eKtab
EN ع
أصول العلاقات الدولية في الإسلام
اقرأ عينة مجانية

أصول العلاقات الدولية في الإسلام

بقلم د. مخلد عبيد المبيضين

صفحة 1

مقدمة

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا.

أما بعد،

لما كانت العلاقات الدولية قديما تقوم على تقاليد الشعوب وتراثها الثقافي والعرقي والاجتماعي، فقد تنوعت وتعددت أهدافها ووسائلها وأنماطها بتنوع مصالح وثقافات المجموعات البشرية، فكان لزاما البحث عن قواسم مشتركة لمبادئ أساسية تحكم العلاقات والقائمين بأمرها. وقد زاد الاهتمام بهذه العلاقات بعد تدعيمها من قبل الديانات المختلفة لا سيما الإسلام الذي وضع منهاجا وشرعية واضحين محددا العلاقات في جميع المستويات المتباينة؛ الدولية، والمجتمعية والجماعية والفردية، وفي المجالات كافة، السياسية والاقتصادية، والعسكرية والاجتماعية والثقافية، وغيرها في حالات الحرب والسلم. وكان الفقهاء المسلمون قد اهتموا كثيرا بوضع قواعد وأسس القانون الدولي الإسلامي العام، وكذلك قواعد تنظيم العلاقات بين الدول، وذلك من أجل وضع الأساس لحضارة إنسانية تشمل العالم بأسره. وذلك لأن الإسلام منهج حياة شامل وكامل وهو منظومة من الأحكام والتشريعات يجمعها عقد واحد، فهو نظام للفكر والعقيدة. وفي هذا السياق، لا بد من الحديث عن النقاط التالية:

أولا: يقصد بالأصول الفكرية والنظرية والعملية للعلاقات الدولية في الإسلام، تلك الينابيع التي استقاها الإسلام من الفكر العربي الإسلامي وبنى عليها كيانه. ولأن هذه الدراسة تهتم بدراسة الأصول الفكرية والنظرية والعملية للعلاقات الدولية في الإسلام، فإن التركيز سوف ينصب على دراسة الينابيع الرئيسية، مع عدم إغفال الينابيع الأخرى، (أو ما يسمى بالأصول الرئيسية والأصول الفرعية، كالقرآن الكريم والسنة النبوية كأصول رئيسة) والقياس والإجماع والاجتهاد والاستحسان وأقوال وسير الصحابة رضوان الله عليهم وأعمالهم وأراء الفقهاء والمفسرين المسلمين كأصول ثانوية.

ثانيا: على خلاف التشريعات الوضعية، فإن القاعدة القانونية في ظل الشريعة الإسلامية تعد جزءا من القواعد الدولية التي تشكل بمجموعها التشريع الإسلامي الذي يتمتع بالصفة الإلزامية الواجبة المراعاة للحصول على مرضاة الله سبحانه وتعالى وتجنب سخطه، وذلك على اعتبار أن الإسلام نظام شامل للكون والإنسان والحياة، يعتمد في وجود دولته على تطبيق الأحكام الإلهية التي تنظم حياة الفرد والجماعات على مستويات العقيدة والأخلاق والسياسة والتشريع والإدارة وممارسة السلطة والعلاقات المختلفة، وذلك لتحقيق السعادة والخيرية للإنسان في الدارين الأولى والآخرة.

ثالثا: عندما يقوم الإسلام بتأسيس دولته ذات الملامح الخاصة والمبنية على احترام حدود الله، فإنه ينشئ كيانا سياسيا وسط كيانات أخر ناشئة أو تنشأ، تقوم على أسس وأصول غير تلك التي يقوم عليها الإسلام؛ بمعنى وجود دول أخرى تجاور الدولة الإسلامية أو تتشابك معها في المصالح أو تتقاطع، وتكون لها علاقات مؤثرة ومتأثرة بالسلب أو بالإيجاب مع الكيان السياسي الإسلامي، مما يتطلب أن يكون لدولة الإسلام تصوراتها ومفاهيمها وأحكامها لتنظيم مثل هذه العلاقات. ولم يكن الإسلام ليغفل عن وضع قواعد وأحكام خاصة بها، وان كان بمقدار رسم الخطوط العامة التي يمكن للعقل الإسلامي أن يجتهد في ضوئها لاستنباط ما يلائم الزمان وما ينسجم مع المحيطات المؤثرة ضمن الحدود الإلهية المرسومة في أصول التشريع.

وهذه الأحكام التي تنظم العلاقات في السلم والحرب بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى من الأمور التي كانت توليها السلطة القائمة على رعاية شؤون المسلمين الأهمية المناسبة بما يضمن حياة دولة المسلمين واستقرارها واستمرارها، ومن ثم حياة وانتشار القيم التي تشتمل عليها رسالتهم السماوية التي يتوجب عليهم دينيا الدعوة إليها بمختلف الوسائل المتاحة، ليضعوا عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فيتحرروا من جميع العبوديات، ويرتبطوا بعبودية الخالق عز وجل، وهذه العبودية التي تخرجهم من الظلمات إلى النور.

رابعا: تقوم الدولة الإسلامية في علاقاتها الخارجية، كما هو الحال في سياستها الداخلية، على أساس بلوغ غايات وتحقيق مقاصد يضعها التشريع الإسلامي كأهداف يتحرك إليها المسلمون مدفوعين بالإخلاص لرسالة الله تعالى، ليتمكنوا من نشر دينهم إلى جميع الناس من شعوب وأقوام، وأن يصدوا العدوان عن أنفسهم وعن غيرهم من البشر.

ويعد الرسول ﷺ هو الذي أسس ووضع مرتكزات العلاقات الدولية الإسلامية، مستقيها من فيض ونبع القرآن الكريم، مضيفا إليها من هدي سنته المعتمدة على الوحي بأفعاله وأقواله ﷺ. فمنذ بدايات الإسلام الأولى، في شبه الجزيرة العربية، نشأت علاقات بين الرسول صلى عليه وسيلم والبلدان المجاورة، تحديدا بلاد الروم والفرس والحبشة، ومن خلالها إلى ما هو أبعد جغرافيا. وقد سار على دربه الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم جميعا، الذين استمرت خلافتهم ما يقارب الثلاثين عاما (من العام 11 هجري إلى العام الأربعين). وعلى الرغم من قصر هذه المدة، وذلك قياسا بالمدى التاريخي لحضارات الشعوب المختلفة، ولكنها تلألأت وحفلت بتأسيس قيم إنسانية عظيمة راسخة وخالدة، أوجدت الأصول وجذرت لهذه العلاقات وعلى شتى المستويات وفي جميع المجالات. فكانت العلاقات "الدبلوماسية" التي نشأت بين دولة المدينة الأولى وبين عدد من الولاة والملوك.

صفحة 2

فقد سبق المسلمون غيرهم في تنظيم شؤون العلاقات الخارجية لدولتهم منذ العهد الأول لنشأتها في المدينة، بل إن المسلمين أقاموا علاقات خارجية حتى قبل تكوين الدولة الإسلامية في المدينة، وكان ذلك عندما مارسوا ذلك مع دولة الحبشة (كجماعة) استقرت بها هروبا من اضطهاد أهل مكة. فكان الهدف الأساسي لإقامة العلاقات بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى هو نشر العقيدة الإسلامية والدعوة إليها، فإذا تم تحقيق هذا الهدف، فتكون الدولة الإسلامية قد حققت نجاحا كبيرا ومهما، أما إذا لم يتحقق ذلك، فإن الدولة الإسلامية تكون قاصرة أو ضعيفة مهما حصل عليه المسلمون من مكاسب اقتصادية أو سياسية أو عسكرية.

خامسا: لأن الإسلام معين لا ينضب في مجال العبادات والمعاملات، ولكن عملية استخراج قواعد وأسس للعلاقات الدولية ليس سهلا إذا حاولنا الابتعاد عن الكليات الشاملة للمنهج الإسلامي، وبخاصة وأن المتغيرات والعوامل التي تدخل في عملية تركيب ما يسمى بعلم العلاقات الدولية متعددة ومتنوعة، وأن موضوعاته تشمل الاقتصاد والثقافة والعلاقات السياسية، وأن هذه العلاقات تخضع للتطور والتغيير. فإن علم العلاقات الدولية له روابط كبيرة بعدة علوم ويستعين بعدد وافر من الموضوعات التي تدخل في علوم أخرى، ومنها الرياضيات والإعلام والإحصاء والكمبيوتر. وبالتالي، فإن علماء العلاقات الدولية يستفيدون من المعلومات التي يوفرها علماء الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ والجغرافيا، ومن تحليلاتهم وتفسيراتهم للظواهر التي تدخل في اختصاصاتهم.

هذا مع العلم أن مركز الإنسان في الفكر الإسلامي يعد مركزا رئيسا، وان الأشياء من حوله تأتي كلها بالدرجة الثانية لتخدمه في الوصول إلى السعادة في الدنيا والآخرة. وعليه، يبقى الإنسان سيد نفسه مخططا لنفسه، مجاهدا وصولا لتحقيق مصالحه على المستوى الفردي أو الجماعي، وكذلك الحال بالنسبة للدولة الإسلامية في علاقاتها مع محيطها الدولي. والتي تطورت مجمل علاقاتها في عصر الخلفاء الراشدين إذ عرفت الدواوين والمبعوثين الدبلوماسيون والمواثيق والعهود التي تسمى هذه الأيام بالمعاهدات الدولية.

فقد كانت رسالة الإسلام في المجال الدولي، تعنى بالجانب الإنساني؛ بيان الوحدة الإنسانية ونظرة الإسلام الشاملة لكل بني الإنسان، وإن العلاقات الدولية مثل كل العلاقات الاجتماعية والأحادية تقوم على أسس الرحمة والمودة والعدالة والوفاء بالعهود والفضيلة. فلا فضل لجنس على جنس ولا لون على لون والكل سواء أمام الله فمن الواجب أن يكونوا في المعاملة الإنسانية على سواء. وكذلك فإن الإسلام يسعى لتحقيق تعارف الشعوب وتلاقيها لاستغلال الأرض وخيراتها لصالح كل الناس، وذلك بأدلة واضحة المعالم من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وفي المقابل، كانت الحرب لا تكون شرعية إلا إذا دفع إليها ظلم واقع أو ظلم متوقع، ولا تكون إلا وقت تعذر وسائل السلم، على اعتبار أنها حرب ليست مع الشعوب بل هي حرب مع المستغلين الظالمين وهي شر لا بد منه.

