eKtab
EN ع
إشكالية الفكر الزيدي في اليمن المعاصر
اقرأ عينة مجانية

إشكالية الفكر الزيدي في اليمن المعاصر

بقلم د. عبد العزيز قائد المسعودي

صفحة 1
نـهج المـقدمـة

لا أخفي على القارئ حيرتي بل ودهشتي من إتساع رقعة مباحث دراستي ، التي شرعت في جمع مادتها العلمية خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي لإنجاز مشروع أطروحة الدكتوراة حول القوى السياسية والإجتماعية لحركة المعارضة اليمنية . وكان الإكتشاف مصادفة لتلك الصلة العضوية بين موضوع الدراسة التاريخية المتعمقة في أحداث ووقائع الثورة الدستورية في صنعاء اليمن (عام 1367هـ/ 1948م) ، وفكر الزيدية الذي يضع مبدأ الخروج في مقدمة أهدافه السياسية وبرامجه الإصلاحية . فضلاً عن أصول الدين الخمسة : العدل ، التوحيد ، الوعد والوعيد ، المنزلة بين المنزلتين ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، التي تربط الفكر بالواقع ، بل وتربط الدين بالدولة المستخلفة في الأرض. تحت هذا العنوان: إشكالية الفكر الزيدي في اليمن المعاصر ، تنضوي معظم المقالات التاريخية والأدبية التي أطلقنا عليها مجازاً مسمى قراءة في القراءات السبع لتراث معتزلة العراق .

نأمل أن يساعدنا هذا العنوان الرئيس بفروعه الجانبية المتشعبة على استنباط بعض الظواهر السياسية والثقافية وثيقة الصلة بفكر الزيدية والمعتزلة . عسى ولعلى أن يمنحنا هذا النهج فرصة البحث مجدداً في بواعث النهضة الزيدية الأولى في عهد الإمام زيد بن علي رضي الله عنه، وملابسات دعوته وخروجه من المدينة إلى الكوفة في العراق الأوسط ، ثم سقوطه شهيداً في محراب الإمامة . وهو العصر الذي يعتبر الجذر التاريخي الذي تفرعت منه مختلف التجارب الزيدية الثلاث ، وبوجه خاص تجربة الإمام يحيى بن الحسين الرسي ، الذي انجز على يديه مشروع الدعوة والدولة خلال الربع الأخير من القرن الثالث الهجري. الأمر الذي يستوجب منا إستيعاب مجريات النهضات الثلاث التي مرت بها المؤسسة الإمامية وخصائص كل مرحلة ، بالقياس لعلاقتها المتوترة مع عددٍ من الفقهاء المجتهدين . وهي ظاهرة ثقافية جديرة بالرصد تعود بنا إلى عهد المؤرخ الحسن بن أحمد الهمداني ، كمؤسس وممثل لتيار القحطانية المناهض للمد والنفوذ العدناني في جنوب شبه الجزيرة العربية.

من هذه الزاوية، يمكن أن نتطرق إلى إشكالية الفكر الزيدي في اليمن المعاصر، لكونه يشكل المدخل النظري لفهم أزمة نظام الحكم في البلاد . وهي من وجهة نظرنا أزمة سياسية وثقافية بالدرجة الأولى لها مسببات وعلل . وعلة العلل تكمن في تلك النظرية القائلة "أن نظام الإمامة انتهى بنهاية قواه الإجتماعية." (1) مثل هذا الطرح ، يشكل مادة إعلامية ممتازة يروج أصحابها لمشروع دولة القبيلة ، الذي تحاول رموزه السياسية والثقافية اليوم تدجين المجتمع اليمني، وتحويله "إلى مجرد مشاهدين (Audience)، أو مجرد ماضغين للقات" (2)، فاقدي الوعي والإرادة تجاه العبثية السياسية والإقتصادية ، وتجاه سرقة المال العام والإنتقاص من السيادة الوطنية .

بهذا المعنى ، ليست فلسفة التاريخ سوى تعبير آخر عن جدلية الإتصال بتاريخ الفكر ، وبالتالي الإنفصال عن أدب الفكر . ولكون الدراسة تفترض أن ثمة إستمرارية تاريخية للدعوة الزيدية ، فقد تطلب هذا إبراز مختلف الأدوار السياسية والفكرية لفقهاء السلطة وفقهاء المعارضة على حدٍ سواء . وبهذا الإتساع في الإهتمام ، اعترضت مسار دراستنا بعض المشاكل الماثلة للعيان بين سطور القراءات السبع لتراث معتزلة اليمن ، التي أضحت موضوعاتها مادة إعلامية خصبة لتصفية حسابات قديمة بين تياري القحطانية(3) والعدنانية(4). فكل قراءة في هذا الفكر الإسلامي المشاكس ، تنطوي بطبيعة الحال على مضمر ذاتي ومضمر موضوعي ، بما تجسده من كنايات أدبية وتورية فقهيه . فالمضمر الثقافي والسياسي لدى بعض الكتاب ، يتمثل في إختزال كلمة "قراءة" ، مثلاً في مقابل صيغة الجمع "قراءات" ، بهدف إثبات صحة أحكام قراءته وبطلان غيرها كونها نصوص منسوخة. وفي أشد الأحوال تطرفاً، يحاول بعضهم إلزام غيره التقيد حرفياً بترسيمة قراءة سلطة المعرفة وإملاءاتها السياسية المناهضة لمذهب أهل العدل التوحيد.

تبقى إشكالية تحديد عنوان الدراسة بحاجة إلى توضيح ما ، مثلاً ماهية الأسباب الموضوعية الكامنة وراء إختيارنا نماذج ثلاثة مجسدة لمذهب أهل العدل والتوحيد ، موضع تساؤل وإعتراض لدى بعض القراء المتخصصين دون إلزام أنفسنا ترسيمة قراءة محددة بعينها. ونظراً لشحة المصادر الأولية (المخطوطات) ، اعتمدنا بدرجة رئيسة على المصادر الثانوية، لكننا لم نعتمد كلية على آراءها الجاهزة . لذلك كان لزاماً علينا تمحيص مباحثها ومناقشتها ، ثم نترك للقارئ فرصة التأمل لكي لا يفقد المتعة الفكرية المتوخاة . فالنظرية الزيدية الهادوية من أساسها لا تعدو كونها نصوص إجتهادية صاغها عالم مجتهد ، كان يعتقد بصحة شرطية البطنين وبطلان نظرية الأئمة من قريش ، "وهي حجة واهية لا تستطيع تسويغ هذا الحصر للإمامة." (5)
صفحة 2
لكن المشكلة الأكثر تعقيداً بالنسبة لأصحاب القراءات السبع في فكر الزيدية والمعتزلة، لا تكمن في محتويات أبوابها وفصولها ، وإنما في طريقة قراءتها لنصوص مختارة من هذا التراث بهدف إستبطان مفرداته الفقهية والكلامية وفق مزاج سياسي وثقافي يقتصر على سرد بعض الوقائع والأحداث المنتقاة لخدمة موضوع البحث والدراسة . وكان من نتائج هذه الإنتقائية المدرجة في جدول أعمالهم ، تناول هذا الفكر في زمان ومكان محدد بعينه ، على سبيل المثال لا الحصر التركيز على تجربة المملكة المتوكلية اليمانية ، بإعتبارها أضعف حلقة في السلسلة. فالإطلاع مثلاً على الجوانب السلبية التي مرت بها المؤسسة الإمامية يغيب الرؤية الموضوعية للنهضة الزيدية في اليمن على مدى عشرة قرون من الزمان أو أكثر من ذلك بقليل. وكل محاولة ترمي إلى إصلاح الخلل الكامن في فكر الزيدية، تعد محاولة بائسة تعيق حركة المجتمع نحو اللحاق بمسيرة التاريخ المندفعه بعنف وسرعة متناهية في اتجاه قطار العولمة. وهكذا يتحول تراث معتزلة اليمن إلى مجرد فلكور شعبي ، يحتل الصدارة في قائمة المزايدة والمناقصة عليه ، كما هو الحال في مهرجان صنعاء عاصمة للثقافة العربية .

