eKtab
EN ع
أسرار لورنس العرب
اقرأ عينة مجانية

أسرار لورنس العرب

بقلم سامي حجازي

صفحة 1
المقدمة
 
وُلد توماس إدوارد لورنس Thomas Edward Lawrence في 16 آب/أغسطس عام 1888، الابن الثاني لإدوارد روبرت لورنس Edward Robert وسارة مايدن جينر Sara Maiden Jenner. وكان أخوه الأكبر، بوب Bob قد وُلد قبله بثلاثة أعوام. ثم لحقهما ويل Will في 1889، وفرانك Frank في 1900، وآرنولد في 1903.
 
وكانت الأم، سارة من أصل اسكتلندي اسكندينافي، كالْفنية المذهب، متزمتة الشخصية. فلم تكن تعرف المرح أو الابتسام. ولم تكن تشرب الشاي أو الكحول، رغم أن زوجها كان يُكثر منهما. وكانت تأخذ أولادها بالشدة، وتعاقبهم عند الضرورة أقسى عقاب. وقد غطت شخصيتها على شخصية زوجها وسيطرت بقسوتها وتزمّتها على أولادها سيطرة كاملة.
 
ويقال إنه كان بأسرة الأم، سارة، جنون وراثي. وأن الأولاد الخمسة قد نبهوا، أو تنبهوا، إلى هذا في صباهم، فتعاهدوا على ألا يتزوجوا بعد ذلك! وجدير بالذكر أنهم قد وفوا بوعدهم. وأن الأخ الأكبر، بوب، عمل بعد ذلك مبشِّراً في الصين حتى عام 1935، ثم تفرغ لرعاية والدته التي عمّرت حتى توفيت في عام 1959 عن 98 عاماً. وقد قُتل ويل وفرانك في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى. وأصبح آرنولد أستاذاً لعلوم الآثار بجامعة كامبردج وحارساً على تركة أخيه توماس الذي نترجم له بعد وفاته.
 
ويقال أيضاً إن الأم قد صارحت أبنائها الخمسة ذات يوم من أيام عام 1899 (وكان توما قد بلغ وقتها العاشرة من عمره) بخبر كان له أسوأ وقع في نفوسهم. وقد أثر على حياتهم المستقبلية، وبالذات على حياة توماس، أعظم تأثير.
 
فإن الأب، إدوارد، كان باروناً، وسليل أسرة نبيلة أقطعها كرومويل قبل قرون أراضي واسعة في إيرلندا. وكان إدوارد قد وُلد في عام 1846، وتزوج في عام 1873 من سيدة إيرلندية كريمة، أنجبت له بين الأعوام 1874 و1881 أربع بنات. وقد عملت سارة جينر مربية لهؤلاء البنات. ثم وقع الزوج، السير إدوارد روبرت تشابمان (وكان هذا هو اسمه الحقيقي) في هواها. وأنجب منها ابنيه الأولين: بوب وتوماس. وأراد إدوارد أن يطلق زوجته وأن يتزوج مربية أطفاله وأم ابنيه. ولكن زوجته رفضت كلياً فكرة الطلاق، وهددت بإثارة الفضائح. فترك الزوج منزله في 1899 مع خليلته وطفليهما وهاموا في أماكن كثيرة. وغيرت الأسرة اسمها من تشابمان إلى لورنس. وعاشت في بعض أنحاء إنجلترا حتى عام 1891، ثم استقرت حيناً في اسكتلندا وجزيرة مان، وعاشت في فرنسا شهوراً. وكان بوب وتوماس قد كبرا، ثم وُلد ويل وفرانك وآرنولد، واحتاج الأبناء الخمسة إلى مدرسة. فدخلوا مدرسة للآباء اليسوعيين في فرنسا. ثم انتقلت الأسرة إلى أكسفورد بإنجلترا، وأدخلت أبنائها مدرستها.
 
