلات تلك الحضارة كل حسب ميدانه.

اهتم المفكرون والفلاسفة والعلماء باللغة منذ القدم إذ تناولوها بالدراسة والتحليل. فتأمل اليونانيون في نشأة اللغة، والعلاقة بين الكلمات ومعانيها، وطبقوا مبادئ المنطق على مسائل النحو، ونشأ عندهم الجدل حول طبيعة العلاقة بين معاني الكلمات وأصواتها، أهي علاقة اعتباطية أم هي علاقة منطقية؟ وبهذا يكون اليونانيون من أسبق الشعوب الأوربية في دراسة اللغة. وقد قال ديمقريطس (460-360 تقريباً ق.م) ”بنكران النشأة الإلهية للغة. وأكّد أن اللغة غير كاملة كما يدل ذلك وجود المترادفات، والشواذ القواعدية، وتغير اللغة عبر الزمان“.

وأكد أفلاطون (427-347ق.م) ”أن اسم الشيء لا يمثل الشيء بنفسه، بل يمثل فكرة الشيء فقط“. وحول مسألة نشوء اللغة قال سقراط: ”إن القول بالمصدر الإلهي للكلمات ما هو إلا محاولة للتهرب من البحث العلمي في مصدر الأسماء“.

(أما أرسطو فتوجه توجها فلسفيا وعلميا في دراسة اللغة فقال:

”إن اللغة لا توجد إلا بين البشر. وأن تغريد الطيور هو أقرب الأشياء للغة بين الحيوان“.

واعتقد أنّ الأطفال لا يستطيعون النطق كالكبار لأنهم لم يوفقوا بعد في السيطرة على ألسنتهم، ويسيطر الطفل على لسانه من خلال التدريب. وأن الفرق بين الحيوان والإنسان في النطق يكمن في استعمال الإنسان للسانه، والفرق بين لغة الإنسان، وتصويت الأطفال والحيوان. إن لغة الإنسان قابلة للاختزال إلى مقاطع، ولا يكون ذلك في تصويت الحيوان والأطفال، وقرر أن اللغة هي جزء من النظام الطبيعي، أما معاني الكلمات فهي من صنع الإنسان. وقسم الكلام على قسمين أساسيين هما الأسماء والأفعال، أما ما هو غير ذلك فوظيفته الربط المنطقي في جوانب عملية التفكير).

أما ابقريطس فقد رأى:

”أن اللغة نشأت من الطبيعة بينما لعبت مدرسة الإسكندرية دورا مهما في دراسة اللغة فخرجت جيلاً بعد جيل من النحويين والبلاغيين والموسوعيين...الخ“.

أما الرومان فقد اقتبسوا الكثير من اليونانيين. واهتموا للغة لأنهم اعتمدوا عليها في السيطرة على أجزاء إمبراطوريتهم الواسعة الأطراف.

واهتم المسيحيون للغة واتخذوها أداة لنشر الدين عبر الأمصار، كما أنهم يعتقدون أنّ اللغة هبة من الله. أما المسلمون فقد اهتموا للغة القرآن الكريم وحرصوا عليها من التحريف، كما اهتموا لدراسة النحو حين شرع أبو الأسود الدؤلي بوضع أسسه (واهتم العرب أيضا بمسألة نشوء اللغة مثل ابن جني. كما ثار الجدل بين العلماء فيما إذا كانت اللغة موضوعة أو موقوفة (أي منزلة من الله تعالى) فابن فارس يرى أنها موقوفة، وابن جني يرجح أنها اصطلاح. وقد درس ابن سينا تشريح أجهزة النطق وكتب عنها مفصلا، فألف رسالة بعنوان (أسباب حدوث الحروف) وإذا أضفنا لهذه الرسالة ما كتبه في الجزء الثاني من كتاب القانون في الفصل المعنون تشريح الحنجرة والقصبة الهوائية. وما كتبه عن مسألة السمع في كتابه (الشفاء) يتبين لنا مدى أصالة ابن سينا فيما طرقه من مواضيع تدور حول الأسس التشريحية لإنتاج الكلام وتسلمه. وكتب الكندي في الأجهزة التشريحية المسؤولة عن النطق).

أما النظريات المعاصرة في اكتساب اللغة فقد اتجه العلماء والباحثون فيها اتجاهين متعارضين وهما: الاتجاه البيئي، والاتجاه الفطري.