شكلت تجربة الجمهورية العربية اليمنية ، حافزاً لظهور عدداً من الدراسات الأدبية والأبحاث التاريخية المناهضة للمذهب الزيدي ومؤسسته الإمامية . فكل قراءة في تاريخ الأدب اليمني ، أو في تاريخ اليمن الثقافي لا تخل من مقاصد سياسية . ولكي نفهم مغزى القراءات السبع لتراث معتزلة اليمن ، يستوجب الأمر منا الإحاطة بمباحث كل قراءة على حدة، كون مباحثها الأدبية والفلسفية أُعدت بعناية فائقة من قبل نخبة ثقافية تمتع بدرجة عالية من الوعي السياسي . وكان الإرهاص الأول لمثل هذه الدراسات والأبحاث كتاب الشيخ الراحل محمد أبو زهرة (الإمام زيد حياته وعصره - آراؤه وفقهه) ، الصادر عن دار الندوة الجديدة ببيروت عام 1959 ، الذي يتقصى فيه الكاتب سيرة الإمام الشهيد من خلال كتب السير والتراجم المعروفة باسم طبقات الزيدية الكبرى . فكان هذا العمل الرائد مثمراً ومتوازناً في مناقشته لعقيدة من يخالفه الرأي ، قلما نجده في سائر الدراسات والأبحاث المعنية بفكر الزيدية .

ومن بين المساهمات الجادة في هذا المضمار ، كتاب الدكتور أحمد محمود صبحي المتبحر (في علم الكلام الزيدية) ، الذي يفترض جدلاً أنه بالرغم من سقوط النظام الإمامي الملكي وقيام النظام الجمهوري ، لا يزال المذهب الزيدي هو المذهب الرسمي للدولة، باعتباره ترسيمة أُخرى للمذهب الهادوي الظاهر في نجد اليمن . كذلك يبقى في هذا السفر التاريخي وغيره (معتزلة اليمن دولة الهادي وفكره) للدكتور علي محمد زيد ، الذي يتابع بدوره مجمل الصراع بين النخبة العلوية الحاكمة والزعامات الدينية والقبلية المناوئة للمؤسسة الإمامية، في إتجاهين كبيرين: الأول الإتجاه المذهبي لدولة الهادي ، الذي جعل التشيع مذهباً رسمياً للدولة . أما الإتجاه الثاني فهو إتجاه عقائدي أعتمد ترسيمة شرطية البطنين ، التي لم تعد ذات قيمة بالنسبة للمؤسسة القبلية الحاكمة في الوقت الراهن .

إن كل انتقال عنيف من عهد إلى عهد لا يشكل بالضرورة انقطاع كلي عن تراث الماضي، سيما وأن النخبة السياسية الحاكمة في اليمن المعاصر تمتلك نفس النظرة القديمة تجاه قطاعات واسعة من السكان . وأنه لما يروع القارئ أن الصيغ الهجائية التي تخللت صفحات (قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة) لدليل قاطع على أن كاتب المقال لم يكن يعنيه شيئاً من منجزات الدولة القاسمية سوى إدانة حكم آل حميد الدين ، والإشادة بحكام العهد الجديد ، الذين يعود لهم الفضل في إنجاز الوحدة اليمنية وفق الترسيمة القديمة: الحاكمية يمانية والإدارة إمامية! (6) ناهيك عن ظاهرة التنطع الثقافي والتنمر على الباحثين المتخصصين ، من قبل حاجب ثقافة السلطة الذي يتقيأ بين الفينة والأُخرى فتاوى يبيح بموجبها مصادرة أعمال غيره وسحبها من رفوف المكتبات العامة ، بحجة أنها كتب صفراء مغرقة في رجعيتها. فنشوة التفوق الزائف على الأقران ظاهرة طاؤوسية مرضية في حاجة إلى المزيد من البحث والدراسة، بالقدر نفسه الذي يحتاج إليه تراث معتزلة اليمن من عناية فائقة لإزالة العوائق أمام الإفادة منه للأجيال الصاعدة من فرسان ميدان البحث العلمي.

وإذا كان مذهب العترة الذي يعتمد مخرجات الفقه الزيدي ومدخلات المذهب الهادوي قد استبدل الآن بمدخلات الفقه الحنبلي ومخرجات مذهب أهل السنة والجماعة ، فإن هذا التحول لا يعدو كونه مجرد تمويه سياسي مرسوم وتشويه متعمد لتراث معتزلة اليمن. ومن سخريات أقدار البحث العلمي أن ينقسم الدارسين المهتمين بفكر الزيدية وتراث المعتزلة إلى شيع وأحزاب متصارعة: أحدهما تيار العدنانية ، الذي تتمسك رموزه بشعار شرطية البطنين، في حين يتمسك الطرف الآخر - تيار القحطانية بقرشية الخلافة . وبين هذا القول - نفي مقولة (تولى نبيُّ بني هاشم) ، وذاك القول - نفي النفي لمقولة (وهذا نبيُّ بني يعرب) ، تتحول الأسطورة _الصنم - إلى حقيقة وواقع تاريخي ، يألفه الناس ومن ثم يقدسونه . ناهيك عن استحضار الدوامغ الشعرية وقصائد المدح والهجاء ، التي تتعارض أبياتها المنظومة وبحورها المتلاطمة مع تعاليم الكتاب والسنة .

ثمة شعور بأن إشكالية نظام الحكم في اليمن سوف تبقى قائمة دون حل ، هذا الشعور ظل يلازمني أثناء أعدادي هذه الدراسة ، ولم أفلت منه حتى هذه اللحظة وأنا أهم بتسليم مسودة الكتاب للمطبعة . أعترف سلفاً أن هذه المحاولة ليست رائدة في هذا المضمار ، ولكنني لم آلُ جهداً لتقديم حلول جاهزة تتلخص في إمكانية بناء مجتمع جديد متحرر من قيود الرعوية الدينية، أعني بذلك تكريس مفهوم المواطنة الحرة ، جنباً إلى جنب مع مفهوم دولة المؤسسات والقانون. ولنا عبرة وموعظة في تكرار عملية خروج عدد من الأئمة والدعاة والمحتسبين في العهد الجمهوري ، كان أولها عملية خروج السيد علي بن علي المروني من هجرة المرون - عزلة بني خالد ، ضوران آنس سنة 1963م . وآخرها خروج السيد حسين بدر الدين الحوثي، من مديرية حيدان بمحافظة صعدة في خريف عام 2004م/1425هـ ، داعياً لنفسه إماماً هادياً مهدياً.(7)
صفحة 3
فهل كان السيد الحوثي يرمي من وراء تلك الدعوة وذلك الخروج ، تقمص دور الإمام المؤسس الهادي ، حين عقد العزم هو وأصحابه على إسقاط النظام العسكري القائم في صنعاء؟

لا شك أن السيد الحوثي ، كان أحرص الناس على إحياء مذهب أهل العدل والتوحيد وبعثه من تحت الرماد، وهذا الحرص يترافق بطبيعة الحال مع بوادر اضمحلال النظرية الإمامية في السلطة والحكم وفق الشروط الأربعة عشر الصارمة التي وضعها يحيى بن الحسين عشية الإعلان عن مولد الدولة الزيدية الأولى . علماً بأن تلك القاعدة الفقهية الدينية لم تعد موضع التطبيق، منذ أن حل محلها قاعدة الحسبة التي روج لها تيار القحطانية يوم الخامس من نوفمبر عام 1967م ، بزعامة القاضي عبد الرحمن الإرياني الذي نصبه الجيش اليمني رئيساً للمجلس الجمهوري .(8) سوف نناقش عمومية هذه الظاهرة وغيرها في فصول الدراسة ، تمهيداً لرصد معالم هذا التحول السياسي الخطير ليس في وسط عهد الدولة القاسمية فحسب ، بل وفي مرحلة الجمهورية اليمنية، منذ أن أغتصب "عسكر القبيلة" السلطة السياسية من أيدي "الفقهاء العرب" حراس الشريعة المطهرة في العهد الجديد !

