eKtab
EN ع
أسرار
اقرأ عينة مجانية

أسرار

بقلم سليمان سليم التلاحمة

صفحة 1

حين يصبح الحلم حقيقة

رسمت لها الأيام أجمل الأحلام، وبقيت تردد على لسانها أعذب وأنقى الكلام.

روحها مليئة بالفرح، وبداخلها ألم يثور في كل لحظة، دموعها لؤلؤ بنقائها تشق الطريق على وجنتيها، كأنها جداول ماء تصب في بحيرة وترى البريق على وجهها.

لا أستطيع أن أحدثكم عن جمالها أو حتى عن رقَّـتها، لم أرَ فتاة بروحها ومرحها ولكنها تحمل الألم بين أضلعها، لم أكن أبالي كثيراً بوجودي بالقرب منها، فقد كانت تحاول الاقتراب مني وفي كل مرة كنت أتصدَّى لها بشدة رغم أن قلبي قد تعلَّق بها كثيراً.

في كل مرة كانت تقف أمامي وتحدثني بكل ثقة في نفسها، ولكنني كنت أبادرها بابتسامة كأنني أسخر منها، كنت أردِّد بعض العبارات على مسمعها، وكانت تستاء منها، كنت أقول لها إنني لا أحب الكلام الكثير وخير الكلام ما قلَّ ودلَّ، وإنني أحب أن أبقى على أغصان الأشجار كالعصافير وأن أتنقل بين الزهور مثل الفراشات.

لم أشعر بأنني سأصبح في يوم أسيراً بين يديها، ها قد ملكتني برقتها وروعتها وجمالها ورصانة عقلها، كنت أنتظر لحظة اللقاء بشوق بعد كل غياب.

كثيراً ما كنت أرى آثار الدموع على وجهها، وكثيراً كنت أمازحها بأنني شاب، ولا أظن أن البكاء لي، أو حتى من حقي، والآن وبعد طول غياب أصبحت الدموع من حقي، وأنا أعترف بذلك، أعترف بأنني كنت أحبك منذ صغري، ولكن طول المسافات هي التي أبعدتني عنكِ، ولا أنسى أن أخبركِ بأن بيننا حدوداً وجيوشاً وجنوداً.

تذوقت طعم الحب وأخلصت؛ ولكنني وجدت الجراح، حصدتها بطريقة جنونية وتعلمت منها الكثير، تعلمت أن أصنع الكثير من أجل من أحب، تعلمت كيف أبتعد آلاف الأميال ومئات السنين عن الخيانة؛ لأنها تقتل وتدمر كل شيء جميل في حياة الإنسان.

كررت الحب مراراً فكانت النتيجة واحدة وكانت الأيام تعيد نفسها، ولكن باختلاف الأشخاص والزمان والمكان، فلم أتوقف عن هذا الجنون وبقيت أفكر بحبي الأول، على الرغم من أنني عبرت بقلبي القارات الثلاثة في لمح قصة تحمل الفشل، يعود قلبي وعقلي للتفكير به ولماذا غاب عني، لم أعرف ما هي حقيقة القدر، ولماذا حدث لي كل هذا في فترة قياسية لم تتعدَّ الثلاث سنوات.

هل تعلمون ما الحقيقة التي كان يخبئها لي القدر؟ لا أظن ذلك، هي أنني سأعود إلى حلم الطفولة، ليبدأ قلبي من كل حب كان في داخلي، وليبدأ حلمي بالاختفاء كأنه سراب يتلاشى في الصحراء، ليصبح حقيقة ولأحصد ما كنت أزرعه، ولأملك قلبكِ أنتِ حبيبتي، ها قد اختفت الأميال وأصبحت خطوات، وأصبحتِ الآن لي كما كنتُ أنا لكِ وبين يديكِ وأنا لا أعلم، وبين قول وفعل أنتِ فتاتي .. أنتِ حياتي .. أنتِ أمنياتي.