فالعلماء البيئيون من أمثال (سكينر) يؤكدون أن عملية اكتساب اللغة نوع من التعلم فهي تخضع للقوانين والمبادئ التي تخضع لها أنواع التعلم كافة، كالمحاكاة والثواب والعقاب والتعزيز، فعندما يتمكن الطفل من إنتاج الأصوات الكلامية، يقوم بتقليد الكلمات التي يسمعها في بيئته. فإذا اتفقت هذه الكلمات واقتربت من النمط اللغوي السائد في البيئة يقوم الراشدون بتعزيزها، مما يزيد احتمال تكرار حدوثها في الأوضاع والسياقات المستقبلية المشابهة وتعلمها، أما إذا كانت تلك الكلمات غير متفقة أو مقتربة من هذا النمط فسيقوم الراشدون بتجاهلها وعدم تعزيزها، مما يقلل حدوثها في المستقبل وعدم تعلمها.

أما العلماء الفطريون من أمثال (جومسكي) فيفترضون وجود بنى فطرية معينة، تنشط في سن معينة من النمو وينسبون إليها الدور المهم الذي يمكّن الطفل من اكتساب اللغة. أما عمليات المحاكاة والتعزيز فلا تؤدي إلا دورا ثانوياً في اكتساب اللغة. ولهذا افترض تشومسكي وجود أداة فطرية لاكتساب اللغة. تقوم بتخزين ومعالجة المعطيات اللغوية الخام التي يسمعها الطفل، وتمكنه من توليد مجموعة من القواعد اللغوية شبه المتناسقة والثابتة، والتي ربما تختلف عن القواعد اللغوية التي يستخدمها الراشدون، ويعتقد تشومسكي أن افتراض مثل هذه الميكانيزمات الفطرية، هو أمر ضروري لتفسير بعض الظواهر اللغوية العالمية التي تتبدى لدى اكتساب اللغة ونموها، كالسن الذي يبدأ فيه الطفل هذا الاكتساب، والبنية أو الانتظام الذي يتم به، إذ تبين أن معظم الأطفال الأسوياء يبدؤون باكتساب اللغة في سنّ واحدة تقريباً، ويستخدمون الميكانيزمات ذاتها على الرغم من اختلاف المعطيات اللغوية المتوافرة في بيئاتهم والتي يزودهم آباؤهم بها.

أما ماكنيل فيرى أن اتخاذ موقف حاسم إلى جانب البيئيين أم الفطريين، لم يكن أمراً مجدياً، فهو يرى أن البيئيين يفشلون في تفسير ظاهرة الابتكار اللغوي التي تتبدى عند الطفل فيما بين الثانية والخامسة من عمره، والتي تمكنه من إنتاج عبارات لم يسمعها في بيئته، ومن استخدام بعض القواعد اللغوية غير المتوافرة في لغة الراشدين في بيئته.

ويرى أيضاً أن الفطريين يعجزون عن تفسير عملية اكتساب اللغة دون عمليتي التقليد (المحاكاة) والتعزيز، لأن هاتين العمليتين تشكلان المفتاح الأساسي لاكتساب اللغة. وتشير المعلومات التي أسفرت عنها نتائج البحوث حتى الآن أن كلا التفسيرين -البيئي والفطري- صادق جزئيا، ومسؤولان معا عن تفسير ظاهرة اكتساب اللغة، لوجود بعض الأدلة التي تؤيد كلاً منهما.

إن اللغة الإنسانية لم تصل إلى استكمال مقوماتها من حيث تنويع الأصوات وأحكام الألفاظ، والدلالة الدقيقة على المعاني المختلفة إلا في عدة مراحل متعاقبة، وإذا اتخذنا ظاهرة النمو اللغوي عند الإنسان من عهد الطفولة إلى الرجولة مثالا نقيس به المراحل التي مرت بها نشأة اللغات فإننا نجد اللغة قد انتقلت من الأصوات إلى المقاطع إلى الألفاظ، ثم أخضعت لنوع من الوضع والاصطلاح، (ولما تجاوزت اللغة مرحلة النشأة والطفولة دخلت في طور تقديم جديد، وهو طور القوانين والضوابط اللغوية، التي تحميها من الفساد، ثم تهيأت لها بعد ذلك ألوان من التجميل والزينة والتأنق).