وأما الزوجة، الليدي تشابمان فقد استمرت تعيش في قصر زوجها في ساوث بديلفن بمقاطعة ليستر شير، وتحيط بأخبار زوجها. حتى عرفت أنه قد توفي في وباء إنفلونزا عام 1919. فأبلغت وزارة الداخلية البريطانية رسمياً أن زوجها قد توفي من دون وريث ذكر، فأنهت الوزارة بارونية الأسرة، ولم ينتقل اللقب إلى بناته من زوجته الأولى أو أولاده من خليلته. وقد توفيت الليدي تشابمان بعد ذلك بخمسة أعوام، أي في عام 1924.
صفحة 2
كان السير توماس، كأثر النبلاء الإيرلنديين في ذلك الوقت، يستنكف العمل بيديه. ويرى أن نشاطاته يجب ألا تتعدى حدود الاهتمام بأنواع الرياضة، كالصيد والتجديف والسباحة وقيادة الدراجات البخارية. ولكن خليلته، سارة، أخذت تبعده شيئاً فشيئاً عن أفكاره الأرستقراطية، وتطالبه بأن يعمل من أجل لقمة عيشه، والوفاء بمطالب أسرته المتزايدة. ولم تكن حالة الأب ميسرة، حتى وإن ورث في عام 1915 عن أخيه مبلغاً من المال. وعندما توفي الأب في عام 1929، لم يتجاوز ما تركه لأولاده الأربعة 17000 جنيه.
 
وكان توماس يميل منذ صغره لوالده، وقد أخذ عنه هواياته الرياضية، وخرج معه مرات للصيد أو السباحة أو التجديف. وهوى بعد ذلك قيادة الدراجات البخارية. فلم يتأثر حبه له بالقصة التي سمعها وهو في العاشرة من عمره، بل لعل توماس قد أشفق على والده من فعلته، ولعل أسفه على حرمانه وحرمان إخوته من ثروة ولقب أبيه لم يغير عواطفه نحوه بعد ذلك.
 
والثابت مع ذلك، أن توماس وإخوته قد كتموا حقيقة أصلهم، ولم يبوحوا لأحد بها. ولكن بعض الباحثين والكُتّاب، وعلى رأسهم ريتشارد الدينجتون، اهتدوا إليها بمتابعة أقوالهم وحوادث حياتهم.
 
وعلى العكس، لم يرتح توماس كثيراً لمعاملة والدته له، وضجر من إلحاحها المبكر عليه بدراسة الإنجيل والكتب الدينية، وكتب بعد ذلك في خطاب له في عام 1927:
 
«إن شعوراً قوياً بالخطيئة قد جرفها، لأن والدي قد ترك زوجته كي يعيش معها من دون زواج. وقد دفعها هذا إلى أن تنغمس بأكثر مما كانت تحتمه تربيتها الكالفنية في أمور الدين. وإلى أن تلح علينا بأن نكون صالحين، وبأن نصلي، وكأننا سنكفِّر بما سنفعله عن خطيئة والدينا».
 
وقد قيل إن التربية الدينية الصارمة التي نشأ عليها توماس، كانت إحدى العوامل الهامة التي أثّرت في «فحولته» ونظرته السوية إلى الجنس، مما سنتحدث فيه، وأن قسوة والدته عليه بضربها المتكرر والقاسي بالعصا، وتقييده إلى أعمدة سريره، ومنع الطعام عنه فترات طويلة، مما كانت تقصد به تأديبه و«القضاء على عناده» قد أدى إلى تماديه، وتدريب شخصيته على المقاومة وجسمه على التحمل. فأصبح لا يبالي بالصعوبات، ولا يرده عما يريد جروح أو أمراض، من دون أن يشعر بجوع أو تعب أو آلام، مما كان يدهش له كل من اختلط به أو عرفه.
صفحة 3
1
 
السر الذي أخفته أسرة لورنس
 
صعوبات لورنس مع والدته
 
استقرت أسرة إدوارد روبرت لورنس منذ عام 1896 في منزل متواضع في شارع بولستيد بمدينة أكسفورد. وتردد الأولاد الخمسة على مدرسة المدينة. ولكنهم لم يكونوا يختلطون بأحد فيها، وينفذون أوامر والدتهم في مقاطعة جيرانهم وزملائهم.
 
