صفحة 1
مقدمة المترجم
(1)
إنها كتابة تمنح موضوعها سيولة، تتيح لأجزائه أن تنتقل وتتقاطع وتتوالد وتتآلف، إنها كتابة يلعب الهواء الحر بين سطورها، تقرأ على إيقاع التنفس الصباحي.·
بهذه الكلمات أختتم ما يمكن أن نصفه بأوفى محاولة للرحيل في النسيج العقلي لإلياس كانيتي، بقلم عربي· مع ذلك فإن الانبهار والإحساس بالمفاجأة اللذين يضخانها لم يقتصرا على صاحب هذه الكلمات وحدها، وإنما كمنا في الحقيقة في صلب الجانب الأعظم من محاولات تلمس أبعاد عالم كانيتي·
تضم أعمال كانيتي رواية طويلة، ثلاث مجموعات من المقالات، دراسة هائلة للظاهرة الجماهيرية استغرق إعدادها ربع قرن من الزمان، مسرحيات عدة، وسيرة حياة ذاتية· مع ذلك، فحينما أعلنت لجنة جائزة نوبل فوز إلياس كانيتي بأعظم جائزة للآداب في العالم؛ تساءل النقاد والكتاب الاختصاصيون على امتداد العالم في غير قليل من الحيرة: من الرجل؟ وما أعماله؟
حين صدرت رواية كانيتي الموسومة .أوتو دافي. لأول مرة عام 1935 مفجرة، في إطار من الكوميديا السوداء، هجوماً بالغ العنف على الفاشية، وموجهة نقداً شديد المرارة للقوى التي ساهمت في انهيار النزعة الإنسانية الليبرالية، صدر قرار فوري بحظر تداولها في ألمانيا، وقدر لها أن تنتشر كاللهب في سبع عشرة دولة، لكن ناشر الترجمة الإنجليزية في لندن، حيث يقيم مؤلفها، أسقطها من قائمته في عام 1978 خلال المراجعة الدورية المعتادة، ولم يقدر لأعماله التالية أن تجتذب اهتمام الكثيرين من النقاد أو الكتاب، دع جانباً القراء، الأمر الذي ترك الكاتب البلغاري المولد وسط ظلال، جابه محاولة الرحيل عبرها عقب فوزه بجائزة نوبل بقوله: .من يرد الإلهام بشيء عني فعليه بقراءة كتبي.·
غير أن مذكرات كانيتي الموسومة .اللسان طليقاً. لا تفض أسرارها بسهولة للقارئ وإنما تدعو، لرحلة طويلة عبر شعاب وعرة·
ولد كانيتي عام 1905 في بلغاريا، ثم انتقلت أسرته عقب ذلك إلى إنجلترا· تلقى تعليمه في هذه الأخيرة، وكذلك في النمسا وسويسرا وألمانيا، وحصل على درجة الدكتوراة في الكيمياء من جامعة فينا عام 1929، غير أنه قرر أن يشق مجرى حياته في عالم الكتابة· ورغم تملكه لناصية ثماني لغات، إلا أنه آثر دائماً الكتابة بالألمانية، التي كانت لغة الحديث في أسرته، وحتى عقب نفيه من فينا في 1938، إثر قيام النازي بضم النمسا، واصل الكتابة بالألمانية، ورغم حصوله على الجنسية البريطانية، وإقامته في لندن منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، فما يزال يكتب بالألمانية حتى اليوم·
يسود أعمال كانيتي شعور عنيد بالخصوصية الفردية، المتدافقة بالأفكار، وتدل كتبه على نطاق هائل من الاهتمامات، لكنها تفصح كذلك عن انضباط عقلي صارم، قل نظيره في عالم فكري يميل إلى طرق أقصر الدروب، وإلى الانقياد من الاستسهال إلى التسيب، بحجة مواكبة إيقاع الحياة عند المنعطف الرابع للقرن العشرين·
رغم محاولات التعرف العربية، التي بذلت عقب فوز كانيتي بجائزة نوبل، فإن الرجل لا يزال في أذهاننا شبحاً ضبابياً، ويظل -دونما إجابة مقنعة- سؤال محدد: ما هو جوهر العالم الخلفي الذي انبثق منه فكر كانيتي، وبأي معنى يمكن لنا نحن العرب أن نلج مداخل هذا العالم؟
صفحة 2
(2)
إن وعي الأمة بنفسها يتغير عندما، وفقط عندما، يتغير رمزها.