وبذلك فإن الإسلام يقر وجود علاقات سياسية بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية، وذلك لتحقيق غايات إنسانية وثقافية وتعليمية واقتصادية (تجارية وزراعية وصناعية)، أو أهداف سلمية وتعاونية بين أعضاء الأسرة الدولية المعاصرة. فكما يقول الباحث وهبة الزحيلي، إن الإسلام دين الرحمة للعالمين على حد سواء، "يتميز في سلمه وحربه، وعلاقاته مع غير المسلمين بأنه خير معين للأفراد والشعوب في تحريرها، والحفاظ على كرامتها وإنسانيتها، والسلم في الإسلام هو المطمح الأساسي وأساس العلاقات مع غير المسلمين، والحرب ضرورة فقط... وإذا كانت المعايير المعمول بها الآن في الوسط الدولي تنم عن الحرص على المصالح المادية والمنافع الاقتصادية، فإن الإسلام يربأ بأتباعه أن يتنزلوا لهذا المستوى، ويؤكد على ضرورة التزام الحق والعدل والرحمة والفضيلة... والعمل على تحرير الإنسان من ألوان الذل والعبودية لغير الله تعالى، ونشر دعوة الحق والتوحيد" ([1]).

وفي ضوء السياق المتقدم، وضح الهدف من هذه الدراسة، وهو محاولة علمية للسعي نحو التأصيل في مجال العلاقات الدولية في الإسلام، لتأتلف مع المحاولات الأخرى لتغطي المساحة الخاصة بهذه العلاقات التي لم تعطها حقها الكثير من الدراسات، إذ لم تبحث بحثا متعمقا خاصا بأصولها وجذورها الإسلامية منذ بعثة الرسول ﷺ. وترتكز هذه الدراسة على أسس وقواعد وأصول في الإسلام من مصادرها الأساسية والثانوية، وذلك من خلال توجيه اهتمام الباحثين إلى دراسة الأصول الكلية التي جاءت بها شريعة الإسلام والتي استنبط منها فقهاء المسلمين نظما للعلاقات الإنسانية في ضوء الغايات السماوية لحياة الإنسان الدنيوية والأخروية. وكذلك، محاولة إبراز ما تتميز به الشريعة الإسلامية من رفعة وسمو في تنظيم العلاقات الدولية الإنسانية في مقابل فقهاء ومشرعي القانون الدولي العام. وليس الهدف من هذه الدراسة أن تحيط بالشريعة الإسلامية كلها، وإنما الغاية هي محاولة تقديم لأهم الأسس والمبادئ والأصول لنظام العلاقات الدولية للإسلام في علاقته مع الأنظمة الأخرى (مع الآخرين)، وذلك على قاعدة أن الإسلام وإن كان إنساني التوجه وعالمي النزعة، ولكن يمكن فهمه على أساس الاتجاه العالمي الحديث النازع نحو العالمية والشمول وتجاوز حدود نظام الدولة الضيق، وذلك نتيجة لكثرة الصلات بين الأمم والشعوب وانتشار وسائل الاتصال الفكري والثقافي والحضاري، وظهور ظاهرة انفتاح الدولة على غيرها والتعاون فيما بينها في العديد من المجالات الدولية.

ولكي نفهم أصول وأسس وقواعد العلاقات الإنسانية الفردية والدولية، لا بد من التعريف ولو بإيجاز بتطور نظام العلاقات قبل الإسلام وبعده مع ضرورة الإشارة إلى المصادر التي تستقى منها القواعد التي تنظم العلاقات الدولية، وعدم التوافق ما بين النصوص والتطبيق في الواقع الدولي، وتوضيح ذلك عن طريق إعطاء بعض الأمثلة.

وسيتم استخدام المنهج التاريخي والوصفي التحليلي الذي يركز على الجذور والأصول التاريخية للمبادئ الأولى للعلاقات الدولية في الإسلام وتطبيقاتها الأولى في عهد الرسول ﷺ، وكذلك محاولة إظهار بعض مظاهر تلك العلاقات وصفيا مع تحليل تلك العلاقات المختلفة والمتعددة من ناحية خصائصها وتفردها وشموليتها وعالميتها. وما هذه المحاولة (الكتابة في أصول العلاقات الدولية في الإسلام) إلا شمعة وخطوة متواضعة أمام الذين يبحثون ويرغبون في الدراسة الأكثر عمقا لدور الإسلام وما يمكن أن يساهم به في نظام العلاقات الدولية.

وبناء على ما سبق، ولتكون الدراسة شاملة لتلك الأفكار ومحتوية لكل أصولها وفروعها فقد تم تقسيم الدراسة إلى خمسة أبواب؛ يحتوي الباب الأول الحديث عن مفهوم وعلم ومصطلح العلاقات الدولية وماهية ومجالات العلاقات الدولية والعوامل المؤثرة فيها ومفهوم العلاقات الدولية في الإسلام، وكذلك مبادئ العلاقات في الإسلام وآفاقها، وذلك من خلال فصلين اثنين: الفصل الأول ويتضمن مفهوم ومصطلح العلاقات الدولية وتطورها، والفصل الثاني يوضح مفهوم الإسلام والعلاقات الدولية والقانون الدولي. أما الباب الثاني فيتحدث عن أهم مصادر القانون الدولي والعلاقات الدولية في الإسلام وكذلك ركائز وأسس وأهمية ومميزات العلاقات الدولية في الإسلام، وذلك من خلال فصلين؛ الفصل الثالث: مصادر القانون الدولي والعلاقات الدولية في الإسلام. أما الفصل الرابع فيحتوي ركائز وأسس وأهمية ومميزات العلاقات الدولية في الإسلام. أما الباب الثالث فيهدف إلى البحث في تنظيم العلاقات الدولية في الإسلام وقت السلم والحرب، وذلك من خلال الفصلين التاليين؛ الفصل الخامس هو تنظيم العلاقات الدولية في الإسلام وقت السلم. والفصل السادس يناقش تنظيم العلاقات الدولية في الإسلام وقت الحرب.

أما الباب الرابع فسيناقش التمثيل السياسي - الدبلوماسي في الإسلام وذلك من خلال الفصول التالية؛ الفصل السابع: التمثيل السياسي في الإسلام ومصادره، والفصل الثامن: وظائف وأحكام الممثلين السياسيين وتعطيل العمل الدبلوماسي في الإسلام.

أما الباب الخامس، فيناقش المعاهدات الدولية والحياد والتحكيم وأحكام التجسس في الإسلام؛ وفي ثلاثة فصول تتعلق بالمعاهدات الدولية في الإسلام ومشروعيتها وشروطها وأنواعها وانتهائها، وكذلك مشروعية الحياد وأحكامه والتحكيم في الإسلام، وأيضا مشروعية وأحكام التجسس في الإسلام. ولقد تم الجمع في هذا الباب بين هذه الفصول الثلاثة وذلك لوجود الترابط فيما بينها على قاعدة الاتفاق والتوافق والتراضي الذي يعد شرطا ومتطلبا أساسيا لكل هذه الأنواع من العهود والأحكام، وكذلك لارتباطهما المباشر مع الغير وبنوع من أنواع الاتفاق الذي يتطلب وجوب التزام الأمة الإسلامية بها أفرادا وجماعات، وذلك كما يلي: الفصل التاسع؛ يتضمن المعاهدات الدولية في الإسلام. والفصل العاشر يتحدث عن الحياد في الإسلام. أما الفصل الحادي عشر فيشمل أحكام التحكيم والتجسس في الإسلام.

لا بد من الملاحظات ذات الأهمية لعرضها هنا، وكما يلي:

أولا: لا يمكن الحديث المفصل عن أصول العلاقات الدولية في الإسلام وذلك لكثرة الارتباطات والتشعيبات لهذا الموضوع وفي مجالات وعلوم مختلفة يجمعها الغاية الشرعية من الدين الحنيف وهي نشر الدعوة للتوحيد رحمة للعالمين، وتلبيغ الإسلام لكافة الناس والذي يعد من أهم واجبات المسلم على مستوى الأفراد والجماعات. مع أنه توجد الكثير من الكتابات عن موضوع العلاقات الدولية في الإسلام وتحت عناوين مختلفة، ولكنها كتابات جزئية أو مبتورة وتتحدث عن جانب واحد أو قضية واحدة، ومن وجهات نظر مختلفة، لا تفي ولا تسد العجز في النظرة الشمولية الأصولية لموضوع العلاقات الدولية في الإسلام، وقد اعتمد الباحث على بعض هذه الدراسات المفيدة في الحديث عن الجوانب المختلفة لهذا الموضوع الطويل الشائك.

ثانيا: لقد تم الرجوع إلى عدة مصادر ومراجع أساسية وثانوية، وقد كان كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أول وأهم المصادر التي تم الرجوع إليها. أما بالنسبة للمصادر الأخرى، فقد تم تحري المصادر ذات الاختصاص وذات العلاقة من كتاب السير وفقهاء المسلمين في مجالات الفقه والعقيدة والتفسير والمعاملات...، والتي تم استخراج بعض الأحكام الخاصة منها ببعض أصول وأسس علاقات المسلمين مع الغير. وكذلك تم الرجوع إلى أشهر مجامع ومصنفات السنة النبوية الشريفة ما يعرف بالكتب الستة، والتي تحتوي الصحيحين (صحيح مسلم وصحيح البخاري) اللذين يعدان الأكثر أهمية وقبولا والأوسع انتشارا لدى علماء وفقهاء السنة، وذلك لدقتهما وتوافر شروط الرواية المطلوبة. أما بالنسبة لكتب الصحاح الأربعة، فهي السنن التي قام بجمعها أبن ماجة والترمذي وأبو داود والنسائي. هذا إضافة إلى الرجوع إلى كتابات الكثير من الفقهاء والعلماء والباحثين فيما يتعلق بموضوع العلاقات الدولية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مع أنه يوجد تكرارا في هذه الكتابات فقد آثرت ذكر هذه الكتابات في قائمة المصادر والمراجع لإمكانية الرجوع إليها.

