صفحة 1
مدخل :
في الصالون، الذي يرتطمون بتفاصيله شديدة الازدحام أينما ولوّا أجسامهم وأبصارهم، كانوا· استوطنوا الكنبات· ملأوا فضاء الغرفة الضيق بسحُب دخان سجائرهم، التي أثقلتها أمزجتهم· استسلمتْ قناة الجزيرةللصّمت، وإن كان صمتها متحفّزًا، ينطوي على غدر مقبِل جدًا· صُورها فقط كانت تتحرّك، متنقلةً بين علامتها الذهبية التي تغوص في بحر الشاشة الأزرق وخرائب متجدّدة لمدينة عربية· ببنطلون بيجامة وقميص قطني وشبشب بلاستيكي خرجتْ الإصبع الصغيرة في قدمه اليمنى من جانبه الممزّق، كان كمال يحمّل فيلم رسوم متحركةمن الانترنت· اشتكى من صعوبات التحميل واستكشاف المواقع، التي تتوارى تحت أسماء وعناوين لا علاقة لها بمحتواها الحقيقي· نظر فراس إلى صورة الرفاق الأربعة، بالأبيض والأسود، فوق التلفزيون، يحمي رفقتهم إطار نحاسي عريض، وغطاء زجاجي بصدع جانبي لم يتمدّد كثيرًا، مدققًا في تفاصيل اعتقد أنها فاتته في عشرات المرات التي دقّق فيها· أشار إلى ثاني الرفاق من اليمين قائلاً: لقد عرفتك· هذا هو أنت·طفحتْ فوق وجهه نظرة الظافر·· أخيرًا· استدار نحو كمال· كان كمال قد توجّه إلى المطبخ· نادى عليهم: شاي أم قهوة؟ استغرق إياد في تقليب صفحات مسجاته على الموبايل· كانت صفحات كثيرة، تطنّ بتلاحق، صنع معها وجوهًا كثيرة في وجهه· ما إن تُبرق رسالة، حتى تصله رسالة أخرى· فيبدو أنه فرحان، وقد يبدو أنه غضبان، وقد لا يبدو عليه شيء، ولا يتواصل أحد مع غضبه أو فرحه أو مشاعره الكثيرة المتحوِّلة المتبدِّلة بين برقية وأخرى· في النهاية، ظلّت انفعالاته محصورة في المسافة بينه وبين شاشة الموبايل· أصغى عمر بانتباه كبير لرمزي، يقصّ عليه تفاصيل حلمه· استفسر عمر عن تفاصيل سيارة الحلم السوداء· قال له رمزي إنها قد تكون صغيرة في بعض الأحلام، وفي أحلام أخرى كبيرة، وقد تكون في شارع غير الشارع نفسه في كل مرة، وفي عتمة غير العتمة، لكنها في كل حلم تكون سوداء· دوّن عمر بضع ملاحظات على ورقة، ثم سأله ما إذا كانت ثمة تفاصيل أخرى في الحلم، لعلّه نسيها· لم يحسم رمزي أمره بشأن ما إذا كان يتعين عليه أن يشير إلى تفصيلة الثدييْن الممزّقيْن في الشارع· كان قد أغفلها من رواية الحلم عَمْدًا· استحى أنْ يتحدث عن الثدييْن أمام عمر، فقد يجد نفسه مضطرًا إلى وصفهما· آثر أن يسقطهما، مجازفًا ألاّ يستقيم معنى الحُلم دون التطرق إليهما· علا الوجوه اهتمام مفاجئ· توجّهتْ العيون نحو مذيعة الجزيرة البكماء· أسفل الشاشة، على اليمين، ظهر إطار أحمر ناري في داخله كلمة عاجل·
صفحة 2
(1)
كمال القاضي
(65 عامًا)
في الصالون جلسا معًا· فصلته عنها كنبة ضخمة تتّسع لفراغ كبير· من بين أغلفة الأفلام الكثيرة ذات الوجوه المفرطة في الإيحاء أرسل نظرة إليها· تجنّبتْ الاصطدام بنظرته· تظاهرتْ بأنها تتأمّل لوحة رخيصة لطبق فاكهة صامتةفي إناء بهت لونه على الجدار· والشيء بالشيء يُذكر، فالجدار مزدحم بأشياء تبدو فردية جدًا لا يمكن أن توجد إلاّ في بيت بعينه، وفي الوقت عينه قد توجد في أي بيت· فهناك السجادة القديمة إياها بالإهاب الذائب المصفرّ، التي تُوحي بالعتق العزيز، عليها كما قد تشي النظرة الأولى رسم لخيول، وربما من نظرة متفحّصة أكثر رسم لنمور في غابة هجرتها الخضرة بعدما تآكل نسيج خيوطها أو اتّسخ، بفعل الوقت وتحوّلات الأشياء، أو لعلّ عليها رسم طيور، أو يمكن رسم ورود، أو أيّ رسم آخر لا يمكن لأحد أن