تلك كلمات كانيتي في أهم أعماله .الجمع والسلطان.، الذي استغرق إعداده قرابة ربع القرن، والصادر في 1960 والذي يتصدى للظاهرة الجماهيرية، التي ظلت مبحثاً شديد المراوغة يتحدى محاولات الإمساك به من جانب علماء الاجتماع ودارسي النظرية السياسية، لا نقول منذ خصص أرسطو مبحثاً لأسباب الثورة في كتابه .السياسة. وإنما منذ حاول لوبون ضبط الظاهرة ومحاصرتها، فراوغته حتى وصفها بأنها ظاهرة .نسائية.، إلى محاولات القائلين بالمدرسة السلوكية لمحاصرتها في ضوء معطيات المعمل السياسي·
هذا الكتاب يتغذى من العالم الذي عاصره، لكنه أيضاً يستحضر تجارب القرون، فتضج جنباته الواسعة بأصداء شتى لا يحصي القارئ الجهات التي تهب منها وتأتي، يكاد يكون تاريخ البشر بكامله، لكن الهم واضح وصريح ومحدد: محاصرة الظاهرة الجماهيرية، تشريح الجمع في اندفاعه، وحشيته، توقفه، سكونه، وانحلاله·
وعودة إلى المقتطف الذي بدأ منه هذا الاستطراد، يلاحظ كانيتي أن الرموز القومية هي على الدوام رموز للجموع وسلطانها، أو أنها رموز لخصائص الجموع في توليدها للسلطان·
يضرب كانيتي أكثر من مثال واحد للدلالة على ما يعنيه هنا، فالبحر بالنسبة للإنجليزي ليس حياة فحسب، وإنما هو تجاوز للحياة والموت معاً، فكل إنجليزي يرى نفسه قبطاناً بحرياً، البحر مصدر قوته وميدان مغامرته، والبحر قبره الذي يضعه في النهاية، البحر مصدر التحول، تفاعلاً مع الدنيا، وهو أيضاً مصدر الثبات، صموداً في وجه الآخرين، واتقاء لغيلة المهاجمين·
في المقابل فإن السد هو الرمز الجمعي لهولندا، رغم كونها قوة بحرية في الأساس، قارع أسطولها إنجلترا على امتداد بحار العالم· لقد كان على الهولندي عبر البحر أن يكسب الأرض التي يقطنها، فهي منخفضة إلى الحد الذي اضطره للجوء للسد لحمايتها من غائلة البحر، والخندق، وهو صورة أخرى من السد، لدفع الغزاة عنها، هكذا فالخنادق بداية حياة الهولنديين القومية ونهايتها، وحينما يرفعون راياتها في أوقات الخطر فإنهم في المقام الأول، يرفعونها ضد البحار الكامنة في صدورهم·
صفحة 3
والرمز في ألمانيا تماماً مختلف إنه .الغابة الزاحفة.، ففي ألمانيا تمثل الغابة الرحم العتيق الدافئ واهب الحياة، ومانح القدرة على استمراريتها، ومن صرامة الغابة الألمانية وانضباطها يستمد الجيش الألماني مقوماته·
لكن الرمز في فرنسا تتكاثف جزئياته إلى حد التعقيد، إنه الثورة، وبالتحديد ثورة 14 يوليو، حين انطلق جمع ظل طوال القرون ضحية للتصور الملكي للعدالة، ليحقق العدالة بكفيه العاريين، فيقتحم الباستيل، منفجراً في المارسييز، ومسجلاً تلك الحيوية التي لا تفتأ تتجدد مع كل استحضار للرمز القومي·
لو أننا سايرنا هذا النمط من التفكير -رغم ما قد يكون لنا عليه من تحفظات- فما هو الرمز القومي الذي يمكن أن نتصوره للعرب، وكيف يتفاعل هذا الرمز مع حياتهم النفسية الجمعية؟