كم هو رائع أن يتحقق حلم الطفولة عندما يبتعد المرء في صغره عمَّن يحب، ويعود إليه عندما يكبر ويملكه ويبقى معه إلى الأبد.

صفحة 2

قلمي والذكريات

مرَّ وقت طويل، وأنا بعيد عن أقلامي وأوراقي ولا أدري ما هو السبب، ربما لأنني بدأت بالملل من هذه الحياة، لطالما اعترفت أقلامي لكم بما في داخلي، ولطالما وجدت فيها الحقد والكره، ولطالما وجدتها تسطِّر أعذب وأنقى عبارات الحب والغزل والعشق والأمل، ذكريات بقيت في داخلي ولن تمسَّها السنون، رنين أسمعه في داخلي فأتركه يخرج ليحدِّث العالم من خلال أقلامي وأوراقي، كنت أمسك القلم فترتجف يداي ولا أقوى على الكتابة، حتى في هذه اللحظة أكتب وقلبي يرتعش ولا أستطيع وضع النقاط على الحروف بالطريقة الصحيحة، ربما لأن أوراقي حزينة على الفراق، وربما بات قلبي يائساً من الكتابة، فقد اعتدت على الحزن والألم ولكنني أعشق ذلك، فأنا أحيا بالألم والحزن أكثر من الفرح والسعادة، اعتدت على العمل من الصباح إلى ما بعد الظهيرة بشكل يومي، وليس هناك أيُّ جديد أو أيُّ تغيير، أتعامل مع أشخاص مختلفين منهم من يضحك عليه البشر ومنهم من يختفي لرؤيتهم القمر، روتين الحياة يدفع إلى الجنون، فكل شيء يتكرَّر والأيام تعيد نفسها في هذا العالم المجنون، لا أجد أيَّ شيء يجعل من حياتنا حياة مثالية، وحتى لو بحثنا عنها ربما سنجدها بكل تفاصيلها وبكل صورة كنا نتشوَّق لرؤيتها بها، ولكن ليس الآن ربما في زمن أبنائنا أو أحفادنا، أتعلمون .. أريد أن أخبركم بأن ما أتحدث عنه هو ليس بتلك الأهمية، ألقوه خلفكم وابحثوا عن النجاح.

ولأول مرة في حياتي أقلامي ترفض الكتابة وأكتفي بهذا.

