صفحة 1
البداية
شباب يحلمون بالشعر ولا شيء آخر
مشهد من بغداد في العام 1987
كنا ثلاثة: منير، عيسى وأنا، نقف قبالة مقهى صغير، في زقاق قاتم ومعتم، يتفرع من شارع أبي نواس، كانت أرضية المقهى قذرة، منفّرة، كأنها أرض خمارة، وضياء المصباح الليموني يرتسم على وجوهنا ناعماً ورقيقاً·
عيسى بدا حزيناً ذلك اليوم بوجهه المتعب المهزوم· ومع انهمار قطرات المطر الغزيرة، انتابه شعور بالتردد· تمتم بكلمات غير مفهومة، وهو يسحب نفساً من سيجارته· بعد لحظات رمى عقب السيجارة في الماء المتجمع عند رصيف الشارع·
كان منير يضع كتاباً سميكاً لكاتب انجليزي ذائع بين الشباب تحت إبطه، مسح أنفه المحمر من البرد ثم خبَّأ يده في جيبه: نعم لقد مطرت كثيراً هذا اليوم قال بصوت خفيض كأنه صوت منجم· فرفع عيسى رأسه لينظر نحو الغيوم التي تنثّ رذاذاً متلاحقاً ومسح الماء عن وجهه·
قلت لهما: ظننت في البداية أن من الأفضل ألا نقوم بهذه النزهة؛ لأنّ الجوّ رطب وسيء، ولكن ما إن قرأ عيسى قصيدته حتى تغيرت·
فرح عيسى للأمر وقال هذا المقهى مزدحم بسبب المطر فلنذهب إلى مكان آخر، فاقترح منير أن نذهب إلى المقهى البرازيلية في شارع الرشيد·
كانت شمس الشتاء مختبئة وراء كسف من السحاب، لا تسدل إلا غلالة باهتة من ضوء ضئيل شاحب على شوارع تحف بها بنايات ذات واجهات حجرية، ونوافذ كبيرة، وشرفات بللتها الأمطار، والآن تصفر في جوانبها الرياح· ومع أننا كنا مبلّلين تماماً تحت السماء الرمادية، إلا أن ذلك لم يشغلنا عن متابعة حديثنا أو التجول في شوارع بغداد· كنا نسير بهدوء تحت الغيوم التي نثت نهراً من الماء غسلت به الأشجار، ومظلات المحلات الملونة، والمصطبات الخشبية المتناثرة في حدائق شارع أبي نواس، بينما كان نهر دجلة في متناول نظراتنا قد انتفخ حتى فاضت المياه على جنباته·
دخلنا زقاقاً صغيراً قادنا من شارع أبي نواس المطل على نهر دجلة إلى شارع السعدون المزدحم بالسيارات المغسولة· توقفنا قليلاً عند مكتبة صغيرة تبيع بعض الكتب الأجنبية قرب سينما سميراميس· ثم انطلقنا في الشارع بهدوء حيث كنا نتوقف عندما تعبر سيارة وهي تحرك ماسحاتها على زجاجاتها الأمامية يميناً وشمالاً·
كان هنالك حشد من الجنود والموظفين يسرعون نحو الباص المتوقف في ساحة النصر· أما نحن فقد قطعنا الطريق وتجاوزنا صفاً من الأشجار محاذية لمصرف الرافدين، ولشركة برنستون للإطارات الأميركية، في أعلاها صورة إطار كبيرة تحف به الحروف الإنكليزية المرسومة بالأسود والأحمر·
عبرنا معاً شارع السعدون متجاهليْن السيارات التي تمرق بسرعة· أخرج عيسى لفافة ورق من جيبه، في حين كان يقبض بيده الأخرى كتابه· أما أنا فقد انشغلت بإشعال سيجارة أخرجتها من جيب قميصي، وأخذت أقفز فوق بركة ماء صغيرة هي بقايا ماء مطر متجمع في الشارع الإسفلتي· عندما وصلنا الرصيف رافقت خطواتنا المتسارعة ضحكة سكير يجلس على دكة في الساحة·
كانوا ثلاثة سكيرين أو أربعة، يجلسون على دكة كونكريتية، وكانت قنينة العرق تنتقل من يد إلى أخرى، يتنفسون برتابة، وعيونهم تومض بثمل ناعس في هذا الجو الكئيب، والممطر· أحدهم ينظر إلى مؤخرة امرأة تعبر الشارع، وخصل شعرها السوداء مبللة·
صفحة 2
من ألبوم صور العام 1987
عيسى يمسك أوراقاً ويقرأ قصيدة· منير وأنا نجلس إلى يمينه وشماله بيد كل واحد منا سيجارة ونصغي له بصورة تامة· كان ذلك في دكّانٍ للشاي يديره عامل آشوري اسمه عوديشو، يقع هذا المقهى، في حي الصليب في البتاوين، الشارع الذي يقود إلى تمثال السعدون (الوزير المنتحر في العام 1929)· تظهر في الصورة مجموعة من الجنود جالسين على الكنبات بأيديهم استكانات الشاي، وعلى الحائط صورة فتاة تمسك مظلّة سوداء، وتقف تحت إفريز دكّان·
الصورة الأخرى عيسى ومنير وأنا، ثلاثة شبّان يافعين في العام 1987، في إجازة من الحرب، نقف أمام مكتبة مكنزي في شارع الرشيد· الكتب الأجنبية وصور كتّابها من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين معلّقة بشريط أحمر في الفاترينة· وفي الخلفية تجلس صاحبة المكتبة مع ابنتها· وهنالك رجل لا تظهر منه إلا يده تسحب كتاباً سميكاً قرب السلم·
