eKtab
EN ع
أسباب سقوط حُكم الإخوان
اقرأ عينة مجانية

أسباب سقوط حُكم الإخوان

بقلم صالح شمس الدين إسماعيل

صفحة 1

إهـــداء

إلى كل مَنْ ساهم وساعد

لكي أكتب هذا الكتاب

صفحة 2

مـقـدِّمـة

لا أستطيع كمواطنٍ من أصلٍ مصري؛ حتى لو كنتُ أحد علماء العلوم النووية، وأحمل الجنسية النمساوية، وأعمل بالخارج منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي؛ أنْ لا أتفاعل مع مجريات الأمور بمصر خلال السنوات الماضية.

إنَّ أغلب المصريين بالخارج يعيشون ومصر في قلوبهم؛ فإنَّ مياه النيل جزءٌ من دمائهم وأنسجة أجسادهم... بعد الأحداث المتلاحقة عقب 25 يناير وحتى الآن، أصبح هذا الاهتمام والانشغال بالمشهد السياسي والاقتصادي بمصر لحظة بلحظة، فلم أجد إلَّا قلمي لأُعبِّر عن فرحتي؛ وأحيانًا أكثر قلقي وخوفي، وأحيانًا أخرى عن ألمي وحزني من مجريات هذه الأحداث، ولكي أُقدِّم بعض الاقتراحات من أجل الاستقرار والأمان.

هذا الكتاب يعبِّر عن نظرة أحد علماء مصر بالخارج لمجريات الأمور والأحداث، خاصةً بعد أنْ تولى مرسي رئاسة الجمهورية، ويتعرض للأحداث التي أعقبتْ فوز الدكتور مرسي بالانتخابات الرئاسية في يونيو2012 بنسبة 51.7%، وانتاب النصف الآخر من الشعب المصري؛ خاصةً المثقفين والكُتَّاب؛ القلق الشديد من تمكُّن التيارات الإسلامية من المجالس التشريعية، والسلطة التنفيذية بالكامل.

كان من الضروري ومن الحنكة السياسية، بل من الواجب على مرسي وقيادات تيار الإسلام السياسي؛ العمل الجاد المُخلِص لنزع فتيل بوادر فتنة، والتي بدأتْ بوادرها باستقطابٍ شديد بين طوائف المجتمع المصري منذ نتائج انتخابات المجالس التشريعية.

التيارات السياسية والاجتماعية وقفتْ على صفيحٍ ساخن، يُزيد من لھيبه الإعلام غير المسئول الذي أصبح أيضًا مقصدًا لبعض رجال الدين، وأساتذة الجامعات، والمفكرين المھتمين بالتواجد الإعلامي بقدر أكبر من اهتمامهم بوقار مناصبهم، كذلك فعل بعض أھل الأحزاب والتكتلات السياسية الذين لم يكن لھم أي وجودٍ شعبي بدون الصراخ والبكاء لتواجد الإسلاميين بالساحة السياسية المصرية، إذ أعلنوا حربًا صريحة لحصار وسقوط التيارات الإسلامية.

على الجانب الآخر وقفتْ قيادات التيارات الإسلامية الهُواة في عالم السياسة والتشريع، وكانت كل مهمتهم "النفخ" في موقد الفحم المشتعل غير مدركين أنَّ مفاصل الدولة المصرية وقوتها ليستْ معهم، حتى وصلنا إلى ٣ يوليو وما أعقبها من أحداث.

كنتُ أتمنى؛ كما تمنى الكثيرون من المصريين بالداخل والخارج؛ أنْ ينتصر أھل الحكمة والفكر، وأنْ تكون المرحلة الانتقالية بعد أنْ تولى مرسي الرئاسة مرحلة بناء دولة المؤسسات، ولا تكون ھناك أيَّة مؤثراتٍ أو بنودٍ دستورية مؤقتة تصدر قبل أو أثناء حُكم مرسي، فتزيد من حدة التوجس والحساسية بين التيارين، فتعرقل أو تسيء للمسيرة الديمقراطية المصرية.

نعم، كنتُ أتمنى أنْ يعمل الجميع على تحمُّل المسئولية بالدولة المصرية، ودعم السلام الاجتماعي، واحترام الإرادة الشعبية، وأُسس المسيرة الديمقراطية.

القضية باختصار أنه يجب أنْ نتعلَّم الحياة في إطارٍ ديمقراطي، في عصرٍ يرفض كل أشكال الوصاية والطبقية، وندعم بناء واستقلال دولة المؤسسات، والأجهزة القضائية والرقابية والقومية.

المشكلة ليستْ في الأغلبية أو المعارضة، ولكنها تتمثل في وجود هؤلاء الذين يؤمنون بأنَّ الديمقراطية بدونھم ھي حكم الغوغاء، وعليهم منعھا بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، سواء كانت التيارات الإسلامية أو غيرها هي الحاكمة.

إنَّ ما حدث، ومازال يحدث في معظم وسائل الإعلام بالدعوة بأنَّ ھذا التيار أو ذاك لا يرقى لقيادة البلاد؛ غير مقبول إطلاقًا.. مَنْ يقول أنَّ التيار اليساري أو الليبرالي ھو الأفضل من الإسلامي أو أي تيارٍ آخر؟.

مَنْ يدَّعي أنَّ الديمقراطية ھي سياسة التوافق والمشاركة الجماعية، ھو واھمٌّ ويجھل مفھوم الديمقراطية الليبرالية البسيط. الديمقراطية ھي حُكم الأغلبية بدون الاعتداء على حقوق الأقليات، وإذا حكم الشعب بأنَّ التيار الإسلامي ھو تيار الأغلبية، فلھم كل الحق في "التكويش" باسم الشعب، لكنَّ مرسي لم يفعل فسقط سريعًا.

التيارات الإسلامية كان يجب أيضًا أنْ تتفهم أنَّ خوف قطاعات عريضة من المجتمع المصري لمحاولة سيطرة الإسلاميين على مقاليد الحكم مشروعة، فتاريخ ھذه التيارات والظروف التي كانت محيطة بھا خلال السنوات السابقة، بالإضافة لتصريحات الكثيرين ممن ينتمون لھا في الإعلام، تدعِّم إلى حدٍ ما ھذه المواقف.

نعم، كان عليهم أنْ يثبتوا أنهم جزء من الكيان السياسي المصري وأمنه القومي، ويعملوا جاهدين على اكتساب ثقة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتي طالما وقفتْ موقفًا سلبيًا تجاه هذه التيارات طوال ستين عامًا.