لأول وهلة لا يبدو التصدي لعلامة الاستفهام تلك أمراً يسيراً، وهذه الصعوبة شديدة الأهمية في الدلالة على الوضعية الراهنة للرمز، وعلى تمزق النسيج الذي يربط الأمة بوعيها، على نحو يندر أن نرى له نظيراً· مع ذلك فإن نظرة مدققة كفيلة بأن توضح أن الرمز القومي للعرب هو الصحراء، حقاً إن الكثيرين منا قد يعيشون أعمارهم وأعينهم لا تكاد تلمح الصحراء، إلا في إطلالة سريعة، ينطبق هذا القول على أبناء الريف النهري، الذين لا يعرفون درباً إلى خارج قراهم، وقاطني المدن الذين ينفقون أعمارهم في سراديبهم الأسمنتية المغلقة كالقبور، مع ذلك فالصحراء كامنة في صدورهم جميعاً، حاضرة ذلك الحضور المتوهج، الذي لا يملكه إلا الرمز، وما من دليل على ذلك أقوى من خروج العرب للصحراء وقت الخطر للقتال، وهي تجربة -على عكس ما يتصور الكثيرون- نم حسن طالع أبناء هذه الأمة أن خاضوها مؤخراً؛ ففي الصحراء، وفي أقل من نصف عقد من الزمان، تهاوت في صدور جيل بكامله من الشباب العربي كل البنى والهياكل والتراكيب، التي فرضت على الحياة العربية، منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ورغم كثافة غبار الانكسار، فإن الأعمى وحده هو الذي يعجز عن تبين -في قلب الركام- ملامح ما هو آت·
مع ذلك، فإن ثمة ملاحظة دقيقة لا بد من تسجيلها هنا، حقاً إن الصحراء هي بالنسبة للعربي المنطلق، وهي أيضاً المآب، وهي بين هذا وذاك المعقل الحقيقي، الذي يلاذ به وقت الخطر تلمساً للقوة، ووقت البلاء نشدانا للحكمة (هل لنا أن نتذكر أنه حتى في القرى النهرية يرحل السكان بأطفالهم مع ميلادهم إلى الصحراء، التماساً لبركات الأولياء المدفونين في الصحراء، هكذا يفتح الطفل العربي عين الدهشة في مطلع حياته على الصحراء في تجردها الصامت كالسيف، ثم يغمضها عليه أيضاً، إذ إن معظم المقابر حتى في مثل هذه القرى وفي المدن موجودة في الصحراء؟) نقول حقاً إن الصحراء هي المنطلق والمآب، لكن الخطير أيضاً أن هذا الرمز شرع في الشحوب، وشحب معه الوعي القومي، وسقط العرب في الأرض الخراب بين رمز قديم يجري هجرانه بضراوة، ورمز جديد لم يتبلور، وليس ثمة ما يدل على أنه موشك على التبلور قريباً·
صفحة 4
ولكن ألا تنقلنا هذه الملاحظة إلى صلب العمل الوحيد لإلياس كانيتي، الذي يدور تحت سماء عربية، وهو كتابه في أدب الرحلات الموسوم .أصوات مراكش. والماثل بين يدي القارئ الآن؟
.لم يكن هناك إلا الهباء إنها الحقيقة ذاتها، باحة موت ضائعة، حينما تنظر إليها لا تحس بأدنى اكتراث بهوية الراقدين تحت التراب وموضع ضجعتهم الأخيرة، لا تتوقف! لا تتأمل الأمر! ها هم جميعاً يرقدون كومة من حجار، فتود لو تهرع فوقهم، منطلقاً كالضبع، إنها برية للموتى ما عاد شيء ينمو فيها، البرية الأخيرة، آخر البريات جميعاً.
تدفق هذا الفيض من الشعور بالهباء، بالعدم، في الموضع الوحيد من هذا العمل، الذي تناول فيه إلياس كانيتي الحديث عن الصحراء، وربما كان في ذلك يعكس مشاعر الكثيرين من العرب أنفسهم، الذين شرعت عرى الارتباط بينهم وبين رمزهم القومي في التحلل· أليس من العجيب حقاً أن هذه الإشارة تتناول رؤية للصحراء من خلال··· مقبرة؟ لكن كانيتي يملك العين الأسطورية، التي تذكرنا في حيوية وتوهج بعين تشيخوف القادرة على الإلمام في لمحة بالتفاصيل، كل التفاصيل الدقيقة والإنسانية التي وصفها نابوكوف مرة بأنها .تفاصيل إلهية.، فها هو ذا يعود ليخرج برؤية كلية من خلال التفاصيل، متنسماً عبق الحياة الأشمل في غور المقبرة فيقول: .في طريق العودة لم تبد لي أحجار القبور الركام ذاته، فقد أصبحت أدري أين يتجمع سناها وحياتها.