الصورة الثالثة: نجلس في المقهى البرازيلية في شارع الرشيد مبتسمين· ننظر من خلف الواجهة الزجاجية إلى السابلة على الرصيف، نشرب القهوة ونتكلم عن أشياء لا يعرفها سوى بروفسورات الوهم من جيل الشعراء الشباب الذين شهدوا الحرب، وهو جيلنا·
صفحة 3
رسالة غير متوقعة
كانت رسالة ليلى السماك- الرسالة التي ذكرتني بتلك الأعوام المنسية من حياتي- غير متوقعة أبداً·
لقد تسلمتها باضطراب وتوتّر كبيرين في ظهيرة يومٍ تشرينيٍّ مشمسٍ من العام 2003، وأنا في مقهى على البحر في بيروت، بينما كانت هذه الرسالة مرسلة لي أصلاً على عنوان أهلي في بغداد، فعمدت والدتي لإرسالها خلفي على عنوان ناشري في بيروت، ولأنّي كنت أغير إقامتي تلك الأعوام كل شهر أو شهرين تقريباً فقد فاتتني الرسالة على الأقل عاماً كاملاً·
كانت الرسالة مرسلةً من روسيا، وقد لحظت ذلك من الطابع الملصق على المظروف قبل أن أقرأ العنوان، وهو رسم تخطيطي باللون الأزرق الفاتح للشاعر الروسي المعروف مايكوفسكي·
قرأتُ الرسالة بسرعة· كانت مكتوبة بلغة بسيطة، وبطريقة منظمة، ذلك أنها مقسمة على شكل فقرات، قالت ليلى في ثاني فقرة منها إنها التحقت هذا العام ببرنامج الدكتوراه في جامعة بطرسبورغ، وستكون أطروحتها عن شعراء روس ماتوا مجهولين في السجون أو في معسكرات الاعتقال تحت الحكم الستاليني (قلت في نفسي هل اختيار طابع هذه الرسالة، صورة تخطيطية للشاعر مايكوفسكي، أمر مقصود منها)·
ثم تحدثت عن الشطر الخاص بحياتها الشخصية بعد سفرها من العراق، وإن كان بشكل حميمي، إلا أنه بشكل مقتضب جداً، أي عن ظروف سفرها إلى روسيا، ومصير والدها المتروك منذ سنين في بغداد، وافتراقها عن والدتها الروسية التي رحلت إلى مدينة أخرى· كانت تقدم لي معلومات خبرية دون تفصيل أو إيضاحات· أما في الفقرة الرئيسية من الرسالة فقد أسهبت ليلى في الحديث عن أطروحتها التي تكتبها، وفضلاً عن الشعراء الروس الذين قتلوا أو ماتوا في معسكرات الاعتقال تحت الحكم الستاليني، هنالك الشعراء الذين عاشوا فترة الحرب العالمية الثانية-أو الذين قتلوا خلالها-أو استمروا في العيش تحت عقابيل سنوات ما بعد الحرب، وهي أحداث قاسية استمرت حتى وفاة ستالين، وقد أسمتهم بالشعراء الذين عاشوا فظائع الحرب وخسائر التاريخ·
وقالت في رسالتها إنها تريد أن تصنع نوعاً من المقارنة، أو على الأقل نوعاً من المقاربة تجمع شعراء عراقيين عاشوا أعوام الثمانينات في العراق، أي أعوام الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام، والشعراء الذين ماتوا أو قتلوا في ظل حكم صدام حسين ولم ينشروا شيئاً من شعرهم، مع هؤلاء الشعراء الروس المجهولين الذين عاشوا في حقبة مشابهة، ذلك أنها ترى تشابهاً كبيراً في المرحلتين·
قلت في نفسي وأنا أقرأ الرسالة: ربما! ولكن أين ستجد وجه التشابه، كيف تحدده أقصد، كيف تقدّمه؟ هذا هو السؤال·
ثم كتبت في نهاية الرسالة، أي في ذيلها، ملاحظة صغيرة، (وهذا هو أهم ما في الرسالة بطبيعة الأمر)، قالت إنها تريد مني مساعدتها في ذلك، وقد اختصرت طلبها مني بكتابة- فيما إذا كان لديّ الوقت الكافي-بعض التفاصيل والمعلومات عن تلك المرحلة المهمّة من حياتي، وقد حدّدت بالأخصّ الكتابة عن حياة عيسى الذي أعدم في العام 1987 (كانت تعرفه جيداً)، وحياتي أيضاً، ثم طلبت مني، وهذا هو الغريب في الأمر، أن أكتب لها بشيء من التفصيل، أو على الأقل أن أقدّم لها تفاصيل ومعلومات عن حياة شقيقها منير، والذي قتل في آخر شهر من الحرب العراقية الإيرانية، أي في آب من العام 1988، وقد علّلت ذلك بسبب معقول، هي أنها تعرف أشياء شخصية كثيرة عنه (وهو أ مر طبيعي لشقيقين عاشا في منزل واحد في بغداد) ولكنها لا تعرف الكثير عن حياته كشاعر، عن كتابته، عن هواجسه، عن أفكاره، عن شعره بالأحرى، وعن جميع الأشياء الأخرى التي من الممكن أن أكون قد وقفت عليها بحكم صداقتنا، واهتماماتنا المشتركة·