صفحة 6

خصائص اللغة

من التعاريف السابقة للغة يمكن أن نستخلص الخصائص المميزة لها، ومن أهم هذه الخصائص ما يأتي:

1- اللغة نظام

لكل لغة قواعد تحكمها، ولها نظام خاص في توزيع أصواتها، ولها نماذج محددة في بناء كلماتها وجملها. وهذا النظام جعل اللغة مجالا يستحق الدراسة والبحث. وعلى الرغم من اختلاف أنظمة اللغات في العالم وجد الدارسون وجوه شبه بين تلك النظم، فمنها ما يتصل بالأصوات، ومنها ما يتصل بالكلمات وبالنحو. ويتضح ذلك عند تعليم اللغات الثانية إذ يمكن الاستفادة من تلك الألفاظ والظواهر المشتركة بين اللغات، في بداية تعلم اللغات خاصة.

2- اللغة عرفية

يجمع اللغويين الآن على أن اللغة لم تكن محكومة بالمنطق العقلي بل أنها محكومة بالعرف الاجتماعي. فحين نتساءل ”لماذا اختصت دلالة الكلمة في كل لغة بمجموعة معينة من الأصوات في ترتيب خاص؟ بل لماذا اختصت الدلالة الواحدة في معظم الحالات بمجموعة خاصة من هذه الأصوات؟ ففي العربية مثلاً لماذا سميت الشجرة بالشجرة، والوردة بالوردة، والماء بالماء ونحو ذلك؟ وحين نتساءل لماذا تتخذ كل لغة نظاما خاصا في ترتيب الكلمات من الجملة؟، بل لماذا تتغير في اللغة الواحدة دلالة الجملة بتغير ترتيب الكلمات؟“ وحين نتساءل لماذا عاملت بعض اللغات أسماء معينة على أنها أسماء محايدة أي ليست مذكرة ولا مؤنثة؟ وربما يستمر التساؤل دون أن نجد الجواب المنطقي العقلي، ثم نقتنع في نهاية الأمر بالقول: أن كلّ ذلك مرده يعود إلى العرف والاصطلاح.

والعرف اللغوي يختلف عن الأعراض الأخرى فكثيراً ما تلجأ الشعوب عن عمد أو قصد إلى تغيير بعض عاداتها الاجتماعية خلال مدة معينة، ولكن يندر أو يستحيل أن يحصل مثل هذا في لغتهم، فالتطور اللغوي بطيء وتدريجي ويلحق اللغة دون عمد أو قصد، وبهذا تظل اللغة محافظة على أصولها وجوهرها.

3- اللغة رموز تحمل معنى

إن اللغة المكتوبة واللغة الشفهية ما هي إلا رموز يضعها الكاتب والمتكلم، فالكلمة التي يتكلم بها المتكلم، أو الجملة التي يستخدمها لم تكن معنى بل هي رمز لمعان في ذهن المتكلم أو الكاتب. فاللغة وسيلة يستخدمها ليعبر بها عن المعاني التي لديه، وهي وسيلة مهمة للاتصال في كثير من المواقف، وأي خلل في استخدام هذه الرموز ينجم عنه توقف عملية الاتصال، وهي الغاية المتوخاة من اللغة. والاتصال في حد ذاته ”مهارة شديدة التعقيد إذ تتضمن أكثر من مجرد إتقان تراكيب لغوية. فينبغي مراعاة أن يكون المنطوق ملائما لمستويات عدة منها هدف المتحدث، والعلاقة بين المتحدث والمتلقي، والموقف، والموضوع، والسياق اللغوي“.

صفحة 7

4- اللغة صوتية

من أبرز خصائص اللغة الأصوات، فمنها تتألف الكلمات والجمل والعبارات حين تنظم، وهي واسطة الإنسان في التعبير عن أفكاره وأحاسيسه منذ آلاف السنين. وهذه الأصوات موجات تنتقل خلال الهواء فتستقبلها الآذان. والأصوات الإنسانية ذات موجات مركبة أو معقدة فمنها الرئيس ومنها الفرعي.

وهذه الأصوات التي تؤلف منها الكلمات والجمل رموز تمكّن الإنسان بقدرته الخلاقة من أن يحلها محل الخواطر والأفكار. فالرمزية سمة أساسية في الفكر الإنساني، وهي التي مكنت الإنسان من أن يكون سيد الطبيعة، وأرقى الحيوانات.