إن وعينا بالمشكلة التاريخية المثارة - أزمة الفكر الزيدي في اليمن المعاصر - أستوعبناه من خلال الدراسة والبحث المتعمق في مشروع حزب الله في اليمن ، ومشروعية دولة اليمن الإسلامية ، بذلك يكون قد أختمر بعد قيام دولة الوحدة . فالمشكلة ذاتها - الطائفية في اليمن ، جذورها وكيف تستأصل؟ - في حدود علمنا ما تزال قائمة دون حل ! حتى إنجاز سطور هذا الكتاب نكون أو لا نكون قد استوعبنا درس الثورة والجمهورية والوحدة ، فكل ما قمنا بجمعه ودراسته من أضابير حكومة المملكة المتوكلية اليمانية لا يعدو كونه قطرة من غيث بالمقارنة لتلك الوثائق القيمة التي حصلنا عليها من مكتب التوثيق البريطاني . فضلاً عن المادة التاريخية التي قمنا بجمعها من الإرشيف الوطني الأمريكي بواشنطن ، ووثائق القيادة العربية بصنعاء التي تكشف النقاب على مجريات الصراع المصري - السعودي في جنوب شبه الجزيرة العربية .

كل ذلك يؤهلنا للخوض في فكر الزيدية بما تمليه علينا قناعاتنا السياسية المحصنة الآن بسياج متين من المعرفة المتراكمة ، علها تحصننا من تلك النزعات العرقية المبثوثة بين سطور القراءات السبع لتراث معتزلة اليمن . وهي في متنها ، تضمر تشويه الحقائق التاريخية ، بل وتزييف وعي الجماهير بأهداف الثورة اليمنية وثوابت النظام الجمهوري لصالح مشروع دولة القبيلة قيد البناء والتكوين ، أو بتعبير آخر تكريس مفهوم الرعوية الدينية ، بمعزل عن مبدأ المواطنة الحرة ودولة المؤسسات والقانون . وحيلة بحثنا ودراستنا قطعاً الإلتفاف على دور قبلية الدولة لكوننا نتطلع مع الشرفاء من أحرار اليمن إلى بناء صرح اليمن الجديد المتحرر من قيود الرعوية الدينية وربيبتها الطائفية السياسية بمختلف مسمياتها ودلالتها الثقافية .

أكتفي بهذا القدر من الإحالات والملاحظات الأولية على سائر القراءات السبع وحواشيها الثقافية ، لإتاحة الفرصة أمام القارئ الإطلاع على محتويات أبوابها وفصولها ، لكي لا تختلط المقاصد وتضطرب الغايات في ضوء المسلمات والأحكام الجاهزة . فكل قراءة كما أسلفنا، تنضح بتلك الآهات والأنات المتباكية على الكتاب والسنة، في حين تعمد بعضها إلى حركات الإخفاء ، والإقلاب ، والإظهار ، والإدغام وغيرها من أحكام ولوائح مقننة . وكنا نؤثر عدم الإطالة والإسترسال ، لأن المقدمة كما يقال تغتال الدهشة وصاحبها ! وبالتالي تحرم القارئ متعة تذوق قراءة النص وحاشيته ، دون الحاجة إلى إعتماد منهج "آخر العلاج بالكي" ، أو منهج "ديمقراطية الباب المخلوع" !

كما أسجل هنا خالص شكري وتقديري للحاج محمد مدبولي شيخ الناشرين العرب ، الذي يستحق هذا اللقب وغيره عن جدارة ، بإعتباره واحداً من أهرامات المعرفة الحديثة في العالم العربي الكبير الذي لا يخلو من الرجال المخلصين . فلولا تلك الرعاية الأخوية الحانية من ذلك الأخ العربي الطيب ما كان لهذه الدراسة أن ترى النور. غير أن الفضل كل الفضل يعود بالدرجة الأولى لله تعالى ، الذي هداني بهدية وأمدني بفارغ الصبر والحلم والتقوى في لحظات الشدة والإنكسار ، أتضرع له وحده لا سواه وأدعوه دوماً وأبداً أن يقيل عثرتي من الزلل ، وأن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يهديني سبيل الحق والرشاد ، ويجنبني سبيل الغي والفساد ، وأن يحسن خاتمتي ومثواي .

وخاتم قولنا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام، والعاقبة للمتقين .

عبد العزيز بن قائد سيف المسعودي

مدينة الأصبحي - حدين سابقاً

صنعاء - 2006م / 1427هـ
صفحة 4
مدخل نظري: إشكالية الخلافة الإسلامية

الرحم والمنشأ

استعصت قضية الخلافة على المهاجرين والأنصار إثر وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم عن عمر ناهز الثلاثة والستين عاماً قضى معظمه في الدعوة بمكة سراً وعلناً، حتى تاريخ رحيله إلى الرفيق الاعلى بالمدينة المنورة بعد أن تمكن من إرساء معالم الدولة الإسلامية . وكان موضع الخلاف في منشأه، يجسد مطمح شرعي حول من يتولى زمام الأُمة في غياب الحبيب المصطفى ، بمعزل عن بيان "منا أمير ومنكم أمير"، وبمعزل عن تلك النعرات الجاهلية.(9)

يومها احتدم الخلاف بين الصحابة حول صيغة "الأئمة من قريش" ، عندما أحتج نخبة منهم في سقيفة بني ساعدة على قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جعل الخلافة في تيم وعدي دون سائر القبائل العربية العدنانية الشمالية والقحطانية الجنوبية . فبنو هاشم كانوا أولى الصحابة بها نظراً لغزارة علم أئمة أهل البيت بكتاب الله وسنة رسوله من جهة ، ونظراً لقرابتهم من بيت النبي من جهة أُخرى . وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان من الصحابة والتابعين .

غير أن الفاروق عمر رضي الله عنه ، كان قد عقد العزم على استئثار قريش بالخلافة في لقاء السقيفة . حينه كان ابن ابي طالب قد تنحى جانباً هو وعمه العباس بن عبد المطلب ومن معهم من بني هاشم ورهط من الصحابة ( المهاجرين والأنصار ) ، الذين أبو مبايعة أبو بكر الصديق . وقد سجل علياً احتجاجه : " أنا أحق بهدا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً ؟ وأردف قائلاً : " ألستم زعمتم للانصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم ، فاعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الإمارة ، وأنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار ، نحن أولى برسول الله حياً وميتاً فانصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون ." (10)

وجاء رد الفاروق متهدداً ومتوعداً : " إنك لست متروكاً حتى تبايع ، فقال له علي : احلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً .. والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه .

فقاله له الصديق : فإن لم تبايع فلا أكرهك .

فقال ابو عبيدة بن الجراح مخاطباً علياً : يابن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور .. فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك، وعلمك وفهمك ، وسابقتك ونسبك وصهرك ." (11)

إن قرار عمر بحصر الخلافة في تيم وعدي أثار حفيظة الإمام علي ، الذي أبدى موقفاً متصلباً ، بقوله : " الله يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته .. لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ، ونحن أحق بهدا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعية ، المدافع عنهم الأمور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية ، والله إنه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله ، فتزدادوا عن الحق بعداً . " (12)

ومن يتأمل نص خبر السقيفة في أًمهات المصادر يتضح له أن نظرية الخلافة الإسلامية لم تقم أساساً على مبدأ الشورى ، وإنما قامت على أساس العصبية والغلبة . فالمؤسسة الخلافية ، منذ نشأتها الأولى برزت إلى حيز الوجود كرياسة دينوية أستاثرت بها بطون محدودة من قريش . إذ تذكر الروايات التاريخية أن أبي سفيان قال ذات مرة مخاطباً عشيرته الأقربين : " يا معشر بني أميه أن الخلافة صارت في تيم وعدي حتى طمعت فيها ، وقد صارت إليكم فتلقفوها بينكم تلقف الصبي الكرة : فو الله مامن جنة ولا نار . " (13) ويذهب عمر إلى القول نفسه بأن بيعة ابي بكر "كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه . " (14)

ومن هنا نستطيع أن نفرز إتجاهين لدى الفقهاء والمؤرحين : الأول يرى أن الحديث الشريف ( الأئمة من قريش ) ينسجم مع الآية الحكيمة (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيــرا ً( . (15) فاذا اجتمعت طهارة المولد ورفعة الشرف مع صفة العلم والهداية، كان عقلاً ترجيح الأفضل على المفضول . فالرواية نفسها ترد في صحيح البخاري عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول : يكونوا اثنا عشر أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي : كلهم من قريش . ونجد في نهج البلاغة شرحاً مبيناً لمعنى الأئمة من قريش . يقول الإمام علي : " أن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ولا يصلح الولاة من غيرهم . " (16)
صفحة 5
أما الفريق الثاني ، فكان يرى أن الخلافة نتيجة للصراعات والمشادات العنيفة في سقيفة بني ساعدة قد آلت إلى بني أمية ، بحد السيف . وهكذا اتخذت الخلافة مجرى معاكساً لمفهوم الشورى في الإسلام . فمن الصحابة من أمتنع عن تقديم البيعة لابي بكر ( سعد بن عبادة ) فقتل في عهد عمر ، ومنهم من تصدى لها بالحجة الدامغة . فلما انتهت إلى علي أنباء السقيفة ، قال: ما قالت الانصار ؟

قالوا : قالت منا أمير ومنكم أمير .