في الواقع هذا هو كل ما ورد في الرسالة غير المتوقعة والمختصرة جداً من ليلى السماك، شقيقة منير، أكثر أصدقائي حميمية في الثمانينات، ومع أن الرسالة جاءت بعد حوالي عشرة أعوام من آخر لقاء لي معها في بغداد، إلا أنها لم تكن مفاجأة حقيقية لي، ولكني أعترف أنها لم تكن متوقعة أيضاً من حيث ما ورد فيها من معلومات· فقد التقيت ليلى آخر مرة في العام 1993 في ضحى يوم ربيعي في الكرادة، وكانت برفقة والدتها الروسية تتجولان في سوق الخضار في ارخيته، وعلى صوت الباعة وروائح الفواكه وجدت نفسي فجأة أمامهما، وكانتا أمام بقّال يبيع أنواعاً متعددة من الفواكه والخضار، فسلّمت عليهما، فهجمتا عليّ كلاهما وعانقتاني بحرارة، ومع أن ليلى لم تتغير كثيراً، إلا أن والدتها فاجأتني بشيخوختها المبكرة، فقد ابيض شعرها تماماً، وضعف بصرها، فارتدت نظارة طبية سميكة· لقد فاجأني منظرها؛ إذ أصبحت امرأة ذابلة مع أنها كانت جميلة جمالاً لا يضاهى فيما مضى·
صفحة 4
أخبرتاني ذلك الوقت أنهم (العائلة كلها) يعدّون أنفسهم للسفر إلى موسكو، والاستقرار هناك نهائياً، وطلبت منّي ليلى أن أكتب لها عنواني البريدي لتكتب لي فيما إذا احتاجت منّي شيئاً، أو على الأقل أن لا يضيع عليها أثري·
ومع أني كنت أنتظر رسالة منها، لا أدري كيف، فمن حين إلى حين كنت أتذكّر أني أعطيتها عنواني، ولكن نسيت من مدّة أمرهما لانشغالي بالحرب على العراق بعد العام 2003، إلا أن رؤيتي لهذه الرسالة وفي هذا اليوم بالذات أزالت الغبار عن ذكريات قديمة جداً، ذكريات كنت احتفظت بها بحب في مكان ما من قلبي، ذلك أن هذه العائلة كما لو كانت عائلتي، أنا وعيسى على الأخص، فلم يكن شقيقها منير صديقنا في الجيش فقط، إنما قضينا عيسى وأنا في منزلهم المقابل للريسز القديم في المنصور أجمل الأمسيات·
ولا بأس أن أذكر بعض المعلومات السريعة عن هذه العائلة:
كان والدها مجدي السماك مهندساً في شركة نفط الشمال، ذهب للدراسة في جامعة موسكو في الستينيات، وتزوج من امرأة روسية اسمها أولغا، كانت تعمل أمينة مكتبة في الحي الذي قطنه في موسكو، وقد أنجبت له ليلى، التي بعثت لي بهذه الرسالة، ومنير، صديقنا في الجيش الذي كان مولعاً بالشعر مثلنا، وقد استشهد في الأيام الأولى من آخر شهر من الحرب العراقية الإيرانية، أي في شهر آب من العام 1988·
هنالك في ذلك المنزل الجميل الذي صمّمه له معماري عراقي، درس العمارة في موسكو أيضاً، وكان مثله متزوجاً من روسية، اسمه نجيب علي نجيب - صمّمه على طراز مختلط بين نمط العمارة الروسية الذي يعتمد على الأفاريز والزوايا وبين النمط العراقي في العمارة الذي يعتمد على الشرفات والإطلالات الخارجية-، في هذا المنزل الفخم كنا نقضي جلّ أيّام إجازتنا من الجيش، نشرب الفودكا التي كان والده يحب أن يضعها في رفوف متوازية قبالة مكتبة كبيرة تحتوي على مجلّدات الأدب الروسي والعربي، الكلاسيكي والحديث، وهنالك الغرامفون الأسود الذي تنبعث منه أجمل الموسيقى الكلاسيكية وأعذبها، وفي الزاوية الأخرى كان هنالك بيانو جميل تعزف عليه والدته، وكان منير يخبرنا في لحظات سكره أن هذا البيانو قد ورثته والدته أولغا من حفيدة تشايكوفسكي، حيث تقرب والدته من زوج هذه المرأة، ومع أن هذه القصة هي كذبة ظاهرة وواضحة إلا أننا كنا نستقبلها عيسى وأنا بود وبفرح غامرين، ولا سيما عيسى الذي يقول:
إن لم نكن عرفنا تشايكوفسكي أو التقينا به، فعلى الأقل كنا نجلس في منزل له صلة ما، صلة غامضة بهذا الملهم الموسيقي العظيم·
كان منير، أمه وأبوه وشقيقته وعمته يعيشون في المنزل المؤلف من طابقين· قبل هذا الوقت كما قال لنا كانوا يسكنون داراً طابوقية صغيرة في كمب راغبة خاتون، شيّدها جده في العام 1951، بينما منزلهم الجديد شيّده والده في العام 1970، وكُتب فوق الباب المطل على الشارع منزل المهندس مجدي السماك كما درجت الموضة في تلك الأيام·