ليست .أصوات مراكش. عملاً قاتماً كما قد يوحي المقتطف الأول، وإنما هو في الحقيقة أقرب إلى معمار موسيقي، شديد الرهافة والدقة، يشف حد الشجن، يصخب حد العنف، يسافر راحلاً في الفرح، يتماوج مخاصراً المدينة التي يعزف في رحابها، ثم ينساب مختزلاً نبض مراكش في دقة مذهلة·
يمكن القول بأوسع المعاني بأننا في .أصوات مراكش. بإزاء ثلاث حركات متمايزة، ومتناغمة، في نسيج شديد التداخل والتركيب، ومحاولة فصل جزئياته هنا إنما تعتمد التبسيط، بهدف استشراف روح العمل·
صفحة 5
تضم الحركة الأولى المقاطع الخمسة الأولى من الكتاب، بدءاً من .وجهاً لوجه مع الإبل. وانتهاء بـ.الدار الصامتة والأسطح الخاوية. تبدأ بضربات قوية، لكأننا بين يدي خامسة بيتهوفن، هي ذي جعجعة الإبل ترتفع في عتمة الغروب، مجلجلة بكل ما في المدينة المشرقية من جبروت قدري، يخيل للغريب أنه جبروت المدينة ذاتها، يثور عنفوانه في مواجهة محاولته اكتناه أسرارها، لكن المدينة، التي ودعت العنفوان الحقيقي في مكان ما على الطريق الطويل الممتد من القرون الوسطى، لا تلبث أنفاسها أن تتقطع، فلا تملك الاستمرار طويلاً في التظاهر بالجبروت، هكذا تصل أصواتها إلى حد الموات في .الدور الصامتة.·
الحركة الثانية التي تشمل ا لمقاطع الثلاثة الوسيطة المشكلة لأطول أجزاء الكتاب، بدءاً من: .المرأة المطلة من النافذة. مروراً بـ.إلى باب الملاح. وانتهاء بـ.عائلة الدهان.، تبدأ أيضاً بلقاء مع القدر· ولا أظن القارئ يجد كثيراً في الأدب العالمي شجن هذا اللقاء ورقته وشفافيته، التي يعزف الكاتب الغربي أنغامها، فيفجر فينا نحن الشرقيين حزن آلاف السنين وإحباطها وتعاستها، المرأة الجميلة المهيمنة عند النافذة، مقدمة العطاء الإنساني الوحيد في مدينة بلا قلب، حين تتكشف عن نوازع الجنون، إنما تقدم لنا بحدة وكضربة سيف دم عشقنا المهدور، ضياع ثوراتنا التي ركب موجاتها الانتهازيون، فننا الذي تحول إلى تلاعبات بلهاء بالشكل، تخفي موات المضمون، ديننا وقد تحول من ثورة اجتماعية إلى .دروشة. راحلة في الغياب، وبكلمة تقدم لنا اغترابنا وقد فشت كل أساليب الانعتاق في تحريرنا من إساره·
في الحركة الثالثة التي تبدأ بلقاء مع .الحكواتية والكتبة. لتنتهي أمام أحجية .المُحجَّب. نحن في لقاء مع القدر أيضاً، ها هم الحكواتية يعيدون بأقاويلهم الطنانة جعجعة الإبل في صدر الكتاب، لكن محاولاتهم تجميل وجه المدينة المحتضر، ببطولات الفرسان الراحلين، لا تفلح في إخفاء الحقيقة، هذه الحقيقة التي سرعان ما يقدمها لنا .المُحجَّب. بصوته أحادي المقطع، المتردد أبداً، الذي تحار مع الكاتب في تفسيره: أهو ندب صامت للموات الشرقي، الذي كان مدينة يوماً أم هو بشير بانبعاث الآتي؟ إنه على أي الأحوال .الرفع. المذهل للجبروت الصاك عند أسوار المدينة، وللموت المهموس في قرارها·
وحدها المدن التي تملك عبقرية الانبعاث من موات القرون، لتمتد باتجاه تجاوز الأسوار، لا الغرق في رحاب المقابر، تستطيع أن تجعل .المُحجَّب. رمزاً للغد الآتي واهب الحياة·
فتسمع ما حولك!
تسمع ما حولك!
