صفحة 1
عثرت بيروت على ليلتها وحجبت بها وجهها. فإذا كانت تظاهرات الأمس لم توقظها، فإنَّ ذلك هو الدليل على أنها تنام ماشية. ففي تقاليد الأسلاف، علينا أن لا نزعج مُرَوْبِصاً، حتى وإن كان يسعى إلى حتفه.
تخيّلتها مختلفة، عربية ومعتزة بعروبتها. فكنت مخطئاً. فهي ليست إلّا مدينة يتعذر تحديد معالمها؛ إنها أقرب إلى استيهاماتها منها إلى تاريخها، مخاتلة ومتقلبة، مخيِّبة للأمل كمزحة باردة. فإذا كان أولياؤها القدّيسون قد تنكروا لها، وسلّموها هكذا إلى صدمة الحروب وهشاشة المستقبل، فلربّما حصل ذلك بسبب عنادها وإرادتها في التشبّه بمدن الأعداء. عاشت الكابوس، في حجمه الطبيعي - فيما نفعها؟... فكلما زاد تأملي لها، كلما قلّت قدرتي على متابعتها. إذ إنّ في مرحها توجد وقاحة لا تستقيم. إن هذه المدينة تكذب مثلما تتنفس. إن مظهرها المتأثر ليس إلّا فخاً للسذَّج والهيبة التي تسنَد إليها لا تتناسب مع مزاجها؛ كما لو أننا غطينا ذبولاً شنيعاً بالحرير الناعم. فلكل يوم حزنه، توقِّع بلا اقتناع. بالأمس، صرخت غضبها عبر شوارعها ذات الواجهات المحصَّنة. وهذا المساء، ستُمتِّع نفسها. من جديد، ستكون لياليها ناجحة بامتياز. ها قد بدأت الأضواء ومصابيح النيون تعرض مشاهدها. في تزعْرُج المصابيح، تحسب السيارات الفاخرة نفسها دقات عبقرية. إنه السبت، وهي تستعد في هذه الليلة لفقس بيضها. فالناس سينفجرون إلى غاية الفجر، في مبالغة تجعلهم في منأى عن أجراس الأحد.
وصلت إلى بيروت منذ ثلاثة أسابيع، أكثر من عام بعد اغتيال الوزير الأول رفيق الحريري حيث أدركت سوء نيتها بمجرّد أن حطني التاكسي على الرصيف. لم يكن حدادها إلّا واجهة، وذاكرتها مصفاة قديمة متعفنة؛ لهذا كرهتها منذ البداية.
في الصباح، انتابني اشمئزاز أصمّ حينما تعرَّفت على ضوضاء سوقها. في المساء، اختمر بداخلي الغضب نفسه حينما جاء المحتفلون يبتهجون داخل سياراتهم المشكلة تشكيلاً غريباً، وأطلقوا العنان لذبذبات أجهزة السْتيريو. ماذا يريدون أن يثبتوا؟ بأنهم يحتفلون برغم الاعتداءات؟ بأن الحياة مستمرة برغم الورطات؟
لا أفهم شيئا لهرجهم ومرجهم؟
إنني بدوي، ولدت بكَفْر كرَم، وهي قرية نائية في وسط صحراء العراق؛ إنها كتومة إلى حدّ أنها غالباً ما تذوب في السراب ولا تظهر إلّا عند الغروب. إن المدن الكبيرة تثير في نفسي دائماً ريباً عميقاً. ولكن تقلبات بيروت تدوّخني. هنا، كلما وضعنا أصبعاً على شيء ما، كلما ضعفت ثقتنا بأننا حقاً نلمس شيئاً بعينه. بيروت قضية مسفسفة؛ تضحيتها مصطنعة، دموعها دموع تماسيح - أمقتها من كل قواي، بسبب قفزات الكبرياء التي ليست جريئة بما فيه الكفاية؛ ولا تواصل لديها في الأفكار، بسبب وضع إستها بين كرسيين، تارة عربية حينما تكون الصناديق فارغة، وتارة غربية حينما تكون المؤامرات عمليات مربحة. إن ما تقدسه في الصباح، تتنكر له في المساء؛ إن ما تطالب به في الساحة العمومية، تتبرأ منه في الشاطئ، وتسعى إلى حتفها مثل هاربة ساخطة تظن أنها ستجد بعيداً ما هو موجود عند قدميها...
- من المفروض أنك في الخارج، تنشِّط ساقيك وذهنك.
كان الدكتور جلال واقفاً خلفي، أنفه يكاد يلامس رقبتي.
منذ متى كان يراقبني وأنا أناجي نفسي؟ لم أنتبه لوصوله، لقد أغاظني أن أجده جاثماً فوق أفكاري مثل سباع الطير.
أدرك الانزعاج الذي أثاره في نفسي، فأراني الشارع بذقنه.
- إنها أمسية رائعة. الجوّ جميل، المقاهي معبأة، الشوارع غاصة بالناس. كان من المفروض أن تمتّع نفسك عوض البقاء هنا لاجترار همومك.
- ليست لديّ هموم.
- ماذا تفعل هنا إذن؟
- لا أحبّ الحشود، وأمقت هذه المدينة.
رمى الدكتور رأسه إلى الخلف، كمن وقع تحت تأثير لكمة. قطّب حاجبيه.
- إنك تخطئ في تحديد عدوّك، أيها الشاب. لا يمكن أن نكره بيروت.
- أنا، أمقتها.
تخيّلتها مختلفة، عربية ومعتزة بعروبتها. فكنت مخطئاً. فهي ليست إلّا مدينة يتعذر تحديد معالمها؛ إنها أقرب إلى استيهاماتها منها إلى تاريخها، مخاتلة ومتقلبة، مخيِّبة للأمل كمزحة باردة. فإذا كان أولياؤها القدّيسون قد تنكروا لها، وسلّموها هكذا إلى صدمة الحروب وهشاشة المستقبل، فلربّما حصل ذلك بسبب عنادها وإرادتها في التشبّه بمدن الأعداء. عاشت الكابوس، في حجمه الطبيعي - فيما نفعها؟... فكلما زاد تأملي لها، كلما قلّت قدرتي على متابعتها. إذ إنّ في مرحها توجد وقاحة لا تستقيم. إن هذه المدينة تكذب مثلما تتنفس. إن مظهرها المتأثر ليس إلّا فخاً للسذَّج والهيبة التي تسنَد إليها لا تتناسب مع مزاجها؛ كما لو أننا غطينا ذبولاً شنيعاً بالحرير الناعم. فلكل يوم حزنه، توقِّع بلا اقتناع. بالأمس، صرخت غضبها عبر شوارعها ذات الواجهات المحصَّنة. وهذا المساء، ستُمتِّع نفسها. من جديد، ستكون لياليها ناجحة بامتياز. ها قد بدأت الأضواء ومصابيح النيون تعرض مشاهدها. في تزعْرُج المصابيح، تحسب السيارات الفاخرة نفسها دقات عبقرية. إنه السبت، وهي تستعد في هذه الليلة لفقس بيضها. فالناس سينفجرون إلى غاية الفجر، في مبالغة تجعلهم في منأى عن أجراس الأحد.
وصلت إلى بيروت منذ ثلاثة أسابيع، أكثر من عام بعد اغتيال الوزير الأول رفيق الحريري حيث أدركت سوء نيتها بمجرّد أن حطني التاكسي على الرصيف. لم يكن حدادها إلّا واجهة، وذاكرتها مصفاة قديمة متعفنة؛ لهذا كرهتها منذ البداية.
في الصباح، انتابني اشمئزاز أصمّ حينما تعرَّفت على ضوضاء سوقها. في المساء، اختمر بداخلي الغضب نفسه حينما جاء المحتفلون يبتهجون داخل سياراتهم المشكلة تشكيلاً غريباً، وأطلقوا العنان لذبذبات أجهزة السْتيريو. ماذا يريدون أن يثبتوا؟ بأنهم يحتفلون برغم الاعتداءات؟ بأن الحياة مستمرة برغم الورطات؟
لا أفهم شيئا لهرجهم ومرجهم؟
إنني بدوي، ولدت بكَفْر كرَم، وهي قرية نائية في وسط صحراء العراق؛ إنها كتومة إلى حدّ أنها غالباً ما تذوب في السراب ولا تظهر إلّا عند الغروب. إن المدن الكبيرة تثير في نفسي دائماً ريباً عميقاً. ولكن تقلبات بيروت تدوّخني. هنا، كلما وضعنا أصبعاً على شيء ما، كلما ضعفت ثقتنا بأننا حقاً نلمس شيئاً بعينه. بيروت قضية مسفسفة؛ تضحيتها مصطنعة، دموعها دموع تماسيح - أمقتها من كل قواي، بسبب قفزات الكبرياء التي ليست جريئة بما فيه الكفاية؛ ولا تواصل لديها في الأفكار، بسبب وضع إستها بين كرسيين، تارة عربية حينما تكون الصناديق فارغة، وتارة غربية حينما تكون المؤامرات عمليات مربحة. إن ما تقدسه في الصباح، تتنكر له في المساء؛ إن ما تطالب به في الساحة العمومية، تتبرأ منه في الشاطئ، وتسعى إلى حتفها مثل هاربة ساخطة تظن أنها ستجد بعيداً ما هو موجود عند قدميها...
- من المفروض أنك في الخارج، تنشِّط ساقيك وذهنك.
كان الدكتور جلال واقفاً خلفي، أنفه يكاد يلامس رقبتي.
منذ متى كان يراقبني وأنا أناجي نفسي؟ لم أنتبه لوصوله، لقد أغاظني أن أجده جاثماً فوق أفكاري مثل سباع الطير.
أدرك الانزعاج الذي أثاره في نفسي، فأراني الشارع بذقنه.
- إنها أمسية رائعة. الجوّ جميل، المقاهي معبأة، الشوارع غاصة بالناس. كان من المفروض أن تمتّع نفسك عوض البقاء هنا لاجترار همومك.
- ليست لديّ هموم.
- ماذا تفعل هنا إذن؟
- لا أحبّ الحشود، وأمقت هذه المدينة.
رمى الدكتور رأسه إلى الخلف، كمن وقع تحت تأثير لكمة. قطّب حاجبيه.
- إنك تخطئ في تحديد عدوّك، أيها الشاب. لا يمكن أن نكره بيروت.
- أنا، أمقتها.
صفحة 2
إنك على خطأ. إنها مدينة تألمت كثيراً. لامست العمق. لقد نجت بأعجوبة. الآن، تستعيد عافيتها، رويداً رويداً. لاتزال دائخة ومحمومة، ولكنها تتشبث. أنا، أجدها رائعة. منذ وقت قصير، لا أحد كان يراهن من أجلها... على ماذا يمكن أن نلومها؟ ما هي الأشياء التي لا تعجبك فيها؟
- كل شيء.
- أمر مبهم.
- ليس بالنسبة لي. لا أحب هذه المدينة، وكفى.
لم يلحّ الدكتور:
- هل تسلِّيك هذه... مارْكة فاخرة؟
مدّ لي علبة سجائره.
- لا أدخّن.
اقترح عليَّ قنّينة:
- بيرة؟
- لا أشرب.
حطّ الدكتور جلال القنينة على طاولة صغيرة من السَوْخر، واتكأ على الدرابزين، كتفه يلاصق كتفي. كادت أنفاسه المخمورة تخنقني. لا أتذكر أنني رأيته صاحياً. في الخامسة والخمسين، إنه على شفا حفرة من الحطام، لونه بنفسجي والفم غائر، محفور في زوايا الشفتين. هذا المساء، يرتدي بذلة رياضية بألوان الفريق الوطني اللبناني، السترة منفتحة على قميص داخلي، لونه بلون الدم ، بينما شريط حذائه الرياضي يبدو منحلاً وليس مربوطاً كفاية. فبدا كأنه قام للتو من السرير بعد قيلولة جيدة. لقد كانت حركاته ناعسة، وعيناه، اليقظتان والمتّقدتان عادة، لا تكادان تظهران وسط الأجفان المنتفخة.
بحركة يد ضجرة، أسقط شعره على وسط جمجمته ليموّه صلعه.
- أزعجك؟
- ...