يستذكره أو يتملّى فيه، حتى أهل البيت أنفسهم· بالطبع هناك الشهادة الجامعية للابن الأكبر، يسندها إطار خشبي عريض بزخارف مرهقة، ولا بأس من مسبحة زرقاء تتدلّى من حافة الإطار، وإلى جوار الشهادة، ولمزيد من درء العين الثاقبة، لوحة من الفضة لعين ببؤبؤ من حجر الفيروز المُترب· على الجدار المقابل، ثمة ملصق لكوخ اسكندينافي، مجتزأ من رزنامة العام الفائت، يستلقي على كتف جبل شاهق، معلّق في فضاء أخضر تلامس مدخنته ضفاف السماء· تمتدّ على عرض الجدار الثالث نافذة تطلّ على الشارع الخلفي للعمارة، تظلّ مغلقة طوال الوقت كي لا تحمل رائحة أبخرة حاويات القمامة، التي تَثقُل كثيرًا مع لهيب الصيف· افترشتْ مساحة كبيرة من الجدار الرابع خريطة لكامل فلسطين، مثبتة في برواز بلاستيكي، محدّدة عليها أسماء القرى والبلدات كافة·
الصالون صغير· ومع ذلك، هو صالون وغرفة استقبال وغرفة طعام وغرفة معيشة، ويمكن أن يكون للقيلولة حين يتمدّد في الظهيرة على الكنبة الطويلة أمام نشرة أخبار قناة الجزيرة· إلى جانب طاولة المكتب المحشورة في زاوية الغرفة، حيث جهاز الكمبيوتر والطابعة، بالإمكان في أحيان كثيرة استغلال جزء من طاولة الطعام ذات الكراسي الستّ كطاولة مكتب يضع عليها أكداسًا من الأوراق التي يجلبها من عمله لـيعملعليها ليلاً، أو مجموعة من مقالات يقصّها من الصحف المؤجّلة قراءتها منذ أسابيع، وبعضها متُراكم منذ شهور، أو تلك التي يطبعها من مواقع الصحف العربية والإنجليزية الإلكترونية في الانترنت، ثم يمضي الليل بطيئًا، يطول بدل أن يقصر، ويأتي على كل رغبة وكل غاية، لينقضي دون أن يعمل على أوراق العمل أو يقرأ أيًا من المقالات المؤجلة· وحين تعلو الأكداس، يتخلّص بعد وقت من تلك التي في القاع· هي أوراق مهمة· يحاول أن يشرح دومًا لزوجته ختام التي تشكو من أن الصالون لا ينقصه كركبة· وطبعًا هناك تلك اللازمة: البيت ضيق والحمار رفّاس·ولا يحتاج إلى كبير ذكاء ليدرك أنه هو الحمار؛ فأبناؤه يرفسون في غُربة أخرى غير غربته·
صفحة 3
فوق التلفزيون، ربضتْ صورة الرفاق الأربعة الذين رافقوه منذ زمن، يضحكون له وللحياة كما ضحكوا بالأمس، وأمس الأول والأمس الذي سبقه، مطمئنًا، شبه واثق من أن ضحكتهم لن تتوقّف غدًا، وبعد غد· لم يكبروا، فما زالوا فتيةً وسيمين بالأبيض والأسود، لم تخاصم بنطلوناتهم وقمصانهم الستينات المتأنقة دون كلفة، كما لم تأتِ عليهم أنواء الأيام وأهوالها، فحافظوا على جِدّة إطلالتهم وطزاجة النظرة، على الأقلّ في الصورة، منتشين بعفوية اللحظة ذاتها التي تجمّدوا فيها· وقفوا على كورنيش أطلتْ من خلفه من بعيد أبنية ذات معمار متوسطي الطابع متجاورين، باسطين أذرعهم فوق أكتاف بعضهم بعضًا، متداني الرؤوس، شبه ملتحمين، كي يظلوا جميعًا في مدى العدسة· ارتفعت من ورائهم موجة كأنهم استشعروها، ذلك أنهم تأهّبوا للهرب سريعًا بعد التقاط الصورة، ليغمر رذاذها المرتدّ من سور الكورنيش الواطئ قهقهاتهم العالية· كان فراس قد سأله عن هوية الأشخاص في الصورة· اعتقد أنه استطاع أن يميّزه بينهم· أشار إلى الثاني من اليسار، كونه في عشريناته الماضية أقربهم إليه في خمسيناته الحالية، وإن كان شعر الأمس الكثيف لا يتنبأ بصلع اليوم، حيث القحط شبه كامل· لكنه هزّ رأسه نافيًا أن يكونه· إياد ميّزه بثقة أنه الأول إلى اليمين· فهو الأكثر شبهًا به، إذا ما هذّب البصر آثار السنين، لا لأنه أميل إلى الاقتداء بصلعته فحسب، ولكن لأنه الأقرب في مقاس القامة إليه· لكنّه نفى أن يكونه أيضًا· لم يقل لفراس أو لإياد أي واحد هو من بينهم، كما لم يروِ لهما قصة الصّحب البعيدين·