المترجم
صفحة 6
وجهاً لوجه مع الإبل
مرات ثلاث التقيت بالإبل، وانتهى كل لقاء على نحو مأساوي·
قال صديقي، بعد وقت قصير من وصولي إلى مراكش:
- لا بد أن أريك سوق الإبل، في صباح كل خميس ينعقد قرب السور، على مقربة من باب الخميس، أي في الجانب الآخر من المدينة، من الأفضل أن أمضي بك في سيارتي إلى هناك·
حل يوم الخميس، فانطلقنا بالسيارة إلى هناك، كنا قد بدأنا رحلتنا متأخرين، وحينما بلغنا الميدان الفسيح، الممتد قرب سور المدينة، كان النهار قد انتصف، لاح الميدان خالياً على وجه التقريب· في الطرف البعيد، على بعد حوالي مائتي ياردة من حيث وقفنا، انتصب جمع من الناس، لكننا لم نلمح بعيراً واحداً· كانت الدواب التي عكف عليها هذا الجمع هي الحمير، وكانت المدينة حافلة بها على أي حال، فهي تحمل الأثقال، وتساء معاملتها، وكنا يقيناً أبعد الناس عن الرغبة في مشاهدة المزيد منها· قال صديقي:
- تأخرنا كثيراً، انفض سوق الجمال·
انطلق بالسيارة إلى قلب الميدان، لإقناعي بأن ليس هناك المزيد مما يمكن أن نشاهده·
لكننا، قبل أن يقف، لمحنا جمعاً من الناس ينفرط عقده· وسط الجمع انتصب بعير، متوازناً على أخفاف ثلاثة؛ إذ كان قائمه الرابع موثقاً· التفت حول خطمه كمامة حمراء، تدلى حبل متوسطاً منخريه، راح رجل يقف على مبعدة، يحاول المضي بالدابة بعيداً· كان البعير يمضي قليلاً إلى الإمام، لكنه سرعان ما يقف، يشب فجأة في الهواء على أخفافه الثلاثة، بدت حركاته مفاجئة مثلما هي مخاتلة· في كل مرة كان الرجل الذي يقوده يتراجع، فقد كان يخشى الاقتراب منه، وقد فارقه اليقين مما يمكن أن يحدث بعد قليل، لكنه كان يحكم جذب الحبل كرة أخرى، بعد كل مفاجأة، فأفلح شيئاً فشيئاً في المضي بالدابة في اتجاه محدد·
توقفنا، أحكمنا غلق نوافذ السيارة، فقد تحلقنا صبية من المتسولين، علت على أصواتهم وهم يتكففوننا جعجعة البعير· في إحدى المرات وثب جانباً، في عنف بالغ، حتى إن الرجل الذي كان يقتاده أفلت منه الحبل، ابتعد النظارة، الذين وقفوا على مبعدة يرقبون المشهد· أثقل الخوف الهواء حول البعير، كان الشطر الأعظم ينبعث من الدابة ذاتها· سايره الرجل هوناً، التقط الحبل الذي تدلى على الأرض، وثب البعير في الهواء، متنحياً جانباً بحركة حادة، لكنه لم ينطلق من عقاله مرة أخرى، فاقتاده الرجل بعيداً·
صفحة 7
ظهر رجل لم نكن قد لمحناه قبلاً، خلف الأطفال الذين تحلقوا سيارتنا، نحاهم جانباً، بفرنسية متعثرة أوضح لنا الأمر:
- البعير أصابه داء الكلب، هو خطير، يمضون به إلى المجزر، على المرء أن يكون حذراً جداً·
ارتسم الجد على ملامحه، وبين كل جملة في حديثه كانت جعجعة البعير تترامى إلينا···
أعربنا له عن شكرنا، مضينا بالسيارة محزونين، تخلل الحديث عن البعير المصاب بالكلب حوارنا خلال الأيام التالية، فقد أثرت فينا بعمق حركاته اليائسة، كنا قد مضينا إلى السوق متوقعين أن نرى المئات من الإبل الهادئة الخانعة· لكننا لم نلق في هذا الميدان الفسيح إلا بعيراً واحداً بقوائم ثلاثة، محتجزاً، يحيا الساعة الأخيرة من عمره، انطلقنا نحو البعير فيما هو يدافع عن حياته·