الحل الأمثل، كان تغليب سياسة التوافق والمشاركة على سياسة الأغلبية والصندوق خلال مرحلة التحوُّل الديمقراطي، حتى لو كان ذلك من حقِّ مَنْ حصل على الأغلبية واستحقاقاتٍ عملية ديمقراطية. كان لا يجب أنْ توجد حساسية من التيارات الإسلامية المنتخَبة بناءً على رغبة جميع التيارات الأخرى في المشاركة بالحياة السياسية بعد الثورة، هذا أمر مفھوم وطبيعي لطبيعة المرحلة الثورية، والمشاعر الوطنية لدى كل مَنْ شارك في الثورة، مع انعدام وجود تقاليد وثقافة ديمقراطية.

الديمقراطية ثقافة، وترسيخ ھذه الثقافة في مجتمعٍ به نسبة أُمية عالية، وانحصار المصادر الثقافية في العموم على البرامج التليفزيونية الموجھة أو الخاصة وبعض الصحف؛ حتى عند النخبة المتعلِّمة؛ ثم الفقر وانعدام القدرة على العيش الكريم لقطاعاتٍ عريضة، تُظھر مدى التحدي لدفع المسيرة الديمقراطية، ھذا يُظھر أيضًا مدى أھمية مسئولية وحكمة مَنْ يتصدى لقيادة الفترة الانتقالية.

الفترة الانتقالية لدول الربيع العربي سوف تمتد لسنواتٍ طويلة، وقد تصل من ١٠ إلى ١٥ عامًا؛ لتتعاقب عدة انتخاباتٍ للمجالس النيابية ورئاسة الجمھورية، ويتم تجريب التيارات الإسلامية والليبرالية والثورية، عندئذٍ تصبح الأمور أكثر وضوحًا وشفافية لمعظم قطاعات الشعب المصري أو غيرهم، وستكون هذه الفترة من أخطر الفترات في تاريخ مصر الحديث والعالم العربي.

لقد تمنيتُ أنْ نظل جميعًا داخل إطار المسيرة الديمقراطية، ولا نخرج عنه مھما كانت الأسباب، وأنْ ينفصل مرسي تمامًا وفعليًا عن جماعة الإخوان؛ ليكتسب ثقة ودعم قطاعات عريضة من الشعب المصري، وأنْ يشكِّل الوزارات برجال من ذوي القامات الوطنية والعلمية، البعيدة عن الأحزاب والتيارات، تكون متفھمة لمتطلبات الأمن القومي المصري.

نعم، لقد طالبتُ وعقب أسبوعين فقط من بداية فترة رئاسة مرسي، أنْ نقفز جميعًا على معظم الحواجز وهواجس الخوف، من أجل الاقتصاد المصري والأغلبية العظمى من الشعب المصري الفقيرة التي تريد الاستقرار ولقمة العيش الكريم، كان يجب ألَّا ينسى الجميع أنَّ أعمدة الاقتصاد المصري والهيئات الخدمية قد نحرها "سوس" الفساد لسنواتٍ طويلة وآيلة للسقوط، ولا يمكن إنقاذها إلَّا بالتكاتف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فلا يمكن تعليل الصراعات - حتى لو صدقتْ النية - للملايين من فلاحي وعمال مصر الذين يعملون عرقًا، وكل يومٍ يمضي عليھم بھذه الظروف يعتبر ظُلمًا.

للأسف بدأتْ المعركة للعصف بمرسي والإخوان من قبل أنْ يحلِّف اليمين بالدستورية، وقد استخدم الطرف الآخر كل الوسائل المتاحة لتحقيق هدفه، وإسقاط مرسي في أسرع وقت. لم يدرك مرسي أنَّ 50 % من الشعب المصري لم يؤيدوه، وأنَّ 50 % على الأقل ممن أيدوا التغيير وتجربة الإخوان؛ لا ينتمون إلى الإخوان أو التيارات الإسلامية، ولكنهم يدعمون الديمقراطية في الأساس ومسار وأهداف ٢٥ يناير، ووقفوا بجانب مرسي ببداية الأمر لعلَّه يحقق بعضها، وإذا لم يفعل سيكونون أول مَنْ يهتف بسقوطه.

للأسف لم يُقدِّر الإسلاميون ومرسي حقيقة الموقف، ولم يدركوا تفاصيل عملية حسابية بسيطة جدًا في عالم الانتخابات والمسار الديمقراطي، ولكنها كانت صعبة الفهم والإدراك لمَنْ دخل عالم السياسة مصادفةً، وجلس على كرسي رئاسة بلد في حجم مصر، وبدون سابق إنذار.

أكبر أخطاء مرسي أنه لم يهتم بمشاكل وهموم شريحة كبيرة من المصريين لا تنتمي إلى التيارات الدينية، وتعتبر الكتلة المتحركة الهلامية بعالم ممارسة الديمقراطية، وتُحدِّد في العالم أجمع مسار الحكم، وتؤدي تحركاتها إلى قلب الموازين وتغيير أنظمة الحُكم. في الدول المستقرة ديمقراطيًا تتحرك هذه الكتلة إلى صناديق الانتخابات، أما في الدول التي تعاني من شمولية النظام، فإنها تتحرك عادةً إلى الشوارع بالمظاهرات والاعتصامات العنيفة أحيانًا. هذا ما حدث في بداية 25 يناير، واُستخدمتْ لقلب الطاولة الإسلامية والعصف بها، وسوف تستخدم أيضًا في المستقبل.

الأخطاء التي أدَّتْ إلى الإطاحة بمرسي، وبداية مصير مظلِّم للإخوان وكافة التيارات الإسلامية يمكن تقسيمها إلى نوعين:

ـ الأول: متصل مباشرةً بالجماهير وتطلُّعاتها، وعندما لم يهتم بها مرسي بشكلٍ محوري وسريع وقاطع مستخدمًا ما يُسمى في عالم السياسة بـ"السرعة القاتلة" خسر مرسي أرضية حُكمه؛ بمعنى تعاطف الشارع المصري خاصةً المجموعة الثورية، حتى لو أنه لم يُمنح الفرصة ليعمل في هدوءٍ وبدون ضغوطٍ لفترة كافية. لم يكن مطلوبًا من مرسي أنْ يمسك بعصا سحرية، وحل قضايا تراكمتْ على مرِّ أربعين عامًا خلال عامٍ واحد، ولكنه على الأقل لم يتخذ قراراتٍ جوهرية تُشعر المواطن بأنَّ طريق الألف ميل قد بدأ باختيار القيادات المناسبة والوزراء الأكفِّاء ذوي السمعة الطيبة، وأنَّ هناك أملًا في حل قضايا، مثل:

1) الدعم والفقر والعشوائيات.

2) الضرائب والأجور.

3) خدمات المحليات كالمرور والمياه والنظافة والإسكان.

4) الطاقة والصحة.

5) التعليم.

هذه القضايا الخمس، هي في الأصل السبب في أنْ ينتخب أغلبية المصريين التيارات الإسلامية بعد 25 يناير كنوعٍ من الاعتراض على ما حدث في عصر مبارك، وأملًا في التغيير... لم يتعرض مرسي لكل هذه القضايا بطريقة جدية، وانشغل بدلًا من ذلك بمشروعٍ وهمي يسمى "النهضة"، لا يمس مشاكل الجماهير الحقيقية ومتاعبهم اليومية مباشرةً، ولكنه مشروع "إنْ شاء الله بكرة تُفرج".