حين جاءت أمه من روسيا جلبت معها عدّتها إلى بغداد: بيانو، ومجموعة كبيرة من الكتب الروسية القديمة والحديثة، وأدوات مطبخ، وبعض الأشجار المزروعة في الحديقة، وأشياء كثيرة يمكن أن يلحظها الزائر في المنزل: أبجورات روسية، فوتيات جلدية مميزة، أجهزة كهربائية، فضلاً عن الصور الكثيرة المعلقة على جدران الصالة، لا الصور عن الطبيعة الروسية فقط، ولكن هنالك صور عديدة مع صديقات لها أجنبيات في بغداد·
ومن الضروري أن نقول إن الزيجات الأجنبية في الستينيات والسبعينيات ولا سيما من الروسيات والسلافيات بشكل عام، هي الأخرى على الموضة، فقد كان الزواج من أميركيات وبريطانيات نادراً ولا يمر دون تساؤلات، بسبب الماضي الاستعماري وبسبب الإعلام الرسمي القومي المعادي لهذه الثقافات، والذي يقترب من العنصرية بعض الأحيان· ولكن الزواج من روسيات وسلافيات وعموم أعراق أوربا الشرقية، كان شائعاً، ولا سيما بين الطلاب العراقيين الذين يذهبون للدراسة في هذه الدول، التي كان يطلق عليها ذلك الوقت الدول الاشتراكية، وكان عدد الموفدين كثيراً، بسبب رخص الحياة ومجانية الدراسة فيها، وكذلك بسبب الحب العقائدي للكثير من الشيوعيين إلى الأنظمة التي تحكم هناك، وجل هؤلاء يشكلون طليعة الشباب ذلك الوقت، وأكثرهم من عائلات الطبقة الوسطى·
صفحة 5
في هذا المنزل الذي يلمّ العائلة، كنا نحصل على الكثير من الاستقلالية، والكثير من الحرية بالنسبة لعيسى وبالنسبة لي أيضاً· نصعد وننزل الدرج، نقرأ الجريدة في الحديقة، ونشرب الشاي في الصالة، ونصعد على السطح، نتجول في المنزل ونحن نضرب شريط البيانو كلّما نمرّ منه فيتصاعد الصوت مدوياً في المنزل·
كانت صورة البيانو في المنزل ذات صفة استعراضية أكثر مما هي فنية، ذلك أننا لم نر أحداً يعزف عليه، إلا بعض المرات التي يطلب منير فيها من والدته أن تعزف قطعة صغيرة حينما يريد أن يتباهى أمام أصدقائه، فيذهب مثل الطفل ليتوسل بها لتعزف لنا، فتأتي وهي ترتدي صدرية المطبخ، لتعزف قطعة لا تتجاوز الثلاث دقائق، وهي في الغالب من كسارة البندق، أو مقطع صغير من العصفور الناري، ثم تنهض لتشدّ الشال على رأسها، وتقول لنا إنها قد تحوّلت بسبب الحياة وبسبب الطقس إلى عراقية، أي قطعت أي علاقة لها بالفن·
أما الزوج الذي كان يحضر في السبعينيات مع زوجته حفلات البيانو المقامة في بغداد، لباتريس أوهانسيان، أو أغنس بشير، فقد انقطع هو الآخر عن القراءة أو الفن أو السينما، ولم يعد له سوى قراءة الصحف المحلية والمجلات والتفرج من النافذة على المارة، وربما أخذت المكتبة والبيانو شيئاً فشيئاً تثيران فيه الحزن والضيق·
أما في واجهة الصالة، فبالإضافة إلى البيانو هنالك الخزانة المليئة بالخزفيات الروسية، والملاعق والسكاكين الفضية، والسكريات، وعلب التبغ، والكؤوس الكريستالية، ومرشات ماء الزهر، ودمى صغيرة تمثل الأزياء الروسية·
بعد قراءة هذه الرسالة أخذت أعيد تذكّر تلك الأيام بقوّة، أتذكّر والد منير وهو يجلس على الدوام على مقعد خيزران، تحت الأوراق الصفراء فـي الحديقة، يتأمّل الأشجار، وصفوف الآس المقصوص، يداه تستندان إلى مسند الكرسي، وزوجته الروسية تقف إلى جانبه بتنورتها الكتان الخفيف تضع على رأسها شالاً ملوناً وتلفه على طريقة نساء تولستوي الروسيات·
وحين رأيتها هذه المرة لم يكن بإمكاني أن أصدّق أن الزمن استطاع أن يحدث مثل هذا الخراب ليس فـي العراق وحسب، إنما في هذه العائلة التي فقدت ابنها في الحرب أيضاً·
صفحة 6
أصدقاء الحظ النكد
تعرفت إلى منير في الجيش، وفي الأشهر الأولى من خدمتي في الحرب، كان ذلك في العام 1986 على ما أعتقد· كنت يومها وصلت حديثاً إلى البصرة للاشتراك أول مرة في حياتي في معركة، وكانت شرق مدينة البصرة، حيث سقطت مدينة الفاو بيد القوات الإيرانية!