ومن ناحية أخرى، فقد تم الاعتماد على بعض المصادر والمراجع الأساسية والتي كانت تحتوي موضوعات ذات أهمية وذات علاقة بموضوعات الدراسة المختلفة؛ فنجد أحيانا عدة اقتباسات أو عمليات توثيق من مصدر واحد أو الاعتماد على عدة مصادر لتوضيح جانب من جوانب موضوع الدراسة.

ثالثا: قد يلاحظ القارئ وجود بعض أنواع التكرار في ذكر الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الشريفة أو الأحداث أو الوقائع... في الجوانب المختلفة وقضايا وموضوعات البحث. ولكن في حقيقة الأمر أنه في كل موقع كتابي نتحدث عن جانب هام وذي علاقة من الجوانب المختلفة التي تتضمنها هذه الآيات أو الوقائع أو الأحاديث... الخ. فالقارئ المتفحص والمتخصص سوف يلاحظ هذا الأمر. وقد يتم الاستشهاد بالواقعة الواحدة أو الحديث الواحد أو الآية القرآنية الواحدة... الخ، وذلك للنظر في أمرين أو قضيتين أو حادثتين، وذلك لعمومية وشمولية تلك الوقائع والأحاديث والقضايا... فلا يعد ذلك من قبيل التكرار أو عدم الفائدة، ولكن مثل هذه الوقائع والأحداث تحمل في طياتها أبعادا ومعاني كثرة يستدل ويستشهد بها في مواطن متعددة.

رابعا: لقد تم الاعتماد على المصادر والمراجع الثانوية التي قامت بدورها بالاعتماد على المصادر الأولية وذلك لصعوبة العودة إلى هذه الأخيرة، وقد تم رصد بعض هذه المصادر في قائمة المراجع والمصادر ليتسنى لمن يريد العودة لها ومحاولة البحث عنها واقتنائها. ومن ناحية أخرى، فقد تعذر في بعض هذه المصادر معرفة سنة النشر (تاريخ النشر)، وأرقام الصفحات. وكذلك وجود عدة طبعات لنفس المصدر في عدة دول وفي عدد متنوع من دور النشر. وقد تعمدنا وضع بعض الشروحات عن بعض الكتاب والباحثين والعلماء والمفسرين والشراح والفقهاء، وذلك لعظم تأثيرهم لكي يستفيد منها كل باحث وقارئ: مثال؛ ابن تيمية، (تقي الدين أحمد بن شهاب الدين المعروف بابن تيمية الحرائي/ توفي 727)، منهاج السنة، جزءان، طبع الأزهر، سنة 1301.

وأخيرا وليس آخرا، أسأل الله العلي العظيم أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا مما علمنا، فإن أصبت فهو من الله وإن أخطأت فهو من الشيطان ومن نفسي. والحمد لله رب العالمين .

صفحة 3

مقدمة

تعد العلاقات الدولية قديمة قدم التجمع الإنساني على هذه البسيطة؛ وذلك بعد تعارف الجماعات البشرية والأمم واتصالها مع بعضها البعض منذ قديم الزمان. ولكن كان ذلك الاتصال وما نتج عنه من روابط وعلاقات تقوم في الغالب على الصراع من أجل البقاء ولو على حساب الغير. فقد كانت العلاقات بين الشعوب في أغلبها على شكل حروب للفتح والاستيلاء على الممتلكات بالقوة. بحيث أصبحت القوة هي القاعدة المحورية في العلاقات الدولية، وان كانت صراعات القوة تغلف في بعض الأحيان ببعض الشكليات القانونية أو الدواعي والمبررات الأخلاقية، فإن هذا الغلاف يجب أن لا يحجب الحقيقة الأساسية التي تتحكم في توازن تلك العلاقات الدولية برمتها.

كل ذلك نتيجة للترابط ما بين المجتمعات البشرية لأنه ليس من السهولة بمكان عزل المجتمعات البشرية بعضها عن بعض، ولأن الإنسان مدني بطبعه، فهو يحتاج إلى التعاون مع غيره في داخل مجتمعه وخارجه. فمصالح الشعوب والأمم تحتاج إلى التعاون والتبادل والتنمية. فكلما تقدمت الشعوب والمجتمعات البشرية وازدهرت، أصبحت بالضرورة بحاجة إلى مد جسور اللقاء، وتشيد معابر للتسهيلات في تحركات رعاياها ورعايا غيرها، لتحقيق أهداف وأغراض متعددة؛ اقتصادية، سياسية، ثقافية، اجتماعية، وعلمية وغيرها.

ولقد تطورت وتشابكت العلاقات الدولية في العصر الحاضر، بحيث أصبحت سهولة المواصلات وتوافر وسائل الاتصال السريع تقرب المسافات بين المجتمعات البشرية حتى أضحت الأرض عالما صغيرا، أو كما يقولون "قرية صغيرة"، وكوكبا يسير وينتقل عليه البشر بسرعة كبيرة.وقد أدى هذا الترابط والتشابك في العلاقات الخارجية للمجتمعات البشرية والدول إلى الحاجة الملحة لمزيد من الدراسة والتحليل والضبط وإبداء وجهات النظر المتعددة والمختلفة من أجل الوصول في نهاية الأمر إلى أفضل وأعدل الأنظمة والقواعد في محاولة لإقامة المجتمع الإنساني الخيّر الفاضل.

فكان المسلمون منذ بزوغ فجر الدعوة الإسلامية يسيرون وفق ذلك التوجه السابق، ساعين إلى تنمية العلاقات مع الآخر لسببين رئيسيين؛ عدواني حربي، وسلمي حضاري. أما بالنسبة للعدوان فقد تورط فيه الآخرون وفرضه غير المسلمين على الأمة الإسلامية خلال المراحل التاريخية المختلفة وحتى يومنا الحاضر. أما بالنسبة للسلم والحضارة والاستقرار للعالم بأكمله فهو مقصد ومنشد التشريع الإسلامي والمسلمين في آن واحد، وذلك لأن دعوة الإسلام ذات نزعة وتوجه عالميين تلزم المسلمين بضرورة تبليغها لكل أنحاء العالم في مشارقه ومغاربه، مما يفرض على المسلمين ضرورة الدخول في علاقات طيبة وحسن جوار لتحقيق هدف إبلاغ الدعوة الإسلامية، والتعريف بأصول الحضارة الإسلامية باعتبار المسلم قدوة عالمية، وأن المجتمع المنشود هو مجتمع خير ومجتمع فاضل.

فلما جاء الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي وطبق نظامه في العلاقات الدولية، كان مبنيا هذا النظام على التسامح الإسلامي، ولكن الحروب التي قام بها أعداء الإسلام على حرية الدعوة الإسلامية، جعل المسلمين يبتكرون نظاما للعلاقات بين الأمم وقت السلم وفي الجهاد لمواجهة آثاره كتبادل الأسرى ومفاداتهم أو عقد معاهدات الأمان وتبادل البعثات والسفارات وحسب بواعث وأهداف متنوعة.

فقد واجه الإسلام منذ نشأته أوضاعا وظروفا سياسية وأحولا اقتصادية كبيرة التعقيد، وقد نجح في التعامل معها بأسلوب متميز يختلف عن أساليب الدول السابقة؛ فقام بعقد المعاهدات، وأرسل الرسل والسفراء للأمراء والملوك والحكام، واستقبل المستأمنين، وأعان الضعفاء، واستقبل الرسل، وتحالف مع القبائل، وفاوض وأقام العلاقات الخارجية المختلفة. كل ذلك بتوجيه وهدي من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.

وبالتالي، فقد حرص العلماء المسلمون على إقرار الصعيد السلمي للعلاقات مع غير المسلمين بالمعاهدات السلمية وغيرها.ولم يعكر صفو هذه العلاقات إلا الأحقاد والمطامع والعصبية الدينية من الآخرين على الإسلام والمسلمين. وما زال المسلمون في عالم اليوم يعيشون مكائد ومؤامرات الشعوب والدول الأخرى ويعانون من ويلاتهم التي كانت لفترات زمنية طويلة، تركزت فيما سمي نهاية القرن الماضي بالنظام العالمي الجديد، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي وسقوط الشيوعية وهزيمتها واقعيا عام 1989.

وقد تتابعت التصريحات والإعلانات الرسمية والكتابات من كبار المسئولين الأوروبيين والأمريكيين، بأنه لم يبق بعد سقوط الشيوعية أو الاشتراكية إلا الإسلام بصفته عنصر مواجهة وعدوا يجب العمل على إضعافه أو العمل على إبعاده عن الساحة الدولية بكل الوسائل. وما تقوم به الدول الكبرى من محاولات للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد المنطقة العربية إلا صورة من التوسع الغربي ومد نفوذه فيها، وما منطقة الخليج العربي إلا أكبر شاهد على ذلك، وطبعا بعد فرض التفوق والنفوذ الإسرائيلي في تلك المنطقة.

وفي هذا الباب سيتم الحديث عن مفهوم وتطور علم العلاقات الدولية وماهية ومجالات العلاقات الدولية والعوامل المؤثرة فيها ومفهوم العلاقات الدولية والقانون الدولي في الإسلام، وكذلك مبادئ العلاقات في الإسلام وآفاقها، وذلك من خلال الفصول التالية:

· الفصل الأول: مفهوم وتطور علم العلاقات الدولية.

· الفصل الثاني: الإسلام والعلاقات الدولية والقانون الدولي.