ويتميز الرمز عن العلامة بأنه غير مقيد بزمن، أما العلاقة فقد تشير إلى الماضي أو الحاضر أو المستقبل من الأحداث. فالأرض المبللة علامة على أن السماء أمطرت، وقوس قزح علامة على أنها تمطر الآن في مكان قريب، ودكنة السماء في الصباح علامة على احتمال سقوط المطر في أثناء اليوم. وقد تفيد العلامة معلومات في صورة مباشرة، فالعلامة الحمراء في إشارات المرور تفيد أن على السائق الوقوف.

ولما كانت اللغة ذات خصيصة صوتية فالعملية التربوية تقضي بمراعاة الجانب الشفهي في التعلم، ولاسيما في المراحل الأولى من تعليم اللغة مع التركيز على تنمية قدرة متعلم اللغة على التعبير عن مطالبة الذاتية لكي يحصل المتعلم على قدر كبير من الكفاية اللغوية بمعنى ”أن يطوّر مهارته في استخدام اللغة إلى درجة يستطيع معها أن يعبر تلقائيا وبطلاقة عن الرسالة التي يرغب في التعبير عنها، وأن يستطيع التمييز بين الألفاظ اللغوية التي يستخدمها. بل يستخدمها بطريقة وظيفية صحيحة لأنها في الواقع جزء من نظام أكبر للاتصال. وعلى المتعلم أن يطور طرائق استخدامه للغة من أجل أن يصبح قادراً على نقل معانيه بطريقة فعالة تتناسب هي والمواقف التي يمر بها، وأن يصبح ملما بالمعنى الاجتماعي للتراكيب اللغوية، بحيث يتمكن من اختيار التعبيرات المناسبة للموقف اللغوي الاجتماعي، ويتجنب غيرها من التعبيرات التي لا تتناسب وهذا الموقف“.

5- اجتماعية اللغة وإنسانيتها

يعد المجتمع الإنساني المقوّم الأساسي للغة. ”وهو بالنسبة إلى اللغة كالتربة بالنسبة إلى الزهرة أو الحبة. فالحبة تكمن فيها جرثومة الحياة ولكنها لا تنبت إلى في التربة. وكذلك اللغة في الإنسان، إذ يولد المرء مستعداً للنطق والكلام، ولديه أجهزته وأعضاؤه، ولكنه وحده منعزلاً عن الناس لا ينطق ولا يتكلم ولا تنشأ له لغة“. ويتمثل هذا الاستعداد الفطري لدى الإنسان في صراخ الوليد ومناغاته، فهذه هي جرثومة اللغة أو القدرة على الكلام التي تنمو حين تتهيأ للمرء الحياة في مجتمع. فالإنسان لديه استعداد بالفطرة أن يتكلم، ولا أثر لهذا الاستعداد إلا في المجتمع الإنساني. ولم يفطن بعض الفلاسفة والمفكرين في الماضي إلى هذه الحقيقة.

فهذا صاحب قصة حي ابن يقظان قد اعتقد أن المرء يحيا، ويفكر وتنمو لديه الموهبة العقلية حين يكون معزولاً في جزيرة غير آهلة بالسكان على أن تتوافر له حاجات الحياة كالأكل والشرب والكساء والأمن. وحين يصبح رجلاً يتمكن من معرفة عظمة الخالق وقدرته ويقوم بعبادته في تلك الجزيرة المنعزلة.

ولكن اللغوي الحديث يأبى الاعتراف بذلك دون نطق أو دون كلام ويرى اللغة شبيهة بالخواطر التي داعبت أحلام أحد الفراعنة. لقد ثبت أن المرء مستعد للكلام بفطرته ولا أثر لهذا الاستعداد إلا في المجتمع الإنساني، والنمو اللغوي لدى الطفل متوقف على ما تتصف به حياة الأسرة التي ينتمي إليها الطفل. فالأسرة هي الوحدة الأساسية للمجتمع الإنساني سواء أكان مجتمعا مثقفاً أو بدائياً فالنشأة السليمة تسهم في نمو لغة الطفل كما يسهم التعليم المدرسي المنظم.