ـ الثاني: أخطاء سياسية واستراتيجية الأصل، وتتصل بالحكم والتمكُّن من مفاصل وأركان الدولة المصرية، مثل:

1) العلاقة بالمؤسسة العسكرية والأمنية والقضاء.

2) السياسة الإعلامية في ظل إعلامٍ خاص، وفضائيات.

3) إعداد الدستور.

4) ملف المصريين بالخارج.

5) التوافق بين القوى السياسية، وتشكيل الوزارات.

لم يعطِ مرسي الأهمية الكافية لمثل هذه النوعية من القضايا، والتي كانت المفتاح لنجاحه في استمالة الطبقات المؤثرة إعلاميًا، وكذلك أجهزة الدولة المصرية المهمة لضمان نجاح المسيرة الديمقراطية. قوَّض مرسي بذلك إمكانية مساندة قطاعات مؤثرة من الشعب المصري خاصةً من الطبقة المتوسطة، هذه الطبقة لم يكن لديها أي استعدادٍ للتسامح أو إعطاء الفرصة مع مزيدٍ من الوقت للإخوان والتيارات الإسلامية عمومًا، خاصةً في ظل هذا الإعلام الذي لم "ينفخ" فقط في الفحم المشتعل، ولكنه أشعل النيران، وبنى الشِباك العنكبوتية لمرسي وحزبه في كل مكانٍ وعلى مدار 24 ساعة.

هذا الكتاب هو في الأساس مجموعة من المقالات (بتعديلاتٍ محدودة لزوم نشرها بكتاب) نُشرتْ على مدار عامٍ كامل، وتعرضتْ إلى الواقع السياسي المصري ومشاكله، وتقدِّم بعض الحلول لها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من خلال عرضٍ أدبي يتضمن معلوماتٍ، أو إشاراتٍ لقضايا في إطار التمسُّك بخمس أسس:

ـ أولًا: دعم مسيرة ثورة 25 يناير.

ـ ثانيًا: تقديم بعض الاقتراحات للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

ـ ثالثًا: محاولة دمج الإخوان في النسيج السياسي المصري.

ـ رابعًا: تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والسلام الاجتماعي.

ـ خامسًا: التمسُّك بالإطار الديمقراطي.

صالح إسماعيل

فيينا

2014

صفحة 3


(1) الكهرباء و الطاقة
إذا أضفنا إلى مشكلة انقطاع الكهرباء المستمرة منذ سنواتٍ، مشكلة الحصول على المياه أيضًا بسبب الكهرباء... تصبح الحياة رھيبة ورائحتها كريهة
امتلأتْ الصحف ووسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي بصور الظلام والصرخات والتعليقات لانقطاع الكهرباء المستمر، وكأنها "حكاية صيف"، ولذلك أقترح إضافة بند فوانيس رمضان بالميزانية المالية لتوزيعها على شعب مصر الغلبان الذي عانى كثيرًا؛ ليس فقط من الفقر، ولكنْ من فقر الفِكْر والمشاعر لبعض المسئولين، الذين لم يكن في مقدورهم أنْ يفعلوا شيئًا طوال فترة طويلة إلَّا النداء والتوسل والابتهال إلى الله عزَّ وجلَّ، حتى لا يستخدم الشعب المصري أجهزة التكييف، ولا يأتي شهر رمضان خلال أشهر الصيف لعادة المصريين بالسھر والاحتفال بالشھر الكريم.
الكهرباء ھى عماد الحياة الحديثة، وتؤثِّر تأثيرًا مباشرًا على العمر النشِط للإنسان. الإضاءة ھي مفتاح ھذا العمر النشط، الله سبحانه وتعالى أمدنا بالإضاءة الطبيعية من الصباح وحتى الغروب، ھذه الفترة ھي فترة السعي من أجل متطلبات الحياة، بمعنى العمل والشراء وإعداد الطعام؛ إلى آخره، تبدأ الحياة الحُرَّة النشطة بعد ذلك لما يقرب من 5 ساعات على الأقل. تخيَّل حياتكَ بدون إضاءة في ھذه الفترة أو بمعنى أدق بدون كهرباء، تخيَّل حياتكَ الآن بمنزلكَ بدون ثلاجة ولا سخان لإعداد الطعام، وآلات لغسل الملابس وكيھا، وبدون تليفزيون وكمبيوتر وتليفون نقَّال.
الإنسان يستخدم أساسًا الآن في منزله آلاتٍ تعتمد على الكهرباء؛ لأنھا الصورة المناسبة للحصول على الطاقة للاستخدام المنزلي. أستطيع أنْ أقول بدون الكهرباء لن تكون الحياة صعبة وشاقة، بل ستؤدي إلى أنْ تكون إدارة الحياة المنزلية الحديثة بالمُدن غير ممكنة على الإطلاق، أما العمل بدون كهرباء ـ فلا داعي للكلام في ھذا الموضوع منعًا للحرج. إذا أضفنا إلى كل ذلك مشكلة الحصول على المياه أيضًا بسبب الكهرباء أو غيره؛ تصبح ھذه الحياة رھيبة ورائحتها كريھة - آسف لھذا التعبير - ولكنْ لا وقت أو مجال للمجاملة أو رقة التعبير.
لو دققتَ النظر وأنتَ تسير في أحد شوارع الأحياء القديمة، ربما تجد على إحدى نواصي أطرافه غفيرًا يحاول أنْ يعدَّ الشاي بحرق بعض الأخشاب أو الفحم، وأحد السكان يستخدم ما يسمى موقد البوتاجاز، وآخر بموقدٍ يستخدم الكيروسين، وھذا في حقيقة الأمر لا يمثِّل فقط طرق إعداد الشاي، ولكنه يمثِّل أيضًا أھم ثلاث مواد أو طرق لتوليد الكهرباء في العالم، هي:
• الفحم والبترول والغاز الطبيعي: ينتج بهم العالم حوالي 60 - 70%
• مساقط المياه والرياح وأشعة الشمس ينتج منهم حوالي 15 ـ 20%
• المفاعلات النووية تساهم في إنتاج الكهرباء بحوالي 15 ـ 20%
تختلف ھذه النسب قليلًا من منطقة إلى أخرى، أو من بلدٍ إلى آخر طبقًا لتوافر الموارد الطبيعية، مثل: الفحم والبترول والغاز، أو التكنولوجيا المطلوبة لإنتاج الكهرباء من المصادر الأخرى خاصةً النووية منها... ھناك طرق أو مواد أخرى لإنتاج الطاقة، لكنھا لا تمثِّل حتى الآن أھمية في الإنتاج الكُلي للطاقة بالعالم.
يعتمد إنتاج الكھرباء في مصر على الغاز الطبيعي والبترول (مازوت وسولار) لإنتاج حوالي 90 % بالإضافة إلى 1 % من الرياح.. أما الحصول على الكهرباء من مساقط المياه فيعتمد على توافر ھذه المصادر والظروف البيئية، والطاقة من المصادر المائية في مصر بدأتْ منذ عام1960م من خزان أسوان، ثم من السد العالي عام 1967م، ومن محطة قناطر إسنا عام 1993م، ثم محطة قناطر نجع حمادي عام 2008م، إذ تمثِّل الكهرباء المنتجة من مصادر مائية حوالي 9 % من إجمالي إنتاج الكهرباء الآن في مصر، موزعة كالتالي:
74 % منھا من السد العالي.
21 % من خزانات أسوان.
5 % من إسنا ونجع حمادي.
زيادة إنتاج الكهرباء من المصادر المائية محدود جدًا وتقريبًا غير قابل للزيادة.
مصادر الطاقة في مصر تعد خطرًا على الاقتصاد والمواطن المصري, فإنتاج الطاقة ھو في نهاية الأمر سلعة تخضع لقواعد الاقتصاد العالمي، ويتأثر سعر إنتاج الكهرباء بسعر المواد المستخدمة وتكلفة إنشاء المحطات وتكلفة التشغيل.
يمكن تقسيم المواد الرئيسية المستخدمة في توليد الكهرباء إلى ثلاثة أنواع:
 