استشعر توتّرها وتيبّس جسدها، فخفّ توتّره وانبسط جسده· ثنى ساقه اليسرى تحت اليمنى وأراح ظهره على الكنبة المزدوجة التي جلس عليها وحده، في حين اتّخذتْ هي وضعيّة قائمة، متحفزّة، في الكنبة المفردة قبالته، وقد لزّتْ قدميها إلى بعضهما، شابكةً يديها ببعضهما، دون أن تسمح لجسدها الضئيل بأن يتحرّر من يقظته المصطنعة· لم يتهيّأ له أنها خائفة، وإنما على استعداد كي تنهض على الفور وتتوجّه إلى الباب الخارجي، تفتحه، تخرج، تصفقه بعنف، وتمضي مسرعة دون أن تنظر خلفها· لكنها لن تخرج، فهو لم يحسم أمره بعد· ثم إنها معتادة على مثل هذه الأشياء· بكل تأكيد هي معتادة· على الأقل، لم يرتدِ وجهها أية تعابير من أي نوع· لم تحمرّ خجلاً، كما لم تصفرّ خوفًا أو تبهت، فوق بهتانها الخلْقي، من الرهبة، أو تتسع عيناها حذرًا وترقبًا· من مثلها تخلع تعابيرها، فهذا من مستلزمات الشغل· لها أن تخاف وأن تضطرب، لكنها لا تستطيع أن تفصح عن خوفها، في هيئتها، أو تسمح لاضطرابها بأن يشي عن نفسه· شاشة عقلها مكتظّة بالحسابات والاحتمالات والأفكار التي تعمل بسرعة· لها أن تفكّر بالهرب، لكنها يجب ألاّ تهرب· ليس الآن·
صفحة 4
- بيزنيس إز بيزنيس·
قال لها بإنجليزية ملحّنة، مائلة، مرحة على طريقة البلطجيّةفي المسلسلات المصرية· نظرتْ في ساعتها وهزّتْ رأسها موافقة· سألها عن اسمها· قالت له شيئًا قريبًا من سو يانغأو سو تشيانغ· انهمك في معاينة أقراص الـدي في ديدون أن ينظر إليها· قالت له إنه يستطيع أن يناديها ماري· لم ينتبه لما تقوله· أتعبته الكثرة الجميلة المشتهاة وهجمة العري الوفير المحتشد عليه في الأغلفة المستنسخة صورها، كما الأقراص المستنسخة· اختار قرصًا بعينه لأن الشقراء البهيّة الصقيلة التي تتوسط غلافه، تغمز بعينها، مرسلةً نظرة غائمة بريئة على غير ما يتوقعه المرء من النساء على شاكلتها، وتعبث بأصابعها بحلمتي ثدييها الصلبيْن المشدوديْن الكبيريْن بفجاجة، وقد افترشا الغلاف بتبجح فاتن ومثير، أعجبته أكثر من النساء على الأقراص الأخرى، مع أنه كان يعلم، بخبرته، أن النساء على أغلفة الأفلام المستنسخة نادرًا ما يكنّ موجودات في الداخل·
ثديا ماري شبه ممسوحين، أقرب إلى نتوءين تعرّضا لانخساف مفاجئ· صغيرة كانت، في أواخر العشرينات· لكنها لم تكن جميلة· ليست جميلة أبدًا، بتلك السحنة المغولية والبنية الأقرب إلى التقزّم والممتلئة على نحو غير منظم، حيث الكتف كأنها جزء من الصدر، والصدر يلتحم مع الخصر دون تقسيم واضح· على أن شيئًا واحدًا فيها أثاره: أصابع قدميها؛ فقد كانت جميلة على نحو لا تدلّ عليه هيئتها· من أين لها بها؟ كانت دقيقة ومنمنمة، كأصابع طفلة لم تتجلّد ولم تتحرشف بعد· ولعلّها كانت واعية إزاء هذه الصفة الجمالية اليتيمة فيها، إذ انتعلتْ صندلاً مفتوحًا، تنفستْ من فتحته العريضة أصابعها براحة، كما شذبتْ أظافرها وطَلتْها بلون خمري ذي نسيج مخملي·