قال : فهل احتججتم عليهم بوصية الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؟

قالوا : وما في هذا من الحجة عليهم ؟

فقال : بلى لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم . فماذا قالت قريش .

قالوا : قالت نحن شجرة الرسول عليه الصلاة والسلام .

قال : احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة . (17)

ومثلما نشب الخلاف بين المهاجرين والأنصار ، ألتبس الأمر أيضاً على الفقهاء والمؤرخين ، الذين ذهبوا مذاهب شتى في تحديد ماهية الخلافة واستحقاقها ، مما حفز بعضهم إلى إفراد أبواباً وفصولاً مستقلة في مصنفاتهم . فالشهرستاني في دائرة معارفه المختصرة للأديان والمذاهب والفرق ، يردد مثل هذه المقولة الفقهية: "ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة " . (18) ونفس الكلام ، يتكرر طرحه في أدبيات الشيعة الإمامية: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " . (19) وبالمثل غدت رؤية فقهاء الجمهور للخلافة الراشدة مثالية مقدسة باعتبارها امتداداً لعصر النبوة . لكن التشيع لمذهب آل البيت لم يعد ظاهرة سياسية فحسب ، بل عقيدة ومبدأ ، تحديداً منذ إغتصاب يزيد بن معاوية الخلافة على إثر مقتل الإمام الحسين بن علي في كربلاء . (20)

لقد تطورت قضيت الخلافة الراشدة ، أو الإمامة العظمى من مجرد خلاف عارض نشب بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة ، إلى نـزاع طال أمده بين شيعة الإمام علي ومعارضيه من الصحابة . فمنهم من شكك في شرعية خلافة الشيخين وعثمان رضوان الله عليهم، ومنهم من تمسك بإمامة أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ، نظراً لعلمه وورعه وقرابته من بيت النبوة . (21) وعليه ، يذهب شيعة علي إلى القول إن أبا بكر وعمر تباطأ في تنفيذ تعاليم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيام معدودة في تسيير بعثة أسامة بن زيد ، حتى لا يخلو الجو لابن أبي طالب في دار الهجرة.(22) في الوقت نفسه كان الإمام علي قد تردد كثيراً في تقديم البيعة للشيخين لاعتقاده أنه كان أولى بالأمر منهم . (23)

أما الرواية الأُخرى القائلة بأن الخليفة الراشد عمر كان قد منع القلم والدواء عن الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام لحظة إحتضاره ، فلا غبار عليها . يذكر حبر الأُمة عبد الله بن عباس أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، قال : " إئتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً . فقال الخطاب : " أن الرسول يهجر ، وقال : حسبنا كتاب الله " . (24) وقد فهم الانصار قول عمر " وقد دفت دافة منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا . ومعنى ذلك أن كلاً من المهاجرين والأنصار كان يدرك أن الطرف الآخر يريد أن يختزله ويصفيه .. وكانت وفاة النبي مناسبة أسفر فيها كل عن رأيه ، وكان ذلك على وجه التحديد بسبب الإمارة ، أي الرياسة الدينوية " . (25)

كان من المفترض أن يتفق المهاجرين والانصار على وجوب تنصيب إماماً على رأس الدولة الوليدة في المدينة المنورة. فما هي الأسباب المؤدية إلى نشوب ذلك الخلاف العميق فيما بينهم ، واستمراريته بتلك الحدة العصبية المنافية لتعاليم الشورى في الإسلام؟ فالصراع بطبيعة الحال، كان له ضحايا وقرابين، نخص بالذكر منهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين (عمر وعثمان وعلي) رضوان الله عليهم؛ فضلاً عن أولئك الصحابة من حفظة القرآن الكريم، الذين سقطوا صرعى في محراب الإمامة في موقعة الجمل وصفين والنهروان وغيرها. وما موقف محققوا العلماء من مثل هذه الظاهرة التاريخية الماثلة للعيان، أعني بذلك مؤسسة الخلافة التي استبدلت اليوم بالإمامة العظمى، طبقاً لصيغة ولاية الفقيه الذي ينوب عن الإمام المهدي في زمن الغيبة الكبرى، كما يتبين ذلك في تجربة جمهورية إيران الإسلامية؟ (26)

إن مسمى الخلافة كمصطلح ديني ورد ذكرها في القرآن والحديث النبوي (السنة) ، أكثر من مرة ، قبل أن يطرأ على المصطلح ذاته ( إماماً ) ، و ( أمير مؤمنيين ) و(سلطان) في النصوص الفقهية والمصادر الإسلامية الأُخرى بمعناه القرآني الأصلي ، تغييراً عميقاً في العصرين - الوسيط والحديث . (27) فالغايات والمقاصد من وراء تعميم هذا الاصطلاح لمفهوم (الخلافة الراشدة) ، جاء منسجماً تماماً مع النص القرآني {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}(28) فالخلفاء الراشدون كما تجمع المصادر هم جماعة تلي الأمر بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ، بحسب التسلسل التاريخي : ابو بكر وعمر وعثمان وعلي . فتاريخياً لم يكن اسم الخليفة متداولاً في عصر الرسول عليه الصلاة والسلام بمعناه الاصطلاحي إلا في شخص الإمام علي . وكان ابو بكر قد سمى نفسه "خليفة رسول الله وكتب بذلك إلى الأطراف " (29) وبالمثل اطلق عمر على نفسه " خليفة خليفة رسول الله ، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها " . (30)
صفحة 6
والمرجح أن تسمية ( إمير المؤمنين ) ، قد عرف بها خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما عدا الإمام علي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين، الذين احتفظوا بلقب (إمام) تعظيماً لشأنهما كونهما ينحدرا من بيت النبوة . وقد ثبت أن علياً كان هو الخليف الوحيد الذي يردد القول : "سلوني عن كتاب الله فانه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل نزلت أم جبل" (31) ، دليل قاطع على إحاطته بعلوم القرآن . وهكذا خصوا علياً باسم الإمام نعتاً له بالإمامة التي هي أُخت الخلافة ، (32) في محاولتهم الدفاع عن أحقيته بها ، وعن آهلية أئمة أهل البيت في قيادة الأُمة .

ولتبيان المعاني الأصلية وما تفرع عنها من مصطلحات إصطلاحية ومفاهيم سياسية، نعيد الكرة ثانية لمراجعة هذه الإشكالية الفقهية المسيسة، من منظور تاريخي ، نرمي من وراءه إلى توضيح ما ألتبس حول المصطلح ومسمياته المختلفة ، بل وتطبيقاته في مختلف الأزمنة والأمكنة . فهذا التحول من النبوة إلى الإمامة والإستخلاف، الذي طبقه الرسول الكريم في حياته أثناء إقامته بالمدينة المنورة (يثرب) ، حين كان بين الفينة والأُخرى يستخلف فيها أحد الصحابة كلما غادرها في غزوة أو سرية . وممن استخلفهم كان الصحابي عمرو ابن مكتوم وابا ذر الغفاري والإمام علي بن أبي طالب . وهذا الاستخلاف أشبه ما يكون بالإنابة المحددة _زماناً ومكاناً - أثناء غيابه عن مجتمع المدينة ، فيتولى الشخص المستخلف رعاية شئوون أُسرة النبي وإقامة الصلاة وغيرها . (33)

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن "الخلافة" عند العرب تشير إلى علاقة بين طرفين يوصي أحدهما الآخر القيام مقامه في غيابه . و "الخالف" هو الذي يقعد بعد ذهابك ومؤنثها الخالفة. والخلافة هي الإمارة ، أو النيابة عن الغير ، أي الإمامة . (34) وهذا الكلام جرى تأكيده على لسان الخليفة الراشد ابو بكر الصديق ، عندما دنى منه إعرابي ، وهو يتبوء منبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، فبادره بالسؤال ، قائلاً :

- أنت خليفة رسول الله ؟

- الصديق : لا .