والطفولة إذا وجدت الرعاية والاهتمام بمراحلها المختلفة كانت نقطة تحول نحو الأحسن والأفضل. وعلى مر العصور والأزمان نجد الناس يتسابقون إلى إعداد الطفل ليعدوا بذلك جيل المستقبل المأمول. فتعليم الطفل للغة تعليما صحيحاً يفتح أمامه آفاقا واسعة وشاملة، ويعدّ تعلمها مفتاحاً من مفاتيح المعرفة الحاضرة والمستقبلية.

ومن الناحية التربوية نجد أن إنسانية اللغة تحتم عليها تحقيق تطلعات الإنسان مستخدمها، وتلبية مطالبه الأساسية، وتحقيق مطالب المجتمع الذي نشأت فيه. وليس هناك شك في أن الفضل في نشأة اللغة الإنسانية راجع إلى المجتمع والحياة الاجتماعية. فلولا وجود الأفراد مجتمعين، وحاجتهم إلى التعاون والتفاهم وتبادل الخواطر والأفكار لما وجدت لغة، ولا تعبير إرادي. فطبيعة الحياة الاجتماعية، وما تقتضيه هذه الحياة من شؤون هي التي ساعدت على نشوء اللغة، كما تنشأ غيرها من الظواهر الاجتماعية. فلا بد إذن من الاهتمام بتحقيق الجانب الاتصالي والاجتماعي للغة. ”ومن المسلم به بين اللغويين الآن أن المرء يتعلم الكلام لا عن طريق الغريزة أو الإحساس الداخلي كما هو الشأن في عمليات التنفس أو الأكل أو الشرب أو المشي ونحو ذلك. بل يتعلمه من المجتمع الذي ينشأ فيه“.

6- اللغة متطورة ونامية

تعد اللغة كائنا اجتماعياً حيا يعيش بالتطور، ويثرى بالتغيير والنماء. والظواهر الاجتماعية يسري عليها التطور والتغير في المجتمعات الإنسانية خلال مدة عن عمد أو قصد. واللغة وجميع نظمها شأنها شأن الظواهر الاجتماعية الأخرى من حيث التطور والتغير، إلا أن التطور اللغوي بطيء وتدريجي، ويلحق اللغة دون عمد أو قصد. وبهذا تظل اللغة محافظة على أصولها وجوهرها.

”ولو نظرنا نظرة تاريخية تتبعية إلى مفردات أي لغة لوجدنا هذه السمة واضحة وبيّنة. وعلى ذلك يجدر بالمعلم أن يكون واعيا هذه السمة التي تتصف بها اللغة عند قيامه بتدريسها“.

7- اللغة سلوك مكتسب

للغة علاقة وثيقة بالمجتمع الذي يتكلم بها، فهي الطابع المميز لأفراده عن غيرهم من أبناء المجتمع البشري. واللغويون القدماء لم يفصلوا بين الوراثة واللغة فاعتقدوا بوراثة اللغة وجريانها في الدم. في حين رأى اللغويين المحدثون غير ذلك وهو أنه لا أثر للوراثة أو الجنس في تعلم اللغة، ورأوا أن اللغة ملك من يتعلمها وبهذا يظهر أن الفرد يكتسب العادات اللغوية المختلفة في المجتمع الذي يعيش فيه، إذ لم تكن للطفل المولد أية معرفة بلغته القومية إلا أن لديه استعدادا لتعلمها وبذلك تتجلى أهمية البيئة الاجتماعية، والتربية المنظمة في اكتساب الفرد للغة وأساليبها المختلفة.

وترى التربية الحديثة أن اللغة لم تكن فقط مجموعة من الحقائق يتلقنها الناشئ، بل هي مجموعة من المهارات التي يكتسبها الإنسان في حياته، وهي لا تختلف عن مهارة السباحة والرماية والسياقة والضرب على الآلة الكاتبة...الخ. يتعلمها الإنسان عن طريق التدريب المنظم والواعي. وكذا الحال بالنسبة إلى اللغة التي تحتاج إلى التدريب لإتقان مهارة المحادثة والاستماع والقراءة والكتابة حتى يصبح استعمالها عادة ميسرة وسهلة. ”وقد تصنّف مهارة الاستماع والتحدث على أنها مهارات شفهية، بينما تصنف القراءة والكتابة على أنها مهارات تعبر عن لغة مرئية. كما أن هناك تصنيفاً آخر للمهارات تبعا للنشاطات المتبعة في كل مهارة. لذلك قد يطلق على التحدث والكتابة مهارات إنتاجية، بينما ينظر إلى مهارات الاستماع والقراءة على أنها مهارات استيعابية“.