صفحة 3

لحظة صمت

كم سيبقى من الصمت بعد الرحيل

كم سيبقى من الصمت في فراق الخليل

سنوات مضت ونحن نبحث عن الماضي

نتحدث عن شيء لاذ بالفرار .... نتحدث عن الأمل

والآن بات رجوعه من المستحيل

كم غرسنا الأرض حباً ..... وزرعنا الخير فيها

قدمنا أرواحنا رخيصة لأجلك .. وحصدنا غدر الدخيل

هل سيبقى الحلم يوماً ....... دائماً يبقى قليل

أم سيبقى الحب دوماً ..... لهفة أسير ذليل

هل سيبقى الحلم يوماً ...... دائماً يبقى التمني ؟

أم سنبكي أسفاً على وقت ضائع بات هزيل ؟

اعذريني يا ملاكي لن أباغت ...... لن أقابل

لن أقاتل ..... واعذريني لن أعود .... ولن أحزن

ولن أرسم ابتسامة خلفها ألم …. سامحيني أرجوكِ

فأنا من هذه الدنيا .. ومن حياتكِ مستقيل

صفحة 4

نتمنى المستحيل

أحلام نرسمها بأيدينا، نسطِّر أروعها وأجملها في عقولنا, تكبر مع الأيام ويزداد تعلقنا بها، يزداد الحنين لطفولتنا، نتمنى لو أن الزمان يعود, نتمنى لو أنه توقف لنبقى بالقرب من أناس أحبونا وعطفوا علينا، ولكن هذا هو حال الدنيا تسير مع الرياح, وتردِّد صور الماضي في عقولنا، نفكر بها كثيراً ولكن لا شيء يعود, لا شيء يبقى على حاله، فهناك الغدر والخيانة وهناك الحب والعطاء، هناك يقف مصيري ويقف مصير كل منكم وأنتم إليه لا تنظرون، تلهثون وراء الدنيا وتعبثون بها كما شئتم، ترون الفرح فيما تفعلون ولكن في النهاية ستندمون, من حياتنا تختفي وجوه طالما عشقناها ولن ننساها، ولن نرسم أجمل منها أمام أعيننا، وتظهر أخرى ولكن مهما اقتربنا منها وأحببناها سيبقى الماضي وما يحمله من أيام ذكرى على قيد الحياة في قلوبنا، نرويها بأمجادها وبحبها وعطفها وقسوتها لأبنائنا، ذكرى كنَّا نستيقظ على همساتها كأنها أرواح محبة ترعى قلوبنا الدافئة، هذا هو الحال وهذه هي الحياة، تبقى تعيد نفسها وتعيد الأيام نفسها، ولكن باختلاف الزمان والإنسان، ومهما وجدنا من ألم فيها فلا بد لنا من الصبر، ولا بد لنا من الأمل والتمني، فلا يحق لأيِّ امرئ منَّا في لحظة ألم وفي لحظة قهر أن يسبَّ القدر؛ لأنه يكون بذلك قد كفر.

صفحة 5

نصف دائرة

في رحلة المجهول كانت لي رواية، كانت معاني الألم تختلط بين السطور، تختلط مع أنغام حزينة كان فيها الفراق والعتاب، كانت تروي كيف يكون العذاب، وكيف كان فيها الجميع يستمتعون وهم ينظرون إلى روحي وهي تحترق، وهي تتمزَّق ولكن دون إحساس، عشت الماضي بجماله وروعته، عشته بأجمل أيامه، ودارت الأيام وازدادت السنين في تسارعها فازداد العذاب وازداد الألم.

كيف تغيَّر الزمان؟ وكيف تغيَّرت ملامح البشر؟ لا بد من أن السنوات قد بدأت بالتسارع وبدأ الوقت بالنفاذ، وبدأ العد التنازلي لحياتي، فقد مضى (27) عاماً لا أدري كيف كنت أحيا فيها بضحك ومرح، كنت أصنع الابتسامة وألقيها على وجه البشر، كنت أفكر بمستقبل مليء بالعطاء، بمستقبل أنعم فيه بالرخاء، كم تمنَّيت ذلك، ولكن توقف الزمن وبقيت وحيداً أعاتب نفسي على أيام كانت هي فرصة ثمينة ألقيت بها إلى ما وراء البحار، هذا هو العذاب وهذا هو الانتحار.

لطالما ألقيت الآمال والطموح في النار حتى يتنعَّم غيري بالدفء، لطالما قدمت نفسي لأنانيِّين لا يستحقون مني نظرة أو حتى كلمة، لكنَّني فعلتها من أجل إسعادهم والآن لا يفيد الندم ولا يفيد التفكير.

أنظر إلى البشر وأسخَرُ من كثيرين، لأنهم يلهثون خلف رغبات بالية لا تستغرق سوى لحظات ولا يدرون أنها الهاوية، لا يدركون حقيقة أنفسهم ولا حتى حقيقة ما يبحثون عنه، ففيه الألم والعذاب منه أكبر، فيه تُقال الكلمات بخوف وتردُّد، بإصرار وعزيمة، وكأنها لعبة الكبار فقط، يقعون فيها دون تفكير ودون احترام للذات البشرية، ولا يعترفون بأنها جريمة، أقف وأنا أسخر منهم وأقول لهم: أهنِّئكم على ما حصدتم، وداعاً لكم فأنتم على الهاوية.