صفحة 4
مقدمة
 
لقد ظهر علم العلاقات الدولية بداية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الأولى، وبعدها انتقل إلى بريطانيا، وقد شهد تطورا كبيرا بعد الحرب العالمية الثانية. ساعدت عدة عوامل على توسع هذا العلم، كان من أهمها، ما وضع من وسائل مشجعة في خدمة الباحثين، تأسيس المعاهد المتخصصة، وكثرة المؤلفات التي وجدت ورافقت تدريس العلاقات الدولية. وبسبب حداثة هذا العلم وكثرة المؤلفات، فقد ظهر الخلاف بين المفكرين والباحثين حول تعريف العلاقات الدولية؛ لم يختلف حول أي علم كما اختلف المنشغلون بعلم العلاقات الدولية من حيث تعريفه ومضمونه([2]). وبالنتيجة فقد وضعت تعريفات متعددة لمصطلح العلاقات الدولية، تختلف من كاتب إلى آخر ومن عالم إلى آخر، ولكنها تهتم بموضوع واحد وهو دراسة مشكلات المجتمع الدولي السياسية وما يحدث بين أطرافه من تفاعلات سياسية أو غيرها تتعلق بالسياسة الدولية.
 
وتشتمل السياسة الدولية عادة على جماعات ودول، وفي مجتمع السياسة "يتصرف الأفراد بشكل فعال، عن طريق جماعات أخرى يمكن أن يؤثروا عليها من الخارج، أو عن طريق التأثير في حكومة ما " ([3]). وبالمقابل، فإن البعض لا يعترف بأن العلاقات الدولية قد وصلت إلى مرحلة العلم القائم بذاته، وإنما يراها فرعا من التاريخ أو السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد، وإن "محاولات بعض المفكرين تعريف هذا العلم كانت غالبيتها تعاريف تجريدية أكثر منها واقعية" ([4]).
 
وعلى أية حال، فإن الخلاف حول طبيعة العلاقات الدولية يرجع إلى عدة عوامل، وعلى رأسها ما يلي([5]):
 
1- حداثة بروز علم العلاقات الدولية مقارنة بغيره من العلوم المهتمة بدراسة الظواهر الدولية، أمثال القانون الدولي العام والتاريخ السياسي والدبلوماسي.
 
2- ارتباط العلاقات الدولية الكبير واختلاطها في بعض الأحيان بعلوم أخرى أقدم منها عهدا من حيث النشأة وأرسخ منها قدما من حيث استقرار مفاهيمها الأساسية، مما جعلها تطغى في كثير من دراساتها على علم العلاقات الدولية وتفقد الأخيرة ذاتيتها وتميزها. ومن أمثلة ذلك القانون الدولي.
 
3- مجازفة الكثير من غير المختصين بالكتابة في العلاقات الدولية، مما أوجد كما كبيرا من الكتب والمقالات غير الجادة.
 
ومهما يكن الأمر، فقد تعددت الأسماء التي تطلق على العلاقات الدولية، فتارة تسمى الشؤون الدولية (International Affairs)، وتارة ثانية تسمى الشؤون العالمية (World Affairs)، وتارة ثالثة تسمى الشؤون الخارجية (Foreign Affairs)، وتارة رابعة تسمى السياسة الدولية (International Politics). ولكن التسمية الراجحة والمتداولة هي "العلاقات الدولية"، وذلك "لأن كلمة "علاقة" توضح فكرة الرابطة الوثيقة التي تجمع بين الدول، كما أنها أدق دلالة من كلمة "شؤون"، ولأن كلمة "دولية" تحدد وتبرز أن محور الدراسة لهذا العلم يدور حول الدول" ([6]). ومن ناحية أخرى، فإن البعض يفضل عدم وصف العلاقات الدولية بأنها سياسية ولو كانت الغلبة لهذا الجانب، وذلك لأهمية العناصر والجوانب الأخرى مثل الجوانب الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، والتي لا تقل أثرا عن الجانب السياسي.
 
فتعد دراسة العلاقات الدولية دراسة علمية تجريبية تنتمي إلى الدراسات الاجتماعية بحكم طبيعة هذه العلاقات، وذلك لأن العلاقات الدولية هي علاقات بين وحدات بشرية، تنتمي إلى الدراسات السياسية بالتحديد([7])، وذلك لأن أهم الوحدات البشرية التي تعد أطراف العلاقات الدولية، هي الدول القومية، هذا إضافة للأطراف الثانوية الأخرى.
 
ويناقش هذا الفصل توضيح مفهوم العلاقات الدولية وماهيتها ومجالاتها وتاريخ تطور علم العلاقات الدولية وأطرافه والعوامل التي تؤثر فيه، وذلك حسب المحاور التالية:
صفحة 5

أولا: التعريف بالعلاقات الدولية

تتسم العلاقات الدولية بارتباطها مع علوم اجتماعية مختلفة، ومنها علم السياسة وعلم النفس والقانون والتاريخ والاقتصاد. هذا إضافة إلى بعض العلوم التطبيقية التي تفيد العلاقات الدولية، حتى إن أحد الباحثين، كما يقول الباحث منصور ميلاد يونس، الأمريكيين عدد اثنين وثلاثين مجالا معرفيا تهتم بميدان العلاقات الدولية([8]). وبسبب الاختلاف بين المفكرين والباحثين حول وضع تعريف محدد وموحد لعلم العلاقات الدولية، فمن الوجوب استعراض عددا من هذه التعريفات مع تحديد بعض الضوابط والمعايير التي توضح أبعاد ومضمون وموضوع هذه المادة، وكما يلي:

عرف العالم جيمس برايس العلاقات الدولية عام 1922 بأنها تلك "التي تعنى بالعلاقات بين الدول والشعوب المختلفة". وفي عام 1940 عرف غريسون كيرك ووالتر شارب العلاقات الدولية بأنها التي تعنى "بتلك القوى الأساسية الأكثر تأثيرا في السياسة الخارجية". وفي عام 1950 قال هانس مورغانثو وكينيث تومبسون أن جوهر العلاقات الدولية، "هي السياسة الدولية التي مادتها الأساسية الصراع من أجل القوة بين الدول ذات السيادة". أما الباحث فيرالي (Virally) فيرى أن العلاقات الدولية تعالج العلاقات بين الدول فقط، ويعرفها بالعلاقات التي تربط بين السلطات السياسية التي تحاول التهرب من سلطة سياسية أعلى منها. أما العالم الفرنسي ريمون آرون فيعرف العلاقات الدولية بأنها "العلاقات ما بين الأمم" أو "العلاقات ما بين الوحدات السياسية المستقلة". أما العالم سبيكمان، فيعرفها بأنها "العلاقات القائمة ما بين أفراد وجماعات من دول مختلفة" ([9]) (2).

ومن خلال هذه التعريفات المختلفة وغيرها، من السهولة بمكان الحديث عن بعض العناصر المشتركة بينها أو على الأقل القسم الأكبر منها، مع أن البعض يرى عدم وجود تعريف مشترك لما هو أخلاقي كإطار عام للتحرك الدولي، أو حد أدنى من الاتفاق حول ماهية القيم التي يمكن أن تحكم العلاقات الدولية([10])، وهذه العناصر هي:

1- عنصر الطبيعة السياسية: المراد من ذلك أن العلاقة الدولية تتسم بأنها ذات طبيعة سياسية أو أنها قد تحدث آثارا سياسية.

2- العنصر الجغرافي: وهو ما يتعلق بمفهوم الحد السياسي باعتباره خطا قانونيا وهميا يفصل بين دولتين. كل علاقة سياسية تعبر هذا الحد أو تنتج آثارا سياسية تعتبر علاقة دولية.

وبناء على ذلك، فيمكن القول إن أي علاقة لكي تكتسب وصف علاقة دولية لا بد أن يتوافر فيها شرطان؛ الأول: عنصر سياسي (بمفهوم السياسة الواسع) وهو الطبيعة السياسية للعلاقة أو قدرتها على إحداث آثار سياسية. والعنصر الثاني، هو العنصر الجغرافي، ويقصد به تخطي هذه العلاقة أو آثارها لحدود الدولة أو المنطقة التي نشأت فيها. وبالتالي، فقد يكون التعريف الأكثر اقترابا للعلاقات الدولية من المعنى المتقدم، بأنها "كل علاقة ذات طبيعة سياسية أو من شأنها إحداث انعكاسات وآثار سياسية تمتد إلى ما وراء الحدود الإقليمية لدولة واحدة" ([11]).

صفحة 6

ثانيا:التعريف بعلم العلاقات الدولية ومضمونه

لكي نتعرف على علم العلاقات الدولية، لا بدّ من معرفة منهجه وموضوعاته، وذلك لأن "التعرف بأي علم من العلوم لا يعني أكثر من التعريف بمادة العلم، أي بالظواهر التي يتناولها وبمنهجه، أي بطبيعة العمليات الذهنية التي ينتجها الباحث سعيا وراء حقيقة تلك الظواهر" ([12]). فالعلاقات يقصد بها الروابط المختلفة، أما كلمة "الدولية" فإن أول من استخدمها، هو العالم الإنجليزي ج. بنثام (J. Bentham) في نهاية القرن الثامن عشر، ثم أعيد استخدمها من قبل الاختصاصيين الذين يدرسون الروابط العالمية من منظار قانوني بحت([13]).

أما بالنسبة للعلاقات الدولية كعلم، فقد تأسس حديثا، بعد الحرب العالمية الثانية، وقبل ذلك كان الكثير من موضوعاته إضافة إلى موضوعات أخرى، تستخدم منهج التقييم الذاتي الفلسفي المثالي على اعتباره تاريخا دبلوماسيا، ثم تاريخا للعلاقات الدولية، حتى أصبح قسما من علم السياسة الذي هو فرع من فروع العلوم الاجتماعية.

وبعد ذلك أصبح علما متخصصا يتبع المنهج التجريبي في دراسة الظواهر الدولية دراسة موضوعية (تهتم بالملاحظة والإحصاء والتصنيف والترتيب والاستقراء)، وذلك من أجل نظم وقواعد ونظريات تفسر العلاقات والروابط التي تحصل بين المجتمعات البشرية والدول([14]).