صفحة 8

وظيفة اللغة بالنسبة إلى الفرد والمجتمع وبناء الحضارة الإنسانية

تعد اللغة من الوسائل التي تربط بين الأفراد والجماعات والشعوب، فيها يتم تنظيم المجتمع الإنساني. ودرست اللغة في ضوء الحياة الاجتماعية عند نشوء المدرسة اللغوية في أوائل القرن العشرين، إذ أكد (لويس) صاحب كتاب (اللغة والمجتمع) تغلغل اللغة في كل شؤوننا العامة والخاصة. ورأى أن هناك قوتين تؤثران في اكتساب الطفل للغة، فالأولى تدفعه وتلقي به في أحضان المجتمع الذي ينتمي إليه كي يصير عضوا فيه متحسسا ومعاونا أفراده وتسمى بالقوة الجاذبة أما القوة الثانية فتسمى بالطاردة غذ تمنعه من ذلك المجتمع ليحتفظ بكيانه الشخصي واستقلاله. ولهاتين القوتين التأثير نفسه في الشعوب، فالأولى تجعل الشعوب مجتمعا إنسانياً مترابطا، والثانية تدفع كل شعب لأن يحتفظ بكيانه واستقلاله، ولكن الغلبة للأولى التي تجعل من الأفراد مجتمعا واحدا، ومن الشعوب مجتمعا إنسانياً عالمياً. ورأى (لويس) أيضا أن اللغة تؤدي وظيفتين بالنسبة إلى الفرد والمجتمع فالأولى بمثابة العملة التي تحقق أغراضهم وتقضي حوائجهم اليومية، والثانية تنفيسية يلجؤون إليها عند الكلام لذات الكلام كالحديث التلفوني، والتحية، وقد ترقى إلى الآثار الأدبية لتعبر عن الجمال والتأثير في قلوب الآخرين ونفوسهم.

وقرر لويس أن الإنسان في المجتمع الحديث لا يتوقف اكتسابه للغة إلا بانتهاء الحياة، فاللغة في نمو وتطور وذلك لشيوع الوسائل التي تعمل على هذا النمو والتطور، ومن بينها الإذاعة والسينما والصحف، فضلا عن سهولة الاتصال بين المجتمعات. فالقادة وجدوا في اللغة الوسيلة الأساسية في استمالة ميول الناس وأحاسيسهم، وخير منظم لشؤون الدولة الكثيرة.

وفي هذا الصدد أصرّ (ماكس مولر) على أن وظيفة الكلمات لا تقوم بنقل الأفكار نقلا مجرداً، وإنما وظيفتها التأثير في أفكار الآخرين، وبذا تصبح اللغة أداة لنقل الأفكار. فنقاد علم النفس من السلوكيين، ونقاد المنطق من المنطقيين الإيجابيين، وكذلك طلاب ما وراء الطبيعة قد بعثوا اليوم مذهب (ماكس مولر) الذي يمكن أن يعبر عنه يكون "الأفكار لغة". وهناك الكثير ممن يذهب إلى القول بأن الكثير من المسائل الظاهرة في طبيعة التفكير ليس في الحقيقة أكثر من مسائل لغوية، ويوافقون على أن المنطق وما وراء الطبيعة وحتى الرياضيات في جوهرها بنية اجتماعية ذات طبيعة لغوية في أساسها.

واللغة على الإطلاق هي أقوى عوامل الوحدة والتضامن بين أهلها، حتى لقد ذهب العالم اللغوي (إدوارد سابير) إلى أن اللغة هي على الأرجح أعظم القوى التي تجعل من الفرد كائنا اجتماعياً". وقال الفيلسوف (فشتة) في بيان اللغة من اثر بالغ في تطور الشعوب: ”إن اللغة تلازم الفرد في حياته، وتمتد إلى أعماق كيانه، وتبلغ إلى أخفى رغباته وخطراته، أنها تجعل من الأمة الناطقة بها كلا متراصا خاضعا لقوانين، إنها الرابطة الوحيدة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان“.