صفحة 6

القَـدَر

عندما يحدد شيءٌ مصير حياتك وأنت لا تراه ولا تعرف ما الذي يفكر به، تحاول الدفاع عن نفسك بكل الوسائل المتاحة لديك، ولكن ما لا تعلمه أنك تواجه من هو أقوى منك ومن جميع المخلوقات، لا يغيِّر ما بداخله وما حوله من أسرار وغموض سوى خالقه، ولا يستطيع أحد أن يبعده عن مساره وحتى أصعب العلوم وأقوى الأسلحة؛ لأنه شيء خارق للعادة ويتحكم بحياة الجميع، يسبب الهلع والخوف لبعض الشعوب، وفي الوقت نفسه يملأ قلوب الآخرين بالبهجة والفرح، ونعيد الشريط الذي رُسم في عقولنا لنعلم ما هو ؟

القدر... ليس من بني البشر، وليس كائناً حيّاً، وإنما هو طريق معتم لكل مخلوق على وجه الأرض، طريقه يسير إليه جميع المخلوقات في سلسلة حياتهم فيكون فيه الفراق أو اللقاء، والموت أو الحياة، يسير مع المخلوقات أينما ذهبت على وجه هذه الأرض، في بحرها وسمائها، ولا أحد يهرب منه؛ لأنه منها ومعها يبقى، تموت جميع المخلوقات ولكنه يبقى على قيد الحياة، يبقى ولا يموت ولا يغيِّره أو حتى يوقفه سوى خالقه.

صفحة 7

انتهت اللعبة

GAME OVER

لم تنتهِ الحياة بفراقك ولكن ... تبقى الذكرى الجميلة مرسومة على جدران قلوبنا، تنبع بنسائم عشق هائمة ربما تتحول إلى سراب، ربما لا يلبث المرء أن يصل إلى ما يحلم به حتى يستيقظ من حلم ومن كابوس مرعب.

ودائماً، يبقى الإنسان وليد النور، وليد الأحلام والآمال، وليس وليد الظلام، فكلما اقترب المساء، وبدأت الشمس بالغروب حاولَ أن يتحاشاه، لأنه يغيِّر مدى رؤيته للأشياء، النور الذي أتحدث عنه هو حقيقة الآخرين وحقيقة المستقبل معهم، وعلى كل شخص منَّا أن يبحث عن النور في داخله، حتى يعرف ماذا سيكون في هذه الحياة، وماذا سيصبح في لعبة الحياة، في الحب، في التعامل، في الأخلاق، في الغرور والتكبر، وفي صنع الأمل، وفي ترك الآلام والعذاب والجراح، أنا سيد اللعبة ومعي الكثير من الأصدقاء، حتى تعلمي أنني وجدت ذاتي ونفسي في احترام الآخرين وحبهم، في طيبتي وصدقي وفي حريتي، قرارك في بدء اللعبة كان خاطئاً، لأنك لم تتعلمي ما هي قواعد لعبة الحياة والقدر، وانظري جيداً إلينا، أصبحنا الآن في اللعبة أسياداً، ولسنا عبيداً قلوبنا ماتت وأصبحت جليداً، نظن أننا نستطيع أن نغير قوانين اللعبة ولكن لا نريد الخسارة، لأننا نلعب بحكمة، وتذكَّري كم تمنيتي التعادل ولم تناليه، لذلك وجدتِ نفسكِ وحيدة خاسرة لا تُجيدين سوى البكاء، أتعلمين لماذا؟؟ لأنني غيرت قواعد اللعبة دون أن يعلم أحد، جعلتكم تكشفون أوراقكم بغباء، وجدت النور في داخلي وعرفت من أكون، كنتم تظنون أنني خسرت ولذلك كان الانسحاب، ظننتم صمتي يأساً وأكملتم اللعبة وحدكم، كنت في قمة التفكير والتركيز،

كنت أقف أمامكم مباشرة ولم تشعروا بذلك، وكنت أقف خلفكم ولم تلاحظوا وجودي، سأخبركم لماذا ... لأنكم كنتم دمى، هل تفهمون ما أقصد بهذا الكلام ؟ جاء الوقت لأخبركم بالسر.