صفحة 4


النوع الأول
مواد مستخدمة ويتأثر سعرها بالاحتياطات المتوفرة وتقلُّبات السوق العالمي، مثل: الفحم والبترول والغاز، الفحم أقلھم تأثرًا، أما البترول والغاز فإنَّ الاحتياطات والتقلُّبات السياسية والمضاربات العالمية تؤثر تأثيرًا كبيرًا على سعر الكهرباء، إذ أنَّ الكميات المستخدمة لتوليد الكهرباء ضخمة جدًا، فأي تحرك في أسعار المواد الخام يؤثر تأثيرًا كبيرًا على سعر الكهرباء. حيث إنَّ إنتاج الكهرباء في مصر يعتمد أساسًا على البترول والغاز، فإنَّ الاقتصاد والمواطن المصري سوف يتأثران بھذا التغير سريعًا وبشكلٍ خطير، وسوف يرتفع سعر الكهرباء بشكلٍ كبير خلال السنوات القليلة القادمة، لماذا؟... لسوء التخطيط في ھذا المجال خلال 30عامًا سابقة.
• النوع الثاني
إنتاج الكهرباء من مصادر طبيعية متجددة، مثل: استخدام الشمس والرياح والمساقط المائية، ولا يمثِّل سعر المواد المستخدمة أيَّة تكلفة على إنتاج الكهرباء منھا، ومن أھم مميزات ھذه الطرق أيضًا أنھا طاقات نظيفة لا تلوث البيئة ولا تؤثر على صحة الإنسان، التكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء من ھذه المصادر تكمن في تكلفة إنشاء المحطات اللازمة، أما تكلفة التشغيل فإنھا أيضًا منخفضة جدًا.
لماذا لا تمثِّل ھذه الطرق وزنًا كبيرًا لإنتاج الكهرباء سواء عالميًا أو عربيًا؟
ھذا الموضوع يخضع للسياسات العالمية والتطور التكنولوجي، ولكنھا بالتأكيد طاقات المستقبل القريب، والتكنولوجيا الخاصة بھا مازالتْ في أيدي الدول المتقدمة، وثمن إنتاج الكهرباء منھا مازال مرتفعًا بالمقارنة بالطرق الأخرى.
• النوع الثالث
إنتاج الكھرباء من مصادر نووية.. ولا يتأثر سعر الكهرباء كثيرًا بارتفاع سعر اليورانيوم، لذلك فإنَّ إنقاذ مصادر الطاقة المصرية وتأمينھا مع ثبات الأسعار، سوف يتحقق فقط باستخدام الطاقة النووية على المدى القصير والمتوسط، وبالطاقات المتجددة على المدى الطويل لإيجاد توازن بين الكهرباء المطلوب إنتاجها، وسعرها النهائي، والتحديات البيئية.
 

صفحة 5

ـ كيف يعمل المفاعل نووي؟

نرجع إلى برَّاد الشاي مرة أخرى... كلنا نعلم أننا نستخدم أحيانًا المسخن الكهربائي الذي يوضع مباشرةً في المياه نفسها؛ لتسخينها لعمل الشاي، تخيِّل معي أنكَ وضعتَ عمود المسخن في مياه البراد بدون أنْ توصل "الكويل" بالكهرباء، وتمَّ غليان المياه وتوليد بخار، فيمكن استخدام ھذه الطريقة بدون حرق في توليد الكهرباء، وبالتالي نستغنى عن الطرق الحرارية التي ھي داء المشاكل البيئية في إنتاج الكهرباء... ھذا ھو المفاعل النووي، العمود المعدني الذي ينتج حرارة ذاتية نتيجة لتفاعلاتٍ نووية داخل ھذا القضيب الذي يحوي بداخله الوقود النووي.

المفاعل النووي - لفظ "نووي" يشير إلى نواة الذرة، وھنا نعني ذرة اليورانيوم - يعتمد على توليد الطاقة من انشطار نواة ذرة اليورانيوم إلى جزأين، وتنطلق طاقة وبعض النيوترونات التي تساعد على استمرار عملية انشطار ذرات أخرى، وإنتاج طاقة كبيرة تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المياه. ھذه العملية تتم داخل العمود المعدني الموضوع داخل وعاء المفاعل "البراد" المحتوي على المياه... ھذا ھو المفاعل النووي عدة أعمدة معدنية تحتوي على اليورانيوم، والمياه التي يتم تحويلها إلى بخار، يتم تحويله إلى غرفة التوربينات والمولِّد الكهربائي.

- لماذا لم يتم بناء مفاعل نووي واحد بمصر لإنتاج الكهرباء؟.. ھل نحن أقل من إيران، البرازيل، الأرجنتين، جنوب أفريقيا، أرمينيا، الھند، رومانيا، سلوفينيا، المجر، التشيك، لتوانيا، المكسيك، أوكرانيا، كوريا؟.. ھل نحن أكثر حرصًا لعدم استخدام الطاقة النووية السلمية في التنمية، وحل مشاكل الشعب من دول متقدمة، مثل: فنلندا، بلجيكا، فرنسا، ألمانيا، اليابان، ھولندا، أسبانيا، سويسرا، السويد، كندا، الصين، إنجلترا، روسيا وأمريكا؟ بل إنَّ الإمارات ستدخل مجال الكهرباء النووية قبل مصر.