يا للحظ النكد! علي أن أبدأ مشواري العسكري بأخطر معركة· هكذا قال شاب جالس إلى جانبي·
- سيجارة·· تدخن··· قدم لي سيجارة··· تناولتها وأخرجت القداحة من جيبي وأشعلت له·
- هل رأيتك في مكان ما··· أنت من بغداد··؟ قال·
- نعم··
هل تتردد على مكتبة القنصلية البريطانية··؟
- نعم بالتأكيد·· فرحت جداً بذلك·
لم نكن نعرف أي شيء عن المعركة، ولكننا عرفنا من سائق ناقلة عسكرية أن مدينة الفاو وشبه جزيرة الفاو التي تشكل رأس المثلث فيها رأس البيشة ملتقى شط العرب وخور عبد الله في الخليج العربي، قد سقطت بيد القوات الإيرانية ليلة أمس· كل شيء يدل على أن المعركة طاحنة· أرتال الجيش القادمة كتعزيزات من أماكن أخرى تتقدم، وأرتال أخرى ولا سيما المحطمة من المعركة تنسحب· ففي مسافة كيلو متر واحد هنالك عشرات الدبابات، وناقلات الأشخاص المدرعة، والمدفعية بأنواعها، وعجلات القدمات الإدارية، والإسعافات قد تداخلت فيما بينها، وتكاد سرعة التقدم تقاس بعدة أمتار في الساعة، فكانت الأمطار غزيرة والأرض موحلة تماماً·
قبل ذلك كان علينا أن نتسلم كتب نقلنا ونذهب إلى الجبهة، حيث كانت هنالك ناقلات عسكرية في انتظارنا· فانضممنا -هذا الشاب وأنا- إلى طابور من الجنود المصطفين أمام مبنى العمليات العسكرية· في معسكر الشعيبة في البصرة·
انتظرنا قرب عمود حجري متصدع· ثمة شظايا زجاج داكنة اللون متناثرة على الأرض؛ ربما هي من مخلفات غرفة زجاجية كانت فيما مضى تطل على حديقة المبنى، لم يبق منها بعد القصف غير أعمدة هيكلها الحديدية الصدئة، وبقايا قطع زجاجية مهشمة مازالت تتتشبث بتلك الأعمدة·
كنا نعرف أننا هنا من أجل تعويض الوحدات المبادة في هجوم الأمس، وكل جندي فينا يعرف بأن الهجوم الذي حدث ليلة أمس قد أوقع قتلى كثيرين، وأن عليه أن يعوض جندياً قتيلاً·
- هنالك قتلى كثيرون، همس لي هذا الشاب·
التفت لي آخر وقال:
- علينا أن نعوض الوحدات المهيكلة، أي التي تباد في الحرب ويعاد تشكيلها، كي نعاود الهجوم مرة أخرى·
أما تحول هذا المبنى إلى مكان للتسويق فلم نكن نعرف به إلا ذلك اليوم·
صفحة 7
انتظرنا أكثر من ساعتين تقريباً في هذا المكان، وقد حصل جميع الجنود الواقفين في الطابور معنا، على كتب نقلهم، إلا نحن، كنا أكثر من عشرين جندياً، بينهم منير وأنا· ثم جاء شخص برتبة عريف أخذنا معاً داخل المبنى·
كان مبنى العمليات المتداعي يستخدم فيما مضى كدائرة لتصديق الأختام العسكرية، وفيه قاعة للتوجيه السياسي تنفذ فيها أساليب الدعاية، وكانت بدائية في واقع الأمر، لكن الجنود يحتفظون بمشاعر الخوف والهيبة من ذلك المبنى الحزبي، وقد تراكمت الكتابات والأصباغ فوق نوافذه· كتابات واضحة وأخرى شبه ممحوّة، بسبب تداخل حروفها ولطخات أصباغها الرديئة· ومع أن مؤسسات عديدة قد تعاقبت على استخدامه ولأغراض شتى، كمركز لتوزيع المؤن، وكمديرية للمشاة ولكن عمله السياسي أضفى عليه هيبة خاصة·
أما الحجرة المهشمة فقد كانت لجلوس بعض جنود الاستخبارات وقد أضحت حطاماً، أما باقي البناية وقد كانت نظيفة تقريباً فقد هجرت منذ زمن طويل أي بعد الهجوم الإيراني مباشرة، حيث وصلت طلائع قواته إلى الشارع الرئيس الذي يربط بغداد بمدن الجنوب·
أدخلنا النائب عريف على ضابط برتبة نقيب، كان يتصل بالتلفون، ويتحدث بصوت عال مع رتبة أعلى منه، ومن الواضح أنه يتصل بشأننا:
- نعم سيدي··· الجنود اللي ذكرتهم بكتاب مديرية الميرة عندي··· نعم سيدي راح نرسلهم الآن··· صار سيدي···
لم نكن نعرف أي شيء عن الأمر··· بقينا واقفين أمامه لمدة ربع ساعة تقريباً، وقد اتصل بعد ذلك تلفونياً بالوحدة طالباً منهم إرسال سيارة، ثم أمرنا أن ننتظر أمام باب المبنى·
خرجنا منير وأنا وأصبحنا نتحدث عن سبب عدم إرسالنا مع الجنود الباقين مباشرة لتعويض القطعات المهيكلة·