لا تتعجبوا من ذلك، لأنني أنا الذي ترككم، أنا من أجبركم على الاستسلام، أنا من حصد الفوز في النهاية، وكنتم جميعاً خاسرين، كبريائي شموخي وحتى صمتي كانت هي أوراقي الرابحة، جعلتكم تبارزون أنفسكم دون أن تشعروا، صنعتم المكر والخيانة وحتى الكذب، تظنون أنني أخشى الظلام، ولكن لحظة .. لنُعِد النظر إلى أنفسنا ونُعِد ترتيب اللعبة، ستجدون أن أوراقكم ستبقى مكشوفة إلى الأبد، وستخسرون كل شيء، والآن من أجل حبي لكم، ومن أجل صداقتنا، ومن أجل عهد ووعد في الماضي، سأجعل أوراقكم مخفية، وتذكروا في كل لحظة أن من يتحدَّاني منكم سوف يكون الخاسر، وسيبقى ضعيفاً أمامي، الآن سأنهي اللعبة من أجل أن تبحثوا عن نور في داخلكم يرشدكم إلى الصواب، وأنا اكتفيت من اللعب الآن، لأنني أصبحت ومنذ سنوات "سيد اللعبة".

صفحة 8

ابتسامة

في تعابير وجهي ابتسامة تحمل في طيَّاتها الملامة للأصحاب، وللأحباب، ولمن غاب،

لا أعرف إلى متى ؟ ويبدو لي أن القدر قد أتى بالجراح، بالأحزان والأفراح.

أنظر إلى الأفق منتظرًا عودة الماضي، فأرى المستقبل المملوء بالأفراح، بالشجون بصوت طائر الحسون، ولكن لحظة .. قسماً بالذي رفع السماء، لو مسَّك مكروه سأجعل نيراني تلتهم من يحاول المساس بكِ، إنها إخلاص، إنها عيون .

صدقيني لم أَعُد لكِ عاشقاً، ولن تسمعي لي صوتاً، ولكن .. تذكري كلماتي لعل للحياة من عودة، ولعل للأمل من طريق.

إنه عذاب، إنه تحدٍّ، إنه انتقام.

إنها سراب مليء بالعتاب، تقول لي باكية: أسرع بالانسحاب، إنها أوهام، إنها جوارح، إنها ذئاب.

حياة لطالما ملأتها الكلاب .. فاحذروها.

وإن كنتم قادرين على نحرها .. فانحروها.

عيونها باكية، دموعها صافية، وكنزها مكنون، هذا هو معنى الحب في زمن غامض.

لكل إنسان حكاية، ولكل حكاية رواية، ولكل دمعة ألم، ولكل فرحة أمل.

الآن من البداية حتى اللانهاية.

أتوقف عند هذه النقطة وأتحدث عنها بعباراتي الخاصة.

كانت بداية حياتي هي خروجي للحياة والتعلم منها، وبكل ما تحتويه الحياة فلا بد أن أكون أقوى منها، تعلمت الكثير بسبب أخطائي، وتوارت الأنظار عند قلمي الساذج الأحمق، لأصبح صاحب القلم الأصم، كلما حاولت أن أحرِّره من قيوده وجدته عاجزاً عن ألمي وقهري، هي كتابات تحولت إلى قصص، تحولت إلى شعر أو حتى مقالات، كم هو غريب أمري، أتَّخذ قرارات حاسمة في حياتي، ولكنني لا أتكلم بها بل أكتبها وأتركها بصمة للزمان، قراراتي يتحدث عنها العالم أجمع بجرأتها وكيفية اختيارها، وليس من الصعب أن تتَّخذ قراراً يحدد مصير حياتك، ولكن عندما تبقى صامتاً وتفكر به ستجد نفسك كأنك مذنب في اتِّخاذه، وتكون متردِّداً في التحدث عنه؛ لأنك لا تعلم ماذا سيحدث إذا أعلنته، بعض القرارات صائبة وتحيي فيك الأمل، وأخرى تقتلك وتجعلك في الحياة إنساناً لا قيمة له، فتبقى معدوماً.