- شعرت بقليل من الضجر في غرفتي. لا يحدث شيء أبداً في هذا الفندق، لا وليمة، لا زواج. كأنه مأوى المحتضرين.
رفع القنينة إلى شفتيه وابتلع جرعة طويلة. ارتعدت في حلقه جوزة العنق التي يملكها بارزة. وقد لاحظت، لأوّل مرة، وجود أثر خبيث يقطع رقبته، من طرف إلى آخر.
تفطّن إلى تقطيب حاجبيّ. توقف عن الشرب، مسح فمه بظهر يده، ثمّ التفت، هازاً رأسه نحو الشارع الذي كان عرضة لابتلاع شرس من قبل الأضواء الهائجة.
- حاولت شنق نفسي، منذ سنوات طويلة، حكى لي وهو ينحني على الدرابزين.
- بحبل من القنّب. كان عمري حوالى ثماني عشرة سنة...
ابتلع جرعة أخرى، ثم واصل:
- كنت حينها قد فاجأت أمي مع رجل.
- كل شيء.
- أمر مبهم.
- ليس بالنسبة لي. لا أحب هذه المدينة، وكفى.
لم يلحّ الدكتور:
- هل تسلِّيك هذه... مارْكة فاخرة؟
مدّ لي علبة سجائره.
- لا أدخّن.
اقترح عليَّ قنّينة:
- بيرة؟
- لا أشرب.
حطّ الدكتور جلال القنينة على طاولة صغيرة من السَوْخر، واتكأ على الدرابزين، كتفه يلاصق كتفي. كادت أنفاسه المخمورة تخنقني. لا أتذكر أنني رأيته صاحياً. في الخامسة والخمسين، إنه على شفا حفرة من الحطام، لونه بنفسجي والفم غائر، محفور في زوايا الشفتين. هذا المساء، يرتدي بذلة رياضية بألوان الفريق الوطني اللبناني، السترة منفتحة على قميص داخلي، لونه بلون الدم ، بينما شريط حذائه الرياضي يبدو منحلاً وليس مربوطاً كفاية. فبدا كأنه قام للتو من السرير بعد قيلولة جيدة. لقد كانت حركاته ناعسة، وعيناه، اليقظتان والمتّقدتان عادة، لا تكادان تظهران وسط الأجفان المنتفخة.
بحركة يد ضجرة، أسقط شعره على وسط جمجمته ليموّه صلعه.
- أزعجك؟
- ...
- شعرت بقليل من الضجر في غرفتي. لا يحدث شيء أبداً في هذا الفندق، لا وليمة، لا زواج. كأنه مأوى المحتضرين.
رفع القنينة إلى شفتيه وابتلع جرعة طويلة. ارتعدت في حلقه جوزة العنق التي يملكها بارزة. وقد لاحظت، لأوّل مرة، وجود أثر خبيث يقطع رقبته، من طرف إلى آخر.
تفطّن إلى تقطيب حاجبيّ. توقف عن الشرب، مسح فمه بظهر يده، ثمّ التفت، هازاً رأسه نحو الشارع الذي كان عرضة لابتلاع شرس من قبل الأضواء الهائجة.
- حاولت شنق نفسي، منذ سنوات طويلة، حكى لي وهو ينحني على الدرابزين.
- بحبل من القنّب. كان عمري حوالى ثماني عشرة سنة...
ابتلع جرعة أخرى، ثم واصل:
- كنت حينها قد فاجأت أمي مع رجل.
صفحة 3
أربكتني كلماته، ولكن بصره كان مسدداً نحوي. أعترف أن الدكتور جلال كان يباغتني باستمرار. تجاوزتني صراحته؛ لم أتعوّد على مثل هذه الاعترافات. في كَفْر كرَم، إن مثل هذا الإفشاء قاتل لا محالة. لم أسمع أبداً شخصاً يتحدث عن أمه بهذه الكيفية، وقد أربكني الابتذال الذي ينشر بواسطته الدكتور جلال أوساخه. فأضاف:
- إنها من الأمور التي تحدث.
- أنا موافق، قلت للانتقال إلى موضوع آخر.
- أنت موافق مع من؟
بقيت حائراً. أجهل ماذا يدور في رأسه، ويقلقني أن أكون مفتقراً إلى الحجج.
تراجع الدكتور جلال عن الجدل. لسنا من طينة واحدة، أحياناً حينما يتحدّث مع أناس من وضعي، ينتابه شعور بأنه يخاطب جداراً. ومع ذلك، فالعزلة تثقل كاهله، وحديث صغير مهما كان تافهاً، قد يجنِّبه الغرق في غيبوبة كحولية. فحينما لا يتحدث الدكتور جلال، فإنه يفرط في الشراب. إن سكراته هادئة، ولكنه يرتاب من العوالم التي رسا عليها. لم يتمكن من طمأنة نفسه برغم ترداده أنه بين أيدٍ آمنة. أليست هذه الأيدي هي نفسها التي تطلق الرصاص في الظلام، تذبح وتخنق، تخفي متفجرات تحت مقاعد الأشخاص غير المرغوب فيهم؟ صحيح أنه لم تحدث غارات عقابية منذ أن وصل إلى بيروت، ولكن في سجلّ مستقبليه مجازر رهيبة. إن ما يقرأه في عيونهم لا يخطئ: إنهم الموت زاحفاً. عثرة عابرة، إفشاء سرّ، ولا يجد حتى الوقت الكافي لإدراك ما يحدث له. منذ أسبوعين فقط، وُجِد عِماد، الفتى المُكلّف بالاهتمام بي، يتخبط في برازه وسط ساحة عمومية. بالنسبة للشرطة، إن عماد مات بسبب جرعة مخدرات قاتلة. وهذا أفضل. أصدقاؤه، الذين أجهزوا عليه بحقنة معدية، لم يحضروا جنازة دفنه؛ تصرفوا كأنهم لا يعرفونه، لا من آدم ولا من حواء. منذ تلك الحادثة، أصبح الدكـتور جلال ينظر مرتين تحت سريره قبل أن يندس تحت الغطاء. قال:
- كنت تتحدّث وحدك، قبل قليل.
- يحدث لي أن أفعل.
- وعمّا كنت تتحدث؟
- ... لا أتذكر.
هزّ رأسه ثم عاد إلى تأمل المدينة. إننا في شرفة على سطح الفندق، في آخر طابق، داخل نوع من القبّة الزجاجية، تشرف على شارع الحي الرئيسي. توجد فيها بعض الكراسي من السوْخر، وطاولتان منخفضتان، وسرير في زاوية تسهر عليه رفوف مثقلة بالكتب وكرّاسات الإشهار. قال لي:
- لا تثقل كاهلك بالأسئلة.
- لم أعد أطرح على نفسي أي سؤال.
- حينما ننعزل، نطرح دوماً أسئلة على أنفسنا.
- أما أنا فلا.
درّس الدكتور جلال طويلاً في الجامعات الأوروبية. كان يظهر باستمرار على شاشات القنوات التلفزيونية ينتقد "الانحراف الإجرامي" لإخوته في الدين. فلا الفتاوى الصادرة بحقّه، ولا محاولات اختطافه، تمكنت من ردع عنفوان حدّته. كان على وشك أن يصبح قائد رتل المتهجمين على الجهاد المسلح. ثمّ، وبلا أدنى تحذير، وجد نفسه في الصفوف الأولى لإمامة الأصولية. أصيب بخيبة أمل عميقة من لدن زملائه الغربيين، وقد لاحظ أنهم يغلِّبون دوماً وضعه كمهاجر عربي حقير على وضعه كمثقف متمرس، فكتب مرافعة قاسية حول العنصرية الفكرية السائدة في أوساط المدارس الفكرية الغربية، وباشر بتحليقات عجيبة للتقرب من الدوائر الإسلاموية. في البداية، اتُّهم على أنه جاسوس مزدوج، ثمّ أعيد له الاعتبار وكلّفته الإمامة بعمل الدعاية لها. وها هو اليوم يجوب البلدان العربية والإسلامية لتسخير موهبته في الخطابة وذكائه الخارق لصالح تعليمات الجهاديين. قال لي مقترحاً:
- يوجد ماخور غير بعيد من هنا. ماذا لو زرت إحدى فتياته؟
ذُهِلت.
- إنها من الأمور التي تحدث.
- أنا موافق، قلت للانتقال إلى موضوع آخر.
- أنت موافق مع من؟
بقيت حائراً. أجهل ماذا يدور في رأسه، ويقلقني أن أكون مفتقراً إلى الحجج.
تراجع الدكتور جلال عن الجدل. لسنا من طينة واحدة، أحياناً حينما يتحدّث مع أناس من وضعي، ينتابه شعور بأنه يخاطب جداراً. ومع ذلك، فالعزلة تثقل كاهله، وحديث صغير مهما كان تافهاً، قد يجنِّبه الغرق في غيبوبة كحولية. فحينما لا يتحدث الدكتور جلال، فإنه يفرط في الشراب. إن سكراته هادئة، ولكنه يرتاب من العوالم التي رسا عليها. لم يتمكن من طمأنة نفسه برغم ترداده أنه بين أيدٍ آمنة. أليست هذه الأيدي هي نفسها التي تطلق الرصاص في الظلام، تذبح وتخنق، تخفي متفجرات تحت مقاعد الأشخاص غير المرغوب فيهم؟ صحيح أنه لم تحدث غارات عقابية منذ أن وصل إلى بيروت، ولكن في سجلّ مستقبليه مجازر رهيبة. إن ما يقرأه في عيونهم لا يخطئ: إنهم الموت زاحفاً. عثرة عابرة، إفشاء سرّ، ولا يجد حتى الوقت الكافي لإدراك ما يحدث له. منذ أسبوعين فقط، وُجِد عِماد، الفتى المُكلّف بالاهتمام بي، يتخبط في برازه وسط ساحة عمومية. بالنسبة للشرطة، إن عماد مات بسبب جرعة مخدرات قاتلة. وهذا أفضل. أصدقاؤه، الذين أجهزوا عليه بحقنة معدية، لم يحضروا جنازة دفنه؛ تصرفوا كأنهم لا يعرفونه، لا من آدم ولا من حواء. منذ تلك الحادثة، أصبح الدكـتور جلال ينظر مرتين تحت سريره قبل أن يندس تحت الغطاء. قال:
- كنت تتحدّث وحدك، قبل قليل.
- يحدث لي أن أفعل.
- وعمّا كنت تتحدث؟
- ... لا أتذكر.
هزّ رأسه ثم عاد إلى تأمل المدينة. إننا في شرفة على سطح الفندق، في آخر طابق، داخل نوع من القبّة الزجاجية، تشرف على شارع الحي الرئيسي. توجد فيها بعض الكراسي من السوْخر، وطاولتان منخفضتان، وسرير في زاوية تسهر عليه رفوف مثقلة بالكتب وكرّاسات الإشهار. قال لي:
- لا تثقل كاهلك بالأسئلة.
- لم أعد أطرح على نفسي أي سؤال.
- حينما ننعزل، نطرح دوماً أسئلة على أنفسنا.
- أما أنا فلا.
درّس الدكتور جلال طويلاً في الجامعات الأوروبية. كان يظهر باستمرار على شاشات القنوات التلفزيونية ينتقد "الانحراف الإجرامي" لإخوته في الدين. فلا الفتاوى الصادرة بحقّه، ولا محاولات اختطافه، تمكنت من ردع عنفوان حدّته. كان على وشك أن يصبح قائد رتل المتهجمين على الجهاد المسلح. ثمّ، وبلا أدنى تحذير، وجد نفسه في الصفوف الأولى لإمامة الأصولية. أصيب بخيبة أمل عميقة من لدن زملائه الغربيين، وقد لاحظ أنهم يغلِّبون دوماً وضعه كمهاجر عربي حقير على وضعه كمثقف متمرس، فكتب مرافعة قاسية حول العنصرية الفكرية السائدة في أوساط المدارس الفكرية الغربية، وباشر بتحليقات عجيبة للتقرب من الدوائر الإسلاموية. في البداية، اتُّهم على أنه جاسوس مزدوج، ثمّ أعيد له الاعتبار وكلّفته الإمامة بعمل الدعاية لها. وها هو اليوم يجوب البلدان العربية والإسلامية لتسخير موهبته في الخطابة وذكائه الخارق لصالح تعليمات الجهاديين. قال لي مقترحاً:
- يوجد ماخور غير بعيد من هنا. ماذا لو زرت إحدى فتياته؟
ذُهِلت.