لفت انتباهه أيضًا أنّ قدميها كأنهما غير مستخدَمتيْن، إذ لا أثر لأي خطوط أو شرايين نافرة عليهما· كانتا، في صفائهما، قريبتيْن إلى أقدام دمى عرض الملابس النسائية في المحال التجارية· وهو يحبّ أقدام تلك الدمى التي تقف مائلة أو تلك التي تكون مستلقية على أرضية واجهة العرض، تستعرض فتنتها بالشورت أو بلباس البحر، دون أن يغفل أصحابها عن أن يطلوا أظافرها بلون الفوشيا الفاقع· وهو يحب أيضًا بشرة الدمى البلاستيكية، يحبّ سيقانها الانسيابية، فلا شعر، لا دوالٍ تضطرّ معها إلى استخدام جوارب الضغط الطبية، ولا السيليوليتالمقزّز· ويحبّ أكثر أن يرى الدمى صلعاء وعارية، بأثدائها المثلثّة المدبّبة وخصورها الضامرة، التي تنطبق الأكف حولها، وأردافها الدائرية الصغيرة، المضمومة، النافرة، وهي أمنية تتحقق في موسم السيلز، حين يُشلّح الباعة اللبنانيون الوسيمون ذوو الشعور الطويلة، المعقودة إلى الخلف في ذيل قصير، والذقون الخفيفة والقمصان المفتوحة على صدور حليقة، بينما يمضغون العلكة، نساءهم الواقفات أو المتمدّدات في الواجهات الأنيقة، واضعين إزارًا خفيفًا حول خصورهنّ يحمل شعار التنزيلات دون أن تنتصب حواسهم أو يفقدوا ثباتهم في مواجهة أكداس من اللحم البلاستيكي·
صفحة 5
عبثتْ بسوار ساعتها بعصبية، فأدرك أنها تستعجله· المشكلة أنها ليست جميلة· تفرّس فيها دونما إشفاق· هي ليست جميلة أبدًا· وبالتأكيد ما كانت يجب أن تُخلق· أو كانت يمكن أن تُخلق أي كائن، أي شيء، إلا امرأة· شلح جاكيت البيجامة البيج المقلمة بالرمادي، مكتفيًا بالفانيلة القطنية البيضاء على بنطلون البيجامة الواسع· ختام لا تحبّ منظره بالفانيلة وبنطلون البيجامة، وهو منظر يجلس فيه ويأكل فيه ويشاهد فيه التلفزيون، وأحيانًا يستقبل فيه الضيوف المتكررين من العائلة والصحب، وبالطبع ينام فيه· تقول له إنه يبدو في هيئته هذه كالعواطلي، خاصّة حين يترك ذقنه الأبيض غير حليق في أيّام العطلات· سألته ماري عن عائلته· لم يجبها· ولم يلتفت إليها· وضع فيلم الدي في دي في جهاز التشغيل وأداره·
سافرتْ ختام قبل أسبوعين إلى دمشق لحضور زفاف ابن شقيقها· بعد العرس، سوف تذهب إلى عمّان للاطمئنان على أحوال عماد، أصغر أبنائهما الذي يدرس الهندسة المعمارية في جامعة خاصة هناك منذ ثلاث سنوات· مروان، أكبر ولديه، الذي درس برمجة الكمبيوتر في الولايات المتحدة والتحق قبل عام بشركة كمبيوتر عالمية لها فرع في دبي براتب خيالي، يهلّ عليهم في زيارات موسميّة خاطفة· كلما أتى لزيارتهم، يشكو من أنه لم يجد موقفًا قريبًا لسيارته تحت عمارتهم، ويتحدث على الموبايل أكثر مما يتحدث معهم· وفي النهاية تأتي تلك المكالمة التي ينتظرها، فيتفاعل مع الطرف الآخر همسًا وضحكًا، قبل أن يجد نفسه، كما يقول معتذرًا، مضطرًًا للمغادرة، فلا يأكل سوى القليل من ورق العنب الذي أمضت ختام الليلة الفائتة بطولها تلفّه من أجله· أما البنتان، بكراهما، فكل واحدة مع زوجها وعيالها، الذين يتكاثرون عامًا بعد عام، في بلد؛ هيام، الكبرى، تزوّجتْ قبل سبع سنوات زميل الدراسة في كلية الاقتصاد في جامعة اليرموك· أحبّته وتزوّجته رغم اعتراض أهلها وأهله على الموضوع· بعد ثلاثة أبناء، انحسر اعتراض الأهل من الطرفين، وبات يتعيّن عليهم أن يتدخلوا في إصلاح العطب الذي أصاب زواجهما سريعًا، فلقد تطلّقتْ حتى اليوم مرتين· أما حياة، التي تصغر شقيقتها بعامين، فتزوجتْ بعدها بعامين وهاجرت مع زوجها وطفلها حديث الولادة إلى كندا· منذ أربع سنوات لم تزرهم سوى مرة واحدة· أنجبتْ طفلة ثانية أرسلت لهم صورتها عبر الانترنت· بفضل الانترنت، تدردش ختام معها كل أسبوع، وقد تعطيها وصفات بعض الأطباق الأمومية النكهة التي تجعل غربتها أكثر احتمالاً وأقلّ قسوة وجفافًا·