بلا شك إنَّ مجهودًا كبيرًا قد بُذِلَ لإنتاج الكهرباء في مصر حراريًا بما يعادل الآن حوالي 27000ميجاوات، لكنَّ ذلك لا يكفي الاستهلاك كما نرى جميعًا.

الكهرباء خدمة تباع، ووجود مشاكل في الإنتاج يعني مشكلة كبيرة في نظام تسعير الكهرباء، ونظام وطرق الاستهلاك.

العجز في شھور الصيف حوالي 10% من إجمالي الإنتاج الحالي، وحل ھذه المشكلة يكون بترشيد الاستهلاك والاستخدام الأمثل للطاقة، علاوةً على التوسع باستخدام الطاقات المتجددة، وتشجيع الأفراد والتجمعات الصغيرة والقرى السياحية على استخدام هذه الطاقة، وذلك ماديًا أو ضرائبيًا، وعلينا الاستفادة من دول سبقتنا في ھذا المجال مثل النمسا. وبالمقارنة، نجد أنَّ الزيادة السنوية في استهلاك الكهرباء في مصر والتي تقدر بحوالي 7 ـ 8%، يجب التغلُّب على هذه الزيادة بالطرق الأخرى السابق ذكرها وخاصةً النووية منها.

يجب أنْ لا ننسى أيضًا أنَّ المفاعلات النووية يمكن أنْ تُستخدم لتحلية المياه، لتعمير الصحراء المترامية بشمال مصر الغربي وسيناء، ولن يطول الوقت حتى يصرخ الجميع من نقص الكهرباء والمياه المتاحة، إذا لم نبدأ ھذا البرنامج، ونلاحق التقدُّم من الدول العربية الأخرى في ھذا المجال.

ـ مشكلة الكهرباء في مصر ھى مشكلة تخطيط وإعلام:

التخطيط : لأننا نتكلَّم عن برنامج نووي لتوليد الكهرباء في مصر منذ الستينيات، ورغم الدراسات والمناقشات والمحاولات لم تنجح مصر بالبدء في البرنامج النووي، وأصبحنا نسمع عن مصالح لرجال الأعمال، ومشاكل مع قاطني منطقة الضبعة، وكثير من الأمور الأخرى التي لا داعي لذكرها الآن.

الإعلام : لأنَّ ترشيد الاستهلاك ثقافة، وھذه الثقافة يجب أنْ تبدأ بالبيت والمدرسة، ثم القدوة الحسنة في أماكن العمل.

كم من المصالح الحكومية والهيئات والوزارات التي بھا أجهزة تكييف تعمل ليل نھار، ثم ينادي المسئولين بترشيد استخدام ھذه الأجهزة!.. وما ھو دور وزارة التعليم في بيئة فقيرة غالبية شعبها يعاني من الدخل المحدود؟.

نعم، على رئيس الحكومة أنْ يختار الوزير المسئول، وأنْ يكون صاحب فكر ورؤية، وقادر على تنفيذ برامج حقيقية تحل مشاكل الشعب المصري، ولكنْ علينا جميعًا أنْ نساعد وألَّا ننتقد فقط، ونقدم الاقتراحات...

وأقترح على الوزير الآتي:

ـ البدء فورًا بتنفيذ البرنامج النووي المصري لإنتاج الكهرباء.

ـ الاهتمام بخطة الوزارة لزيادة إنتاج الكهرباء مما يتماشى مع المعدلات الحقيقية للاستهلاك.

ـ الاهتمام بمحطات الطاقة الشمسية فورًا لتعويض العجز خلال شھور الصيف من العام القادم.

ـ إعادة النظر في سياسة تسعير الكهرباء للاستخدامات الصناعية والتجارية والسياحية.

ـ ربط بناء مدن سكنية وسياحية ومصانع ذات استخدام عالي للطاقة بخطة وزارة الكهرباء.

ـ التشجيع التقني والضريبي للأفراد والهيئات والشركات على استخدام الطاقة الشمسية.

ـ إنشاء ھيئة لتطوير وتشجيع استخدام الطاقات المتجددة على المستوى الجماهيري والإنتاج الصغير.

ـ ترشيد الاستهلاك أولًا بالوزارات والهيئات والجامعات، والقدوة بمكتب الوزير ورؤساء الهيئات.

ـ إعداد كتيِّبات بالتعاون مع وزارة التعليم لتوزيعها على المدارس تدعو لترشيد الطاقة، وتنظيم دورات للمعلمين للقيام بندوات بالمدارس للتوعية بالطاقة، والصحة العامة، وترشيد الاستهلاك، وتعاون وزارة الكهرباء مع الإعلام لتنظيم وإعداد برامج توعية، ومناقشات جماهيرية طوال العام.

صفحة 6


(2) تطوير التعليم الفني
مَنْ هو مسئول ومهتم بتطوير التعليم منذ سنواتٍ طويلة، يفكِّر "بالشقلوب" لذلك لا يحدث تطوير ملحوظ؛ لأننا لا نواجه المشاكل الحقيقية، إذ نغرق في تفاصيل جانبية، ولا نقدِّم حلولاً جذرية
التعليم الفني الجيد ھو الحصان الذي يجر خلفه عربة الاقتصاد والابتكار والسلام الاجتماعي، بل وأستطيع أنْ أقول: والأمن القومي كذلك، وإذا كنا نريد أنْ يكون لنا دورٌ قويٌ، وذات وزن مؤثر إقليميًا وأفريقيًا ودوليًا، علينا أنْ نھتم بالتعليم الفني فورًا والآن قبل الغد، ويكون هذا ھو المشروع القومي الأول في مصر، وقبل أي شيءٍ آخر.
يجب أنْ يعتمد إطار تطوير التعليم الفني بمصر على ثلاثة محاور:
ـ الأول: تقديم اقتراحات غير تقليدية، ودعمھا بالقوانين والتشريعات اللازمة.
ـ الثاني: أنْ يكون للجامعات ومؤسسات التعليم العالي دور مجتمعي في المساهمة بتطوير التعليم الفني الثانوي.
ـ الثالث: يجب وضع اعتبار للخلفية الاجتماعية والوظيفية لخريجي المدارس الفنية والمعلمين القائمين على التدريس في ھذه المدارس.
بدون تحقيق ھذه المحاور الثلاثة وبطريقة متوازية، لن يكون ھناك تطوير حقيقي للتعليم الفني بمصر.
مشكلة تطوير التعليم الفني ليستْ مالية فقط ـ كما يتصور معظم مَنْ يفكِّر في التطوير ـ ولكنھا أولًا: مشكلة اجتماعية، وثانيًا: مشكلة توفير إمكانيات معملية وتدريبية لھذه المدارس.
للأسف الشديد مَنْ ھو مسئول الآن ومھتم بتطوير التعليم يفكِّر "بالشقلوب" مع احترامي للجميع، لذلك لا يحدث تطوير ملحوظ؛ لأننا لا نواجه المشاكل الحقيقية ولكنْ نغرق في تفاصيل جانبية، ولا نقدِّم حلولًا جذرية.
إنَّ عدد الطلاب بالتعليم الفني الصناعي الحكومي ـ نظام الخمس سنوات ـ حوالي سبعة وثلاثين ألفًا فقط، ومتوفر لھم 32 مدرسة وحوالي خمسة آلاف معلِّم في كل أنحاء مصر.
يجب وبكل صراحة الكف عن التفكير "بالشقلوب" لتطوير التعليم الفني؛ لأنَّ التعليم الصناعي لخمس سنوات، يجب أنْ يكون الأساس حتى يتم تحسين مستوى الخريجين العلمي والمھارات المكتسبة لھم، وقدرتهم على التفاعل الحقيقي لمتطلبات سوق العمل. بالمقارنة فإنَّ التعليم الصناعي الفني (نظام الثلاث سنوات) يلتحق به حوالي 800 ألف طالب وطالبة، وعدد المدارس حوالي 830 مدرسة... كان يجب أنْ يتحقق العكس، وأنْ يُشجَّع التلاميذ على الالتحاق بنظام الخمس سنوات، ولكنْ لا توجد استراتيجية أو رؤية لتطوير التعليم الصناعي في مصر بشكلٍ جدي ومتكامل.
نستطيع أنْ نعدِّل ھذا التفكير إذا تعلَّمنا من دولٍ متقدمة اھتمتْ بالتعليم الفني منذ سنواتٍ طويلة، وساعدھا ذلك على تقدُّمها صناعيًا مثل النمسا، خريجي المدارس الفنية ـ نظام الخمس سنوات ـ بالنمسا، يحصلون على لقب مھندس بعد ثلاث سنوات من التخرج، والعمل في مجال التخصص.
لنحلم للحظة، ونتخيل أنه تمَّ عمل تشريع من مجلس الشعب المصري يمنح خريجي المدارس الفنية لقب مهندس فني؛ بعد العمل ثلاث أو خمس سنوات بشرط الحصول على تقارير ممتازة، وتنمية علمية وتدريبية خلال سنواتٍ من العمل، وموافقة نقابة المهندسين.
 