صفحة 4
- ليس ماخوراً حقيقياً، لا يشبه المواخير الأخرى. الزبائن يعدُّون على الأصابع، من نوع الطبقة الراقية... عند السيدة رشَق، أناس متميزون. نشرب ونتبادل سجائر الحشيش، بلا إفراط، أنت تدرك قصدي طبعاً. ثمّ نفترق، لا من رأى ولا من سمع. أما الفتيات، فإنهن جميلات ومبتكرات، مهنيات حقيقيات. فإذا كانت نفسيتك ليست على ما يرام لسبب أو آخر، فسيعملن على تشغيلها في لمح البصر.
- ليست لي.
- لماذا تقول هذا؟ في سنك، لم أكن أترك إستاً يبرد.
أربكني ابتذاله.
صعب عليّ قبول فظاظة بهذا الوسخ صادرة عن عالم في مستواه.
يكبرني الدكتور جلال بحوالي ثلاثين سنة. في قريتي، ومنذ الأيام الخوالي، لا يمكننا تخيّل مثل هذه المحادثة أمام من هو أكبر منك. مرّة واحدة في بغداد، وأنا أتجوّل مع عمّ شاب، تلفظ أحد بشتيمة عند مرورنا بقربه؛ لو انفتحت الأرض تحت قدمي في تلك اللحظة، لما ترددت من الاختفاء بها.
- أأنت مستعد للذهاب؟...
- لا.
تأسف الدكتور جلال لأجلي. انحنى على درابزين من الحديد المطرّق، وبنقرة خفيفة، أرسل عقب سيجارته يتهاوى إلى الأسفل. تابعنا سقوط النقطة الحمراء وهي تتدحرج من طابق إلى آخر، إلى أن تشتَّتت إلى شرارات متعددة على الأرض.
- هل تظن أنهم سيلتحقون بنا يوماً، سألته لأغير الموضوع.
- من هم؟
- مفكّرونا.
رمقني الدكتور جلال بنظرة مائلة:
- أنت بكر، أليس كذلك؟... أحدثك عن ماخور ليس بعيداً من هنا...
- وأنا أحدثك عن مفكرينا، يا دكتور، أجبته بصرامة كي أوقفه عند حدّه.
أدرك أن اقتراحه الوقح يزعجني. قلت ملحّاً:
- هل سيلتحقون بصفوفنا؟
- هل هذا مهم؟
- بالنسبة لي، نعم... إن المفكرين يمنحون معنى لكل شيء. سيحدِّثون غيرَنا عنا. وسيكون لكفاحنا ذاكرة.
- ألا يكفيك ما قاسيته؟
- لست بحاجة إلى النظر خلفي كي أتقدّم. إن رعب الأمس يدفعني إلى الأمام. ولكن الحرب لا تتوقف عند هذا الحد.
حاولت القراءة في عينيه لأتأكد إن كان يتبعني. نظر الدكتور إلى حانوت في الأسفل، واكتفى بالموافقة بحركة من ذقنه.
- في بغداد، استمعت إلى كثير من الأحاديث والخطب. كانت تزعزع أحشائي حنقاً مثل جَمل أصابه السعار. كانت لديّ رغبة وحيدة: أن أفجّر الكرة الأرضية كاملة، من القطب الشمالي إلى جنوبه... وحينما تحمل أنت لواء حقدي باتجاه الغرب، أنت العلّامة، سيتحوّل غضبي إلى مفخرة. أتوقف عن طرح الأسئلة. وتأتيني أنت بجميع الأجوبة.
- ما نوع الأسئلة؟ استعلم رافعاً رأسه.
- ليست لي.
- لماذا تقول هذا؟ في سنك، لم أكن أترك إستاً يبرد.
أربكني ابتذاله.
صعب عليّ قبول فظاظة بهذا الوسخ صادرة عن عالم في مستواه.
يكبرني الدكتور جلال بحوالي ثلاثين سنة. في قريتي، ومنذ الأيام الخوالي، لا يمكننا تخيّل مثل هذه المحادثة أمام من هو أكبر منك. مرّة واحدة في بغداد، وأنا أتجوّل مع عمّ شاب، تلفظ أحد بشتيمة عند مرورنا بقربه؛ لو انفتحت الأرض تحت قدمي في تلك اللحظة، لما ترددت من الاختفاء بها.
- أأنت مستعد للذهاب؟...
- لا.
تأسف الدكتور جلال لأجلي. انحنى على درابزين من الحديد المطرّق، وبنقرة خفيفة، أرسل عقب سيجارته يتهاوى إلى الأسفل. تابعنا سقوط النقطة الحمراء وهي تتدحرج من طابق إلى آخر، إلى أن تشتَّتت إلى شرارات متعددة على الأرض.
- هل تظن أنهم سيلتحقون بنا يوماً، سألته لأغير الموضوع.
- من هم؟
- مفكّرونا.
رمقني الدكتور جلال بنظرة مائلة:
- أنت بكر، أليس كذلك؟... أحدثك عن ماخور ليس بعيداً من هنا...
- وأنا أحدثك عن مفكرينا، يا دكتور، أجبته بصرامة كي أوقفه عند حدّه.
أدرك أن اقتراحه الوقح يزعجني. قلت ملحّاً:
- هل سيلتحقون بصفوفنا؟
- هل هذا مهم؟
- بالنسبة لي، نعم... إن المفكرين يمنحون معنى لكل شيء. سيحدِّثون غيرَنا عنا. وسيكون لكفاحنا ذاكرة.
- ألا يكفيك ما قاسيته؟
- لست بحاجة إلى النظر خلفي كي أتقدّم. إن رعب الأمس يدفعني إلى الأمام. ولكن الحرب لا تتوقف عند هذا الحد.
حاولت القراءة في عينيه لأتأكد إن كان يتبعني. نظر الدكتور إلى حانوت في الأسفل، واكتفى بالموافقة بحركة من ذقنه.
- في بغداد، استمعت إلى كثير من الأحاديث والخطب. كانت تزعزع أحشائي حنقاً مثل جَمل أصابه السعار. كانت لديّ رغبة وحيدة: أن أفجّر الكرة الأرضية كاملة، من القطب الشمالي إلى جنوبه... وحينما تحمل أنت لواء حقدي باتجاه الغرب، أنت العلّامة، سيتحوّل غضبي إلى مفخرة. أتوقف عن طرح الأسئلة. وتأتيني أنت بجميع الأجوبة.
- ما نوع الأسئلة؟ استعلم رافعاً رأسه.
صفحة 5
- يوجد ركام من الأسئلة تخترق ذهنك حينما لا يتسنى لك الاختيار. ليس الخونة هم الذين يسقطون بالضرورة. أحياناً، يحدث خلل ما، وتخطئ رصاصاتنا الهدف.
- إنها الحرب، يا فتى.
- أعرف. ولكن الحرب لا تفسّر كل شيء.
- لا شيء بحاجة إلى تفسير. تقتل، ثمّ تموت. هكذا تجري الأمور منذ العهد الحجري.
سكتنا. كل واحد ينظر إلى المدينة من جهته.
- شيء جميل لو يلتحق مفكرونا بنضالنا. هل تعتقد أن الأمر ممكن؟
- ليس بالحشود، هذا ما أخشاه، قال بعد تنهد، ولكن عدداً منهم سيلتحق، بلا شك. لا شيء يمكن أن ننتظره من الغرب. وسينتهي الأمر بمفكرينا إلى إدراك ذلك يوماً. الغرب لا يحب إلّا نفسه. لا يفكر إلّا في نفسه. وإذا مدّ لنا يد المساعدة، فلكي يستخدمنا كطعم، لا غير. يتلاعب بنا، يؤلّب بعضنا ضد البعض الآخر، وحينما تنتهي اللعبة، يرمينا في أدراجه السرية وينسانا.
تسارع تنفس الدكتور. أشعل سيجارة جديدة. ارتعدت يده، وتجعّد وجهه، في لحظة خاطفة تحت ضوء القدّاحة، كما المنديل.
- ومع ذلك، كنتَ على شاشات كل القنوات التلفزيونية...
- نعم، ولكن على كم منصة فائزة؟ قال مغمغماً. أبداً لن يعترف الغرب بأفضالنا. بالنسبة إليه، العرب لا يحسنون إلّا الضرب في الكرة أو الصراخ في مكبر صوت. وكلّما أثبتنا له العكس إلّا وارتفع إنكاره لنا. وإذا حدث، مرة وبالصدفة، أن أجبرت هذه المدارس الآرية أن تقوم بحركة باتجاه هؤلاء "العرب القذرين المدجَّنين"، ستختار أسوأهم لإثارة غيرة أحسنهم. عرفت هذه الوضعية عن قرب. أعرف ماذا يعني ذلك.
أضاءت جمرة عقب سيجارته الشرفة. كمن يريد استهلاك سيجارة كاملة في نفحة واحدة.
تشبثت بشفتيه. إن قدحه شبيه بوساوسي، يدعّم أفكاري الثابتة، وينفخ في روحي طاقة ذهنية رائعة.
- وقبلنا، تعلمه آخرون على حسابهم، واصل مغتمّاً. عند التحاقهم بأوروبا، فكروا أنهم عثروا على وطن لعلمهم وعلى أرض خصبة لطموحاتهم. ومع ذلك، كانوا يدركون أنهم ليسوا مرغوبين، ولكنهم صبروا أكثر مما يستطيعون التحمل، مدفوعين بشيء من السذاجة. ولأنهم اعتنقوا القيم الغربية، فإنهم صدّقوا كل ما يهمس في آذانهم من مفاهيم نبيلة: حرية التعبير، حقوق الإنسان، المساواة، العدالة... كلمات كبيرة وفارغة مثل الآفاق المسدودة. ليس كل ما يلمع ذهباً. كم من عباقرتنا نجحوا؟ أغلبهم مات غيظاً. أنا متأكد أنهم لا يزالون يؤنِّبون ضمائرهم حتى وهم في القبور. بالرغم من أن الأمر فاضح بأنهم يناضلون من أجل بصلات عفنة. أبداً، لن يسمح أقرانهم الغربيون بصعودهم إلى دفّة الاعتراف العلمي. إذ إن العنصرية الحقيقية كانت دوماً فكرية. فالتمييز العنصري يبدأ بمجرد أن يُفتَح كتاب لنا، حيث قضى كبارُنا بالأمس دهراً لإدراك هذا الأمر؛ وقت تصحيح الرمي، كانوا خارج جدول الأعمال. هذا لن يحدث لنا. إننا ملقحون. من لا يملك لا يعطي، يقول مثل من عندنا. إن الغرب ليس إلّا أكذوبة حامضة، انحرافاً مقطراً بعناية، نشيد جنية البحر للذين غرقت هويتهم. يقول عن نفسه أرض استقبال وترحيب؛ في الحقيقة، ليس إلّا نقطة سقوط حيث لن نخرج منها سالمين أبداً...
- هل تظن بأن لا خيار لنا.
- كلّياً. لم يعد التعايش ممكناً. إنهم لا يحبوننا، ونحن لم نعد نحتمل عجرفتهم. على كل واحد منا أن يعيش في جهته، مديراً ظهره كلية للآخر. ولكن، قبل أن ننشئ الجدار الكبير، علينا أن نكبّدهم خسارة فادحة انتقاماً من الشر الذي سلطوه علينا. لهذا من الضروري أن يعرفوا أن التخاذل ليس من شيمنا، ولكنها حماقتهم.
- ومن سيكون الغالب؟
- ذلك الذي ليس له ما يفقده.
رمى عقب سيجارته أرضاً وسحقه كما أنه يهشم رأس حية. من جديد، أحرجتني حَدَقتا عينيه المتفجرتان.
- أتمنى أنك ستذيقهم الأمرين، لهؤلاء الأنذال.