- الإعرابي : فما أنت ؟

- الصديق : أنا الخالفة بعده ، أو قال ثانية : أنا خالفة ولست خليفته ، بمعنى أن ( ابو بكر ) تلى النبي في الزمان ، لكنه ليس بدلاً عنه وخلفاً منه . (35)

ينطوي مسمى خليفة ( الجمع خلفاء ) إذن على معنيين ، أحدهما لغوي والثاني إصطلاحي . فمفهوم الخلافة ، أو الولاية كما بينها الفقيه الماوردي ( ت450هـ / 1508م ) "بأنها موضوعة الخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا " . (36) أما المؤرخ ابن خلدون ، فيرى أن القائم بأمرها هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها بمقتضى التكاليف الشرعية رعاية منه لمصالحهم في العمران البشري ، والقائم بها يدعى خليفة وإماماً . (37)

وهكذا أضحى مصطلح خلافة مرادفاً لنفس المصطلح " إمام " و" أمير مؤمنين" ، في مجمل الخطاب الديني وموجهاته السياسية العقدية قديماً وحديثاً ، كما سيرد في الشواهد التاريخية. حيث لم تعد الإمامة العظمى أو بالاحرى إمارة المؤمنين حكراً عقدياً على أئمة آل البيت أنموذجاً لنظام الحكم يحتذى به ، منذ تنازع صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام أمر قيادة الأُمة. وهكذا لم تعد مقالة "منا أمير ومنكم أمير " مستساغة لدى سادة قريش ووجهائها ، الذين حسموا الصراع على السلطة لصالح الغلبة والعصبية ، بمعزل عن منطق الإجماع والشورى . فقد خشيا الشيخان ( ابو بكر وعمر ) أن يختزل الأنصار المجتمعون في السقيفة حول شخص سعد بن عباده، فحاولا قطع الطريق عليه كما فعل بني أمية مع الإمام الجليل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.(38) لهذا السبب تمنع نفر من الصحابة تقديم البيعة لابي بكر ، حينه لولا تهديد عمر بحرق دار فاطمة الزهراء ، أخذ يحث الصديق على إنتزاع البيعة عنوة من ابن عبادة ، بقوله " لا تدعه حتى يبايع " . وفي عهد عمر تعرض زعيم الأنصار لعملية إغتيال في بلاد الشام ، وشيع يومها خبر مفاده أن الجن قتلوه.(39)

إذا ما تجاوزنا المعنى الفقهي ، أو الاصطلاحي لمعنى الخليفة أو الإمام ، إلى المفهوم السياسي لمغزى الرئاسة ، يتضح لنا أن جوهر الخلاف بين القوم كان حب الرئاسة والتمسك بها، تماشياً مع الحديث الشريف "خياركم في الجاهلية ، خياركم في الإسلام " ، والحديث الآخر "الأئمة من قريش " . وقد أوجز ابن خلدون الفقيه والمؤرخ المخضرم مفهوم الخلافة على نحو رمزي : "مقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من اثار الغضب والحيوانية ، وكانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق مجحفة بمن تحت يده من الخلق في احوال دنياهم لحمله إياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من اغراضه وشهواته " . (40) ويذهب ابن تيمية إلى أبعد من ذلك في قوله أن الخلفاء والأئمة هم " نواب الله على عبادة " . (41)

وقد كانت الاحوال السياسية في خلافة علي مهيأة لانتقال الإمارة إلى خصمه اللدود معاوية بن ابي سفيان . وبهذه الطريقة أضحت الرئاسة بموجبها وراثية ، أي انقلبت الخلافة إلى ملك عضوض . فالخلافة الراشدة المبنية على الشورى لم تدم سوى ثلاثين سنة ، بدءاً بسنة 41هـ/ 661م ، حيث جرت تغييرات جوهرية عديدة كان من أهمها وضع قريش يدها على مقاليد السلطة والحكم إلى معاوية وولده يزيد ، واصطباغ الفرقة بالطابع الرسمي بين بني أمية وبنو هاشم. وهما أمران أديا في النهاية إلى زوال الخلافة الأموية ، وقيام الخلافة العباسية ، ممثلة باتباع محمد بن الحنفية جنباً إلى جنب مع الخلافة الفاطمية ، ممثلة بجعفر بن محمد الصادق . (42)

وهكذا شاع استعمال المصطلح الفقهي للخلافة والإمامة في مشارق الأرض ومغاربها ، منذ تاريخ تفكك الخلافة العباسية . يعود ذلك إلى عام 138هـ / 756م عندما أفلت الأمير عبد الرحمن الداخل ( صقر قريش ) من المذبحة التي لحقت بأُسرته ، واستقر به المقام في أسبانيا (الأندلس)، حيث أقام هناك إمارة أموية منفصلة عن الخلافة العباسية . (43) على إثر ذلك ، تعددت الخلافات (المفرد خلافة ) في بغداد والقاهرة واستانبول وغيرها ، واختزلت الخلافة الإسلامية في مسميات عدة ، نذكر منها المسميات التالية:

- الخلافة الراشدة : خليفة رسول الله ، وصي النبي ، وأمير المؤمنين .

- الخلافة الأموية : الخليفة أو أمير المؤمنين .

- الخلافة العباسية : الخليفة السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون .. ألخ.

- الخلافة الفاطمية : الخليفة المهدي والقائم والمنصور والمعز والعزيز والحاكم بأمر الله .. ألخ .

- الخلافة العثمانية : الفاتح وخليفة المسلمين وخاقان البرين والبحرين وحامي الحرمين الشريفين.
صفحة 7
لقد خدمت هذه الالقاب الدينية أصحابها في تحقيق مأربهم الدنيوية ، كما هو الحال في سائر الخلافات الإسلامية ، وعلى وجه الخصوص الخلافتين الأموية والعثمانية ، باعتبارهما مرآة لتعاقب الخلفاء والسلاطين والمستبدين والمتجبرين في الأرض . ووجه الشبه بين الخلافتين أن الأولى ، بددت الأوهام العالقة في أذهان الناس حول مفهوم الإمامة العظمى ، باعتمادهما العصبية والغلبة معياراً للسلطة والحكم = ملك عضوض . أما الثانية ، فقد جاءت مجسدة لمفهوم الخلافة المغتصبة، كما هو معلوم أن الاتراك العثمانيين منذ قيام سلطنتهم لم يتلقب سلاطينهم بلقب خليفة عن جدارة ، سوى السلطان محمد الفاتح بعد انتزاعه القسطنطينية من أيدي البيزنطيين عام 858هـ/ 1453م . (44)

وعليه ، فالخلافات الخمس بمختلف مسمياتها ، من وجهة نظرنا ، ليست خلافات طارئة في المشهد السياسي في تاريخ الإسلام ، كونها شكلت تداعيات سياسية متواترة في مجرى انتقال الإمامة العظمى من الخلافة إلى ملك واستقرارها لزمن في قريش . فليس غير ذي معنى، بالنسبة لمؤرخ مخضرم وفقيه مالكي المذهب سني الهوى كعبد الرحمن بن خلدون تقلبت به الأحوال من المغرب إلى المشرق ، أدرك بحصيفته أن عصبية قريش انتقلت إلى ملوك العجم بعد سقوط الاندلس وبغداد في أيديهم ، فأخذ يشدد بدوره "القول باشتراطها وصحة الإمامة للقرشي ولو كان عاجزاً للقيام بأمور المسلمين".(45) ناهيك عن أنه توسع في اشتراط النسب بالقول : " إن الأحكام الشرعية كلها لابد لها من مقاصد وحكم تشتمل عليها وتشرع لأجلها ونحن إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي ومقصد الشارع منه لم يقتصر فيه على التبرك بوصلة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو في المشهور وإن كانت تلك الوصلة موجودة والتبرك بها حاصلاً " . (46) ويمضي قائلاً : " لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية كما علمت فلا بد إذن من المصلحة في اشتراط النسب وهي المقصودة من مشروعيتها " . (47)