صفحة 7

ربما يسأل البعض.. كيف يمكن منح لقب مهندس لخريجي المدارس الثانوية؟.

ـ أولًا: لأنَّ الدراسة 5 سنوات بما يعادل التعليم الفوق متوسط.

ـ ثانيًا: لأنَّ العمل بمجال التخصص لمدة 3 سنوات يوازي السنوات التي يقضيها طلاب كلية الهندسة في الدراسة.

ـ ثالثًا: لأنَّ لقب "مهندس فني" للتفريق بين النظامين.

ـ رابعًا: لتطوير التعليم الهندسي بالجامعات، وذلك بزيادة سنوات الدراسة من 5 إلى 6 سنوات، وتكون السنة النهائية كاملة لمشروع التخرج على ھيئة رسالة ماجستير، وينھي الطالب الدراسة بالحصول على درجة الماجستير، ھذا سوف يفيد الدولة بعدد ھائل من البحوث والاختراعات المكتملة من خلال دراسة الطلاب العملية، وبدون تكلفة تذكر على الدولة، ويستفيد الطالب بالماجستير.

إنَّ ھذا التحول في نظام التعليم الفني بمصر سوف يغيِّر الوضع تمامًا، بمعنى أنَّ نوعية الطلاب بھذه المرحلة التعليمية سوف تحل مشاكل اجتماعية ومالية لخريجي ھذه المدارس، ويكون للخريج لقب علمي يفتح له الأبواب محليًا وإقليميًا ودوليًا، الشرط الوحيد أنْ يكون ھناك أيضًا مضمون علمي وفكري لھذا اللقب. ھذا لا يتأتى بدون الاهتمام بتحسين جودة العملية التعليمية بالتوازي، إضافةً إلى ذلك يجب تعديل قانون الجامعات؛ ليعطي الحق لخريجي ھذه المدارس الالتحاق بھذه الجامعات، وذلك بتخصيص 30% من أماكن كليات الهندسة والمعاهد العليا لخريجي ھذه المدارس بتنسيقٍ خاص، وتزداد ھذه النسبة 5% سنويًا؛ لتصبح 80% خلال عشر سنوات، ھذا يعني أنَّ الطريق للكليات والمعاهد العليا الهندسية يجب أنْ يكون فقط من خلال التعليم الفني الثانوي.

إنني واثقٌ أنَّ ھذه التشريعات سوف تفتح الباب لزيادة عدد الطلاب لنظام الخمس سنوات، وكذلك نوعية هؤلاء الطلاب، وبالتالي سيزداد الطلب على نوعية خريجي ھذه المدارس، ويكون لھم مكان حقيقي في تطوير المنظومة الاقتصادية والصناعية بمصر، والمنطقة العربية كاملة.

يمكن تحقيق التطوير مباشرةً بالطبع بتوفير الاعتمادات المالية اللازمة، التي لن تتوفر بدون فرض ضرائب جديدة فورًا، والانتظار لبناء المدارس المجهزة جيدًا بالمعامل والورش اللازمة لھذا التطوير، وھذا صعب التحقيق خلال ھذه الفترة، ويحتاج لوقتٍ طويل.

من الأفضل أنْ تتبنى كل جامعة مصرية بھا كلية أو معھد هندسي بالمحافظات المختلفة؛ مدرسة فنية نظام الخمس سنوات، وذلك للاستفادة الكاملة من المعامل والتجهيزات الموجودة بھذه الجامعات لتطوير التعليم الفني بمصر، وأنْ تعمل ھذه المعامل والورش 24 ساعة يوميًا لتحقيق ذلك، كذلك سيتم بھذه الطريقة الاستفادة من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات بالتدريس أيضًا بھذه المدارس الملحقة، ھذا يعني أنْ يتم ربط 32 مدرسة حكومية موجودة حاليًا كمرحلة أولى بالجامعات والمعاهد العليا؛ لتسهيل ھذه الأمور بدون تعقيدات إدارية وفكرية ونفسية، واعتراضات فارغة المضمون.

ھذا ھو الدور القومي الذي يجب أنْ تقوم به الجامعات لتطوير التعليم الفني، حتى يتم التغلُّب على المشكلة الاقتصادية المرتبطة بالتعليم الفني. يجب ألَّا ننسى أنَّ خريجي ھذه المدارس لا يتمتعون بمكانة علمية أو اجتماعية جيدة الآن، وربط ھذه المدارس بالجامعات سيقفز بوضع ھذه المدارس إلى قمة التعليم قبل الجامعي وسيجعل كل طالبٍ بھذه المرحلة يشعر أنَّ الدولة توفر له كل الإمكانيات المتاحة، وأنه موضع احترام وتقديرٍ منھا...