بعد ذلك فوجئنا بسيارة زيل قادمة توقفت أمام المبنى، ونادانا السائق:
- هل أنتم الذاهبون إلى مقر الفيلق·
- لا نعرف··· قلنا له، ولكنهم طلبوا منا أن نقف هنا·
خرج العريف من المبنى برفقة النقيب· فأدينا التحية ووقفنا بالاستعداد، فناولنا كتب نقلنا وقال لنا ستذهبون الآن إلى مقر الفيلق السابع· حينها عرفنا أن مقر الفيلق قد سقط هو الآخر في يد القوات الإيرانية·
بعد نهاية المعركة أصبحنا منير وأنا أصدقاء، كنا نتحدث كثيراً فيما بيننا، وعن أشياء متعددة ولا سيما الأدب· ولأننا التحقنا معاً فقد أصبح موعد إجازتنا واحداً، وأتذكر أننا التقينا في اليوم الأول من الإجازة في المركز الثقافي البريطاني، لكن الحديث الذي دار بيننا ذلك اليوم كان عن الأدب الروسي:
- كل الروس بالنسبة لنا شيوعيون، أما الأدب الروسي فهو بمجمله بالنسبة لنا محض أدب اشتراكي؟
- كلام هواة··· رد منير··· ربما بعض نماذج الأدب الروسي هي التي أعطت مثل تلك الانطباعات·
إنها مكتبة القنصلية البريطانية التي تقع في الوزيرية، واحدة من أرقى أحياء بغداد، وتقع المكتبة في شارع مشجر واسع وجميل، عبارة عن منزل كبير فيه غرف واسعة تصبح مدفئة حين يحل الشتاء، وفي الصيف مبردة لذلك نلجأ إليها·
على جدران تلك الغرف تنتظم صفوف الكتب الإنكليزية المرتبة حسب الحروف الأبجدية، وحسب الجنس الأدبي، وهنالك ورقة صغيرة مكتوبة بحبر الباليكان الملكي الأزرق، وبحروف متناهية الصغر والدقة· حيث يحفر قلم الحبر أخاديد في ألياف الورقة ذات اللونين البني والبرتقالي·
التقينا مرتين أو ثلاثاً في المركز الثقافي البريطاني، المرة الأخيرة كانت بالصدفة، فتوقفنا وشربنا الشاي في الحديقة، وعند افتراقنا دعاني لزيارته في منزله، أعطاني العنوان وذهب مباشرة مع صديق له في سيارته·
في اليوم التالي زرته في منزله، حين دخلت كانت خزانة الكتب أول ما لفت نظري·
وهي عبارة عن خزانة كبيرة متعددة الدرفات، مصنوعة من خشب الساج الفاخر، وتمتد رفوفها التي تحمل الكتب من الأسفل إلى الأعلى، وتشغل مساحة واسعة؛ إذ كانت على طول جدار الصالة· وتقع في الواجهة أي مواجهة الداخل للمنزل، وهي أول ما يراه·
صفحة 8
جنود، ساعات، وجماعات أدبية
كنت قد تعرّفت على عيسى قبل أن أتعرف على منير، ولكنهما هما من عرّفاني فيما بعد على مجموعتين من الشعراء الجنود، نشطتا بشكلٍ سرّي تلك الأيّام· تطلق الأولى على نفسها مجموعة الساعة الخامسة، تتكون من خمسة شعراء -تعرّفتُ بشكل شخصي على ثلاثة منهم على الأقلّ- وتتحلّق هذه المجموعة على طبيب شاعر، وهو جندي أيضاً من وحدات الميدان الطبّي، اسمه الدكتور إبراهيم، ويطلق عليه منير الدكتور فاوستوس، ويعتقد أصدقاؤه بأنه أعظم شاعر حيّ في الكون كلّه، ويعتقدون أنه شخصية خارقة واستثنائية أيضاً، أما ديوانه (أناشيد) فلم يكتب في الشعر العربي على مثاله أبداً، هذا ما كان يقوله الجميع عنه، أقصد جميع أصدقائه·
ومن عرّفني على الدكتور إبراهيم هو منير؛ إذ كان ذلك الوقت عضواً أساسيّاً في المجموعة، كما يبدو، وقد تعرّف إليه عندما خدم قبل عام في كتيبة قريبة من وحدة الميدان الطبّي التي كان يخدم فيها الدكتور إبراهيم·
أما المجموعة الأخرى فهي جماعة أدبية تطلق على نفسها جماعة بهيّة، وقد عرفني إليها عيسى، وكان قد التحق بها بعد أن فر من الجيش، وهي أغرب جماعة أدبية سوريالية كما بدت لي:
كانت جماعة بهيّة فريقاً أدبياً على غرار التجمعات السياسية، وهي فريق سرّي، إنتاجه علني ولكن تجمّعه واجتماعاته سريّة، وفي ظاهره وباطنه غير سياسي، أي بمعنى آخر لا يحمل أي محتوى إيديولوجي· وكان هذا الفريق مثل فرق الموسيقى والغناء عمله جماعي بالكامل، كتابة القصائد تتمّ بشكل جماعي، وكتابة الرواية تتمّ بشكل جماعي، وتمارس الفرقة عمليات السطو والنشل والسرقة لتمويل أعمالها· أطلقت الفرقة على نفسها اسم بهيّة، وكانت توقّع قصائدها ورواياتها باسم بهيّة·