يقول الباحث المشهور في علم العلاقات الدولية، كارل د.دويتش: "إن مقدمة لدراسة العلاقات الدولية في عصرنا هي مقدمة لفن وعلم بقاء النوع البشري على قيد الحياة، فإذا قتلت الحضارة خلال السنوات الثلاثين التالية، فلن تقتلها المجاعة أو الوباء، وإنما تقتلها السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. نستطيع مكافحة الجوع والوباء، ولكن لم تستطع بعد، أن نعمل شيئا بالنسبة إلى قوة أسلحتنا وإلى سلوكنا باعتبار أننا دول قومية" ([15]) (2).

فعلم العلاقات الدولية هو الذي يدرس العلاقات التي تحدث بين الدول، مما يعني أن الموضوعات التي تدخل فيه تشمل الاقتصاد والثقافة والعلاقات السياسية. وبطبيعة الحال، فإن هذه العلاقات تخضع للتطور والتغيير. فكل ما له صلة بعلاقات دولة وعدة دول فيما بينها على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية يمكن أن يدخلها فيها حتى إن أحد العلماء قد وصف العلاقات الدولية بأنها: "ربما ترى كعلاقات واقعية تأخذ مكانها عبر الحدود القومية" ([16]). أي بمعنى كل ما له صلة بالعلاقات بين الجماعات من جانبي الحدود القومية أو الوطنية. فهذا التعريف شامل ومتسع، فلا يحدد موضوعات العلاقات الرسمية بين الدول والحكومات، ولا يحصر تلك الموضوعات بسب كثرتها، وكذلك لا يمكن الجزم بأن عدد من الموضوعات لا تدخل فيها. وأيضا فإن العلاقات الدولية لو اعتبرت علاقات عبر الحدود القومية فلن تغطي كل الظواهر التي سوف تتأتى من داخل الدولة([17]).

كذلك، فإن منهج العلاقات الدولية لا يعتمد على دراسة العلاقة بيد دولتين فقط، لأنه من الصعوبة بمكان استخراج قاعدة أو نظرية عامة من قاعدة ضيقة طرفاها دولتان، لأنه سيتم الوصول إلى مجموعة من البيانات غير الكافية. فالعلاقات الدولية تشير إلى كل أنواع الروابط والمبادلات التي تتم خارج حدود دولة واحدة. هذا كله لا يتفق مع طبيعته كعلم لأنه بهذه الكيفية يعود إلى سابق ماضيه وبداياته الأولى، رغم تطوره ونموه واختلافه في منهجه وموضوعاته التي تبدو واضحة في مصادره ومراجعه وأبحاثه.

فعلم العلاقات الدولية يستعين بعدد كبير من الموضوعات والعلوم الأخرى كالرياضيات والإعلام والإحصاء والكمبيوتر. فهذا العلم يستفيد من المعلومات التي يوفرها علماء الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ والجغرافيا.

وبالنتيجة فقد ظهر الاختلاف فيما بين الباحثين والدارسين والعلماء اللذين تخصصوا في علم العلاقات الدولية حول مادة العلاقات الدولية([18])؛ فهل تتناول دراسة كل أنواع الصلات التي تربط مختلف الدول أم أنها تشمل أنواعا معينة؟ فالبعض يرى أن قوام مادة العلاقات الدولية هو السياسة؛ كل ما له تأثير مباشر في السياسة يدخل في نطاق دراسة هذه المادة، فمثلا فإن المباراة الرياضية أو الصفقة التجارية إذا كان لأي منها أثر سياسي مباشر فيعتبر من صميم العلاقات الدولية. وبالنتيجة فهم يطالبون بتسمية هذه المادة بـ "العلاقات السياسية الدولية". أما بالنسبة لبعض العلماء والدارسين الآخرين، فإنهم يقولون إن المعيار في تحديد ما يدخل في نطاق دراسة هذه المادة هو مدى أثر العلاقة أو الرابطة في المجتمع الدولي بأكمله. فالعلاقة التي يكون لها أثر في المجتمع الدولي عامة تدخل في دائرة هذه الدراسة.

ووفقا لهذا الرأي، فإن دراسة العلاقات الدولية تشمل دراسة كل الاتصالات التي تتعلق بالدول أو الشعوب أو السلع أو الأفكار شريطة تعديها وتجاوزها الحدود، ويكون لها تأثير في المجتمع الدولي بأسره، علما بأن المجتمع الدولي يختلف في بنيته عن المجتمع الوطني بعدم اكتماله وفوضاه وعدم تلاحمه؛ فالسلطة في المجتمع الدولي غير محددة، وغير مقيدة، وفي أحيان كثيرة عنيفة، عندما تستخدم القوة لتحقيق مصالحها([19])، والتي تتعارض في كثير من الأحيان مع مصالح الدول والجماعات البشرية الأخرى.

ومن ناحية أخرى، يقول كتاب وعلماء علم العلاقات الدولية إن هذا العلم مر بثلاث مراحل([20]) وهي: الوصف والتصنيف والتفسير.

ومن خلال معرفة الانتظام الخاص بالظواهر يتم استخراج القوانين العامة التي تحكم وتفسر هذه الظواهر، وتعطي القدرة على التنبؤ فيها بدرجة معينة من النسبية لا تتصف بالصدق المطلق، لأن طبيعة العلاقات الدولية لا تقبل فكرة القانون العلمي بمفهومه التقليدي (أي مفهوم الحتمية السببية)، "وإنما أقصى ما نستطيع تبنيه عن طريق الملاحظة بالإحصاء والمقارنة بتحليل الشبه والخلاف، هو ما إذا كان ثمة علاقات توافق أو ترابط بين ظواهر دولية معينة أم لا؟ وذلك بالمفهوم الرياضي للحتمية في المعنى المتقدم" ([21]). فكما يستشهد الباحث محمود حسن أحمد برأي العالم كونسي رايت (Qincy Wright) فإن النظرية العامة للعلاقات الدولية تعني الشيء الشامل المترابط والذي يمكن بواسطته فهم عمليات التوقع والتطوير في ضبط العلاقات وفهم الظروف الدولية. علما بأن البعض يعتقد أن علم العلاقات الدولية مجاله العلاقة ما بين الدول ذات السيادة فقط([22]).

ولكن الرأي الراجح ما بين باحثي وعلماء العلاقات الدولية، قد وصل إلى عدم اقتصار ميدان علم العلاقات الدولية على العلاقات التي تتم بين الدول وحدها، بل تم توسعته ليشمل الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والقارية، والمتغيرات والعوامل والكيانات التي تؤثر على صنع أو اتخاذ القرار في داخل الدولة. وهذا يضم نوعين من العلاقات؛ أحدهما سلمي يقوم به الدبلوماسيون، والآخر حربي يقوم به العسكريون، وبالنتيجة تكون العلاقات الدولية وسيلتي تنفيذ أو تطبيق. وبهذا الخصوص يقول الباحث دانيل كولار: "إن دراسة العلاقات الدولية تضم العلاقات السلمية أو العدوانية بين الدول، ودور المنظمات الدولية، وتأثير القوى الوطنية، ومجموع المبادلات والنشاطات التي تخترق الحدود الدولية".

وتقتصر الدراسة العلمية في العلاقات الدولية على امتحان ظواهر العالمية، بشكل عام وإيضاح علاقات السببية، والعوامل التي تحدد تطورها، ومحاولة تكوين نظرية ملموسة حولها، أي بعبارة أخرى، إن المقصود هو إقامة قواعد أو ضوابط أو شرائح بالمعنى الذي أعطاه مونتسكيو Montesquieu)) أي علاقات ضرورية نابعة من طبيعة الأشياء" ([23]).

أما العالم كونسي رايت (Qincy Wright) فيقول: "إن العلاقات الدولية تتضمن العلاقات بين كيانات متعددة...والمرء في العلاقات الدولية يبحث دور المنظمات والدساتير والجماعات كالأحزاب السياسية والأقليات العرقية والصحافة والجماعات الاقتصادية" ([24]).

وبخصوص الجانب الرسمي الأممي، فقد تضمنت تقارير المؤتمرات العلمية التي نظمتها هيئة اليونسكو لبحث موضوع العلوم السياسية، أن مادة العلاقات الدولية تتضمن ثلاث مواد فرعية ولكنها متصلة، وهي، كما يلي([25]):

1- السياسة الدولية؛ تتناول دراسة السياسات الخارجية للدول وتفاعل تلك السياسات بعضها ببعض.

2- التنظيم الدولي؛ يتضمن دراسة أهم المنظمات الدولية العالمية مثل الأمم المتحدة، أو الإقليمية مثل جامعة الدول العربية أو الفنية مثل هيئة العمل الدولية.

3- القانون الدولي؛ يتناول دراسة القواعد القانونية التي تنظم علاقات الدول مع بعضها البعض وعلاقاتها بالتنظيمات الدولية.

فنحن نقر ما جاء في مؤتمرات اليونسكو، على الرغم من أن هذا التعريف يميل إلى التعميم والشمول بسبب فضفاضيته وسعته من جانب، ووجود تصور حديث يدعو إلى ضرورة الاهتمام بتاريخ العلاقات بين الشعوب بدلا من البحث عنها في تاريخ العلاقات بين الحكومات.

وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن علم العلاقات الدولية هو علم يفسر الواقع الدولي، على اعتبار أن التفسير يكشف عن خواص الظواهر ذاتها وفي علاقاتها بغيرها من ظواهر الواقع، ومن ثم الكشف عن القوانين التي تحكم هذه العلاقات ثم محاولة التنبؤ اعتمادا عليها. وبمعنى آخر، فإن علم العلاقات الدولية يلاحظ الواقع الدولي ويقوم بإجراء المقارنات باستخدام الطرق الإحصائية في جميع لظواهر الدولية وتصنيفها، وذلك بوضع المتجانسات مع بعضها البعض وحسب تنوعها وإبعاد المختلفات (المتباينات) عنها.