وللغة دور رئيس في التواصل بين البشر، إذ إنها تقع في بؤرة الأحداث الإنسانية، فيها انتقلت المعارف والاكتشافات والاختراعات الخاصة بالأجيال السابقة، وكذلك الآداب التي أنتجتها الثقافات المختلفة منذ فجر التاريخ على شكل شعر أو قصص أو أساطير، وباللغة ندير شؤوننا اليومية الصغيرة والعظيمة.

نرى أن كل الأمم تبذل جهودها القصوى في تعليم لغاتها، لما للغة من أهمية كبيرة في حياة المجتمعات والأفراد. فيها يعبر الفرد عن مشاعره وعواطفه وأحاسيسه، وما يدور في ذهنه من أفكار. وبهذا يتجلى الفرق بين الإنسان وغيره من الأحياء الأخرى. فاللغة تعد الحياة البشرية بسمة المشاركة والمبادلة في العواطف والأحاسيس. وبها يتمكن الإنسان من الوصول إلى بني جنسه عند تلبية حاجاته وتنفيذ رغباته في المجتمع الذي يعيش فيه.

واللغة ثمرة من ثمرات التفكير والإنساني للسيطرة على البيئة التي يعيش فيها المرء، فالتجريد والإدراك والتحليل والاستنتاج عمليات فكرية يقوم بها العقل الإنساني بوساطة اللغة. فالتفكير لا يتم دون استخدام الألفاظ الدوال على المعاني التي تنشأ في الذهن ”فحد اللغة هي كل لفظ وضع لمعنى، واللغات عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني، والتفكير كلام نفسي، والكلام تفكير جهري. وكل فكرة لا تتجلى في ألفاظ لا تعد فكرة“. واللغة وسيلة لنقل التراث من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق، وتحتفظ بمكونات ذلك التراث بما فيه التقاليد الاجتماعية، ولولا اللغة لما عرفنا شيئا عن حياة الأجداد وأخلاقهم ونتاجهم. وكلما ارتقت الأمم كثر اعتمادها على اللغة، ودليل ذلك كثرة الصحف والكتب والمؤلفات التي تتميز بها الأمم الراقية من الأمم المختلفة. فاللغة عامل قوي في تسهيل عمليات التفاعل الاجتماعي بين الناس، كما أنها وسيلة للدعاية تعتمد عليها الفئات السياسية والفلسفية والمذهبية في جذب الآخرين للإيمان بمبادئها وأفكارها، كما أنها حجة قوية وراسخة لتأييد تلك الآراء، ودحض حجج الخصوم.

”واللغة أداة من أدوات الحياة العامة، وأنها لا تقوم بواجبها ما لم تؤد غرضها فيها، ولا تبلغ منزلتها الحقيقية لدى أهلها ما لم تعنهم فيما هم فيه وعليه. والتلميذ واحد من هؤلاء الأهل لا يمكن أن يحسّ بأهمية اللغة، ولا يمكن أن يحسن تناولها ما لم تقدم إليه على أنها جزء من الحياة لا يستغني عنه في أمور من الحاجات الآنية من أكل وشرب، أو في أمور من حاجات الفن والإبداع“.

صفحة 9

خصائص اللغة العربية

الهدف من معالجة هذا الموضوع هو إبانة خصائص اللغة العربية وتوضيحها مع الإشارة إلى موقف التربية اللغوية من كل خصيصة من تلك الخصائص.

تميّز العربية صوتيا:

تعد اللغة العربية أوفى اللغات جميعها عند قياس اللسان العربي بمقاييس علم اللغات، فالعربية تستخدم جهاز النطق الإنساني استخداما تاما وكاملاً، فالعقاد يقول ”أن اللغة العربية تستخدم هذا الجهاز الإنساني على أتمه وأحسنه، ولا تهمل وظيفة واحدة من وظائفه كما يحدث في أكثر الأبجديات اللغوية...فلا التباس في حرف من حروفها بين مخرجين ولا في مخرج من مخارجها بين حرفين“.

وذكر علي عبد الواحد وافي في كتابه فقه اللغة: (أن العربية أكثر أخواتها احتفاظاً بالأصوات، فقد اشتملت على جميع الأصوات التي اشتملت عليها أخواتها، وتميزت منها بأصوات كثيرة لا وجود لها في واحدة منها: الثاء والذال والغين والضاد... وأضاف مقسما الأصوات العربية نحو خمسة عشر مخرجا، وهي المخارج الجوفية والحلقية وعددها أربعة مخارج، والمخارج اللسانية، وهي تسعة مخارج، والمخارج الشفوية وعددها مخرجان... والوسيلة السريعة والبسيطة لمعرفة مخرج أي صوت هي أن تأتي بهمزة قبله، ثم تنطق به ساكناً أو مشددا، فحيث ينقطع الصوت يكون مخرج الحروف).