صمتّ. من المفروض أن الدكتور يجهل سبب إقامتي في بيروت. لا أحد ينبغي معرفة السبب. أنا نفسي، أجهل ما ينبغي أن أنجزه. أعرف فقط أن الأمر يتعلق بـ أكبر عملية لم يقم بها أحد في أرض العدو، ألف مرة أكثر صداماً من اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر...
أدرك أنه بصدد جرِّي نحو حقل خطير لي وله معاً، دعك القنينة في قبضة يده، ثمّ لفظها في مزبلة.
- سيتأزّم الوضع على نطاق واسع، قال مغمغماً. لا أريد تفويت فرصة الحضور بأي ثمن.
حيّاني وانصرف.
بقيت وحدي، فأعطيت ظهري للمدينة وتذكرت كفْر كرَم... كفْر كرَم قرية بائسة وقبيحة لا أستبدلها بألف احتفال. كان مكاناً هادئاً، في عمق الصحراء. لا يشوّه طبيعته أي مصباح، ولا يزعج خدرته أي ضجيج. منذ أجيال لا تعد ولا تحصى، عشنا منعزلين خلف أسوارنا المصنوعة من طين وقش، بعيدين عن العالم وبهائمه المقزّزة، مكتفين بما وضع الله في صحوننا، حامدين إياه على المولود الجديد الذي يرزقنا به وكذا على القريب الذي يأخذه منا. كنا فقراء، متواضعين، ولكننا كنا هانئين. إلى غاية اليوم الذي اغتصِبت فيه ألفتنا، ونبِشت فيه مقدساتنا، وجرجِرت كرامتنا في الوحل والدم... إلى غاية اليوم الذي، في حدائق بابل، جاء أنذال مدجَّجون بالمتفجرات والأغلال ليعلِّموا الشعراء أن يكونوا رجالاً أحراراً...
- إنها الحرب، يا فتى.
- أعرف. ولكن الحرب لا تفسّر كل شيء.
- لا شيء بحاجة إلى تفسير. تقتل، ثمّ تموت. هكذا تجري الأمور منذ العهد الحجري.
سكتنا. كل واحد ينظر إلى المدينة من جهته.
- شيء جميل لو يلتحق مفكرونا بنضالنا. هل تعتقد أن الأمر ممكن؟
- ليس بالحشود، هذا ما أخشاه، قال بعد تنهد، ولكن عدداً منهم سيلتحق، بلا شك. لا شيء يمكن أن ننتظره من الغرب. وسينتهي الأمر بمفكرينا إلى إدراك ذلك يوماً. الغرب لا يحب إلّا نفسه. لا يفكر إلّا في نفسه. وإذا مدّ لنا يد المساعدة، فلكي يستخدمنا كطعم، لا غير. يتلاعب بنا، يؤلّب بعضنا ضد البعض الآخر، وحينما تنتهي اللعبة، يرمينا في أدراجه السرية وينسانا.
تسارع تنفس الدكتور. أشعل سيجارة جديدة. ارتعدت يده، وتجعّد وجهه، في لحظة خاطفة تحت ضوء القدّاحة، كما المنديل.
- ومع ذلك، كنتَ على شاشات كل القنوات التلفزيونية...
- نعم، ولكن على كم منصة فائزة؟ قال مغمغماً. أبداً لن يعترف الغرب بأفضالنا. بالنسبة إليه، العرب لا يحسنون إلّا الضرب في الكرة أو الصراخ في مكبر صوت. وكلّما أثبتنا له العكس إلّا وارتفع إنكاره لنا. وإذا حدث، مرة وبالصدفة، أن أجبرت هذه المدارس الآرية أن تقوم بحركة باتجاه هؤلاء "العرب القذرين المدجَّنين"، ستختار أسوأهم لإثارة غيرة أحسنهم. عرفت هذه الوضعية عن قرب. أعرف ماذا يعني ذلك.
أضاءت جمرة عقب سيجارته الشرفة. كمن يريد استهلاك سيجارة كاملة في نفحة واحدة.
تشبثت بشفتيه. إن قدحه شبيه بوساوسي، يدعّم أفكاري الثابتة، وينفخ في روحي طاقة ذهنية رائعة.
- وقبلنا، تعلمه آخرون على حسابهم، واصل مغتمّاً. عند التحاقهم بأوروبا، فكروا أنهم عثروا على وطن لعلمهم وعلى أرض خصبة لطموحاتهم. ومع ذلك، كانوا يدركون أنهم ليسوا مرغوبين، ولكنهم صبروا أكثر مما يستطيعون التحمل، مدفوعين بشيء من السذاجة. ولأنهم اعتنقوا القيم الغربية، فإنهم صدّقوا كل ما يهمس في آذانهم من مفاهيم نبيلة: حرية التعبير، حقوق الإنسان، المساواة، العدالة... كلمات كبيرة وفارغة مثل الآفاق المسدودة. ليس كل ما يلمع ذهباً. كم من عباقرتنا نجحوا؟ أغلبهم مات غيظاً. أنا متأكد أنهم لا يزالون يؤنِّبون ضمائرهم حتى وهم في القبور. بالرغم من أن الأمر فاضح بأنهم يناضلون من أجل بصلات عفنة. أبداً، لن يسمح أقرانهم الغربيون بصعودهم إلى دفّة الاعتراف العلمي. إذ إن العنصرية الحقيقية كانت دوماً فكرية. فالتمييز العنصري يبدأ بمجرد أن يُفتَح كتاب لنا، حيث قضى كبارُنا بالأمس دهراً لإدراك هذا الأمر؛ وقت تصحيح الرمي، كانوا خارج جدول الأعمال. هذا لن يحدث لنا. إننا ملقحون. من لا يملك لا يعطي، يقول مثل من عندنا. إن الغرب ليس إلّا أكذوبة حامضة، انحرافاً مقطراً بعناية، نشيد جنية البحر للذين غرقت هويتهم. يقول عن نفسه أرض استقبال وترحيب؛ في الحقيقة، ليس إلّا نقطة سقوط حيث لن نخرج منها سالمين أبداً...
- هل تظن بأن لا خيار لنا.
- كلّياً. لم يعد التعايش ممكناً. إنهم لا يحبوننا، ونحن لم نعد نحتمل عجرفتهم. على كل واحد منا أن يعيش في جهته، مديراً ظهره كلية للآخر. ولكن، قبل أن ننشئ الجدار الكبير، علينا أن نكبّدهم خسارة فادحة انتقاماً من الشر الذي سلطوه علينا. لهذا من الضروري أن يعرفوا أن التخاذل ليس من شيمنا، ولكنها حماقتهم.
- ومن سيكون الغالب؟
- ذلك الذي ليس له ما يفقده.
رمى عقب سيجارته أرضاً وسحقه كما أنه يهشم رأس حية. من جديد، أحرجتني حَدَقتا عينيه المتفجرتان.
- أتمنى أنك ستذيقهم الأمرين، لهؤلاء الأنذال.
صمتّ. من المفروض أن الدكتور يجهل سبب إقامتي في بيروت. لا أحد ينبغي معرفة السبب. أنا نفسي، أجهل ما ينبغي أن أنجزه. أعرف فقط أن الأمر يتعلق بـ أكبر عملية لم يقم بها أحد في أرض العدو، ألف مرة أكثر صداماً من اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر...
أدرك أنه بصدد جرِّي نحو حقل خطير لي وله معاً، دعك القنينة في قبضة يده، ثمّ لفظها في مزبلة.
- سيتأزّم الوضع على نطاق واسع، قال مغمغماً. لا أريد تفويت فرصة الحضور بأي ثمن.
حيّاني وانصرف.
بقيت وحدي، فأعطيت ظهري للمدينة وتذكرت كفْر كرَم... كفْر كرَم قرية بائسة وقبيحة لا أستبدلها بألف احتفال. كان مكاناً هادئاً، في عمق الصحراء. لا يشوّه طبيعته أي مصباح، ولا يزعج خدرته أي ضجيج. منذ أجيال لا تعد ولا تحصى، عشنا منعزلين خلف أسوارنا المصنوعة من طين وقش، بعيدين عن العالم وبهائمه المقزّزة، مكتفين بما وضع الله في صحوننا، حامدين إياه على المولود الجديد الذي يرزقنا به وكذا على القريب الذي يأخذه منا. كنا فقراء، متواضعين، ولكننا كنا هانئين. إلى غاية اليوم الذي اغتصِبت فيه ألفتنا، ونبِشت فيه مقدساتنا، وجرجِرت كرامتنا في الوحل والدم... إلى غاية اليوم الذي، في حدائق بابل، جاء أنذال مدجَّجون بالمتفجرات والأغلال ليعلِّموا الشعراء أن يكونوا رجالاً أحراراً...
صفحة 6
كَفْر كَرَم
1
كل صباح، تأتيني أختي التوأم بَهِيّة بفطوري إلى غاية غرفتي. تدفع الباب صائحة: "انهض، يا من بالداخل، ستخمر مثل العجينة." تحطّ الصينية فوق المائدة عند قدم السرير، تفتح النافذة وتعود لتقرص أصابع رجليّ. حركتها صارمة، تتباين بوضوح مع عذوبة صوتها. ولأنها كانت تكبرني ببضع دقائق، كانت تعتبرني رضيعها، ولم تتفطن إلى أنني قد كبرت.إنها فتاة نحيفة، حريصة على النظام والنظافة إلى حدّ الهوس تقريباً. حينما كنت صغيراً، كانت هي التي تلبسني ثيابي وتقودني إلى المدرسة. وبما أننا لم نكن في قسم واحد، كنت أجدها دوماً أثناء الراحة في ساحة المدرسة تراقبني من بعيد، والويل لي إن قمت بعمل يجلب "العار للعائلة". بعد ذلك، وحينما بدأ الزغب يخط ملامح وجه الفتى الهزيل والبثير الذي كنته، سهرت بصفة شخصية لكبح أزمة مراهقتي، توبّخني في كل مرّة أرفع فيها صوتي أمام أخواتي الأخريات، أو أعبّر عن استيائي من طبق أكل أعتبره غير كاف لنموي. لم أكن ذا طبع شَكِس، ومع ذلك، كانت تجد فظاظة غير مقبولة في كيفية التفاوض حول بلوغي. أحياناً، تعيدها أمي إلى مكانها، بضجر ظاهر؛ تتعقّل بَهيّة مدّة أسبوع أو اثنين، ثم تنقضّ عليّ عند أوّل زلة.
أبداً، لم أتمرّد ضد تهجماتها المفرطة. بالعكس، كان ذلك يسليني في أغلب الأحيان.
- سترتدي سروالك الأبيض وقميصك ذات المربعات، أمرتني وهي تشير إلى الملابس المطوية على طاولة الفورميكا التي كنت أستخدمها مكتباً أيضاً. غسلتها وكويتها مساء أمس. عليك أن تفكر في شراء زوج حذاء آخر، أضافت وهي تدفع بطرف قدمها نعليّ المتعطنين. إن حذاءك هذا بلا عقب تقريباً زيادة على أن رائحة كريهة تفوح منه.
أدخلت يدها في صدارها وأخرجت منه أوراقاً نقدية.
- يوجد هنا ما يكفي من النقود كي لا تكتفي بصنادل مبتذلة. فكّر أيضاً في شراء العطر. لأن الرائحة الكريهة التي تنبعث منك ستجعلنا نستغني عن مبيد الصراصير.
وقبل أن أجد الوقت للاتكاء على مرفقي، حطّت النقود على وسادتي وانسحبت.