صفحة 7

ثالثا:ماهية ومجالات علم العلاقات الدولية

تتنوع المجالات التي يستقي منها علم العلاقات الدولية موضوعاته ومادته، لأنه نشأ حديثا عن العلوم الأخرى، كما أسلفنا؛ فكل من هذه العلوم تدعي أنه جزء منها ومبحث لها؛ فعلماء الاجتماع اعتبروه دراسة اجتماعية موضوعها المجتمع الدولي. وبالنسبة لعلماء التاريخ فقد عدوه دراسة للتاريخ الدبلوماسي أو تاريخ للعلاقات الدولية. أما علماء السياسة، فقد اعتبروه دراسة للعلاقات الخارجية السياسية. واعتبره بعض العلماء تجميعا لعدة علوم.

وفي حقيقة الأمر، فإن علم العلاقات الدولية يتبع جزئيا لكل هذه العلوم وبدرجات مختلفة، إذ إنه من الصعب في الأيام المعاصرة العمل على الفصل القاطع فيما بين العلوم المختلفة. وقد يكون الفرق ما بين علم العلاقات الدولية وتلك العلوم المرتبطة بها في المجال أو المنهج([26])؛ فعلم السياسة مثلا يختلف عن علم العلاقات الدولية في المجال الجغرافي لأنه يهتم بالسياسة الداخلية وعلم العلاقات الدولية يهتم بدراسة العلاقات التي تتم بين المجتمعات السياسية مع أن الاثنين يتناولان وجهين لواقع واحد هو المجتمع السياسي. ولكن المجتمع الذي يتبع للدولة يخضع لسلطة مركزية واحدة ذات سيادة متحدة، على خلاف المجتمع الدولي الذي تتعدد فيه مراكز القوى وفقا لتعدد السيادات. وهكذا يقول العالم دانيال كولار: "بعضهم يعتبر علم السياسة بأنه علم الدولة، بينما يعتبره البعض الآخر بأنه علم السلطة...وقد قسمه البعض إلى علم سياسة داخلي وخارجي. الأول يعنى بالموضوعات الوطنية والثاني بالموضوعات العالمية. وما من شك أن الاثنين يؤثران في بعضهما سلبا أو إيجابا" ([27]).

فمن المعلوم أن علم العلاقات الدولية قد انبثق من علم السياسة([28]) واستعان بمنهجه التجريبي وبموضعه الخاص في المجتمع السياسي لأنه ليس من السهولة فهم وإدراك الظواهر الدولية دون إدراك الظواهر الداخلية والعكس صحيح. وأنه عندما تم قسمة علم السياسة إلى جزئين، داخلي وخارجي واعتبره علما للدولة أو للسلطة، فإن علم العلاقات الدولية قد اختص بهذا الجزء الخارجي.

وعندما يدرس علم السياسة السلطة الداخلية والدولية، فإن السلطات التي تتعدى نطاق الدولة والروابط التي تتم بين الدول تدخل في دائرة علم العلاقات الدولية. "أما الفرق بين علم العلاقات الدولية وعلم السياسة الخارجية، فإن الثاني يختص بتحديد الأسس ومجموعة القواعد الفكرية التي ترسم العلاقات الدولية" ([29]).

فعلم العلاقات الدولية ليس تلخيصا للسياسات الخارجية للدول، ولكن بعض الكتاب والباحثين قديما وحديثا قد ساروا على عدم التفريق بين علمي السياسة الخارجية والعلاقات الدولية باعتبار الأخير مجملا للسياسات الخارجية للدول. وكما يقول براكاش شاندرا (Brakash Chandra): "إن السياسة الخارجية أداة هامة لتوضيح السلوك الدولي. وليس من الممكن فهم العلاقات التي بين الدول بدون فهم السياسات الخارجية للدول" ([30]). وبناء على ذلك، فإن السياسة الخارجية تعد نظاما لمصالح قومية مختارة، متضمنة الصياغة والأداء لمجموعة من المبادئ التي تشكل التكوين السلوكي للدولة في مفاوضاتها مع الدول الأخرى حماية لمصالحها.

يتضح مما تقدم، أن علم العلاقات الدولية، على الرغم من اتخاذه لنفسه منهجا تجريبيا، فإنه لن يكون تجريبيا صرفا، ما بقي المجتمع الدولي مادته الأساسية. ولأن المجتمع مجموعة من البشر في صورة تنظيمية لا تفلح التجربة لمعرفة واستقراء الأحكام المطلقة من تصرفاته التي تختلف من حيث الزمان والمكان. وهذا ما يؤكده الباحث محمد طه بدوي بقوله: "إن العلاقات الدولية، وهي علاقات اجتماعية بالدرجة الأولى، ستظل ترتبط بجانبها المثالي، أي "بما يجب أن يكون"، مهما بلغت أهمية دراستها على أساس "ما هو كائن"" ([31]).

ومن جهة أخرى، فإن علم العلاقات الدولية، مثل سائر العلوم الاجتماعية الأخرى، لا تحكمه قواعد ثابتة؛ فنظرياته وأحكامه نسبية وتتأثر بمؤثرات وعوامل متنوعة([32])، مثل العامل الجغرافي والتاريخي والاقتصادي، والعقائد والمذاهب السياسية والأيديولوجيات... الخ.

وكذلك فإن كل طرف من أطراف العلاقات الدولية، كالدول مثلا، تتأثر بوجود الأطراف الأخرى. فالدول مثلها مثل الأفراد، لا تستطيع العيش بمفردها منعزلة عن العالم وإنما هي في حالة تفاعل معه، إضافة إلى أنها تحظى بأجهزة أمنية داخلية وخارجية، وسلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية تدير شؤونها.

فالعلاقات الدولية ما بين الوحدات السياسية (الدول) وغيرها من الأطراف الدولية، لها جوانب متباينة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وبعضها يقع على مستوى ما بين الدول. فهي علاقات سياسية بحكم طبيعة أطرافها بينما يقع البعض منها على مستوى العلاقات الخاصة، والتي لا تظهر فيها الدول كطرف مباشر في التعامل، هذا إضافة إلى امتداد الكثير من وقائع الحياة الوطنية (داخل الوحدات السياسية) إلى الحياة الدولية والتأثير فيها بشكل واضح.

صفحة 8

رابعا: تاريخ وتطور العلاقات الدولية

لقد نشأت العلاقات الدولية منذ أن نشأت الجماعات البشرية؛ فقد قامت القبائل ثم تطورت وعرفت الحرب والسلم والصفقات التجارية. وبمعنى آخر، فإن هذه العلاقات قديمة قدم وجود الإنسان. ويوجد من العلماء من يرى أن العلاقات الدولية بمفهومها الحديث لم تنشأ إلا منذ أن نشأت الدول. فلم يكن لها وجود قبل مؤتمر وستفاليا سنة 1648. وكانت وجهة نظر هؤلاء العلماء بالنسبة لبلاد الغرب دون الشرق. ومن ناحية أخرى، فهناك من يرى من العلماء أن العلاقات الدولية ترجع إلى ما قبل هذا المؤتمر بعقود طويلة. وقد أثبتت الكشوف الأثرية أن علاقات منظمة نشأت بين بعض بلاد ما بين النهرين منذ ما يقارب ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد([33]).

وقد يكون الرأي الراجح بخصوص نشأة العلاقات الدولية، بالقول أنها نشأت بنشأة الدول، عندما كانت تعرف باسم دولة المدينة([34])، والتي تعد نتاجا وامتدادا طبيعيا لمراحل نمو واتساع قاعدة العلاقات التي تبدأ من الفرد إلى نطاق الأسرة، إلى العائلة التي تشمل مجموعة من الأسر وصولا إلى العشيرة والقبيلة. ومن ثم الانتقال إلى الانتماء الجغرافي الذي يعد معلما وحاميا للقبيلة أو لأكثر في شكل منطقة أو إقليم أو ولاية، انتقالا إلى رحاب الدولة.

ومن ثم فإن العلاقات الخارجية تكون بين الدول مع بعضها البعض، أو تنظيمات حكومية أو أهلية إقليمية أو قارية أو عالمية أو شركات أو مؤسسات أجنبية كعلاقات دولية غير مباشرة، في حين أن الطرف الثاني ينتمي إلى جهة خارجية ذات جنسية أخرى أو متعددة الجنسيات([35]).

إذن فالعلاقات الدولية ليست حديثة بل قديمة وجدت منذ دولة المدينة؛ منذ عهد الإغريق والرومان والنوبة والفراعنة والآشوريين والبابليين والحميريين والحثيين والفرس وغيرهم. ونتيجة لظهور وانتشار الدين المسيحي في أوروبا فقد تغيرت بعض المفاهيم السياسية في العلاقات الدولية انسجاما مع المبادئ التي تدعو إلى المحبة والسلام والتسامح، وبخاصة بعد أن أصبح معتنقا من قبل بعض الحكام يوحدهم ويدعو إلى السلام في فترات محددة بحيث تمنع فيها الحروب تسمى بـ "الهدنة الإلهية"، وضرورة توقير البابا والقساوسة والرهبان وتحريم الإضرار بهم والسلم الإلهي، وكذلك ضرورة الاحتكام إليهم في الخلافات والانصياع إلى آرائهم وبما يسمى بالتحكيم البابوي. ومثال ذلك القرار الذي أصدره البابا اسكندر السادس في القرن الخامس عشر والذي يقضي بتقسيم أمريكا ما بين البرتغال وأسبانيا منعا لأي صراع بينهما([36]).

وقد كان لظهور الإسلام وتكوين الدولة الإسلامية في المدينة المنورة ثم الإمبراطورية الإسلامية الكبرى حدثا جديدا في تاريخ العلاقات الدولية، ورأته أوروبا بأنه يهدد سيادة المسيحية فيها([37]). وكان الخلاف بين علماء المسلمين حول نظرة الإسلام لعلاقاتهم بغيرهم من الأمم والشعوب، وكل حسب حججه وأدلته من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ فالبعض قال بأن العلاقات بين المسلمين والغير تقوم على أساس الحرب والقتال([38]). والبعض الأخر يقول أن هذه العلاقات تقوم على السلم وأن أصل هذه العلاقات هو السلم وليس الحرب أو القتال أو الصراع، وهو الرأي الراجح، كما سنبينه، إن شاء الله فيما بعد.