وبهيّة هو اسم عاهرة في الميدان كبيرة السنّ جداً، ولكن في زمانها كانت أجمل عاهرة في بغداد، ويقال إنها عاشرت أكثر السياسيين العراقيين ألمعيةً وشهرةً في الخمسينيات والستينيات، ولكنها انتهت إلى بائعة سجائر بالمفرق، تجلس على بسطة أمام بيوت الدعارة في الميدان·
انتهت المجموعة إلى مقاومة الحرب، على أن الحرب تعادي الفنّ، وانتهت بالاحتفاء بالجنود الفارين أو الهاربين من الحرب، والهامشيين والمرضى والضعفاء وكليلي البصر ومعوّقي الحرب والمقعدين ومن أطلقوا عليهم هم بـبروليتاريا الصحة، وبالعاهرات لأنهنّ بروليتاريا الأخلاق، والوقوف بوجه القوّة الغاشمة وتعرية السلطة· وقد كتبوا قصيدتين، ورواية شعريّة عن فرار من الحرب، غير أنّهم ألقي القبض عليهم جميعاً، وحكم عليهم بالإعدام·
تعرّفي إلى جماعة بهية
صفحة 9
في الحيدرخانة كان اجتماعهم، وفي شارع لا يعدّ ساكنوه من بين أفضل الناس سمعةً· يقع في طرف المحلة، لا شيء بعده سوى السوق الفوضوي يوم الجمعة، والمقبرة شبه المهجورة، وبرج البارود القديم منذ أيام الدولة العثمانية وقد تحول إلى خان رخيص للجنود المارين، وللنزلاء العابرين· التقيت هناك بعيسى واثنين معه من الجنود الفرارية أو الهاربين من الحرب، كنا نتناقش بصوت منخفض على صوت أهل المحلة وعمالها بصديرياتهم الوسخة، وأصواتهم العالية، ووجوههم المكفهّرة، بينما عربات السحب التي تبيع كل شيء تثير غباراً خانقاً في الشارع·
هنالك تقف النسوة الذابلات وبناتهنّ عند عتبات الأبنية، وأطفالهنّ يلعبون عراةً تحت أشجار هزيلة، حيث صبغ التراب وجوههم ورؤوسهم الشيطانية الصغيرة· أما المكان الذي اجتمعنا فيه فهو فندق فقير يديره عامل مصري، جدرانه بلون أخضر قذر، وفيه فسحة لعمال مصريين ومحليين من مختلف أرجاء البلاد يقضون فيه يوماً أو يومين، وهنالك الأرضية المغطاة بكاربت خشن لم يستبدل منذ الشتاء·
أما المجموعة كلّها فتتكون من عشرة أشخاص-من دون عيسى- ولكني لم أتعرّف- وجهاً إلى وجه- إلا على القليل منهم، أربعة أو خمسة ربما، ومن غير الأساسيين، أي من غير الذين لعبوا دوراً بارزاً في المجموعة، ولكن هناك الكثير ممن ادعى أنه منهم، ولم يكن منهم، ذلك أن عدد المجموعة وأسماءهم غير مؤكدة حتى الآن، ولا أحد يعرف الحقيقة مطلقاً، طالما قد تم إعدامهم جميعاً·
أما عيسى فأظن أنه كان أرهفهم موهبةً وأغزرهم إنتاجاً، ولكن آخر ما كان يحلم به عيسى هو أن يتهم اتهاماً سياسياً· الغريب في الأمر أن حكم الإعدام قد صدر ضدّهم وتمّ إعدامهم بتهمة الهروب من الجيش أثناء الحرب، إلاّ عيسى، الذي تمّكن من الهرب قبل القبض عليه، وبقي ثلاثة أشهر طليقاً، وأخذ يتخفى بصور وطرق مختلفة، ولكنه سلّم نفسه فيما بعد، أثناء العفو العام عن الفرارية أو الهاربين من الجيش، والذي صدر في ديسمبر من العام 1987، إلا أنّه اتهم بتأسيس تجمّع سياسي محظور، وحكم عليه بالإعدام، وتمّ إعدامه بعد أسبوع واحد فقط من تاريخ القبض عليه·
الحديث عن الجماعتين مهم جداً، فإن عرّفني عيسى إلى جماعة بهيّة-ولم أكنْ منهم-فأنا الذي عرفته إلى جماعة شعراء الساعة الخامسة، ولم أكن منهم، ولكن منير هو الذي عرّفني إليهم أقصد جماعة الساعة الخامسة، وقد تجمّعوا وقتها حول شخصية الشاعر الدكتور إبراهيم، (غير أن عيسى كان قد قرأ ديوان الدكتور إبراهيم دون أن يتمكن من التعرف عليه قبل أن أقدمه أنا له)·
والجماعتان قد انتهتا نهاية مأساوية، وربّما أنا الوحيد الذي نجوت من الموت في العام 1987، العام الذي قتل فيه جميع أصدقائي الشعراء·
صفحة 10
فاوست أو الدكتور إبراهيم
بعد تعرّفي إلى منير بفترة قصيرة، كتب لي رسالة تتحدّث عن شخصية غريبة الأطوار وشاعر خارق اسمه الدكتور إبراهيم، وتحدّث لي فيها عن ديوانه (أناشيد) الذي يعدّه ديواناً فذّاً، واقترح فيها عليَّ أن يقدّمني له كي أتعرّف إليه، وأتعرّف على أفكاره، وعلى شعره، وكانت كالآتي:
قبل عام كنت تعرّفت على ديوان (أناشيد)، وهو كتاب شعري صغير كتبه شاعر غريب الأطوار اسمه الدكتور إبراهيم، وهو جندي طبيب في وحدة الميدان الطبّي في الفرقة الثالثة للفيلق الثاني، أي في الفيلق الذي أنت فيه الآن، ومنذ ذلك اليوم أخذت أطلق عليه الدكتور (فاوست)· ذلك أني من اللحظة الأولى التي شرعت فيها بقراءة هذا الكتاب شعرت بأن شيئاً ما في حياتي قد تغيّر، لا أقول إن حياتي قد تغيّرت تماماً، ولكن الكثير من قناعاتي قد تغيّرت بطبيعة الأمر، والكثير من رؤيتي للعالم والكون والحياة قد تغيّرت تغيّراً جذريّاً بعد قراءة هذا الكتاب، وعلى مدى المرّات التي قرأتهُ بها·
أعرف الآن أكثر من أي وقت مضى، أنه أمر غريب أن تتأثّر حياتك بكتاب، ولكن هذا الكتاب أثّر في حياتي تأثيراً بالغاً، وربما أكثر من كل الكتب التي قرأتها في حياتي، ولست وحدي من يذكر هذا الأمر، ويعترف بتأثير هذا الكتاب الصغير عليه، إنما أغلب الذين قرءوه من أصدقائي والذين كانوا من الجنود في الجبهة أيضاً·
أشعر أحياناً بأنني إلى اليوم واقع تحت تأثير سحره، على الرغم من مرور عامٍ على قراءته، ولا أقصد الديوان وحده من حيث هو: بكلماته ودلالاته وصوره، إنما بسلسلة الأفكار التي كانت وراءه، وبشخصية الدكتور إبراهيم أيضاً وبحياته، الشاعر الذي كتبه، والذي لا ينفصل انفصالاً كبيراً عن ديوانه، لا بغرابته وجنونه فقط، إنما بروحه الشيطانية ووحيه وقوة تأثيره أيضاً، أما الديوان، فقد كان، دون شك، الواسطة التي أدخلتني إلى هذا العالم الساحر والمراوغ والمغامر·
ثم انتهت الرسالة بالجملة التالية:
منذ العام الماضي، الزمن الذي قرأت فيه هذا الديوان، وحتى الآن، وأنا أعيش حياة ثانية، لا علاقة لها بحياتي الأولى، لقد حرّرني هذا الديوان من مفاهيم طبيعية مثل الموت والحياة والنوم والطعام والأشياء الأخرى
بعد قراءتي لهذه الرسالة المتحمّسة، طويتها بيدي، ركنت سلاحي على جدار الموضع وأخرجت سيجارة من جيب بنطلوني العسكري، أشعلتها وركنت ظهري إلى الوراء وأخذتني برهة تأمل طويلة، ما عسى هذا الديوان أن يكون ليفعل هذا الفعل بمنير؟
ومن جهتي ما كان لي بعد أن قرأت رسالته أن أستسلم إلى أي نوع من أنواع الطمأنينة الباردة، وفي ذلك الوقت بالذات كان الهدوء جحيماً بالنسبة إلى نفسي المتوثبة، ما إن أقرأ شيئاً حتى أشعر أن نفسي تأبى أن تنحصر في دائرة وجودها الضيقة، ربما بسبب الحرب، وشعوري بقصر حياتي، جعلت روحي تصبو إلى ما وراء حدود الرغبة المعتدلة· كنت أشعر بروحي تشتعل بنار عسيرة الإطفاء، وتتحرق عطشاً ولواحاً إلى المعارف، كنت أشعر ذلك الوقت بروحي لا تتعب من شيء إلا من الراحة، لذلك كنت أعيش تحت نزوع مستمر نحو آفاق جديدة وأفكار جديدةـ أبحث عنهاـ بل كنت أطاردها مثل شبح·
فمن غير المعقول أن أقرأ كل هذه الأشياء عن كتاب ولا أكترث به، ولا سيما أنه أثر على منير، ومنير بالذات، لماذا؟
لم يكن منير عند تعرفي إليه شخصية سهلة أبداً، كان شخصاً ذا وجه رؤيوي، أشبه بمنجم حقيقي، عيناه حادتا الذكاء، وله نظرة قوية كأنها ازدراء متعال، كان شخصاً يخيل إليك أنه فوق الكل، وله طبيعة استقلالية عجيبة، فلديه شعور أنه لم يعد بحاجة إلى أن يتلقّى عن الآخرين درساً أو تجربة؛ لأنه يتوهم في نفسه أنه قد عانى كل التجارب، وأنه عاش في عالم الما-وراء، وتعمق في فكرة الموت، حتى لم يعد يدهشه أي شيء·
وأثناء تعرفي إليه، كان، أو هكذا تظاهر، بأنه يعرف اللغة الروسية ويترجم منها، صحيح اكتشفت ولو بعد مقتله أن معرفته بالروسية كانت شحيحة جداً، وأن الشعر الذي كان يترجمه لنا في واقع الأمر كان يؤلفه ارتجالاً، ولكن هذه موهبة مضافة أيضاً؛ لأن الجميع ذلك الوقت تأثر بأشعاره على أنها قصائد مترجمة، مع أنها قصائده·