لم تكن أختي تشتغل. أُجبِرت على مغادرة الثانوية في السادسة عشرة من عمرها، بعد أن خطبها شاب من العائلة، ولكن هذا الأخير توفي بالسلّ قبل ستّة أشهر من الزواج، فبقيت تذبل في البيت منتظرة خطيباً آخر. ولم يسعد الحظ أخواتي الأخريات اللائي يكبرننا سناً. تزّوجت عائشة، أختي الكبرى، بمربي دواجن. وتقطن في قرية مجاورة في منزل كبير تتقاسمه مع عائلة زوجها. كان التعايش يتدهور من فصل إلى فصل إلى غاية اليوم الذي لم تعد تتحمّل فيه تنكيد بعضهن وتعسف البعض الآخر، فأخذت أطفالها الأربعة وعادت إلى حضن الأسرة. اعتقدنا أن زوجها سيأتي بعد أيام لاسترجاعها، ولكنه لم يفعل، ولم يقم حتى بمبادرة لرؤية أولاده أيام الأعياد. أختها الصغرى، عفاف، في الثلاثة والثلاثين من العمر ولا تملك شعرة واحدة على رأسها. خلال طفولتها، أصيبت بمرض أفقدها شعرها. قدّر أبي أنه من الحكمة أن لا يبعثها إلى المدرسة، خوفاً من أن تتحوّل إلى أضحوكة لدى التلاميذ. فعاشت عفاف منزوية في غرفة، كما المعوقة، ترقّع الثياب القديمة. مع الوقت، أصبحت تخيط فساتين تتكفّل أمي ببيعها هنا وهناك. وبعدما فقد أبي عمله جراء حادث، تولت عفاف إعالة العائلة؛ في تلك الفترة، لم يكن يسمع صوت على بعد أميال من منزلنا إلّا لدوران محرك آلة خياطتها. أما بالنسبة لفرح، صاحبة الواحد والثلاثين من العمر، فكانت الوحيدة التي تمكنت من مواصلة دراستها الجامعية، رغم استهجان القبيلة التي لا ترى بعين الرضا أن تعيش فتاة بعيدة عن أهلها، وبالتالي أقرب إلى الغواية. صمدت فرح وتحصلت على شهاداتها بتفوق. أراد عمّي الأكبر، فلاح ورع وودود، أن يأخذها زوجة لأحد أبنائه؛ رفضت فرح الطلب بحزم وفضلت العمل في المستشفى. أثار موقفها غيظ القبيلة، فقاطعنا الابن المهان بالجملة، متبوعاً بأبيه ثمّ أمه. اليوم، تشتغل فرح في عيادة خاصة ببغداد وتتقاضى أجراً محترماً. إن النقود التي تضعها أختي التوأم على وسادتي من حين لآخر، هي نقودها.
في كفر كرم، توقف الشبان في مثل سني عن إظهار علامات الفزع حينما تدس لهم خلسة أخت أو أم نقوداً في اليد. في البداية، انزعجوا قليلاً، وكي ينقذوا ماء الوجه، وعدوا بتسديد دينهم في أقرب فرصة ممكنة. كانوا جميعاً يحلمون بعمل يسمح لهم برفع رؤوسهم. ولكن الأزمنة كانت صعبة؛ لقد تمكنت الحروب وبعدها الحصار الدولي من إركاع البلد، وكان الشبان عندنا أتقياء ولا يغامرون للذهاب إلى المدن الكبرى حيث تنعدم فيها بركة الأسلاف، ويعمل الشيطان على تلويث الأرواح بسرعة الساحر...
في كفر كرم، لا نأكل من هذا الخبز. نفضل الموت على الإغراق في الرذيلة أو امتهان السرقة. مهما علا صوت السراب، فإن صوت الأجداد يطغى عليه دوماً - إننا شرفاء بالطبيعة.
التحقت بجامعة بغداد شهوراً قبل الاحتلال الأمريكي للعراق. كنت منتشياً للغاية. إن وضعي كطالب يعيد لأبي فخره. هو الأمي، حفار الآبار التعيس، أب لطبيبة ودكتور لاحق في الآداب. أليس هذا انتقاماً من جميع خيبات الأمل؟ أعطيت العهد لنفسي أن أكون عند حسن ظنه. هل حدث أن أحزنته مرة واحدة في حياتي؟ كنت أريد النجاح من أجله، لأراه يسترجع ثقته بنفسه، أن أقرأ في عينيه اللتين دمّرهما الغبار ما يخفيه وجهه: سعادة جني ما زرع - بذرة سليمة الجسم والروح لا تنتظر إلّا الانتشاء. وفيما كان الآباء الآخرون يتسرعون إلى ربط ذريتهم إلى الأعباء القاسية القاحلة التي كانت شقاءهم وشقاء أسلافهم، كان أبي يشدّ حزامه ويدّخر لأواصل دراستي. لم يكن أكيداً، لا بالنسبة لي ولا له، أن تكلَّل الدراسة بنجاح اجتماعي، ولكنه كان مقتنعاً أن فقيراً متعلماً أقل شفقة من فقير أمي، لا حول له. أكيد أن الشخص الذي يحسن قراءة رسائله الخاصة وملء الاستمارات، سيتمكن من الحفاظ على جزء غير يسير من كرامته.
صفحة 7
لم أتردّد عن حمل النظارات عندما عتبت أوّل مرة رحاب الجامعة رغم أن الطبيعة وهبت لي نظرة صقر. بهذه الطريقة استطعت أن ألفت إليّ أنظار نوال، فأضحت تحمر كعود الصليب كلما صادفتها عند خروجنا من الأقسام. حتى وإن لم أتجرأ على الاقتراب منها إلّا أن أدنى ابتساماتها تكفي لسعادتي. وحينما تلألأت سماء بغداد بأسهم نيران غريبة كنت أشيّد لها آفاقاً رائعة. ارتفعت صفارات الإنذار في صمت الليل؛ طفقت العمارات تتحوّل إلى دخان، وبين عشية وضحاها، ذابت الغزليات الأكثر جنوناً وسط الدموع والدماء. احترقت كراريسي وكتاباتي الرومانسية في الجحيم، وسلّمت الجامعة للمخربين والأحلام لحفّاري القبور؛ دخلت إلى كفر كرم، متهلِّساً، حائراً، ولم أضع قدميَّ في بغداد ثانية.
عند أهلي، ليس عندي ما أشتكي منه. لم أكن متطلباً؛ يكفيني الشيء القليل. كنت أسكن في السطوح، داخل غرفة غسل الثياب التي أعيد ترتيبها. أثاثي عبارة عن صناديق قديمة، وسريري مصنوع من لوحات خشبية التقطت هنا وهناك. وكنت سعيداً بالعالم الصغير الذي أقمته حول أُلفَتي. لم أكن أملك جهاز التلفيزيون بعد، ولكنني حظيت بجهاز راديو مُخَنْخِن كان يدفئ عزلتي.
في الطابق الأوّل، من جهة الفناء، يشغل والدي غرفة بشرفة؛ من جهة الحديقة، في عمق البهو، تتقاسم أخواتي قاعتين كبيرتين مكدستين بأثاث وملابس رثّة ولوحات دينية جلبت من الأسواق المتجوّلة، يظهر بعضها خطوطاً متاهية، والبعض الآخر يصوّر سيدنا عليّ ينقض انقضاضاً على العفاريت أو يقطّع أعداءه إرباً إرباً، وسيفه البتار، ذو الشفرتين، ينزل على رؤوس الكفار كما الزوبعة العاصفة. وتوجد أمثال هذه اللوحات داخل الغرف، وفي الرواق، وفوق الأبواب. لم تعلّق لأغراض التزيين، وإنما لفضائلها الطلسمية؛ إنها تقي من العين والحسد. في أحد الأيام، أسقطت واحدة بضربة كرة مفاجئة. كانت لوحة جميلة بآيات قرآنية مطرزة بخيط أصفر على عمق أسود. تهشّمت مثل مرآة. كادت أمّي تصعق صعقاً. أراها الآن، يد على الصدر والعينان جاحظتان، أكثر شحوباً من كتلة طبشور؛ سبع سنوات من الشقاء قد لا تنزف دمها بمثل تلك العناية.
في الطابق الأرضي، يوجد المطبخ مقابل غرفة ضيقة بها ورشة أختي عفاف، وقاعتان متداخلتان للضيوف، وقاعة استقبال ضخمة بباب ينفتح على بستان خضار وفواكه.
بمجرّد أن أنهيت ترتيب أدواتي، نزلت أسلّم على والدتي، امرأة قوية، صاحبة نظرة صريحة، لم تثنِ عزيمتها الأعباء المنزلية الشاقة ولا كرّ الفصول. قبلة على خدها تمنحني جرعة قوية من طاقتها. كنا نتفاهم بالأصبع والعين.
كان والدي يجلس في الفناء جلسة ناسِك، تحت ظل شجرة عصية التصنيف. بعد صلاة الفجر التي يؤديها حتماً في المسجد، يعود إلى الساحة يحرك كريات سبحته، اليد المعاقة في تجويف عباءته؛ لقد فقد استعمال ذراعه في انهيار بئر كان ينظفها... شاخ والدي فجأة منذ تلك الحادثة. ترهّلت هيبة ربّ البيت التي كانت ترفعه فوق الجميع، ولم تعد نظرته ترمي أبعد من مقلاع. سابقاً، كان يحدث له أن ينضم إلى مجموعة أقارب ليتبادل معهم تقييمه حول مستجدات الأحداث. ولكن الاغتياب تغلب على التصحيح، فانسحب. في الصباح، بعد خروجه من المسجد، وقبل أن يستيقظ الزقاق كلية، يستقر عند أسفل شجرته، وفنجان القهوة في متناول يده السليمة، ويسترق السمع إلى الضوضاء المحيطة به كما لو أنه يأمل في فكّ دلالاتها. كان والدي رجلاً طيباً، بدوياً من فقراء القوم لا يأكل دوماً إلى حدّ الشبع، إلّا أنه أبي ويبقى بالنسبة لي في المكانة التي تفرضها عليّ التقاليد والأعراف. ورغم ذلك، فكلما رأيته عند قدم تلك الشجرة، لا أتمالك نفسي من الشعور بالشفقة على شخصه. صحيح أنه كان وقوراً وشهماً، ولكن بؤسه ينسف كل المظهر اللائق الذي يجهد نفسه للحفاظ عليه. أعتقد أنه لم يشفَ أبداً من فقدان استعمال ذراعه، ويكاد يدمره الشعور الدفين بأنه أصبح عالة على بناته.
لا أتذكر أنني كنت قريباً منه أو أنني احتميت بصدره يوماً؛ ومع ذلك، كنت مقتنعاً بأنه سوف لن يدفعني إذا بادرت بالخطوة الأولى. المشكل: كيف السبيل إلى مثل هذه المجازفة؟ ثابت كالصنم، لا يظهر والدي شيئاً من عواطفه... وأنا طفل، كنت أخاله شبحاً؛ أسمعه عند الأفجار يشدّ رزمة أمتعته استعداداً للذهاب إلى الورشة؛ وقبل أن ألتحق به، يكون قد خرج ولا يعود إلّا بعد أن يكون ظلام الليل قد خيّم كلّياً. أجهل إن كان أباً طيباً. بسبب التحفظ أو الفقر المدقع، لم يكن يهدينا ألعابا، ويبدو أنه لم يكن يبالي لا بصراخنا الصاخب ولا بخمودنا المباغت. أتساءل إن كان قادراً على الحب، إن لم يحوّله وضعه كوالد لنا إلى تمثال ملح. في كفر كرم، يلتزم الآباء بالحفاظ على مسافة بينهم وبين ذريتهم، مقتنعين أن الألفة تضرّ بسلطتهم. كم مرّة اعتقدت أنني ألمح بريقاً بعيداً في نظرة أبي الصارمة. مباشرة بعد ذلك، يسترجع هيبته ويتنحنح كي أتملص بعيداً عنه.
في تلك الصبيحة، وتحت شجرته، تنحنح أبي عندما قبلت رأسه باحتفالية فاضحة ولم يسحب يده عندما مسكتها لتقبيلها. فهمت أنه لن ينزعج إذا جالسته بعضاً من الوقت. نتبادل أطراف الحديث، ولكن ماذا نقول؟ لم نتمكن حتى من مواجهة نظرتينا. حدث أن جلست إلى جانبه مدة ساعتين، ولم ينطق أحدنا ببنت شفة. اكتفى بتحريك كريات سبحته؛ ولم أتوقف عن دعك طرف الحصير. لو لم تأتِ أمي لتكلفني بشغل، لبقينا على تلك الحال إلى سقوط الليل.
- أنا ذاهب في دورة صغيرة. هل أنت بحاجة إلى شيء؟
أجاب بالنفي بحركة من رأسه.
وجدت الفرصة سانحة لمغادرته.