في الوقت نفسه، يجب العمل المنظم، وخلال فترة زمنية معينة يتم بناء مركز للتعليم الفني بكل محافظة لا يقل حجمًا وقيمةً عن أي كلية جامعية، ھذا يعني أنْ نبتعد عن بناء مدارس فنية صغيرة تسع 1300 طالب تقريبًا، وننتقل إلى بناء مراكز كبيرة لاستيعاب 5000 إلى 7000 طالب، حتى يتم تركيز المعامل والورش ويحسن استخدامها، وهي أساس تكلفة التعليم الفني، ويتم بذلك استقلال ھذه المدارس عن الجامعات المضيفة لھا تدريجيًا.

للتنسيق بين الجامعات ووزارة التعليم لتنفيذ ھذه الخطة، يكون من الأفضل إنشاء الھيئة القومية للتعليم الفني الحديث (نظام الخمس سنوات) مھمتھا الإشراف الإداري والمالي والعلمي المشترك مع مؤسسات التعليم العالي، وإعداد المناهج، وجودة التعليم، والكُتب الدراسية، والإشراف والتنسيق لهيئات التدريس، والإعداد لكل ما يتعلق بالعملية التعليمية، كذلك تعمل الھيئة على الاهتمام بالتعاون الدولي لدعم التعليم الفني.. ھذا يعني أيضًا فصل التعليم الفني (نظام الخمس سنوات) عن وزارة التعليم، وضم إدارة ومدارس ھذه المرحلة التعليمية لھذه الھيئة.

يجب أنْ يكون لكل مدرسة تخصص واحد أو اثنين على الأكثر لتركيز المعامل، وهيئات التدريس لھا في إحدى المحافظات ما عدا المحافظات الكبرى التي يمكن أنْ يكون بھا العديد من ھذه المدارس كذلك يجب أنْ يراعى التنسيق بين تخصص الجامعات والمعاهد العليا وتخصص المدارس الفنية الملحقة بھا ونشاط المحافظة.

الھيئة المقترحة سوف يتسع نطاق عملھا تدريجيًا بتحول بعض المدارس الصناعية نظام الثلاث سنوات إلى نظام الخمس سنوات. أتوقع خلال المرحلة الثانية لھذا المشروع، وفي خلال عشر سنوات أنْ تتحول ھذه الھيئة إلى وزارة للتعليم الفني. يجب العمل على زيادة عدد طلاب ھذه المرحلة من 40 إلى 250 ألف بواقع عشرين ألف طالب سنويًا خلال ھذه الفترة، مع استكمال المعامل والورش، وبرنامج إعداد المعلمين لكل المدارس التي تستوعب ھذه الأعداد.

إنَّ اتباع طرق غير تقليدية ھو الطريق لتحقيق ذلك، لضمان الاستفادة الكاملة من الأموال المستثمرة في التعليم الفني، وأنْ تتوفر قيادات تعليمية جديدة ذات رؤية، وأنْ تذهب أموال الصناديق الخاصة إلى برنامج قومي من أجل بناء مصر اقتصاديًا وصناعيًا بدلًا من أنْ تذهب في "جيوب " مَنْ أفسدوا كل شيءٍ في مصر.

أتمنى خلال 15عامًا أنْ يصبح التعليم الفني ـ أقصد الصناعي والتجاري والزراعي والمھني ـ ھو المقصد الرئيسي للتعليم قبل الجامعي، وتصبح الثانوية العامة لا وجود لها، وأنْ يكون التعليم الفني في الأساس نظام الخمس سنوات بدلًا من ھذا النظام الفاشل الفاسد المعتمد على ثلاث سنوات... ھذا ھو البرنامج القومي الذي أُنادي به.

صفحة 8


(3) الـدعــم
قضية دعم الخبز في العموم تحتاج إلى إعادة نظر شاملة، فإنَّ فصل الإنتاج عن التوزيع، والبطاقات الذكية، وتحديد نسبة الخبز للأفراد، هي "لغوسة وعك حكومي" تنفرد به عقليات مَنْ يتولى أمر الدعم في مصر
منظومة الدعم التي تسوَّق إعلاميًا على أنھا منظومة دعم الفقراء ومحدودي الدخل غير حقيقية؛ لأنَّ الفقراء لا يشربون السولار بدلًا من اللبن، فنحن نحب "اللغوسة" وتسمية الأمور بغير أسمائھا، فالدعم يذھب أيضًا لدعم التجار والطبقات القادرة وكبار رجال الدولة، بطرق وقنوات غير مباشرة ببركة النظام السابق، ورعاية حكومات ما بعد الثورة وحتى الآن.
في إحدى البرامج التليفزيونية على الفضائية المصرية، قالتْ المذيعة لوزير التموين: الأستاذ محمد يسأل.. لماذا لا يرفع الدعم نھائيًا عن الخبز والوقود؟.
والوزير يجيب: ما نقدرش.. شعب مصر وبالذات محدودي الدخل محتاج مساندة الدولة، لو الدولة رفعتْ الدعم نسب الفقر ستزيد في مصر 9%.
فتقول المذيعة: يمكن الأستاذ محمد مش عايش في مصر.
فما ھي حكاية ھذا الدعم الذي جعل "محمد" مش عايش في مصر؟
برغم كل ما يُقال ويكتب ويذاع عن مشاكل الخبز والبوتاجاز والسولار، و"حوسة" الحكومات المصرية المتعاقبة للسيطرة على الدعم، وغضب خلق الله سواء استخدمتْ الحكومات الطرق الغبية أو البطاقات الذكية.
بدأتْ مصر استخدام الدعم كوسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومساندة الطبقات الفقيرة منذ:
1945م : 2مليون جنيه ، خصصتْ من الميزانية.
1952م : 15مليون جنيه، 7.3% من موازنة الدولة.
2000م : 5 مليارات جنيه.
2007م : 84.2 مليار جنيه.
2011 : 132.3 مليار جنيه، بمتوسط 1625 جنيه للفرد.
كما جاءت في التقارير والدراسات المنشورة عن مجلس الوزراء.
 

صفحة 9

كيف يتم توزيع الدعم؟

حتى نستطيع تكوين فكرة واضحة عن كيفية استخدام الدعم بميزانية 2011 ـ 2012 مثلًا:

8.2% قيمة الدعم للخبز (10.8 مليار جنيه).

6.1% للسلع التموينية (8.1 مليار جنيه).

72.2% المواد البترولية (95.5 مليار جنيه).

13.5% دعم أمور وأنشطة وخدمات أخرى.

الأرقام توضِّح أنَّ دعم الخبز والسلع التموينية لا يتعدى 14.3%، وحوالي 13.5% لدعم أنشطة وخدمات أخرى كثيرة، مثل:

ـ الكھرباء 5 مليارات جنيه.

ـ تنشيط الصادرات 2.5 مليار جنيه.

ـ قطاع النقل 995 مليون جنيه.