صفحة 9

إحساس رجل

لم تنتهِ الحياة على وجه الأرض بعد كما يعتقد الكثير من البشر، بل نستطيع القول بأن هذه الحياة قد أُعِدَّت من جديد، فكم من الوقت سيحتاج البشر لملء فراغهم النفسي الذي لا يُحدث سوى الهلاك والدمار في حياة الكثير منهم.

في الإنسان جانب مجهول الهوية، وهو جزء لا يتجزَّأ منه موجود لدى كل واحد منَّا، وهو الذي يحيي العزيمة في الروح أو يثبِّطها، ويسعدها ويبكيها، سأتحدث عنه لأنه أسطورة في أجسادنا، لا نعرف سرَّه ولكن نشعر به في كل لحظة، نتحدث عنه ولا نستطيع أن نلمسه أو أن نراه ضيفاً موجوداً في أرواحنا، يرسم الابتسامة والدموع، يرسم الفرح واليأس، ألا وهو الإحساس أو المشاعر أو حتى العاطفة، فقد يختلف من شخص إلى آخر بكل ما تحمله الحياة من معانٍ كثيرة، ويختلف في تفاصيله وشدة ما يصنع في ثنايا الروح لدى كل من الشاب والفتاة.

لماذا يرى الجميع أن الشاب أو الرجل لا يمتلك مشاعر وأحاسيس بقدر ما تمتلك الفتاة؟

سأجيب عن هذا السؤال وأدافع عن الرجل، وإجابتي هي: أن ما رأيته في حياتي شاب مضى على وجوده في هذه الحياة 26 عاماً، مضت من عمري كأنها لحظات لا أكثر، لحظات مرَّت كلمح البصر وكانت أسرع من البرق، إن لكل منَّا مشاعر وأحاسيس، وأقول عن نفسي وعن أصدقائي أننا نحمل من المشاعر ما لا تستطيع الجبال أن تحمله، ولكن من الصعب علينا أن نظهرها أمام الآخرين، لأننا أصبحنا في زمن عندما نتحدث فيه عن الإحساس والمشاعر فإن محيطنا من البشر يبدؤون بتحليل ما نقول كلٌّ حسب ما يراه من وجهة نظره، وتكون غالباً إنساناً على خطأ، ولذلك فإن المقولة المشهورة ( إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) تبقى جليسنا في كل لحظة وفي كل مكان.

في أحد الأيام كنت جالساً في كافتيريا جامعة الإسراء، كنت أجلس وحيداً أتصفَّح دفاتري وأكتب عبارات عديدة، أكتب فيها الحب، أكتب فيها الغزل وأنا لا أعلم ما هو الحب، تقدَّم مني أحد أصدقائي، وكانت خطواته ثابتة لم أسمع لها صوتاً، ثم وقف أمامي صامتاً فنظرت إليه وقلت له: اجلس، ما بك تقف هكذا؟ ولماذا كل هذا الصمت؟، أشار بيده إلى صدره ،وقال لي بصوت جريح: أريد الخروج من المكان، ولم يلبث من الانتهاء من كلماته المختصرة حتى انسابت دموعه على وجنتيه، فنهضت بسرعة وتركت كل شيء أمامي واحتضنته ثم خرجنا سوياً من المكان، صوت جريح وبكاء بحرارة ولا أدري ما الذي حدث، وبعيداً عن الأنظار جلسنا سوياً، تحدثت إليه وسألته: لماذا هذا البكاء؟ لم يجب على سؤالي، وأعطاني ورقة كتب عليها "وادي المجهول"، قرأتها بكاملها وقلت له: لا يهمني ما بداخلها، أخبرني.. ما بك؟ فقال لي: لماذا عندما تخلص تلقى الغدر والخيانة؟ لماذا عندما تحب تصبح غبياً أمام الجميع؟ لماذا لا يقدرون مشاعرك؟ لماذا يجب عليك أن تغير من صدقك لتصبح كاذباً؟ ولماذا ماتت قصة بدأتها منذ عامين بلحظة واحدة؟، نظرت إليه بصمت وبدأت بالحديث إليه إلى أن شعرت به قد هدأ ولم يعد بتلك العصبية التي كان بها، فقد كان شديد الانفعال، وغادرت المكان وهو مبتسم، وكنت قد وعدته بشيء لا يخطر في بال أحد، وهو أن أكتب قصته بأسلوب لن يستطيع تفسيره أحد، وجعلت من ورقته "وادي المجهول" كتاباً مليئاً بالحب والعطاء، فيه الحب والخيانة.. فيه غدر الأصدقاء، وأوفيت بوعدي له ولكن بعد أعوام، وسأوافيكم بتفاصيله في يوم من الأيام.