تلك كانت جملة الأسباب ( المقاصد ) الشرعية و ( العصبية ) السياسية التي حملت ابن خلدون الأخذ برأي فقهاء الجمهور في مسألة شرط القرشية ، باعتبارها قرينة وحجة لمفهوم الخلافة والصحبة ، جنباً إلى جنب مع مفهوم العصبية والغلبة . (48) وهذا ما جعله يقول : " وإذا سبرنا وقسمنا لم نجدها إلا اعتبار العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب فتسكن إليه الملة وأهلها وينتظم حبل الالفة فيها وذلك أن قريش كانوا عصبة مُضر وأصلهم وأهل الغلبة منهم وكان لهم على سائر مُضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك ويستكينون لغلبهم . " (49)

كانت الخلافة الراشدة ، كما تذكر الروايات المتواترة عن نفر من الفقهاء والمؤرخين الأقدمين والمحدثين بمثابة العصر الذهبي في تاريخ الإسلام. فما هي الأسباب الكامنة وراء الخلافات العنيفة بين المهاجرين والانصار ، التي أودت بحياة ثلاثة من الخلفاء ( عمر وعثمان وعلي ) رضوان الله عليهم ، وبعدد غفير من حفظة القرآن الكريم ؟ وهل كانت قضية (الخلافة) أمر إلآهي ، أم أنها نابعة من اجتهاد أرضي ؟ وما موقف علماء المسلمين من مثل هذه الظاهرة التاريخية : مؤسسة الخلافة أو بتعبير آخر الإمامة العظمى ؟

أما الغايات والمقاصد من وراء تعميم هذا الاصطلاح ( الخلافة الراشدة ) ، فقد جاء منسجماً تماماً مع النص القرآني ( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ((50) فالخلفاء الراشدون كما تجمع المصادر هم جماعة تلي الأمر بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ، بحسب التسلسل التاريخي : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي . فتاريخياً لم يكن اسم الخليفة متداولاً في عصر الرسول عليه الصلاة والسلام بمعناه الاصطلاحي إلا في شخص الإمام علي . وكان أبو بكر قد سمى نفسه "خليفة رسول الله وكتب بذلك إلى الأطراف " (51) وبالمثل اطلق عمر على نفسه "خليفة خليفة رسول الله ، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها " . (52)

والمرجح أن تسمية ( إمير المؤمنين ) قد عرف بها خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام من دون إستثناء . لكن الإمام علي وولديه الحسن والحسين أحتفظوا بلقب ( إمام ) تعظيماً لشأنهما كونهما ينحدرا من بيت النبوة . وقد ثبت أن علياً كان هو الخليف الوحيد الذي يردد القول: "سلوني عن كتاب الله فانه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل نزلت أم جبل" (53) ، دليل قاطع على إحاطته بعلوم القرآن . وهكذا خصوا علياً باسم الإمام نعتاً له بالإمامة التي هي أُخت الخلافة ، (54) في محاولتهم الدفاع عن أحقيته بها ، وعن آهلية أئمة آل البيت في قيادة الأُمة .

وإذا كان الإمام يحيى بن الحسين الرسي قد جعل التشيع مذهباً لبلاد اليمن الأعلى ، فقد سبقه الإمام محمد بن إدريس الشافعي في هذا المضمار أشواطاً كثيرة . تذكر أمهات الكتب التاريخية ملابسات قدوم الشافعي إلى اليمن لتولي منصب القضاء في بلدة نجران ، فتحول الفقيه بين ليلة وضحاها إلى داعية لمذهب أهل العدل والتوحيد . هذا التحرك السياسي كان محسوباً عليه من قبل السلطات العباسية التي وجهت له تهمت العلوية ، فسيق مصفداً بالأغلال إلى بغداد سنة 184هـ/800م .(55) ليس من النادر ولا من المستغرب أن يتعرض الفقيه لمساءلة السلطان، ومحاسبته ، سيما وقد ألصقت به تهمة الخروج عن ثوابت الدعوة العباسية .

بهذا الصدد - محاسبة الخليفة هارون الرشيد للإمام الشافعي - نورد هنا مقاطع من المحاكمة العلنية التي جرت أشرف على تسيير مجرياتها نفر من فقهاء السلطان برئاسة الفقيه محمد بن حسن بن فرقد ، الذي بادر الرشيد بالقول: "يا أمير المؤمنين هذا المطلبي لا يغلبنك بفصاحته فإنه رجل لسن .

- الشافعي: مهلاً يا أمير المؤنين فإنك الداعي وأنا المدعو ، وأنت القادر على ما تريد مني ، ولست القادر على ما أريد منك ، يا أمير المؤمنين ما تقوله في رجلين أحدهما يراني أخاه والآخر يراني عبده؟ أنهما أحبُّ إليَّ ؟

- الرشيد: الذي يراك أخاه .
صفحة 8
- الشافعي: فذاك أنت يا أمير المؤمنين ، أنكم ولد العباس ، وهم ولد علي ، ونحن بنو المطلب، فأنتم ولد العباس ترونا أخوتكم ، وهم يرونا عبيدهم .

- الرشيد: يا أبن أدريس كيف علمك بالقرآن؟

- الشافعي: عن أي علومه تسألني ؟ عن حفظه ، فقد حفظته ووعيته بين جنبي وعرفت وقفه وإبتداءه ، وناسخه ومنسوخه ، وليله ونهاريه ، ووحشيهُ وإنيسهُ ، وما خوطب به العام يراد به الخاص ، وما خوطب به الخاص يراد به العام .

- الرشيد: والله يا ابن ادريس لقد أدعيت علماً فكيف علمك بالنجوم؟

- الشافعي : إن لأعرف منها البري من البحري ، والسهلي والجبلي ، والفيلق والمصبح وما تجب معرفته.

- الرشيد: فكيف علمك بأنساب العرب ؟

- الشافعي : إني لأعرف أنساب اللئام وأنساب الكرام ونسبي ونسب أمير المؤمنين .

- الرشيد : لقد أدعيت علماً ، فهل من موعظة تعظ بها أمير المؤمنين.

- فذكر الشافعي موعظة الطاووس اليماني فوعظه بها فبكى ، وأمر له بخمسين ألفاً - لعلها من الدراهم - وحمل على فرس وركب بين يدي الرشيد ، فما أن وصل الباب حتى فرقها جميعاً على الحجاب والبوابين ." (56)

التحليل الفقهي لمؤسسة الخلافة

استحوذت مسألة الخلافة على أذهان الدارسين باختلاف الأزمنة والأمكنة والمسميات. وكان الفقهاء والمورخون في مقدمة من أدلوا بدلوهم في هذه المسألة الشائكة أي الإمامة ، باعتبارها امتداداً للنبوة . فابن خلدون في المقدمة ، يناقش هذه المسألة الفقهية من منظوراً سياسي محض ، شأنه في ذلك شأن الماوردي ، في مؤلفه ( الأحكام السلطانية والولايات الدينية). فكلاهما ، يقتربا كثيراً من مطارحات القلقشندي المضمنة في مصنفه (مأثر الأنافة في معالم الخلافة) ، وفي متابعتهما لتداعياتها الدينية المقدسة من جهة ، واستيعاب دلالاتها السياسية على أرض الواقع من جهة أُخرى. وهكذا نجد الفقهاء والمؤرخون على إختلاف مشاربهم السياسية يقرون مبدأ القرشية كشرط من شروطها ، لكنهم في نفس الوقت يشددون القول على أن الخلافة لا تقوم لها قائمة دون العصبية والغلبة ، الأمر الذي ينفي عملياً مبدأ الشورى المنصوص عليه في القرآن الكريم.

ويذهب ابن خلدون إلى نفس القول في محاولته التمييز بين الخلافة والإمامة تمييزاً بين ما هو إلاهي (النبوة) وما هو بشري (حب الرئاسة) . فالملك ، على حد قوله " يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الاهواء على المطالبة وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه .. " (57) كل ذلك اسهم في إرساء وترسيخ البناء السياسي للدولة الإسلامية الوليدة في عهد الخلافة الراشدة . فهل كان وارداً في ذهن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ما حدث يوم السقيفة كان مجرد فلته لا يمكن أن تتكرر ، ولسان حاله يردد تلك العبارة: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه .

فكل محاولة للنهوض بأمر الخلافة ، أو الإمامة تخضع بدورها للنصوص المقدسة (الكتاب والسنة) ، طبقاً لتوجهاتها السياسية لكي تضفي على نفسها لباس التقوى الشرعية . إذ يصعب على القارئ المتدبر لسور القرآن الكريم وعددها (114 سورة) وآياتها (6236 آية) العثور على إشارة صريحة لمضمون الخلافة الراشدة أو الإمامة العظمى . في هذا المجال نورد خمس آيات قرآنية ورد فيها لفظ ( خليفة ) و ( إمام ) ، وهي :

- (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ( (58)

- ( وَإِذِ ?بْتَلَى? إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ?لظَّالِمِينَ( (59)

- ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَة وَإِيتَآءَ الزَّكَـاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ(

- ( أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (60)

- ( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ( (61)

- ( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ( (62)

- ( ي?دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ?لأَرْضِ فَ?حْكُمْ بَيْنَ ?لنَّاسِ بِ?لْحَق وَلاَ تَتَّبِعِ ?لْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ إِنَّ ?لَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ?لْحِسَابِ( (63)

أما الاحاديث الشريفة التي ترصع بها المصنفات الفقهية والمباحث الكلامية ، فهي ترمي إلى ربط الإمامة بالنبوة ربطاً جذرياً ، باعتبار الأولى أصل من أصول الدين . فمنذ تاريخ اغتصاب بنو أمية وبنو العباس الإمارة من بني هاشم ، وما رافق ذلك من ثورة فكرية واضطرابات سياسية شُغل العالم الإسلامي ردحاً طويلاً من الزمن بهذه القضية من دون طائل. في مجمل الصراع على الرئاسة وظف أطراف النـزاع كافة أسلحتهم المادية والمعنوية لافحام الخصوم ، وكان علم الحديث هو الميدان الأوسع للمتبارين .
صفحة 9
نورد هنا سلسلة من الاحاديث الشريفة كيفما اتفق دون الحاجة إلى تأكيد صحة إسانيدها من عدمه ، على النحو التالي :

- اللهم فاشهد فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والي من والاه وعاد من عاده ، وانصر من نصره واخذل من خذله . (64)

- لكل نبي وصي ووارث وان وصيي ووارثي علي بن أبي طالب . (65)

- علي مني بمنـزلة هارون من موسى ألا أنه لا بني بعدي . (66)

- الحق مع علي وعلي مع الحق لن يفترقا حتى يردا على الحوض . (67)

- أنا مدينة العلم وعلي بابها . (68)

- أنا المنذر وعلي الهادي وبك يا علي يهتدي المهتدون من بعدي . (69)

- أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني . (70)

- انت سيد المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين . (71)

- إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض.(72)

ومن يتأمل السياق الفقهي العام لمجمل الأحاديث يلمس بشكل غير ملتبس مغزى الحديث " تثبيت الإمامة في آل البيت " ، بمعزل عن الحديث القائل " الأئمة من قريش " . وفي ذلك اشارة واضحة إلى الانقلاب السياسي الذي حدث في سقيفة بني ساعدة ، والطريقة العنيفة التي تولى فيها الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم زمام السلطة ، وكيفية مغادرتهم لها بطريقة مأساوية، فيما عدا الخليفة الأول أبو بكر الصديق الذي قضى معظم خلافته في مقارعة المرتدين . ولما استقرت الإمارة في قريش - بعد عهد التحكيم - بفعل العصبية والغلبة ، لم يعد العمل بمبدأ الشورى تقليد متبع في مختلف عهود الخلافات الإسلامية ، حيث كان الخلفاء المغتصبين والسلاطين المستبدين غالباً ما يورثون الملك لابنائهم أو اخوانهم . ولم تكن طقوس البيعة سوى إجراءات شكلية يتدارسها فقهاء السلطان وحاشيته ، ممن يعرفون أنفسهم بجماعة " أهل الحل والعقد " ، وهم في واقع الأمر لا حل لهم ولا عقد .

وإذا كان معيار العصبية والغلبة قد أضحى بمرور الزمن هو التقليد السائد في سائر الممالك الإسلامية ، فإن شرط القرشية ظل من الناحية النظرية أمراً ملزماً لمن يتأهب لشغل منصب الإمامة ، أي الرئاسة . وكان الإمام الهادي يحيى بن الحسين المرسي ( ت 298هـ/ 911م ) واحداً من العلماء المجتهدين ، الذين أولوا عنايتهم الخاصة بمبدأ المفاضلة بين مرشحين لمنصب الإمام والتي لخصها لنا في صياغة إنشائية يعسر تطبيقها على أرض الواقع : "إن تشابها في العلم واختلفا في الورع فالإمامة لأورعهما ، وإن اشتبها في الورع والعلم فالإمامة لأزهدهما في الدنيا، وإن اشتبها في ذلك كله فالإمامة لأسخاهما، فإن اشتبها في ذلك فالإمامة لأرحمهما وأرأفهما بالرعية ، فإن اشتبها في ذلك كله فالإمامة لأجلهما وأحسنهما خلقاً ، فإن اشتبها في ذلك كله وفي غيرة من شروط بما ذكرنا من شروط الإمام، ولن يتماثل في ذلك كله اثنان ، ومع ذلك فلإبعاد الريـب وللاحتياط كانت الإمامة لأسنهما ، فإن استويا في السن فالإمامة لأحسنهما وجهاً !" (73)

أما المفكر الإسلامي المعاصر محمد رشد رضا ، فقد ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه الإمام الهادي قبل عشرة قرون من الزمان . لقد خرج علينا رضا بفتوى شرعية ، هذا نصها : " اتفق محققو العلماء على انه لا يجوز أن يبايع بالخلافة إلا من كان مستجمعاً لما ذكروه من شرائطها وخاصة العادلة والكفاءة والقرشية ، فإذا تعذر وجود بعض الشرائط تدخل المسألة في حكم الضرورات ، والضرورات تقدر بقدرها ، فيكون الواجب حينئذ مبايعة من كان مستجمعاً لأكثر الشرائط من أهلها ، مع الاجتهاد والسعي لاستجماعها كلها . " (74) لكنه يعود ثانية ليميز بوضوح الفارق الكبير بين مصطلح ( خلافة الضرورة ) و ( خلافة التغلب ) ، بالقول : " والفرق بين هذه الخلافة [ التغلب ] وما بعدها بعد كون كلاً منهما جائزاً للضرورة أن الأولى صدرت عن أهل الحل والعقد باختيارهم لمن هو أمثل الفاقدين لبعض الشرائط ، وأما الثانية فصاحبها هو المعتدي على الخلافة بقوة العصبية لا باختيار أهل الحل والعقد . " (75) فكلاهما أمران أمّرين بالنسبة للرعية، الذين يتحتم عليهم طاعة السلطان ، ومن هنا تكون الطاعة لاولي الأمر إجبارية وليست إختيارية .

إن وجهة النظر التي اعتمدها رضا في تبرير خلافتي الضرورة والتغلب وترشيدهما طبقاً لمقتضيات الحاجة ، تشكل قاعدة إستثنائية تقر ضمناً بأهمية دور أهل الحل والعقد ، وهم بطبيعة الحال - الوجهاء والأعيان ، أي جماعة العلماء الذين نصبوا أنفسهم حرساً أُمناء على الشريعة تمشياً مع مفهوم الحسبة في الإسلام . (76) وقد أثبتت الوقائع والأحداث على أن هذه النخبة التقليدية (العلماء ومشايخ الطرق) ليس في مقدورهم مواكبة التحديات الخارجية والداخلية في العالم الإسلامي ، منذ قدوم الحملة الفرنسية على مصر والشام حتى تاريخ حرب الخليج الثانية واحتلال ثغور دار الإسلام . والمشكلة إذن هي معرفة الكيفية التي تمت فيها توظيف هذا السيل الهائل من الآيات القرآنية والاحاديث الشريفة لاهداف دنيوية صرفة: قوامها العصبية + الغلبة = ملك عضوض .