ـ إسكان محدودي الدخل 1.5 مليار جنيه.

ـ الأنشطة الصناعية والتدريب الصناعي 1.4 مليار جنيه.

ـ الخدمات الصحية والتأمين للطلاب442 مليون جنيه.

ـ قطاع الزراعة 262.5 مليون جنيه.

أي: أنَّ دعم كل ھذه الأمور لا يتعدى ثلث قيمة الدعم الكلي.

72.2% من قيمة الدعم تذھب إلى المواد البترولية، مثل:

ـ السولار 48.1% من قيمة دعم المواد البترولية.

ـ أنابيب البوتاجاز 14%.

ـ المازوت 13.9%.

ـ البنزين 13.2%.

ـ الغاز الطبيعي 10.5%.

ـ الكيروسين 0.3%.

إذًا مشكلة الدعم الحقيقية ھي المواد البترولية والطاقة، وليستْ الخبز والسلع التموينية.

الطريف في كل ھذه الأرقام ھو أنَّ دعم الخبز أقل من:

15.2 مليار جنيه في عام 2007م.

13.8 مليار عام 2008م.

11.3 مليار عام 2009م.

10.8 مليار عام 2011.

ھذا ھو السبب.. لماذا نرى صعوبة الحصول على رغيف "العيش" الذي يرجع إلى تقليل الدعم الخاص بالخبز بصورة منتظمة منذ عام 2007م وحتى الآن، بالرغم من زيادة نسبة السكان، ھذه ھي الحقيقة سيادة الوزير.

صفحة 10

ـ فما ھي حكاية رغيف "العيش" المدعم؟

تقول عنه الحكومة أنه يمد المستھلك بحوالي 70% من مواد نشوية وبروتينية، 52% من السعرات الحرارية، بالإضافة إلى المواد المعدنية كالحديد والزنك، ھذا الخبز الساحر - اختراع الحكومات المصرية ـ بعد كل ھذا الوصف بالطبع لن تعمل الحكومة على دعم، أو حتى مراقبة أسعار اللحوم والخضروات والفاكھة؛ لأنَّ المواطن يكفيه "العيش" والأرز والزيت للطعام، وأيضًا "يحبس" بالشاي والسكر مما يُصرف على بطاقة التموين.

ھذه المواصفات للخبز جعلتْ 90% من الأسر المصرية تستھلك ھذا المدعم، بينما 60% من الأسر يعتمدون عليه بشكلٍ أساسي بمتوسط 4 أرغفة يوميًا مما يعني 1460 رغيف سنويًا، المخابز تنتج حوالي 70 مليار رغيف بلدي مدعم في العام بمتوسط 191 مليون يوميًا - وألف ھنا وشفا.

أقول لمَنْ يدعي أنَّ نسبة الفقر في مصر 25%، انظر إلى أرقام استھلاك الخبز المدعم؛ لتعرف نسبة الفقر الحقيقية.

إنَّ سعر الرغيف المدعم كان:

ـ نصف قرش حتى يونيو 1980م.

ـ قرش كامل حتى سبتمبر 1984م.

ـ خمسة قروش منذ عام 1988م.

إنَّ نصيب الفرد من دعم الخبز في 2009م ـ 2010م وصل 116 جنيه عندما كان تعداد السكان 86.7 مليون نسمة.

قضية دعم الخبز في العموم تحتاج إلى إعادة نظر شاملة، فإنَّ فصل الإنتاج عن التوزيع، والبطاقات الذكية، وتحديد نسبة الخبز للأفراد ھي "لغوسة وعك حكومي" تنفرد به عقليات مَنْ يتولى أمر الدعم في مصر.

ـ فماذا إذا.. تمَّ إلغاء الدعم؟

إذا كنا نريد أنْ نحتفظ بالدعم السلعي للخبز والسلع التموينية، بالإضافة إلى الخدمات الأخرى مع زيادتھا وتنظيمھا، فليس ذلك مشكلة، ولكنْ يجب أنْ نلغي دعم الطاقة والمواد البترولية من الدعم، وإيجاد آليات أخرى لدعمھما لمَنْ يستحق، وبما يراعي المواطن والعدالة الاجتماعية، وخاصةً فيما يخص النقل والمواصلات.

المواد البترولية يستفاد بھا في العموم في الأنشطة التجارية والصناعية، ولابد من إيجاد آليات بمنظومة معقولة سھلة التنفيذ والمراقبة، فمثلًا المخابز تحتاج إلى سولار أو مازوت، فيجب تعويضھا ماليًا طبقًا لإنتاج ھذه المخابز، ونظرًا لتحديد أسعار الخبز المدعم.

أما إذا كنا نريد رفع الدعم كليًا عن السلع، فإنَّ الدعم النقدي المباشر طبقًا لعدد أفراد الأسرة وأعمارھم، ھو الطريق الأصوب والسليم لمشكلة الدعم بشكلٍ عام، بمعنى، أننا مع الدعم، ولكنْ بتغيير منظومة الدعم؛ لتصبح دعمًا ماديًا لمَنْ يستحق، وليس دعمًا للسلع التي يستفيد بھا القادر ماليًا نتيجة لنفوذه.

ـ ماذا تفعل النمسا مثلًا؟

النمسا تصرف ما يسمى إعانة الأسرة، أو ما يلقب بــ"إعانة الأطفال" لكل طفل يولد وحتى عمر 24عامًا أو استقلالھم بالعمل له الحق في إعانة حكومية، للتبسيط: أسرة بھا 4 أطفال مثلًا بأعمار 2، 11، 4، 20عامًا تتقاضى الأسرة في النمسا مبلغًا من المال يُقدر بحوالي 565 يورو شھريًا - بغض النظر عن دخل الأسرة، الفرق بين النمسا ومصر أنَّ النمسا تمنح الإعانة للجميع، مصر يجب أنْ تدعم الفقراء ومحدودي الدخل فقط بدعمٍ ماديٍ مباشر "إعانة غلاء" طبقًا لعدد الأسرة وعمر الأطفال، وتعدَّل هذه القيمة سنويًا طبقًا لمعدلات التضخم وبدون "كلكعة فارغة".

ـ مَنْ ھو الفقير؟

ـ مَنْ ھو محدود الدخل؟

ـ أي النظم يجب أنْ تطبق للدعم النقدي؟

ھذه ھى أسئلة وقضايا يجب أنْ تعرض للنقاش الوطني وبمشاركة الأحزاب، ويجب أنْ يقوم الإعلام بدوره الحقيقي في مناقشة ھذه القضايا - بدلًا من ھذا "العك" السياسي الذي يشغل الجميع الآن - فمناقشة قضايا تتعلق بربع موازنة الدولة تستحق الاھتمام والجدية.

علينا أنْ ننظر وبدقة إلى النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في النمسا، سنجد الكثير من الحلول لمشاكل مصرية مستعصية الحل أو حتى الفھم.