ظهرت أمامه على الشاشة امرأة خمسينية ضخمة فاحت منها ألوان كثيرة· بذلتْ جهدًا تجميليًا كبيرًا كي تبدو أصغر سنًا فبدتْ في النتيجة النهائية أكبر· شعرها الكثيف، الذي يقينًا هو شعر مستعار، شعّ باحمرار ناريّ غير حقيقي مرهق للنظر، مشتّت للإحساس· كان طويلاً ومرسلاً، بلفات وثنيات وطبقات كثيرة زائفة· رسمتْ عينيها الغائرتين بكحل عريض وداكن، كما طلتْ رموشها الاصطناعية بطبقة سميكة من الماسكارا، ومع ظلال العين السوداء التي افترشت كامل مساحة جفنيها العلويّيْن، اللذين تقابلت ظلمتهما المطلقة مع حمرة شفتيها الفجتيْن، تبدّت في هيئة ساحرة ملعونة· لعن نفسه، تحمس للعنتها في البدء· غمزتْ له· ثم أيقن أنها تغمز لكل جمهورها المتحمّسين من الرجال الذين يجلسون على الكنبات في صالوناتهم، أو تنحني قاماتهم أمام شاشات الكمبيوتر في الصمت الذي يخرقه هسيس الشاشة، حتى وإن كانوا غير حليقي الوجه، برائحة فم عكرة، بنصف بيجامة، وشبشب الحمام· أرسل نظره إلى ماري فوجدها تتأمل صورة رفاق الأبيض والأسود البعيدين، ضاحكين ما يزالون، إلى الأعلى من مشهد الخمسينية، دونما فضول من جانبها·
صفحة 6
انسحبتْ الخمسينية إلى يمين الشاشة، فبان خلفها سرير مفرد بقوائم حديدية فوقه فراش أحمر، استند على حائط أبيض قذر· على طرف السرير جلس فتى عشريني أشقر نحيل وقصير، أو ربّما لم يكتمل طوله بعد، ذلك أن ساقيه اللتين تدلتا على نحو طفولي لم تصلا الأرض· انتعل حذاء رياضيًا ملونًا· وعندما دنتْ الكاميرا منه، قدّر من خلال وجهه الطري الخالي من أي أثر لتغضنات أو شعر ذكوري أنه لم يتم عامه العشرين·
قالت له ماري إن زبائن آخرين ينتظرونها، لا تستطيع أن تتأخر أكثر من ذلك، فوضع إصبعه على فمه:
- ششششش!
عادت الخمسينية، التي نظرت إلى ماري بلؤم، لتحتلّ الشاشة بكامل إطلالتها· دارتْ ترهّل قوامها وفيضه، بلا ضوابط، من الجوانب بأن ارتدتْ مشدًّا للخصر أزرق مطرزًا بخرزات ذهبية لامعة· ارتفع صدرها، إثر ضغط المشدّ، إلى الأعلى هائلاً، كومتين من لحم متفجّر· انتهى المشدّ بتنورّة قصيرة جدًا وعريضة من الشيفون الأصفر، كشفتْ عن فخذيْن ضخمتين، كجذع شجرة عتيقة، أسندتا عجيزة مستطيلة، مترنّحة· وحين تراجعت الكاميرا إلى الوراء أكثر، لم تكن هناك أية إضافات أخرى في المشهد الذي روعي فيه الاقتصاد حتى الرخص التام· لم يوجد مقعد أو كنبة، بإسفنج متخسّف من الجلوس الذي تقتضيه الحياة المألوفة، لم توجد منضدة عليها شيء من دبق أو غبار· لم تكن ثمة طاولة زينة، أو ستائر أو مرآة أو خزانة أو سجادة ببقعة من آثار عصير لم يذهب تمامًا مع التنظيف· لم تكن هناك رزنامة أو صفحة شهر منها، أو صورة في إطار، حتى وإن كانت لأناس افتراضيّين، أو منفضة سجائر بها عقب سيجارة أو زجاجة ماء أو كأس ترنّختْ في قاعها بقايا شراب· فقط كان هناك السرير والفتى والساحرة·
تأمل الفتى ساحرته بعينين جائعتين· شفتاه ارتختا من الذهول وما يشبه عدم الاستيعاب لما سيأتي· أخرجت الساحرة لسانها ولعقتْ شفتيها، المحقونتيْن بانتفاخ صناعي، ببطء· حركت لسانها بحركة دائرية، من الشفة العليا إلى السفلى، ثم من السفلى إلى العليا· وسط طريق اللعق قد تتوقف قليلاً، تمدّ لسانها إلى الخارج أكثر، مصدرةً فحيحًا، ثم تمصّ إصبعها· ارتعشتْ عظامه واضطرب لحمه الرقيق تحت فانيلته القطنية البيضاء·