كانت كفر كرم دائماً قرية منظّمة: لم نكن بحاجة إلى السفر بعيداً كي نلبي حاجاتنا الأساسية. كانت لدينا ساحتنا للأسلحة؛ حلباتنا الخاصة باللعب. في الغالب إنها حقول مهملة؛ مسجدنا حيث ينبغي الاستيقاظ باكراً يوم الجمعة كي نجد مكاناً في الصفوف الأولى؛ محلاتنا، مقهيان -السفير الذي يرتاده الشباب، والهلال؛ مكانيكي من الطراز الأوّل قادر على تصليح أي محرك بشرط أن يكون من نوع ديزل؛ حداد يشتغل أيضاً كسباك عند الحاجة؛ قالع ضرس، وبائع أعشاب طبية ومجبّر في ساعاته الشاغرة؛ حلاق بمظهر هرقل الأسواق الموسمية، هادئ وشارد الذهن، ولحلاقة جمجمة يقضي وقتاً أطول مما يقضيه سكِّير في إدخال خيط في خرم الإبرة؛ مصوِّر أظلم من مخبره، وساعي بريد. لدينا أيضاً صاحب مطعم شعبي؛ وبما أنه لم يعد أحد من الحُجّاج يتوقف عندنا، تحوّل إلى إسكافي.
عند أهلي، ليس عندي ما أشتكي منه. لم أكن متطلباً؛ يكفيني الشيء القليل. كنت أسكن في السطوح، داخل غرفة غسل الثياب التي أعيد ترتيبها. أثاثي عبارة عن صناديق قديمة، وسريري مصنوع من لوحات خشبية التقطت هنا وهناك. وكنت سعيداً بالعالم الصغير الذي أقمته حول أُلفَتي. لم أكن أملك جهاز التلفيزيون بعد، ولكنني حظيت بجهاز راديو مُخَنْخِن كان يدفئ عزلتي.
في الطابق الأوّل، من جهة الفناء، يشغل والدي غرفة بشرفة؛ من جهة الحديقة، في عمق البهو، تتقاسم أخواتي قاعتين كبيرتين مكدستين بأثاث وملابس رثّة ولوحات دينية جلبت من الأسواق المتجوّلة، يظهر بعضها خطوطاً متاهية، والبعض الآخر يصوّر سيدنا عليّ ينقض انقضاضاً على العفاريت أو يقطّع أعداءه إرباً إرباً، وسيفه البتار، ذو الشفرتين، ينزل على رؤوس الكفار كما الزوبعة العاصفة. وتوجد أمثال هذه اللوحات داخل الغرف، وفي الرواق، وفوق الأبواب. لم تعلّق لأغراض التزيين، وإنما لفضائلها الطلسمية؛ إنها تقي من العين والحسد. في أحد الأيام، أسقطت واحدة بضربة كرة مفاجئة. كانت لوحة جميلة بآيات قرآنية مطرزة بخيط أصفر على عمق أسود. تهشّمت مثل مرآة. كادت أمّي تصعق صعقاً. أراها الآن، يد على الصدر والعينان جاحظتان، أكثر شحوباً من كتلة طبشور؛ سبع سنوات من الشقاء قد لا تنزف دمها بمثل تلك العناية.
في الطابق الأرضي، يوجد المطبخ مقابل غرفة ضيقة بها ورشة أختي عفاف، وقاعتان متداخلتان للضيوف، وقاعة استقبال ضخمة بباب ينفتح على بستان خضار وفواكه.
بمجرّد أن أنهيت ترتيب أدواتي، نزلت أسلّم على والدتي، امرأة قوية، صاحبة نظرة صريحة، لم تثنِ عزيمتها الأعباء المنزلية الشاقة ولا كرّ الفصول. قبلة على خدها تمنحني جرعة قوية من طاقتها. كنا نتفاهم بالأصبع والعين.
كان والدي يجلس في الفناء جلسة ناسِك، تحت ظل شجرة عصية التصنيف. بعد صلاة الفجر التي يؤديها حتماً في المسجد، يعود إلى الساحة يحرك كريات سبحته، اليد المعاقة في تجويف عباءته؛ لقد فقد استعمال ذراعه في انهيار بئر كان ينظفها... شاخ والدي فجأة منذ تلك الحادثة. ترهّلت هيبة ربّ البيت التي كانت ترفعه فوق الجميع، ولم تعد نظرته ترمي أبعد من مقلاع. سابقاً، كان يحدث له أن ينضم إلى مجموعة أقارب ليتبادل معهم تقييمه حول مستجدات الأحداث. ولكن الاغتياب تغلب على التصحيح، فانسحب. في الصباح، بعد خروجه من المسجد، وقبل أن يستيقظ الزقاق كلية، يستقر عند أسفل شجرته، وفنجان القهوة في متناول يده السليمة، ويسترق السمع إلى الضوضاء المحيطة به كما لو أنه يأمل في فكّ دلالاتها. كان والدي رجلاً طيباً، بدوياً من فقراء القوم لا يأكل دوماً إلى حدّ الشبع، إلّا أنه أبي ويبقى بالنسبة لي في المكانة التي تفرضها عليّ التقاليد والأعراف. ورغم ذلك، فكلما رأيته عند قدم تلك الشجرة، لا أتمالك نفسي من الشعور بالشفقة على شخصه. صحيح أنه كان وقوراً وشهماً، ولكن بؤسه ينسف كل المظهر اللائق الذي يجهد نفسه للحفاظ عليه. أعتقد أنه لم يشفَ أبداً من فقدان استعمال ذراعه، ويكاد يدمره الشعور الدفين بأنه أصبح عالة على بناته.
لا أتذكر أنني كنت قريباً منه أو أنني احتميت بصدره يوماً؛ ومع ذلك، كنت مقتنعاً بأنه سوف لن يدفعني إذا بادرت بالخطوة الأولى. المشكل: كيف السبيل إلى مثل هذه المجازفة؟ ثابت كالصنم، لا يظهر والدي شيئاً من عواطفه... وأنا طفل، كنت أخاله شبحاً؛ أسمعه عند الأفجار يشدّ رزمة أمتعته استعداداً للذهاب إلى الورشة؛ وقبل أن ألتحق به، يكون قد خرج ولا يعود إلّا بعد أن يكون ظلام الليل قد خيّم كلّياً. أجهل إن كان أباً طيباً. بسبب التحفظ أو الفقر المدقع، لم يكن يهدينا ألعابا، ويبدو أنه لم يكن يبالي لا بصراخنا الصاخب ولا بخمودنا المباغت. أتساءل إن كان قادراً على الحب، إن لم يحوّله وضعه كوالد لنا إلى تمثال ملح. في كفر كرم، يلتزم الآباء بالحفاظ على مسافة بينهم وبين ذريتهم، مقتنعين أن الألفة تضرّ بسلطتهم. كم مرّة اعتقدت أنني ألمح بريقاً بعيداً في نظرة أبي الصارمة. مباشرة بعد ذلك، يسترجع هيبته ويتنحنح كي أتملص بعيداً عنه.
في تلك الصبيحة، وتحت شجرته، تنحنح أبي عندما قبلت رأسه باحتفالية فاضحة ولم يسحب يده عندما مسكتها لتقبيلها. فهمت أنه لن ينزعج إذا جالسته بعضاً من الوقت. نتبادل أطراف الحديث، ولكن ماذا نقول؟ لم نتمكن حتى من مواجهة نظرتينا. حدث أن جلست إلى جانبه مدة ساعتين، ولم ينطق أحدنا ببنت شفة. اكتفى بتحريك كريات سبحته؛ ولم أتوقف عن دعك طرف الحصير. لو لم تأتِ أمي لتكلفني بشغل، لبقينا على تلك الحال إلى سقوط الليل.
- أنا ذاهب في دورة صغيرة. هل أنت بحاجة إلى شيء؟
أجاب بالنفي بحركة من رأسه.
وجدت الفرصة سانحة لمغادرته.
كانت كفر كرم دائماً قرية منظّمة: لم نكن بحاجة إلى السفر بعيداً كي نلبي حاجاتنا الأساسية. كانت لدينا ساحتنا للأسلحة؛ حلباتنا الخاصة باللعب. في الغالب إنها حقول مهملة؛ مسجدنا حيث ينبغي الاستيقاظ باكراً يوم الجمعة كي نجد مكاناً في الصفوف الأولى؛ محلاتنا، مقهيان -السفير الذي يرتاده الشباب، والهلال؛ مكانيكي من الطراز الأوّل قادر على تصليح أي محرك بشرط أن يكون من نوع ديزل؛ حداد يشتغل أيضاً كسباك عند الحاجة؛ قالع ضرس، وبائع أعشاب طبية ومجبّر في ساعاته الشاغرة؛ حلاق بمظهر هرقل الأسواق الموسمية، هادئ وشارد الذهن، ولحلاقة جمجمة يقضي وقتاً أطول مما يقضيه سكِّير في إدخال خيط في خرم الإبرة؛ مصوِّر أظلم من مخبره، وساعي بريد. لدينا أيضاً صاحب مطعم شعبي؛ وبما أنه لم يعد أحد من الحُجّاج يتوقف عندنا، تحوّل إلى إسكافي.
صفحة 8
بالنسبة للكثير، فإن قريتنا ليست سوى مجموعة سكنية ممتدة في عرض الطريق، مثل بهيمة ميتة، لا يكاد المسافر يراها حتى تختفي عن الأنظار، ومع ذلك كنا فخورين بها. كنا دوماً نرتاب من الأجانب. طالما أنهم يقومون بدورات كبيرة لتفادي المرور علينا، كنا سالمين معافين، وإن كانت الرياح الرملية تجبرهم أحياناً على اللجوء إلى قريتنا للاحتماء، فكنا نقوم بواجب الضيافة وفقاً لتوصيات رسولنا الكريم دون أن نحاول إبقاءهم أكثر حينما يبدأون في جمع أمتعتهم. إن ما يأتينا من الغير يعيد إلى أذهاننا ذكريات سيّئة...
تربط علاقة قرابة دموية أغلبَ سكان كفر كرم. أما الباقي فإنه موجود هنا منذ أجيال عديدة. صحيح أن لنا خصوماتنا الصغيرة ولكنها لا تتدهور إلى حدّ الصدام العنيف. حينما تسوء الأحوال، يتدخل الشيوخ لتهدئة الأعصاب. وإذا قدّر المهانون أن الإهانة لا تغتفر، يتوقفون عن تبادل الكلام وتطوى القضية. من جهة أخرى، نحبذ اللقاءات في الساحة العمومية أو داخل المسجد، كما نهوى جرّ نعالنا في أزقتنا المغبرة أو التمدد تحت الشمس عند أسفل جدراننا المصنوعة من الطين الممزوج بالقش والتي تشوهها في بعض الأماكن لوحات من آجور البرباين المثلّم العاري. قريتنا ليست جنة الريحان، ولكن -الضيق في الذهنيات وليس في القلوب- كنا نحسن استغلال أدنى نكتة كي نطلق العنان للضحك والقهقهات ونغترف من أبصارنا ما نواجه به نوائب الدهر.
يبقى كاظم، من بين جميع أولاد الأعمام والأخوال، أحسن أصدقائي. في الصباح، حينما أخرج من دارنا، تقودني قدماي مباشرة إليه. أجِده بشكل دائم في زاوية أزقة الجزار، خلف حائط صغير، مؤخرته لاصقة على صخرة كبيرة وذقنه بتجويف يده، يحاول جاهداً أن ينسجم مع مقعده التعيس. إنه أيأس شخص عرفته. بمجرد وصولي قربه، يخرج علبة سجائر ويمدها لي. يعرف أنني لا أدخن، ورغم ذلك، لا يتردد عن تكرار هذه الحركة دوماً ليستقبلني بها. مع طول الوقت، ومن باب اللباقة، انتهى بي الأمر إلى قبول عرضه ووضع سيجارة في فمي. مباشرة، يقدّم لي قدّاحة ويسترسل في ضحك كتوم بعدما تجعلني النفحات الأولى أسعل بقوة. ثمّ، ينطوي على نفسه، العين سارحة، الوجه مغلق. كل شيء يتعبه؛ السهرات مع الأصدقاء كما السهرات الجنائزية. كانت المناقشات معه تتأزّم بسرعة، أحياناً، تنتهي بغضب عبثي، لا يعرف سرّه إلّا هو.