وكان الأولاد الخمسة يلفتون أنظار من حولهم بالنظام الصارم الذي نشأوا عليه. فيعتنون عناية عسكرية بمظهرهم ونظافتهم. ويلبسون ملابس متماثلة. ويذهبون كل صباح إلى مدرستهم فوق دراجات خمس، يقودونها متتابعة في صف واحد على جانب الطريق. فإذا عادوا في المساء، لزموا منزلهم للمذاكرة.
 
وكان جسم توماس قوياً في طفولته. وقد قيل إنه كان يستطيع أن يرفع جسمه فوق سريره وعمره لم يجاوز بع عدة أسابيع. وأن نبوغه الفكري، إلى جانب نضجه الجسمي كان مبكراً جداً، وأنه عندما كان في الثالثة من عمره، التقط الدروس الأولية التي كانت تلقى على أخيه الأكبر بوب. وعندما أصبح في الخامسة من عمره، أخذ يتباهى باستطاعته قراءة كلمات الصحيفة اليومية مقلوبة أمام عينيه! وقد أجاد توماس الفرنسية منذ كان في السادسة من عمره. فلما ذهب بعد ذلك إلى مدرسته الإعدادية في أكسفورد، لم يستفد منها، على ما قال، إلا قليلاً. وكانت دروسها بالنسبة له «موضوعاً متكرراً، ووقتاً ضائعاً، وهما ثقيلان». وقد استغل توماس أكثر وقته في المدرسة في قراءاته الخاصة والمنوعة.
 
وقد ذكر توماس أنه كان يحصل على جوائز عديدة من مدرسته كل عام. ولكن الثابت أنه كان متأخراً في الرياضيات، وأن عقله كان «مشوشاً مع الأرقام»، وأنه قد اعتمد على بعض زملاء مدرسته في أداء واجباته فيها، ولم يتقدم توماس في دراساته المدرسية حتى استبدل علوم الرياضيات بالتاريخ، فتحسنت نتائجه بالمدرسة.
 
وقد سبق أن ذكرنا أن والدة توماس كانت تدفعه دفعاً، مع بقية إخوته، لقراءة ودراسة الكتب الدينية. ولكن هذا لم يحببه في الدين، وإن كان عقله الصغير قد تعلق بما سمع من قصص دينية. وتعرف عن طريق هذه القصص إلى بلدان الشرق الأوسط القديمة، ثم عشق توماس بعد ذلك القصص الخيالية الإيرلندية، وأحب قراءتها وروايتها، وظهرت قوة خيالاته، فكان يضيف إلى تفاصيل القصة من عنده في كل مرة يرويها.
 
وفي عام 1904، مرّ توماس بتجربة قاسية عكست تمرده على والدته، وترك خلالها أكل اللحوم، واقتصر على تناول الألبان والخضراوات والفواكه. وقد استمر توماس في هذه التجربة حتى عام 1907. ويقال إن النقص البروتيني في جسمه وقتذاك كان السبب الأول في كسر رجله خلال مباراة له في المصارعة، وتأخر شفائها شهوراً. ويقال أيضاً إن هذا النقص الذي سببه امتناعه عن أكل اللحوم، كان السبب في وقف نموه. فلم يزد طوله بعد ذلك عما بلغه في خلال عام 1904، وهو 160 سم.
 
ومع أن توماس لم يكن قصيراً، فإن جسده النحيل، والمنحني دائماً في وقفته إلى الجانب، ورأسه الكبير نوعاً ما، كانت «تعطي الانطباع» بضآلة جسمه. أضف إلى هذا شعره الأشقر، وعيناه الزرقاوان والزائغتان دائماً، مما كان يزيد الناظر إحساساً بضآلته وصغر سنه.
 