فتحتْ الدماء مجاري مغلقة في جسده، توزّعتْ في أجزاء الجسد كلها، حتى المهملة منها· صدّ بدايات دوار قبض على رجليه، صاعدًا، في دوامة متسارعة، إلى الأعلى· كان مستثارًا· وكان مرعوبًا· استأذنته ماري في الذهاب إلى الحمّام· فزّتْ من على الكنبة مسرعة، هاربةً من التفاصيل القادمة· حاول أن يستبدل الساحرة الخمسينيّة بصورة الشقراء البريئة، بالحلمتين المترفتين، على غلاف الفيلم فخذله خياله· شعر بألم الرغبة حين تجاهد هذه الرغبة، عبثًا، كي لا تُفصح عن نفسها· ومع تمطّي حيوانه، غصبًا عن رغبته بألا يرغب، اشتدّت حماوة الألم، مستشريًا بأناة عرضيًا وطوليًا وفي كلّ اتجاهات جسده·
صفحة 7
غابت ماري في الحمام طويلاً· هرع الفتى الأشقر نحو ساحرته ملقيًا برأسه الصغير على صدرها، داعكًا وجنتيه الغضتيْن في لحاف ثدييها السميك· بضآلته المفرطة وضخامتها الهائلة، حيث ضاقت الشاشة بزوائدها الجسدية، كان يمكن أن تفترسه· فرد ذراعيه فلم تلتفا حولها بالكامل· ضحكتْ باستهزاء· قهقهتْ، ملقيةً رأسها إلى الوراء، فسدّ فمها المشرع الشاشة، وبانت أسنانها التي كسا السواد قسمًا كبيرًا منها· تشمّم الفتى رقبتها وشحمة أذنها التي تدلى منها قرط كريستالي كبير كثريّا فدفعته بذراعها وطرحته على السرير· حاول أن ينهض فدفشته بيدها القوية ثانية، ليسقط جسده على السرير بارتداد أعظم· لم تنتظر أن ينهض ثانية· أنزلتْ سحاب بنطلونه الجينز· وقف حيوانه كزنبرك ظل مضغوطًا لزمن في صندوق معتم· رجرجته في يدها ثم عصرته· ضغطتْ ببطء، ضغطتْ بقوة ثم أرختْ قبضتها· أسلم الفتى المنطرح على السرير عينيه الشقراوين المحمرتين، من الاشتهاء المدرك في غالب الأوقات بالعادة السرية، لنصف إغماضة· بدا عاشقًا، راغبًا خمسينيته بشغف أصيل، أصالة الأشياء الأولى والتجارب الأولى المفاجئة والممتعة رغم بدائيتها· كان يمكن جدًا أن تكون قد تولدتْ لديه مشاعر رومانسية في غير موقعها· كان مضحكًا ومثيرًا للشفقة· إذ تخدّر جسده، أخذتْ الساحرة حيوانه، في فمها، تلوكه بشراهة، وسط تداخل خوارها المسرحيّ مع تأوّهاته الطفلة، وحشرجات قوائم السرير الحديدية·
سمع صوت باب الثلاجة في المطبخ يُفتح ويصفق بعنف، تبعه صوت تنفس الصودا عند فتح علبة مشروب غازي· عادت ماري إلى كنبتها في الصالون مرتديةً هيئة مرتاحة أكثر، تعبّ من علبة كوكا كولا· استنتجتْ أنها لن تلحق بكل زبائنها، مستسلمةً، دون تبرّم كثير، في آخر الأمر لشروطه· كرهها، لأنها خلعتْ تحفّظها، تشرب الكوكا كولا الباردة بمزمزة، وكره أكثر أن تعبّر رغبته عن نفسها فيه بإلحاح، محاولاً قدر المستطاع أن يستبطئ انتصابه الملحّ عليه· صعدتْ الرغبة من ساقيه إلى ريقه الذي جفّ· التفت إلى ماري· كانت قد خلعتْ صندلها ورفعتْ ساقيها على الطربيزة، متحرّرة من يقظتها ووعيها بعلاقتها بالمكان، متخفّفة من يباسها الأول، شبه مستلقية على الكنبة، بعلبة الكوكا كولا الفارغة تتأرجح في يدها· صفرة وجهها التي بلغتْ أشدّها مع إخراج الساحرة الخمسينية لسانها انحسرتْ· كأنها نعسانة، أو تقاوم ارتخاءً لذيذًا، لا بدّ وأنه حاصل بعد القيام بمجهود عظيم· استأذنها في مغادرة الصالون· لم تلتفت له· كانت تتابع باهتمام غير متوقّع سحر الخمسينيّة الأسود يفعل فعله بالفتى الذي انكمش أكثر بينما ابتلعه موج الغيبوبة·
صفحة 8