- ينبغي أن أشتري زوجاً جديداً من الأحذية.
ألقى نظرة خاطفة على حذائي ثمّ عاد إلى تأمل الأفق.
حاولت إيجاد حقل للتفاهم، فكرة للتحليل؛ لم يبدِ اهتماماً.
كان كاظم ضارب عود موهوباً. يكسب قوته بالمشاركة في حفلات الزواج. كان ينوي تشكيل فرقة موسيقية حينما فتّت القدر مشاريعه إلى مسحوق تذروه الريح بعيداً. زوجته الأولى، فتاة من القرية، ماتت في المستشفى جراء التهاب رئة بسيط. في ذلك العهد، كان مشروع الأمم المتحدة "الغذاء مقابل البترول" يتعثر وكانت الأدوية الأساسية تنقص كثيراً، حتى في السوق السوداء. تألّم كاظم كثيراً من فقد زوجته المبكر. أجبره أبوه على الزواج ثانية آملاً في تخفيف حزنه. ثمانية عشر شهراً بعد الزواج، أثكله مرض التهاب السحايا ثانية. بعد ذلك، فقد كاظم إيمانه.
كنت من الأشخاص القلائل الذين يخالطونه دون تعكير صفو مزاجه.
اقتربت منه وجلست القرفصاء.
مقابلاً لنا، تقع المداومة القديمة للحزب، والتي دشِّنت في احتفالية صاخبة قبل ثلاثين سنة، قبل أن تسقط في النسيان بسبب غياب الاعتقاد الأيديولوجي. خلف البناية المقفلة، تحاول نخلتان سقيمتان أن تنقذا ماء الوجه. بدا لي أنهما كانتا هنا منذ الأزمنة الغابرة، الشبح مبروم بشكل يثير الضحك، أغصانها متدلية وجافة. لا أحد يكترث بوجودها، باستثناء الكلاب التي تقترب من الجذع، ترفع القدم وتسقيه، أو بعض الطيور المسافرة الباحثة عن مِجْثَم شاغر. كانتا تحيّرانني وأنا طفل. لا أفهم لماذا لا تستغلان ظلام الليل لتختفيا إلى الأبد. روى لنا درويش جوّال أن النخلتين، في الحقيقة، كانتا ثمرة هلوسة جماعية تاريخية، نسي السراب أن يحملهما معه عند تبخّره.
- هل سمعت الراديو هذا الصباح؟ يبدو أن الإيطاليين بصدد حزم أمتعتهم.
- سيعطي لنا قدماً جميلة، قال مغمغماً.
- في رأيي...
- ألم تذهب لشراء زوج حذاء جديد؟
رفعت ذراعيّ إلى مستوى صدري علامة الاستسلام.
- الحق معك. عليّ أن أذهب لتنشيط ساقيّ.
أخيراً، رضي أن يلتفت نحوي:
- لا تنزعج من موقفي هذا. إن هذه الحكايات تسكرني.
- أفهم.
- لا تلمني. أقضي أيامي مضجراً، وليالي ساهراً أرقاً.
وقفت.
في اللحظة التي وصلت فيها إلى طرف الجدار الصغير، قال لي:
- أظن أن لديّ زوج حذاء. مُر بالبيت هذه الظهيرة. إذا كان بمقاسك، فإنه لك.
- موافق... سلام.
ها قد تجاهلني.
تربط علاقة قرابة دموية أغلبَ سكان كفر كرم. أما الباقي فإنه موجود هنا منذ أجيال عديدة. صحيح أن لنا خصوماتنا الصغيرة ولكنها لا تتدهور إلى حدّ الصدام العنيف. حينما تسوء الأحوال، يتدخل الشيوخ لتهدئة الأعصاب. وإذا قدّر المهانون أن الإهانة لا تغتفر، يتوقفون عن تبادل الكلام وتطوى القضية. من جهة أخرى، نحبذ اللقاءات في الساحة العمومية أو داخل المسجد، كما نهوى جرّ نعالنا في أزقتنا المغبرة أو التمدد تحت الشمس عند أسفل جدراننا المصنوعة من الطين الممزوج بالقش والتي تشوهها في بعض الأماكن لوحات من آجور البرباين المثلّم العاري. قريتنا ليست جنة الريحان، ولكن -الضيق في الذهنيات وليس في القلوب- كنا نحسن استغلال أدنى نكتة كي نطلق العنان للضحك والقهقهات ونغترف من أبصارنا ما نواجه به نوائب الدهر.
يبقى كاظم، من بين جميع أولاد الأعمام والأخوال، أحسن أصدقائي. في الصباح، حينما أخرج من دارنا، تقودني قدماي مباشرة إليه. أجِده بشكل دائم في زاوية أزقة الجزار، خلف حائط صغير، مؤخرته لاصقة على صخرة كبيرة وذقنه بتجويف يده، يحاول جاهداً أن ينسجم مع مقعده التعيس. إنه أيأس شخص عرفته. بمجرد وصولي قربه، يخرج علبة سجائر ويمدها لي. يعرف أنني لا أدخن، ورغم ذلك، لا يتردد عن تكرار هذه الحركة دوماً ليستقبلني بها. مع طول الوقت، ومن باب اللباقة، انتهى بي الأمر إلى قبول عرضه ووضع سيجارة في فمي. مباشرة، يقدّم لي قدّاحة ويسترسل في ضحك كتوم بعدما تجعلني النفحات الأولى أسعل بقوة. ثمّ، ينطوي على نفسه، العين سارحة، الوجه مغلق. كل شيء يتعبه؛ السهرات مع الأصدقاء كما السهرات الجنائزية. كانت المناقشات معه تتأزّم بسرعة، أحياناً، تنتهي بغضب عبثي، لا يعرف سرّه إلّا هو.
- ينبغي أن أشتري زوجاً جديداً من الأحذية.
ألقى نظرة خاطفة على حذائي ثمّ عاد إلى تأمل الأفق.
حاولت إيجاد حقل للتفاهم، فكرة للتحليل؛ لم يبدِ اهتماماً.
كان كاظم ضارب عود موهوباً. يكسب قوته بالمشاركة في حفلات الزواج. كان ينوي تشكيل فرقة موسيقية حينما فتّت القدر مشاريعه إلى مسحوق تذروه الريح بعيداً. زوجته الأولى، فتاة من القرية، ماتت في المستشفى جراء التهاب رئة بسيط. في ذلك العهد، كان مشروع الأمم المتحدة "الغذاء مقابل البترول" يتعثر وكانت الأدوية الأساسية تنقص كثيراً، حتى في السوق السوداء. تألّم كاظم كثيراً من فقد زوجته المبكر. أجبره أبوه على الزواج ثانية آملاً في تخفيف حزنه. ثمانية عشر شهراً بعد الزواج، أثكله مرض التهاب السحايا ثانية. بعد ذلك، فقد كاظم إيمانه.
كنت من الأشخاص القلائل الذين يخالطونه دون تعكير صفو مزاجه.
اقتربت منه وجلست القرفصاء.
مقابلاً لنا، تقع المداومة القديمة للحزب، والتي دشِّنت في احتفالية صاخبة قبل ثلاثين سنة، قبل أن تسقط في النسيان بسبب غياب الاعتقاد الأيديولوجي. خلف البناية المقفلة، تحاول نخلتان سقيمتان أن تنقذا ماء الوجه. بدا لي أنهما كانتا هنا منذ الأزمنة الغابرة، الشبح مبروم بشكل يثير الضحك، أغصانها متدلية وجافة. لا أحد يكترث بوجودها، باستثناء الكلاب التي تقترب من الجذع، ترفع القدم وتسقيه، أو بعض الطيور المسافرة الباحثة عن مِجْثَم شاغر. كانتا تحيّرانني وأنا طفل. لا أفهم لماذا لا تستغلان ظلام الليل لتختفيا إلى الأبد. روى لنا درويش جوّال أن النخلتين، في الحقيقة، كانتا ثمرة هلوسة جماعية تاريخية، نسي السراب أن يحملهما معه عند تبخّره.
- هل سمعت الراديو هذا الصباح؟ يبدو أن الإيطاليين بصدد حزم أمتعتهم.
- سيعطي لنا قدماً جميلة، قال مغمغماً.
- في رأيي...
- ألم تذهب لشراء زوج حذاء جديد؟
رفعت ذراعيّ إلى مستوى صدري علامة الاستسلام.
- الحق معك. عليّ أن أذهب لتنشيط ساقيّ.
أخيراً، رضي أن يلتفت نحوي:
- لا تنزعج من موقفي هذا. إن هذه الحكايات تسكرني.
- أفهم.
- لا تلمني. أقضي أيامي مضجراً، وليالي ساهراً أرقاً.
وقفت.
في اللحظة التي وصلت فيها إلى طرف الجدار الصغير، قال لي:
- أظن أن لديّ زوج حذاء. مُر بالبيت هذه الظهيرة. إذا كان بمقاسك، فإنه لك.
- موافق... سلام.
ها قد تجاهلني.
صفحة 9
2
في الساحة المحوّلة إلى ملعب كرة القدم، كان قطيع من الأطفال يضرب على كرة بالية في هرْج ومرْج، الهجمات فوضوية، والاختلالات مذهلة. إنهم أشبه بسرب عصافير مشعّثة تتخاصم حول حبة ذرّة صفراء. فجأة، تمكن طفل قصير القامة من انتشال نفسه من العراك وركض وحيداً كالكبير نحو مرمى الخصم. راوغ منافساً، تجاوز الثاني، مال إلى خط التماس وأعطى الكرة لرفيق له منعزلاً في المقدمة، ولكن هذا الأخير، المندفع كالصاروخ، أخطأ الرمي بحمق، قبل أن يجرجر مؤخرته على الحصى. بلا أدنى تردد، هجم طفل ثخين، كان مقرفصاً عند أسفل الجدار، على الكرة، خطفها وفرّ هارباً بسرعة. ذهل اللاعبون في البداية قبل أن يفهموا بأن المتطفل سرق منهم الكرة، فانطلقوا، دفعة واحدة، في مطاردته، واصفين إياه بكل أنواع الطيور. قال الحداد الجالس مع خادمه عند عتبة ورشته.- لم يقبلوه لاعباً بينهم، بالضرورة، يفسد العرس.
شاهدْنا نحن الثلاثة الطفلَ الثخين يختفي خلف مجموعة منازل، والآخرين يقتفون أثره - الحداد بابتسامة لطيفة؛ وخادمه شارد الذهن. سألني الحداد:
- هل استمعت إلى آخر الأخبار؟ يبدو أن الإيطاليين يستعدون للرحيل.
- لم يحددوا الموعد بعد.
- المهم أنهم يحزمون أمتعتهم.
ثم استغرق في تحليل طويل ألحقه بعد ذلك بنظريات تقريبية حول تجديد البلد، الحرية، إلخ. وكان مساعده، وهو نحيف أسود وجاف مثل مسمار، يستمع إليه بانقياد مؤثر لملاكم مدوّخ، يردّ، بين جولتين، بإيماءة رأس لنصائح مدربه بينما يتيه بصره في ذهول غائم.