ليست هناك طريقة لتفسير نجاح العثمانيـين في تثبيت الخلافة في سلالتهم في عامي 922-923هـ/ 1516-1517م ، سوى البحث مجدداً في مضمون تلك القاعدة الفقهية "عند الضرورة تباح المحظورات " ، لتحقيق شيىءٍ ما من المقاصد الشرعية كمسوغ لتلك التجاوزات السياسية ،التي تمس الحقوق الشرعية (الدستورية) للمواطن العادي في العالمين العربي والإسلامي. (77) ولا يجوز هنا أن نغفل عن إبعاد هذا النفي لخلافة الضرورة في نصب الإمام وإقامة السلطة . وعليه ، فالخلاف حول هذه المسألة ليس في نظرنا مجرد خلاف نظري حول صحة تنازل الخليفة المتوكل للسلطان سليم من عدمه ، وإنما هو توضيح الأسباب الموضوعية لانتقال السلطة من أيدي المماليك إلى أيدي العثمانيين بواسطة القوة . إذ لا يوجد فارق كبير - من وجهة نظرنا - بين دخول الحجاز واليمن سلماً ، أو بين دخول مصر وسوريا حرباً تحت السيادة العثمانية .
صفحة 10
والمعروف أن تبعية الحجاز والأراضي المقدسة للسلطنة المملوكية كانت قد رفعت من شأنها في نظر المسلمين ، نظراً لقيامها بحماية الأماكن المقدسة وضمانة أمن الحجيج . كما أن لقب "خادم الحرمين الشريفين" ، الذي اتخذه الظاهر بيبرس كما فعل صلاح الدين من قبله ، بعد تحريره لبيت المقدس ،كان ذلك النعت يرمز للنفوذ الديني والسطوة السياسية . يتضح ذلك في مضمون الخطاب السياسي الموجه من قبل سليمان القانوني لشريف مكة أبو نمي، الذي أبدى معارضته الضمنية لمفتي مكة الجديد عام هـ946/ 1539م ، فجاء خطاب السلطان مندداً به على هذا النحو : " أما بعد يا شريف فإن الحسنة في نفسها حسنة ومن بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة ، ومن بيت النبوة أسوأ . قف عند حدك وإلا أغمدنا فيك سيف جدك." فأجابه أبو نمي قائلاً : " إن العبد مقر بذنبه ، تائب إلى ربه ، فإن تؤاخذه فيدك الأقوى، وإن تعف فالعفو أقرب إلى التقوى . " (78)

الإمامة العظمى بين الإستمرارية والإنقطاع

من هذا المنطلق جاءت معظم الأبحاث والدراسات حول الخلافة العثمانية متباينة ، وبالتالي أضحت نظرية الجامعة الإسلامية مثاراً للجدل والبحث الذي لا يؤدي عادة إلى نتيجة واضحة ترشد القارئ إلى صحة انتقال الخلافة من آل العباس إلى آل عثمان . فهناك من يرى أن الخليفة المتوكل على الله محمد بن المستمسك قد أفسح المجال للسلطان العثماني سليم الأول بعد أن تحقق له النصر على السلطنة المملوكية في موقعة الديوانية عام 923هـ / 1517م . (79) تلى ذلك مراسيم البيعة بالخلافة لصالح سليم ، الذي لبس شعار الخلافة في احتفال بهيج بالجامع الأزهر الشريف . (80)

وهناك من يشكك في صحة هذه البيعة - انتقال الخلافة - من جملة المؤرخين المصريين الذين عاصروا الحدث ، وفي مقدمتهم محمد بن إياس المعروف بتعاطفه الشديد مع السلطنة المملوكية ، وكراهيته المفرطة لمظاهر الحكم العثماني . فالسلطان سليم بالنسبة لابن إياس مجرد سلطان مغتصب للسلطنة والملك من أهله ، وأنه " قاتل أبطال مصر وميتم أطفالها ومستعبد رجالها . " (81) وهذا القول المأثور لا يخلو من المصداقية ، حيث تعرضت مصر المحروسة وقاهرة المعز لمذابح دموية راح ضحيتها حوالي خمسة وعشرين ألف مملوك من المدافعين عن المدينة بعد مقتل السلطان قتصوة الغوري في موقعة مرج دابق . (82) ومثلما تعرض الغوري للغدر والخيانة لقي نائبه طومان بك نفس المصير بعد وقوعه في الأسر ، حيث أمر سليم بشنقه وتعليق جثته في باب زويلة ، "وعادت مصر إلى النيابة كما كانت في صدر الإسلام .. ثم رجع إلى بلاده وأخذ معه الخليفة العباسي وانقطعت الخلافة .. " (83)

ومهما يكن أمر انتقال الخلافة من بغداد إلى القاهرة ، ومن ثم إلى استانبول ، فهذه الحادثة - في حد ذاتها - لم تود إلى زوال الخلافة وانقطاعها ، كما يزعم الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في عجائب آثاره وتراجم اخباره . ولو صح أن السلطان سليم تكنى بالخليفة ، بل وخادم الحرمين الشريفين ، وهو لقب درج على استخدامه السلاطين المماليك من قبله تأكيداً منهم للسيادة المصرية على بلاد الحجاز ليس إلا . وقد أضاف السلطان سليم الأول إلى أسمه مسميات فضفاضة ، فهو كما تذكر المصادر اطلق على نفسه ألقاب عدة منها: السلطان ابن السلطان ، وخاقان البرين والبحرين ، وقاهر الحبشيين وسلطان العراقيين .(84) ولم ينازعه هذا الحق سوى دولتين: الأولى الدولة السعودية الثالثة التي حمل ملكها لقب خادم الحرمين الشريفين، والثانية الدولة الصفوية التي حملت بالمقابل مبدأ الإمامة الشيعي .(85) وهذا هو حال معظم الملوك والرؤساء العرب المعاصرين ، الذين لا يتورعون عن إضفاء ألقاب منمنة إلى أسماءهم ، وهي كنايات لا تنسجم تماماً مع واقع الحال البائس الذي تمر به الأُمة .

نخلص من هذا كله إلى أن الخليفة المتوكل كان من ضمن المستقبلين للسلطان سليم أثناء غزوه لمصر ، وكان من ضمن العلماء والصناع الذين اصطحبهم حفيد عثمان إلى عاصمة ملكه . وسوى تنازل المتوكل لسليم أم لم يتنازل ، فمن الجائز أن ابن إياس الذي دوَّن لنا التفاصيل المثيرة لسقوط السلطنة المملوكية ، لم يترك شاردة أو واردة تتعلق باحوال مصر في بداية العهد العثماني إلا وعلق عليها . ومع ذلك كله لم يشر البتة في حولياته إلى الكيفية التي انتقلت بها الخلافة من المماليك إلى العثمانيين . ويعلق الباحث حسن عثمان علي على هذه المسألة ، بقوله: "وما أكثر ما يسكت الانسان عن ذكر ما يكره". (86)

منذ تاريخ سقوط مصر في أيدي العثمانيين اقتصر حكمهم على القاهرة ودمشق وبغداد كما أعطوا عنايتهم الخاصة بالمحامل الثلاثة إلى الكعبة المشرفة في موسم الحج والتي كانت تقع عملياً تحت إشراف ونفوذ مؤسسة الشرافة في مكة المكرمة . ودام الحال على ما هو عليه حتى عهد السلطان محمود الثاني ، الذي عاصر بدوره الحركة السلفية التوحيدية بزعامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ، حيث أجمل صاحب الدعوة برنامجه الاصلاحي في عبارات مقتضبة ذات دلالات عميقة ، وفيها يقول: "أنا لم آت بجهالة .. ولست ادعو إلى منصب ، بل ادعو إلى الله وحده وإلى سنة نبيه .. وطريقتنا هي طريقة أهل السلف ، ومذهبنا في الاصول مذهب أهل السنة والجماعة وفي الفروع مذهب الإمام أحمد بن حنبل". (87) في هذا المنظور لا يمكن الرجوع إلى طريقة أهل السلف إلا بحجة تساعد امراء آل سعود على رفض الاعتراف بشرعية الخلافة العثمانية، كونها سلطة طارئة تزول بزوال مسبباتها .