وعمليا، فقد تطورت العلاقات بين المسلمين وغيرهم من الأمم والشعوب حتى أنها لم تكن على شاكلة واحدة؛ فكان منها الصراع والقتال ومنها السلم والأمن. وقد وصلت إلى حد التحالف وعقد المعاهدات مع غير المسلمين، كما فعل هارون الرشيد مع الإمبراطور شارلمان. وقد تدهورت هذه العلاقات بين المسلمين والغرب المسيحي نتيجة لاندلاع الحروب الصليبية، ولكن السلام والتعاهد عاد من جديد في عهد الدولة العثمانية.

ومع كل ما قيل، فإن بعض العلماء يرى أن مؤتمر وستفاليا (1648) الذي أنهى حرب الثلاثين سنة، يعد نقطة بداية في تاريخ العلاقات الدولية، وأن دراسة العلاقات الدولية يجب أن تبدأ من ذلك التاريخ، لما استحدثته هذه المعاهدة في نطاق العلاقات الدولية من أمور، كان من أهمها ما يلي([39]):

1- تعد فاتحة لما سمي فيما بعد بـ "دبلوماسية المؤتمرات"(Diplomacy of Conference ) والتي اتخذت صورة مقابلات بين الملوك والأمراء لتبادل وجهات النظر. فكان صلح وستفاليا نتيجة للاجتماع الأول الذي عقد بين الملوك والأمراء في شكل أو هيئة مؤتمر.

2- لقد أقرت مبدأ المساواة بين الدول دون النظر إلى نظمها الداخلية أو مذهبها الديني. فكانت هذه المعاهدة الخطوة الأولى نحو انطلاق علمانية العلاقات الدولية.

3- أقرت نظام إحلال البعثات الدبلوماسية الدائمة محل البعثات الدبلوماسية المؤقتة والتي كانت موجودة آنذاك.

4- أخذت بنظام توازن القوى باعتباره وسيلة للعمل على استتباب السلام في أوروبا. وقد ظهرت تطبيقاتها في القرارات التي اتخذها المؤتمر.

وبالتالي، فقد تتابعت الدول في عقدها للمؤتمرات، فكان مؤتمر فينا عام 1815، والذي هدف إلى إعادة تنظيم علاقات الدول مع بعضها البعض. ومن أهم المبادئ التي أقرها هذا المؤتمر ما يلي([40]):

أ- مبدأ المشروعية؛ وهو خاص بإعادة الملوك إلى عروشهم بما لهم من حق مشروع.

ب- مبدأ توازن القوى([41]).

ج- مبدأ الحياد الدائم. وقد تم وضع سويسرا وفق هذا المبدأ في حال حياد دائم.

د- مبدأ حرية الملاحة في الأنهار الدولية.

هـ- تنظيم العلاقات الدبلوماسية بين الدول ووضع قواعد لترتيب الممثلين الدبلوماسيين.

و- تحريم تجارة الرقيق.

صفحة 9

ثم تتابع عقد الكثير من المؤتمرات لتنظيم العلاقات بين الدول، وكذلك تم تأليف العديد من المنظمات الدولية للإشراف على هذه العلاقات([42])؛ كان من تلك التنظيمات القومسيون الأوروبي للدانوب (عام 1856) الذي عهد إليه بالإشراف على الملاحة الدولية في نهر الدانوب. وكذلك فهناك اتحاد البريد الدولي (عام 1875)، واتحاد التلغراف الدولي (عام 1865)، مؤتمر لاهاي الأول (عام 1899)، والثاني (عام 1907) وفيهما تم تنظيم القواعد الخاصة بالحرب والحياد والقواعد الخاصة بحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية، وتم إنشاء محكمة التحكيم الدولي الدائمة في لاهاي. ولكن هذه المحاولات وما جاءت به من منظمات دولية لم تحل دون قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914.

وفي الفترة التي تقع ما بين قيام الحرب العالمية الأولى وبين إلقاء أول قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما عام 1945، سميت بـ "عصر التنظيمات الدولية"؛ لقد كانت الحرب العالمية الأولى حرب شاملة اشتركت فيها دول العالم، وأسفرت عن إنشاء أول منظمة دولية عالمية، وهي عصبة الأمم. وقد كان ميثاق هذه المنظمة جزءا من سلسلة معاهدات الصلح التي عقدت فيما بين الدول المتحاربة. ولكنها لم تحقق الأهداف التي وضعت لها، ودليل ذلك قيام الحرب العالمية الثانية، على الرغم من سعيها لتحقيق السلام بين الدول وعقدها عدة مواثيق داخل العصبة أو خارجها.

ولم تعرف العلاقات الدولية قبل نهاية الحرب العالمية الثانية إلا أنساقا دولية محددة جغرافيا وحضاريا، ومنذ عام 1945 أخذ النسق الدولي يتخذ صورة جديدة فيما يتصل بمداه([43]). إنها صورة النسق العالمي الذي يتخطى بشموله هذا حدود المناطق الجغرافية والحدود الحضارية، نحو العالمية. فظهرت رابطة قوى عالمية شاملة بمعالم جديدة، قطباها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق([44])، واختفت الظاهرة التاريخية التي تمثلت في انتهاء العصر الأوروبي في المجال الدولي.

فلقد كانت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فترة جديدة في العلاقات الدولية تميزت بالتقدم الكبير في التكنولوجيا العسكرية (بدأ بإلقاء قنبلة هيروشيما)، وتطوير الصواريخ العابرة للقارات والأقمار الصناعية، وانتقال محور العلاقات الدولية من أوروبا إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وظهور عدد كبير من الدول التي استقلت حديثا في كل من قارتي آسيا وإفريقيا، وتطور الأسلوب الدبلوماسي في الدولة مع ما يلازمها من دعاية وارتباطها بالأساليب البرلمانية داخل المنظمات الدولية، بحيث أصبحت ذات صبغة جماعية عالمية وبعيدة عن قواعد القانون الدولي. وعلى الرغم من بروز فكرة الحياد الإيجابي والتي تحولت إلى عدم الانحياز، الذي يضم دول العالم الثالث، والذي أصبح لا قوة له في ظل التنافس الشرس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، وأصبح محورا لحروب وصراعات بالوكالة، حتى تفكك الأخير وتفردت واشنطن بالقوة وهيمنت على الأمم المتحدة بعد بروز ما يسمى بالنظام الدولي الجديد.

وكما قيل سابقا، فإنه مع مر السنين اختلفت العلاقات الدولية، وبخاصة في القرن العشرين، من حيث كيفيتها وكمها(رأسيا وأفقيا)؛ فقد ازدادت راسيا الموضوعات الداخلة في هذه العلاقات([45]). فبعد أن كانت قاصرة على العمل الدبلوماسي المؤقت في شكل لقاءات للملوك والرؤساء وكبار المسؤولين الآخرين عبر المؤتمرات أو توقيع معاهدات أو بروتوكولات إلى جانب بعض التبادلات التجارية والهجرات السكانية الخارجية، قد أضيفت أشياء جديدة كالتبادل الثقافي والعسكري، وأصبحت العلاقات التجارية والاقتصادية أكثر بصورة فاقت العلاقات الدبلوماسية والسياسية المحضة. فمعظم الدول، وبخاصة الغير مكتفية ذاتيا، ارتبطت مع غيرها لاستيراد معدات أو أدوات أو آليات عسكرية أو غذائية أو تقنية...الخ. مما أدى إلى الاعتماد على الدبلوماسية الدائمة إلى جانب الدبلوماسية المؤقتة، ومن ثم تشعب العمل في ظل العدد الكبير من الدول بحيث جعل التحكم بمثل هذه العلاقات أمرا ليس سهلا.

ومن زاوية أخرى، وعلى الرغم من تعدد وتنوع الأطراف الدولية في المجتمع الدولي في القرن العشرين(دول، منظمات، شركات، حركات تحرر)، فإن الدول تبقى هي الأساس والركن الأكبر من أركان العلاقات الدولية وذلك لعدة أسباب من أهمها، مكانتها السامية لدى المواطنين الذين يدينون لها بالولاء والانتماء وصولا إلى درجة الرضا بالتضحية من أجلها.

وكذلك فإن الدولة بما فيها من سلطة سياسية وأجهزة تنفيذية وقضائية وتشريعية، ولما لها من قوات أمنية، تعد أفضل التنظيمات الإدارية لشمولها كل المواطنين والهيئات الاعتبارية بالرعاية.

ونتيجة للتطور السريع في سبل المواصلات والاتصالات، فقد اختزلت الأمكنة والأزمنة بحيث أصبح العالم، كما يقولون، قرية صغيرة، يستطيع الإنسان أن يتعرف على أخبار العالم في لحظات من أي مكان. وكذلك فقد سهلت عملية تأثير وتأثر العالم بعضه ببعض، مما ربط هذا العالم بعلاقات متنوعة دينية وسياسية واقتصادية وتجارية. وعلى الصعيد المقابل، فقد أصبح تأثير الرأي العام واضحا في الكثير من الأحداث مما زاد من أهمية العلاقات الدولية، وبخاصة بعد أن أصبح مصير الكثير من الشعوب في العالم مشتركا في مجموعة كبيرة من المجالات والاهتمامات والضرورات([46]).

فأصبح المجتمع الدولي معقدا اختلف المفكرون حول طبيعته هل هو مجتمع منظم أم فوضوي؛ فالواقعيون يعتقدون أن المجتمع الدولي غير منظم أو ينظرون إليه نظرة معتمة متشائمة أو بأنه لا زال على حالة الطبيعة. أما الرأي الأخر فيرى عكس ذلك، مركزا على أوجه التماثل بين المجتمع الدولي والمجتمع الوطني، فيصفه بعضهم بأنه منظم ويصفه بعضهم الآخر بأنه وصل إلى مرحلة الجماعة وأنه يمثل "جماعة دولية". وبمعنى آخر، فإن عناصر التضامن والتعاون فيه أقوى من عناصر الانقسام، مع وجود تنظيم دولي وبناء هيكلي للمجتمع الدولي. ولكن تعتبر المصلحة القومية، "هي التي تملي على الدولة القومية المعاصرة قبولها بل وربما سعيها إلى تقييد سيادتها لحساب تنظيم دولي أعلى... وهذا يعني أن الهياكل القيمية لا يمكن أن يقدر لها الاحترام إلا بالقدر الذي تلتقي فيه بالواقع" ([47]). وبالتالي، فإن امتداد المجتمع الدولي في تنظيمه إلى مواضع جديدة اجتماعية واقتصادية وسياسية، قد أثرت في العلاقات الدولية تأثيرا كبيرا.