نهض مسرعًا، متوجهًا إلى الحمام، يُقاوم استفحال ألم الرغبة في لحمه الرقيق· ما إن تحرّر زرّ بنطلون البيجامة من عروته حتى نطّ عضوه من فتحة الكلسون، متنفّسًا، متمدّدًا، نافضًا آثار حبسه· أطبق بكفّه عليه كفمٍ، يتّسع أو يضيق· ضغط عليه· فركه· ذهب فوقه عدة مرات· كفّه كانت جافة· بحث عن الصابونة· كانت قد اختفتْ· ماذا فعلت بها ماري؟ بسرعة، صبّ في كفّه قليلاً من شامبو بيبي جونسونالذي تستخدمه ختام· انزلق السائل الصابونيّ اللزج على عضوه، فتعاظم استنفار أحاسيسه على مزيج الرطوبة واللزوجة والبرودة فوق سطح حار ملتهب ورغبة أشدّ التهابًا· وقعتْ عينه على مرآة الحمام، فأبصر الساحرة الخمسينية تقضم عضو فتاها، فأطبق عينيه بشدة، ليفتحهما في خياله على مشهد غرفة الفيلم نفسها، لكن غرفة خياله أكثر اتساعًا، أشرح للنّفْس، أبهى للقلب وذات تفاصيل مقنعة أكثر، وثمة سرير آخر فيها غير السرير الحديدي، من الخشب البني وبقوائم تتدلّى منها ستائر من الشيفون الأحمر، ترتفع الستائر، فتكون شقراء الغلاف مستلقية على السرير، تبسط لرجل، يشاء أن يكون هو حين تستدير الكاميرا نحوه، جسدها العاري إلا من سلسلة تعبث بها في فمها، رافعة رجليها المضمومتيْن إلى أعلى لتعطيه زهرة مخروطية بعنق صغير نافر إلى الأمام· تنادي عليه كي يسرع، فيدقّ عنق زهرتها·
تسارعتْ حركة كفه فوق عضوه· سال جزء من الشامبو على الأرض· بضع قطرات منه لطختْ بنطلون بيجامته· غام بصره تدريجيًا، فاهتز مشهد شقرائه، متداخلة شفتها التي تعضها بأسنانها البيضاء وهي تستلذّ المتعة مع شفة الساحرة الخمسينية العريضة· استعاد شقراءه، مخلِّصًا صورتها من لعنة الساحرة بصعوبة، متابعًا حركته المحمومة السريعة فوق حيوانه الناهض· جمعتْ رغبته الموزعة في أقاصي جسده ذاتها، متوجهةً نحو نقطة النشوة بسرعة سيل هابط من جرف سحيق· عندما انتفض بعنف أخيرًا، ارتفعتْ معه أحاسيس كثيرة ارتطمتْ بسقف جسده قبل أن تهبط ثانية، فيهبط معها أرضًا بعد تحليق طفيف· اختفتْ الشقراء والساحرة الخمسينية· غابت عيناه وراء غلالة من عرق نشوة ارتُجيتْ إغماءتها رجاءً حارًا· حين فتحهما قليلاً، أبصر أمامه سحابة من نتف قطنية بيضاء· فتحهما على اتساع أكبر، رأى طفلاً يضحك، على رأسه رغوة صابون، كأنها سحابة من القطن· على علبة الشامبو، وتحت صورة الطفل الضاحك بهناءة، قرأ: لا دموع بعد اليوم·
ركبتْ الساحرة فتاها، رافعةً تنّورتها الصفراء حاسرةً عن عجيزة شديدة الضخامة، بالكاد استوعبتها الكاميرا العاملة في الفيلم لوحدها· كانت ماري تتابع المشهد بفضول حين قالت له، دون اهتمام حقيقي من جانبها، إنه يبدو شاحبًا· جلس بتثاقل على الكنبة· سألته ما إذا كان يشعر بتعب ما· لم يعجبه تلمحيها، ذلك أنها كانت تهزّ ساقيها على الطاولة وهي تلاحقه ببصرها· فكّر أن يرد على تلميحها اللئيم بأن يسألها عن الصابونة· أين ذهبتِ بها؟
صفحة 9
شعر بفراغ كبير، عميق جدًا، بحيث أن أيّ شعور وأيّ شيء يمكن أن يسقط فيه· بدأتْ الساحرة في الارتجاج فوق فتاها· بحث عن علبة سجائره، فوجدها غائصة في زاوية الكنبة· أشعل سيجارة وسحب نفسًا طويلاً· حين انقشعتْ سحابة الدخان، ظهرتْ له الساحرة ترتجّ ما تزال، وقد علا خوارها المسرحي أكثر· أخذ الريموت كونترول من على الطربيزة وأوقف تشغيل الفيلم· نظرتْ إليه ماري متشككةً، فقال لها:
- لن آخذه· هل رأيتِ الشرموطة التي فيه؟ إنها لا تشبهها·
نقر على غلاف الفيلم الذي يحمل صورة الشقراء الناعسة الفاتنة بعصبية· أنزلتْ ماري ساقيها من على الطربيزة، وقذفته بنظرة غاضبة:
- هذا أمر لا يعنيني· لقد تفرجتَ على الفيلم كلّه· وسوف تدفع ثمنه· مفهوم!