بعد أيام عدة، كنا نمر بموضع آخر من المدينة· ضرب المساء أطنابه، شرع الوهج القاني في التراجع عن سور المدينة· أبقيت السور في مدى الرؤية، مبتهجاً بالتغير الذي يعتري لونه تدريجاً· ثم لمحت في ظلال السور قافلة ضخمة من الإبل، أنيخ معظمها، فيما انتصب الباقي واقفاً في موضعه· كان رجال يعتمرون العمائم يمضون جيئة وذهاباً وسطها، منشغلين بمهامهم، ملتزمين الهدوء رغم ذلك· ارتسمت أمامنا لوحة للسلام والشفق، امتزجت ألوان الإبل بلون السور· ترجلنا من السيارة، سرنا وسط الإبل بدورنا· أنيخت في جماعات، يضم كل منها اثني عشر بعيراً، أو يزيد، تحلقت أكواماً كالهضاب من العلف، راحت تهطع بأعناقها، مجتذبة العلف إلى أشداقها، تتراجع برؤوسها، وتعمل أضراسها فيه طحناً في هدوء· راقبناها عن كثب· الحق أقول لكم إن لها وجوهاً، بدت جميعها سواسية، مع ذلك فقد كانت متباينة تماماً، تذكر المرء بجمع من السيدات الإنجليزيات، اللاتي تقدم بهن العمر، وقد عكفن على شرب أقداح الشاي معاً، يتحلين بالكبرياء، يتظاهرن بالضجر، لكنهن عاجزات تماماً عن إخفاء الخبث، الذي يرقبن به كل ما حولهن· قال صديقي الإنجليزي حينما أشرت بلباقة إلى هذا الشبه بنساء بلاده:
صفحة 8
- تلك الناقة تشبه عمتي، على وجه اليقين·
سرعان ما رصدنا وجوهاً أخرى للشبه· امتلأنا تيهاً؛ إذ صادفنا هذه القافلة التي لم يحدثنا أحد بأمرها، أحصينا مائة وسبعة من الإبل·
دنا منا صبي، استجدانا بعض النقود، كان وجهه مسوداً، ضارباً للزرقة شأن الحبل الذي أمسك به؛ إذ كان، فيما يوحي به مظهره، حادياً للإبل، واحداً ممن يدعون بـ.الزرق. الذين يقطنون إلى الجنوب من جبال الأطلس· قيل لنا إنهم يصبغون ملابسهم باللون الأزرق فيلتصق بجلودهم، ويجعلهم جميعاً، رجالاً ونساء، زرق الملامح··· فهم بذلك العرق الوحيد الأزرق في الدنيا· بدا حادينا ممتناً للقطعة النقدية، التي نفحناه إياها، حاولنا أن نتعرف من خلاله بعض المعلومات عن القافلة، غير أنه لم يكن يعرف من الفرنسية إلا كلمات قلائل، كانوا من .جولميم. وقد أقبلوا من مسيرة خمسة وعشرين يوماً· كان هذا هو كل ما فهمناه، تلك كانت بلدة في الصحراء على الطريق الممتد جنوباً، فرحنا نتساءل عما إذا لم تكن القافلة قد عبرت جبال الأطلس، وددنا لو عرفنا إلى أين تمضي، فما كان يمكن لأسفل السور أن يكون منتهى الرحلة، وقد بدا أن الدواب تعد نفسها للمزيد من المشاق·
حينما عجز الفتى، الذي جمعت صفحة وجهه بين السواد والزرقة، عن الإدلاء لنا بالمزيد، آثر مساعدتنا بأن يمضي بنا إلى كهل مديد القامة رشيقها، يعتمر عمامة بيضاء، ويلقي التوقير من الكافة· كان يتحدث الفرنسية بطلاقة، ورد على أسئلتنا بسلاسة· كانت القافلة من جولميم، وقد أنفقت في الرحلة خمسة وعشرين يوماً حقاً·
- وإلى أين تمضي من هنا؟
- لن تمضي؛ إذ ستباع الإبل هنا للذبح·
- للذبح؟
صدمنا كلانا·· حتى صديقي الذي يمارس الصيد في بلاده، بمزيد من الحماسة· رحنا نفكر في الرحلة الطويلة التي قطعتها هذه الدواب، في بهائها المتألق وقت الغروب، في جهلها بمصيرها، بوجبتها التي عكفت على تناولها في سلام، وربما أيضاً فيمن ذكرنا مرآها بهن·
- نعم، للذبح·
صفحة 9
كرر الكهل قوله· كان لصوته وقع خشن، كحد سكين بليد·
- أيتناول الناس الكثير من لحوم الإبل هنا إذن؟
طرحت عليه السؤال، محاولاً أن أخفي بأسئلة تتناول الوقائع العادية مدى صدمتي·
- يتناولون مقادير هائلة!