صفحة 10

خامسا: أطراف وعوامل العلاقات الدولية

أ- أطراف العلاقات الدولية: يقصد بأطراف العلاقات الدولية كل سلطة أو هيئة أو جماعة أو حتى فرد من الممكن أن يلعب دورا على المسرح الدولي. وكما هو الحال بالنسبة لتعريف العلاقات الدولية فإنه لا يوجد اتفاق واضح حول عدد هذه الأطراف، مع أن البعض يرى أن الدولة تمثل الطرف الوحيد في العلاقات الدولية.

وفي المقابل، فإن هناك رأيا أخر، يرى أنه يمكن توسيع هذا التصنيف ليشمل أطرافا أخرى مثل المنظمات الدولية والتجمعات الخاصة ذات البعد العالمي. ويضم فريق ثالث منظمات التحرير الوطني. وذهب فريق رابع إلى حد إشراك الفرد بمعاملته كطرف أساسي من أطراف النظام الدولي. أما بعض المفكرين والكتاب، فإنهم يقسمون أطراف العلاقات الدولية إلى أطراف أساسية أو رئيسة وهي الدول، وأطراف ثانوية تشمل الأطراف الأخرى، وهو الرأي الغالب. علما بأن الدول ليست كلها بنفس الأهمية. فالدول ذات النفوذ والسلطة يجب اعتبارها أطرافا رئيسية، أما بقية الدول فتعد مجرد أطراف ثانوية كبقية أطراف العلاقات الدولية الأخرى([48]).

وواقعيا، يمكن القول إن المجتمع الدولي يضم أطرافا متنوعة ولكن ليس لها نفس الأهمية والتأثير ولا نفس المركز القانوني. فهذا النظام الدولي، يزداد اكتظاظا وحركة يوما بعد يوم نتيجة الثروة المستمرة في نسقي الاتصالات والمواصلات، "والتي تؤدي دائما إلى توسيع شبكة الاعتماد المتبادل في النظام العالمي وتكثيفها...وقد نتج هذا الوضع عن ازدياد قنوات التفاعل وتنوعها بين المجتمعات الوطنية" ([49]). وذلك لأن ازدياد الانصهار في النظام العالمي يفرض حقيقة أساسية على جميع الدول والأطراف الأخرى تتمثل في عدم قدرة هذه الأطراف على منع انكشافها لمحيطها الخارجي.

ومهما يكن الأمر، فإن أهم الأطراف الدولية هي الدول، والمنظمات الدولية، ومنظمات التحرير الوطني، والقوى عبر الوطنية (الاقتصادية، السياسية، الدينية، النقابية...) ومع أن المجال لا يتسع للحديث عنها، ولكن لا بد من إيجاز مختصر بسيط.

مما لا شك فيه أن الدول تحتل الطرف الأقدم والأهم في العلاقات الدولية باعتبارها تشكل الخلية الأساسية للمجتمع الدولي المعاصر، حتى إن بعض الفقهاء الدوليين أطلقوا عليها الشخص النموذج أو الشخص الكامل أو الشخص المتميز نتيجة لأهميتها وتمايزها عن بقية أطراف العلاقات الدولية. وتهتم العلاقات الدولية بدراسة فعالية هذه الدولة، بمعنى علاقاتها مع دول العالم الأخرى، وكذلك مع الأطراف الدولية الثانوية. فمادة العلاقات الدولية تبحث في مجالات متعددة إضافة إلى الجوانب القانونية للدولة ووظائف ودور الدول وتصنيفاتها والتشابه والاختلاف في أنظمتها السياسية، والعوامل التي تؤثر على علاقاتها مع بعضها البعض.

تعد الدولة هي الأصل أو الأساس في العلاقات الدولية لعدة أسباب؛ وعلى رأسها مكانتها السامية لدى المواطنين الذين يشعرون بالولاء والانتماء لها، وكذلك بما يوجد لديها من سلطة سياسية وأجهزة تنفيذية وقضائية وتشريعية([50]). ويقول دانيال كولار: "بعد أربعة قرون من ولادتها، لا تزال الدولة تشكل البنية الأساسية للمجتمع الدولي. فالعالم "دول" ومقسم إلى وحدات دولية. وهذه الدول تختلف عن بعضها البعض في حجمها، وقوتها، ونظامها السياسي، وشكلها القانوني. ومع ذلك، فإنها تمتلك جميعا نفس العناصر التكوينية، وتقيم علاقاتها على أساس مبادئ سياسية مشتركة، الأمر الذي لا يمنعها من تأليف عدد معين من "المحاور" ([51]).

أما بالنسبة للمنظمات الدولية، فإنه منذ القرن التاسع عشر، قد نافست الدول في ظهورها ونموها، فلم تعد الدول تحتكر العلاقات الدولية باعتبارها ركنا أساسيا، وباقي الأطراف أركانا ثانوية. وكما كان الحال بالنسبة للدولة، فإنه لا يوجد اتفاق ما بين الدارسين والفقهاء على تعريف جامع متكامل للمنظمة الدولية؛ فقد عرفها محمد حافظ غانم على أنها: "هيئات تنشئها مجموعات من الدول بإرادتها للإشراف على شأن من شؤونها المشتركة، وتمنحها اختصاصات ذاتية تباشرها هذه الهيئات في المجتمع الدولي وفي مواجهة الأعضاء أنفسهم" ([52]). أما علي صادق أبو هيف، فيرى بأنها: "تلك المؤسسات المختلفة التي إنشائها مجموعة من الدول على وجه الدوام للاضطلاع بشأن من الشؤون الدولية العامة المشتركة" ([53]). ويعرفها كارل دوتيش، بأنها "عدد قليل من الدول يجمع بينها بعض الروابط الجغرافية والثقافية والتاريخية، أو تربطها بعض العلاقات الاقتصادية والمالية أو تجمعها مبادئ الحرية السياسية وما أشبه ذلك من الأنظمة الاجتماعية، أو مزيج من كل هذا" ([54]).

أما بالنسبة لمنظمات أو حركات التحرير الوطني والتي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية قد ظهرت أولا في القارة الأفريقية ثم آسيا ومن ثم أمريكا الجنوبية. وقد كان الهدف الأساسي والأصلي من ظهور هذه الحركات هو الكفاح ضد الاستعمار، ومن ثم فقد اتسع الهدف ليشمل الكفاح ضد الأنظمة العنصرية وضد السيطرة الأجنبية. وكانت الجزائر أول دولة تشهد ميلاد حركة تحرر وطني (1 نوفمبر 1954)([55]).

أما بالنسبة للطرف الرابع، فهو القوى عبر الوطنية التي تلعب دورا فاعلا على المسرح الدولي، أمثال المنظمات غير الحكومية، وكذلك بعض هذه القوى يفضل ممارسة نشاطه بحرية أكبر من وراء الستار مثل الشركات متعددة الجنسية. وهذه المنظمات غير الحكومية لا تتكون من دول وإنما من جمعيات أو اتحادات تتشكل عفويا وبشكل حر من قبل أفراد لتعبر عن تضامن عبر وطني وبدون غاية تحقيق الربح المادي ولا تتمتع بالشخصية القانونية الدولية. وتعد هذه الظاهرة قديمة، ولكنها اتسعت كثيرا مع نمو المواصلات الحديثة. وتشمل المنظمات غير الحكومية كل قطاعات النشاط الاجتماعي؛ سياسي، قانوني، اجتماعي، ثقافي، علمي، تقني، صحي، ديني، رياضي، سياحي([56]).

ب- العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية: يكاد يتفق كتاب القانون الدولي العام والعلوم السياسية على عدد من العوامل التي تؤثر في العلاقات الدولية، باعتبارها من أهم العوامل التي تؤثر على سير المجتمع الدولي وتحكم تصرفات أطرفه المختلفة. وكذلك، فإنه يكاد يتفق معظم الباحثين والكتاب وعلماء العلاقات الدولية على أهمية العوامل التالية([57]): العوامل الجغرافية والاقتصادية والسكانية والعلمية والتقنية والإيديولوجية. وبعض الكتاب من يضيف عوامل أخرى مثل شخصية أو دور رجل الدولة، والعوامل القانونية. وهناك من الباحثين من يصفها بأنها عوامل مادية وعوامل غير مادية، مع وجود التداخل بينهما الذي يصعب انفكاكه.

وليس من السهولة بمكان إعطاء أي عامل من هذه العوامل دورا حاسما أو كبيرا في التأثير على سياسات الدول وعلاقاتها مع بعضها البعض. مع أن البعض يعطي أهمية ودورا خاصا للعوامل الجغرافية والإيديولوجية، والبعض الآخر يعطي أهمية خاصة للعوامل الاقتصادية، والبعض الثالث يحاول أن يعطي أهمية نسبية لكل عامل من هذه العوامل. علما بأن هذه العوامل مترابطة مع بعضها البعض، فلا قيمة لموارد طبيعية لا تملك الدولة القدرة على استغلالها ولا قيمة لعدد كبير من السكان أغلبه جائع وأمي.

ومن ناحية أخرى، فإن أهمية كل عامل من هذه العوامل تتغير وتختلف باختلاف العصور والأزمان بحيث تقل وتزداد انعكاساتها على المجتمعات حسب طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية السائدة في المجتمع. وكذلك، فإن أي من هذه العوامل لا يؤكد قدرة الدولة بطريقة آلية وإنما لا بد لها من محرك إرادي، "لا بد لها من نظم اجتماعية واعية بها ومصممة على تحريكها، بالإرادة والعلم"؛ فقد يتوفر لدولة ما موقع جغرافي هو في ذاته عامل من عوامل القوة، ولكن تعجز القيادة السياسية عن الاستفادة الفعلية منه([58]).