رمى الغلاف على الطربيزة مغتاظًا، وأطفأ السيجارة قبل أن تحترق بالكامل في المنفضة المليئة بأعقاب السجائر، مستجمعًا إصراره:
- هذا غشّ! البطلة في الفيلم ليست هي نفسها البطلة على الغلاف· لن أشتريه·
وقفتْ ماري في هيئة المستعدة لنشب جوارحها كلها فيه:
- كنتَ تستطيع أن توقف الفيلم من البداية، لا أن تشاهده حتى النهاية ثم تقول إنه لم يعجبك·
غدتْ الآن أطول قامة مما كانت عليه قبل ساعة· لم تعد تلك البائعة المتوسّلة التي فتح لها الباب تنوء قامتها القزمة بحقيبة جلدية مهترئة مليئة بأفلام الـدي في ديالمستنسخة· Please sir، قالت له· تستطيع أن تتفرج واشترِ فقط ما يعجبك· طلب منها بنبرة خانعة أن يمرّ سريعًا على أفلام أخرى، بالتأكيد سوف يجد الشقراء ضالته· لكنها رفضتْ· توسّل إليها:
- فيلم واحد فقط·· أرجوك!
صفحة 10
ظلّتْ على رفضها· في عينيها اللتين اتسعتا كثيرًا، رأى الساحرة الخمسينية تتفحصّه، لم تكن معجبة به بالتأكيد· نقدها ثمن الفيلم· لم يساومها على السعر· كانت ستنقضّ عليه لو أنه فتح فمه بحرف· كانت لا تزال تنتفض بغضب وهي تجمع الأفلام الكثيرة التي نثرتها على الطربيزة وتضعها في حقيبتها الجلدية، عندما قال لها إنه يريد أن يشتري أفلامًا أخرى·
- دون أن تتفرّج عليها·
اشترطتْ عليه، فوافق دون أدنى مقاومة· استعاد وجهها هيئة البائعة المهتمّة، الصبورة، واسعة الصدر، لكن غير المتوسّلة تمامًا·
أحد الأفلام حمل غلافه صورة سمراء ذات شعر أصهب وعينين خضراوين ممدّدة على فراش عاجي· كانت عارية· تمطّى جسدها الرشيق على السرير ذي القوائم الذهبية برشاقة، ساقاها المفتوحتان تعربشتا بالقوائم كقطّة· غطتّ ثدييْها الصغيرين بإحدى يديها، وفردت الأخرى فوق جانب من عضوها الذي كساه الشعر بكثافة· فيلم ثان تقاسم غلافه رجل ذو قامة رياضية مثيرة وصبية بملامح طفلة، بشعر مربوط في ذيل حصان· كانت على قوائمها الأربع، وكان في سبيله لأن يأتيها من الخلف·
في فيلم ثالث، أدارت ثلاث شقراوات حسان له ظهورهنّ وأعطينه مؤخراتهن، المكوّرة، المهذبة، التي تدلّتْ من خصورهن بسلاسة كما تتدلى قاعدة الجيتار، متّسعة ومعرضّة باتساق من خصره الناحل، وقد أرخينَ سراويلهنّ الجي سترينغحتى المنتصف· أشعل سيجارة ثانية، فتململتْ ماري قائلة:
- لقد تأخرتُ كثيرًا· يجب أن أمشي·
وضع يده على فمه، مشيرًا لها:
- ششششششش!
اشترى الأفلام الثلاثة كلها· فقد أعجبته أغلفتها·