كان الحدّاد شخصاً ودوداً. حينما يستنجد بخدماته في أوقات مستحيلة، لتصليح تسرب ماء خفيف في الخزان أو تشقق تافه في الإسقالة، لا يرفض أبداً. كان صاحب قامة فارعة معظمة، بذراعين ملطخين بكدمات زرقاء ووجه أشبه بشفرة موسى. تتلألأ عيناه ببريق معدني أشبه بالشرارات التي تنبعث من طرف نافثة النار التي يستخدمها في عمله. يتظاهر المازحون بحمل قناع لحّام كي يواجهون نظره. في الحقيقة، يملك عينين متلفتين ودامعتين، ومنذ وقت قصير، بدأ بصره يتضبّب. أب لنصف دزينة من الأطفال، كان يأتي إلى ورشته للهروب من الفوضى العارمة السائدة في بيته أكثر مما يأتي للعمل. كان ابنه البكر، سليمان، الذي يقاربني في السن، مختلّاً عقلياً؛ يستطيع المكوث في زاوية بلا حراك لمدة أيام كاملة، ثمّ، ودون أدنى تردد، تُوخِزه أزمته ويبدأ في الركض، فيركض إلى غاية الإغماء. لا أحد يعرف كيف تأتيه تلك النوبة العصبية. سليمان لا يتكلم، ولا يشتكي، ولا يعتدي على أحد؛ يعيش متخندقاً في عالمه، ويجهل كلية عالمنا. بضربة مباغتة، يطلق صراخاً، دائماً نفسه، ويندفع عبر الصحراء دون أن يلتفت وراءه. في البداية، كنا نشاهده مندفعاً وسط اللهيب، متبوعاً بأبيه. مع الأيام، أدركنا أن تلك السباقات اللامتناهية قد تهلك قلبه، ومع طول الوقت، سيتعرض حتماً إلى سُداد قد يؤدي بحياته إلى الهلاك. في القرية، انتظم الجميع بحيث يسهل إيقافه بمجرد إعطاء الإنذار. وحينما نتمكن من القبض عليه، فإن سليمان لا يتخبط ولا يبدي أية مقاومة؛ يستسلم للأشخاص الذين يقيدونه ويعيدونه إلى البيت، فمه مفتوح على ضحك رنّان، عيناه جاحظتان.
- كيف حال الابن؟
- مثل الصنم، ردّ قائلاً. لم يتحرّك منذ أسابيع. نخاله قد شفي نهائياً... وأبوك؟
- دائماً عند أسفل شجرته... ينبغي أن أشتري حذاءً جديداً. هل هناك من يذهب إلى المدينة اليوم؟
حكّ الحدّاد قمة جمجمته.
- بدا لي أنني شاهدت شاحنة في الطريق، منذ ساعة تقريباً، ولكنني لست متأكداً إن كانت ستتوجه إلى المدينة. يجب الانتظار إلى ما بعد الصلاة. ثمّ إن السفر أصبح معقداً مع كل نقاط المراقبة والإزعاج الذي يسببه العساكر... هل رأيت مع الإسكافي؟
- إن حذائي غير قابل للترقيع. أنا بحاجة إلى حذاء جديد.
- إن الإسكافي لا يملك النعال، الصمغ فقط...
- سلعته تجاوزتها الموضة. أنا بحاجة إلى نوع حديث، لين وجميل.
- أتظن أن هذا ينسجم مع حالة طرقاتنا؟
- هذا ليس سبباً كي نعزف عن الجديد... سأكون سعيد الحظ لو وجدت شخصاً يحملني إلى المدينة. أريد شراء قميص جميل أيضاً.
صفحة 10
- في رأيي، إنك ستنتظر طويلاً. تاكسي خالد معطّل، والحافلة لم تعد تمر من هنا منذ أن كادت طائرة مروحية أن تدمرها في الطريق منذ حوالى شهر.
استرجع الأطفال كرتهم؛ رجعوا بخطوات منتصرة. لاحظ الحدّاد:
- لم يذهب بعيداً مفسد العرس.
- إن سمنته لا تسمح له بالذهاب بعيداً.
عاد الفريقان إلى الانتشار ثانية في الملعب، كل فريق في جهته، واستأنفت المقابلة من لحظة توقفها. مباشرة، ارتفعت الصيحات، فاضطر كلب هرم إلى الانسحاب.
وبما أنني كنت بلا شغل، اتخذت مكاناً على قطعة أجور وتابعت المباراة باهتمام.
في نهاية المقابلة، انتبهت إلى أن الحدّاد ومساعده قد اختفيا، وأن الورشة مغلقة. الآن، قلّت حرارة الشمس. نهضت واتجهت عبر الزقاق المؤدي إلى المسجد.
كان محل الحلاقة غاصاً بالناس. إنه الموعد الأسبوعي المألوف لشيوخ كفر كرم، يوم الجمعة بعد الصلاة، يأتون لمشاهدة أحدهم يسلّم رأسه لمقص الحلاق، شخص ضخم الجثة، ملفوف بمئزر الجزّارين. سابقاً، كانت النقاشات عقيمة، تدور على نفسها. ذلك لأن رجال صدام ساهرون. بسبب كلمة واحدة لا يستسيغونها، تهجّر العائلة بأكملها؛ فكانت مدافن الجثث والمقاصل تنبت في كل مكان. ولكن، منذ أن فوجئ الطاغوت في مخبئ جرذ وسجن بمخبئ آخر، انحلت الألسنة، واكتشف بطَّالو كفر كرم أنهم يملكون فصاحة مذهلة... هذا الصباح، عند الحلاق، اجتمع حكماء القرية - وإذا كان بعض الشبان يقفون بالقرب منهم، فلأن النقاش يعد بالكثير. تعرفت إلى جابِر، الملقب بـ"الدوك"، سبعيني متذمّر دوماً، درّس الفلسفة لمدة عشريتين في ثانوية بالبصرة قبل أن يسجن ويقضي ثلاث سنوات في زنازن البعثيين بسبب مسألة اشتقاق لغوي غامض. وعند خروجه من غياهب السجن، منع من التدريس على كامل التراب العراقي، زيادة إلى المراقبة الشديدة التي سلّطتها عليه المخابرات. فهم الدوك جابر أن حياته على شفا حفرة من الهاوية، فالتحق بمسقط رأسه والتزم الصمت إلى غاية تفكيك تماثيل الرئيس الطاغية في الساحات العمومية. كان يبدو في جلابيته الزرقاء النظيفة مهيباً، مما يمنح له مظهراً كهنوتياً. إلى جانبه، جلس باشر الصقر، منكمشاً على مقعد، يتحدث دون انقطاع؛ إنه قاطع طرق سابق طاف المنطقة على رأس عصابة مخيفة قبل أن يلجأ إلى كفر كرم، بغنيمته كوسيلة للتملّق. لم يكن من أفراد القبيلة، ولكن القدماء فضلوا منحه الضيافة عوض تعرضهم لغاراته. في الجهة المقابلة، وسط عصبتهم الصامتة، يجلس الأخوان عصام وشيخان سقيمان ولكنهما خطيران، يحاولان تحطيم حجج هؤلاء وأولئك؛ إنهما يمارسان مبدأ المناقضة بشراسة، ومستعدان للتخلي عن أفكارهما التي دافعا عنها بالأمس إذا اعتنقها حليف غير مرغوب فيه. ثمّ، وقوراً في زاويته، منعزلاً كي يظهر أكثر، يجلس العميد على كرسيه المصنوع من السَوْخر، والذي يحمله له مناصروه أينما حلّ، السبحة المهيبة في اليد، وفي الأخرى غليون نرجيلته. إنه لا يتدخل أبداً في النقاش ويترك لنفسه الكلمة الأخيرة؛ لا يتحمل أن تسرق منه كلمة الختام. قال عصام 2، مُشهداً محيطه القريب على صواب رأيه:
- على كل، لقد خلّصونا من صدام.
قال الصقر مغمغماً:
- لم نطلب منهم شيئاً.
قال عصام 1:
- ومن يستطع فعله؟
قال أخوه:
- هذا صحيح. من كان بإمكانه أن يبصق على الأرض دون أن يعرِّض نفسه لرعود السماء، دون أن يوقَّف في الحين بحجة إهانة الرئيس ويشنق في أعلى رافعة؟
قال الصقر بازدراء:
- إذا نجح صدام في إذلالنا، فبسبب خياناتنا الكبيرة والصغيرة. إن الشعوب ليس لها إلّا الملوك التي تستحقها.
قال شيخ مرتجف على يمينه:
- لست موافقاً معك.
استرجع الأطفال كرتهم؛ رجعوا بخطوات منتصرة. لاحظ الحدّاد:
- لم يذهب بعيداً مفسد العرس.
- إن سمنته لا تسمح له بالذهاب بعيداً.
عاد الفريقان إلى الانتشار ثانية في الملعب، كل فريق في جهته، واستأنفت المقابلة من لحظة توقفها. مباشرة، ارتفعت الصيحات، فاضطر كلب هرم إلى الانسحاب.
وبما أنني كنت بلا شغل، اتخذت مكاناً على قطعة أجور وتابعت المباراة باهتمام.
في نهاية المقابلة، انتبهت إلى أن الحدّاد ومساعده قد اختفيا، وأن الورشة مغلقة. الآن، قلّت حرارة الشمس. نهضت واتجهت عبر الزقاق المؤدي إلى المسجد.
كان محل الحلاقة غاصاً بالناس. إنه الموعد الأسبوعي المألوف لشيوخ كفر كرم، يوم الجمعة بعد الصلاة، يأتون لمشاهدة أحدهم يسلّم رأسه لمقص الحلاق، شخص ضخم الجثة، ملفوف بمئزر الجزّارين. سابقاً، كانت النقاشات عقيمة، تدور على نفسها. ذلك لأن رجال صدام ساهرون. بسبب كلمة واحدة لا يستسيغونها، تهجّر العائلة بأكملها؛ فكانت مدافن الجثث والمقاصل تنبت في كل مكان. ولكن، منذ أن فوجئ الطاغوت في مخبئ جرذ وسجن بمخبئ آخر، انحلت الألسنة، واكتشف بطَّالو كفر كرم أنهم يملكون فصاحة مذهلة... هذا الصباح، عند الحلاق، اجتمع حكماء القرية - وإذا كان بعض الشبان يقفون بالقرب منهم، فلأن النقاش يعد بالكثير. تعرفت إلى جابِر، الملقب بـ"الدوك"، سبعيني متذمّر دوماً، درّس الفلسفة لمدة عشريتين في ثانوية بالبصرة قبل أن يسجن ويقضي ثلاث سنوات في زنازن البعثيين بسبب مسألة اشتقاق لغوي غامض. وعند خروجه من غياهب السجن، منع من التدريس على كامل التراب العراقي، زيادة إلى المراقبة الشديدة التي سلّطتها عليه المخابرات. فهم الدوك جابر أن حياته على شفا حفرة من الهاوية، فالتحق بمسقط رأسه والتزم الصمت إلى غاية تفكيك تماثيل الرئيس الطاغية في الساحات العمومية. كان يبدو في جلابيته الزرقاء النظيفة مهيباً، مما يمنح له مظهراً كهنوتياً. إلى جانبه، جلس باشر الصقر، منكمشاً على مقعد، يتحدث دون انقطاع؛ إنه قاطع طرق سابق طاف المنطقة على رأس عصابة مخيفة قبل أن يلجأ إلى كفر كرم، بغنيمته كوسيلة للتملّق. لم يكن من أفراد القبيلة، ولكن القدماء فضلوا منحه الضيافة عوض تعرضهم لغاراته. في الجهة المقابلة، وسط عصبتهم الصامتة، يجلس الأخوان عصام وشيخان سقيمان ولكنهما خطيران، يحاولان تحطيم حجج هؤلاء وأولئك؛ إنهما يمارسان مبدأ المناقضة بشراسة، ومستعدان للتخلي عن أفكارهما التي دافعا عنها بالأمس إذا اعتنقها حليف غير مرغوب فيه. ثمّ، وقوراً في زاويته، منعزلاً كي يظهر أكثر، يجلس العميد على كرسيه المصنوع من السَوْخر، والذي يحمله له مناصروه أينما حلّ، السبحة المهيبة في اليد، وفي الأخرى غليون نرجيلته. إنه لا يتدخل أبداً في النقاش ويترك لنفسه الكلمة الأخيرة؛ لا يتحمل أن تسرق منه كلمة الختام. قال عصام 2، مُشهداً محيطه القريب على صواب رأيه:
- على كل، لقد خلّصونا من صدام.
قال الصقر مغمغماً:
- لم نطلب منهم شيئاً.
قال عصام 1:
- ومن يستطع فعله؟
قال أخوه:
- هذا صحيح. من كان بإمكانه أن يبصق على الأرض دون أن يعرِّض نفسه لرعود السماء، دون أن يوقَّف في الحين بحجة إهانة الرئيس ويشنق في أعلى رافعة؟
قال الصقر بازدراء:
- إذا نجح صدام في إذلالنا، فبسبب خياناتنا الكبيرة والصغيرة. إن الشعوب ليس لها إلّا الملوك التي تستحقها.
قال شيخ مرتجف على يمينه:
- لست موافقاً معك.