ومن منطلق كون اللغة العربية بدأت مثل أية لغة، أو من كونها ذات ثروة عظيمة بأصواتها، كان طبيعيا أن يكون المدخل الصوتي هو المدخل الرئيس لتعليمها. ومن منطلق هذه الثروة الصوتية، ووفرة مخارج الحروف أدرك المربون المخارج الدقيقة للحروف في اللغة العربية، كما أنهم أدركوا الخطأ والخلط الذي يشيع عند نطق الحروف المتقاربة المخارج ”وإذا كان الخلط أو الخطأ مما يقع في حياة الكبار فهو في حياة الصغار أشد شيوعاً مع تفاوت بينهم بعامل السن، ودرجة النمو، والوسط الاجتماعي، والفروق الفردية، فضلاً عما قد يكون من خلل عضوي في أعضاء النطق. وكثيراً ما يقع الخلط بين التاء والثاء، كأن يقال في (ثلاثة) تلاته وبين الثاء والسين، كأن ننطق (وثب) (وسب) وغيرها من الحروف الأخرى“. وعلاجا لذلك ينبغي تقليد التلاميذ لمعلمهم تقليداً صحيحاً، فالمعلم يجب أن يكون نموذجا لتلاميذه عند أدائه للكلمات والحروف. ولا بد من الاستعانة بالتسجيلات الصوتية، ومختبرات الصوت. وكذلك إقامة التدريبات الصوتية للتلاميذ التي تجعل أعضاء النطق مهيأة لتأدية الأصوات الدقيقة، وإخراج الحروف من مخارجها. وهناك عدة وسائل لهذه التدريبات كسماع الأصوات من مصادر متعددة ومتنوعة، سواء أكانت أصوات حيوان أم طيور ومحاولة التلاميذ محاكاتها والتمييز بينها، وينشط هذا الجانب عن طريق التمثيليات. كما يمكن أن تأتي بأبيات متعددة من تراثنا الأدبي لكي نستطيع أن نعزز هذا الجانب لدى التلاميذ كقول المتنبي:

خميس يشرق الأرض والغرب زحفه

وفي أذن الجوزء منه زمازم

لما في هذا البيت من صحة، وما يثير من رهبة مفزعة لإدراك الجرس الصوتي.

صفحة 10

علاقة الحروف بدلالات الكلمات على المعاني

انقسم الباحثون المتخصصون بهذه الظاهرة اللغوية على قسمين: القسم الأول أنكرها كلية، والقسم الثاني تعصب لها وناصرها. غير أننا يمكن أن نلمس لهذه الظاهرة بعض الوجود البسيط عند دراستنا للغة. ”فهناك ارتباط بين الحروف ودلالات الكلمات في العربية على المعاني، فحرف السين مثلاً يدل على المعاني اللطيفة كالهمس والوسوسة والتنفس والحس. ولكن يلاحظ أنه يتغير إذا تغير موقعه من الكلمة كما يلاحظ في المشابهة اللفظية والمعنوية بين السد والشد والصد. كما أن الحروف لا تتساوى في هذه الدلالة، ولكنها تختلف باختلاف قوتها وبروزها في الحكاية الصوتية، كما يلاحظ في هذه السمة أنّ العبرة بموقع الحروف من الكلمة لا بمجرد دخولها في تركيبها“.

إن هذه الظاهرة اللغوية لم تكن مقصورة على اللغة العربية وحدها، بل هي شائعة في اللغات الأخرى إلا أن العربية أصلح اللغات لهذا الباب من الدراسات اللغوية لكون مخارج حروفها مستوفاة ومتميزة، في حين نجد أن اللغة الأخرى تعوزها الحروف الحلقية، أو تلتبس فيها مخارج حروف الهجاء.

وعلى الصعيد التربوي يمكن الاستفادة من هذه الخصيصة إذ يمكن أن يقوم معلم المراحل المتقدمة بربط الإيقاع الصوتي للكلمة بالموقف الذي تساق فيه هذه الكلمات عند تدريس النصوص الأدبية.