وفي اليوم التالي ذهبت إلى الجامعة، وتوجهت نحو كلية العلوم الإدارية (الكلية التي كان فيها صديقي)، وبقيت أنتظر قدومه، لم يأتِ ولذلك اتصلت به، فوجدت هاتفه مغلقاً، مرَّت أيام وأيام وظل بداخلي أمل يخبرني بأنه سيعود، لا أعلم أين هو، ولا أحد يعلم عنه أي شيء، توجهت إلى وحدة القبول والتسجيل وسألتهم إذا كان قد انتقل إلى جامعة أخرى أم لا، فأجابوني بأنه ما زال في كلية العلوم الإدارية.

وبعد مرور عامين وفي تمام الساعة الرابعة مساءً دخلت كلية الآداب وإذا بشاب ملتحٍ، يتقدَّم نحوي ويحتضنني، ذُهلت من الموقف وابتعد عني خطوة ونظر إلى عيناي وبدأ بالضحك، تمعَّنت جيداً في وجهه، هذا الوجه مألوف لدي، وسألت نفسي: من هو؟ تردَّدت كثيراً قبل أن أنطق الاسم، ثم قال لي: أنا صديقك، واحتضنني بحرارة، يا إلهي.. كان هو، كان صديقي، كان في السنة الثانية في قسم الشريعة وأنا في الكلية نفسها، ولكنني كنت أصل إلى الجامعة في تمام الساعة الرابعة عصراً وهو يغادر في تمام الساعة الواحدة، تغيرت حاله من شاب يعشق الضحك والحب والرومانسية إلى شاب ملتزم وطالب في قسم الشريعة، وكل ذلك بسبب قصة حب أصبحت سراباً، كم أنت رائع يا صديقي!

هذا إحساسُكَ وهذه مشاعرك كرجل ودَّع الدنيا بما فيها، ورأى نفسه في دينه، كم أفتقدك وكم أحبك.

صفحة 10

تمهَّل ... أمامك عاشق

تخيَّل أنك ترسم طريقاً من الزهور؛ لتقدمها لمن تحب وفجأة..... تجده أمامك يتكلم عنك، يوجه كلاماً كأنه سهام تمزق فؤادك، وتكون ردة فعلك أنك تقف على شفا جرف تنتظر هبوب الرياح حتى تسقط إلى أسفل الوادي، وتكون الرياح والأشواق هي القاتل، ولكنك تعلم أنك من قتل نفسه، هذا هو الانتحار وهذا هو العذاب الحقيقي.

ليس من الخطأ أن تقابل من تحب بابتسامة، ولكن من الخطأ أن تبتسم في وجهه وهو لا يدرك أنك تحبه، ومن الخطأ أن تقابله ولا تعترف له بذلك، هذه ليست حقيقة علمية ولكنها قصة واقعية.