- ماذا يشبه طعمه؟ لم يسبق لي تذوقه·
- لم تتناول لحم الإبل من قبل؟
ندت عنه ضحكة واهنة، تبعث على السخرية، كرر قوله:
- لم تتناول لحم الإبل من قبل؟
بدا جلياً أنه يعتقد أننا لا نتناول شيئاً إلا لحم الإبل، امتلأ تيهاً بنفسه، كما لو كنا نتناول ذلك اللحم بدعوة منه، قال:
- لحمها طيب جداً·
- كم يبلغ ثمن البعير؟
- يختلف الأمر كثيراً بحسب البعير، فيتراوح الثمن بين ثلاثين ألف فرنك إلى سبعين ألفاً هناك··· بمقدوري أن أريك، عليك أن تلم بما أنت إزاءه·
مضى بنا إلى ناقة صهباء، بديعة الجمال، مسها بعصاه، التي لاحظتها الآن للمرة الأولى، قال:
- هذه ناقة جيدة، يبلغ ثمنها سبعين ألف فرنك، ومالكها يرتحل عليها بنفسه، وبمقدوره أن يمضي في استخدامها راحلة لسنوات طويلة، لكنه آثر بيعها، فبمقدوره كما هو واضح، أن يبتاع بالنقود راحلتين·
بدا ذلك واضحاً لنا، تساءلت:
- أأنت من جولميم··· هل أقبلت مع القافلة؟
نفى ذلك، ببعض الضيق، قال متباهياً:
- إنني من مراكش، أشتري الدواب، وأبيعها للجزارين·
صفحة 10
لم تكن مشاعره إزاء الرجال الذين قطعوا هذه المسيرة كلها إلا الازدراء، أما عن حادينا الصغير فقد نحاه بقوله:
- إنه لا يعرف شيئاً·
لكنه أراد أن يعرف من أين قدمنا، فحدثناه على سبيل تبسيط الأمور بأننا معاً من لندن· ابتسم، بدا كأنما اعتراه قليل من الضيق، قال:
- كنت في فرنسا خلال الحرب·
بدا من تقدمه في العمر أنه يتحدث عن الحرب العالمية الأولى· أضاف مسرعاً، وقد خفض صوته قليلاً·
- صحبت بعض الانجليز، لكني لم أستمر معهم، ما عادت الحرب كما كانت قبلاً، ليس الرجل هو الذي يعول عليه هذه الأيام، وإنما الآلة·
استطرد متحدثاً عن الحرب بأمور بدت مفعمة بالاستسلام:
- لم تعد الحرب كعهدها قبلاً·
وافقناه على قوله، بدا أن ذلك قد ساعده على تجاوز كوننا من انجلترا· سألته:
- هل بيعت الدواب جميعها بالفعل؟
- لا· ليس بمقدورهم بيعها جميعها، سيبقى ما يتخلف معهم، فيمضون به إلى .سطات. أتعرفها؟ هي في الطريق إلى الدار البيضاء، على بعد مائة وستين كيلومتراً من هنا· تلك سوق الإبل الأخيرة، سيباع ما يبقى هناك·
أجزلنا له الشكر، فودعنا دونما كبير احتفال، كففنا عن التجوال بين الإبل، فلم نعد نشعر بالميل إلى ذلك· كانت الظلمة قد ضربت أطنابها على وجه التقريب حينما تركنا القافلة·
لكن مشهد تلك الإبل لم يفارقني، أمعنت التفكير بها كارهاً، مع ذلك بدا الأمر كما لو كانت علاقة حميمة تربطني بها، منذ عهد بعيد· اختلطت ذكرى وجبتها الأخيرة بذلك الحديث عن الحرب، تعلقت أذهاننا بفكرة ارتياد السوق في المرة المقبلة لانعقاده في يوم الخميس، فعقدنا العزم على أن نمضي مبكرين، ولربما كان يحدونا أمل في أن نتلقى انطباعاً أقل وحشة عن وجود الإبل هذه المرة·