لن تعود الأيام إلى الخلف لكي تصلح الخطأ في حياتنا، كنت صادقاً في معاملتي ولكنني أخفيت حبي لها، فلم أكن أعلم ما هو الحب، تمنيت أن أجده وكنت أظن أن الحب هو أن تكلم فتاة ليس إلا....... أتعلمون كيف؟

مثلاً أن تلقي عليها التحية وتسألها عن الحال وعن دراستها وعما تفعله في كل يوم، لم أدرك معنى الحب، كانت غيرتها شديدة ولكن ما من جدوى، فقد كنتُ أظن أن ردة فعلها هي أن الأخرى هي فتاة سيئة إلى حدٍّ ما، لم أكن أبالي بتصرفاتها لأن معاملتي كانت واحدة مع الجميع، لا تتعجبوا من ذلك، فأنا وبصدق لم أكن أعلم كيف يكون الحب وما هي الغيرة، كثيراً ما كانت تراني وأنا أيضاً كذلك؛ ولكن كانت طفولتي بين عيوني، أكتب وأنا مدرك لما أتحدث عنه، في الحقيقة كنت صافي القلب محباً ومرحاً، أعشق السخرية والضحك،

أرسم البسمة على قلوب الجميع ولكن.. ها أنا الآن أقف وأنا حائر، وأسير كالغريب في هذه الحياة، أخرج وكأنني لا أعرف فيها أحداً، ابتسامتي أرسمها من القهر والألم، أسير بلا توقف، لديَّ حب أبحث عنه ولا أجده، أضعت نفسي وأنا أبحث عنه، تشتَّت تفكيري ولم أعد أدري ما أفعل، أريدها أريد أن أخبرها بحبي لها، أريد أن أراها، هل من مجيب؟؟ هل تسمعين ندائي؟؟ أريد أن أكون بقربها، وأريد أن أمتلكها وأحميها من هذا العالم المجنون، صورتها لا تغيب عن خاطري، أحببتها بصدق ولكن بعد فوات الأوان.. بعد رحيلها، لم أفصح لها عن حبي رغم أنها أعطتني العديد من الفرص.

انتظرَتني طويلاً في ذلك المكان، كانت تنتظرني بشوق و بلهفة وبحب، وأنا أجلس أمامها وأريد أن أعاتب فحسب، كنت أنظر إليها من حين لآخر، لم أدرك حبها لي، كنت أظن أنها تنتظر من يؤنس وحدتها وجلستها، فكنت في المكان أنتظر من سيكون ذلك الشخص، هي من تنتظر من تحب، مرت ساعتان ولم يأتِ أحد، أصبح المكان خالياً من الناس، وبدأت أفكر.. أين هو ذلك العاشق المجهول الذي ما زالت تنتظره، على ما يبدو أنه أخلف وعده، ربما لا أدري سوف أنتظر، وبعد وقت قصير حملت حقيبتها لتغادر المكان، توجهت نحوها، وقفت أمامها، وكنت لها معاتباً، وبأسلوب جارح نظرت إلى عينيَّ ودموعها بدأت تنساب على وجهها، وقالت: انتظرت طويلاً حتى أسمع منكَ غير هذا الكلام !!

ومنذ ذلك اليوم وأنا ألون فرحتي بألوان الحزن والعذاب والبعد، كانت تنتظر مني أن أفصح لها عن حبي، كانت تنتظر من أحبتْ بصدق، ولكنه كان مغفلاً، كان أحمق وكان طفلاً، لا يعرف ما هو الحب، ماذا فعلت بقلبها ؟؟ ماذا أفعل من أجل جرح كهذا ؟؟ ماذا أفعل من أجلها ؟؟

غادرتِ المكان باكية، ولكن أنا من كان السبب في ذلك، لم أقصد أن أجرحها، ولكن من الغباء أن تقتل الحب بيديكَ، وتسحق مشاعر الآخرين دون أن تعلم، ابتعدتْ كثيراً عني ولم أدرِ ماذا أفعل من أجلها، فما منعني من الوصول إليها أنها ارتدت ثوب الفرحِ والجراحُ تملأ قلبها، يا إلهي كم كنت غبياً.. لأنني كنت بالنسبة إليها كل الحب وكل معانيه، وأنا لا أعلم بذلك.