وجدير بالذكر أن توماس لم يعرف الرياضات الجماعية ككرة القدم والكريكت على عادة الشبان الإنجليز، وإنما تعلق منذ كان حدثاً بركوب الدراجات والسباحة والتجديف، وبعد ذلك بالرماية وركوب الدراجات البخارية، وكلها من الهوايات الفردية. وقد ذكر أنه كان يهوى تسلق الأشجار وأسطح المنازل، وأنه كان يتسلل في منتصف كل ليلة من نافذة حجرته، هابطاً على جدار منزله إلى حديقة المنزل، فيخرج ليتمشى أو يصيد الأسماك أو يسبح في مياه النهر الباردة، ولا يعود إلى غرفته إلا عند الفجر. وقد ذكر بعض أصدقائه في جامعة أكسفورد أنه كان يهب مستيقظاً «كالقط» إذا حل المساء، فلا يصيبه النوم حتى يشقشق الفجر. وقالوا إن توماس كان أول من قطع التريل ميل في أكسفورد، وهي القناة الأرضية التي تحمل مجاري المدينة، حاملاً معه مسدساً، يضرب برصاصاته، في جنح الليل، أهم بالوعات الشوارع! وقد انتشرت هذه «الموضة» بعد ذلك سنوات بين طلبة تلك الجامعة.
صفحة 4
قام توماس في عام 1906 برحلة بدراجته مع صديقه بيسون إلى قاطعة بريتاني بفرنسا. فزار خلال هذه الرحلة الحصون الصليبية في ليهون ومونتافيلان ونونكوديه. وقد اقتصر طعامه خلال تلك الرحلة على وجبتين يومياً، وتألف أساساً من لبن الماعز وبعض الفواكه. فلما عاد بعد رحلته الأولى هذه إلى فرنسا، أصابته حمى مالطية خفيفة. ويلاحظ أن توماس قد أصيب خلال هذه الفترة من حياته بأربع نوبات من الحمى، كان أقساها تلك التي أصيب بها بعد ذلك بثلاثة أعوام في سوريا.
 
وعندما عاد توماس من رحلته الأولى لفرنسا، ترك منزله، وتطوع جندياً في الجيش البريطاني طوال ثمانية شهور. ثم دفع له والده «دية مالية» وأخرجه من الجيش. وأقام له شاليهاً خاصاً من حجرتين في حديقة المنزل. وقد عاش توماس في هذا الشاليه منفصلاً عن بقية أفراد العائلة. ثم ذهب خلال شتاء عام 1907 إلى ويلز، كي يدرس حصونها وقلاعها. واشترى له والده وقتذاك كاميرا خاصة، وزار معه صيف ذلك العام فرنسا. وقد ذكر لورنس بعد ذلك أنه قضى يوماً كاملاً من أيام هذه الرحلة الثانية في تصوير حصن ريتشارد الأول في جايارد، وأنه قد زار مع والده أنجرز، ثم افترقا، وعاد توماس إلى سان مالو، فزار قلعتها، ثم قلعة ديه فويجير قبل أن يلحق بوالده في أكسفورد بإنجلترا.
 
وقد قام توماس خلال العامين التاليين بثلاث رحلات أخرى إلى فرنسا، استخدم فيها كلها دراجته. وكثيراً ما كان يقطع عدة مئات من الكيلومترات في سفر سريع متواصل، ودراسة متأنية للحصون والقلاع الصليبية التي كان يمر بها. مكتفياً، على ما ذكرنا، بطعام قليل من لبن الماعز والفواكه، ومنفقاً أكثر لياليه في العراء في الحقول والحدائق العامة التي تصادفه.
 
وقد حاول بعض النقاد أن يرجعوا غرابة تصرفات توماس خلال تلك السنوات التي واكبت سني مراهقته، إلى صعوبات لاقاها مع والدته، وإلى ثورته على معاملتها له. مما انعكس على شحّ طعامه، وخلوه من اللحوم، ثم تطوعه في الجيش، وانغماسه في تلك الرحلات الطويلة والشاقة.
 
ويلاحظ أن والد توماس كان أكثر تفهماً له، ومحاولة للترويح عنه ومساعدته. فإنه بعد إخراجه له من الجيش، رافقه في رحلتيه إلى ويلز ثم فرنسا، وأقام له شاليهاً خاصاً في حديقة المنزل، انفرد توماس بالسكنى فيه من دون إخوته الأربعة، مع أنه لم يكن أكبرهم.
 
ومع ذلك، فإن توماس لم يقاطع والدته بعد ذلك كل المقاطعة. وقد كتب لها من حوض الرون بفرنسا، خلال عام 1908، يشكو البعوض «المفترس» فيها. ويقص عليها بعض مشاهداته. واستمر توماس في الكتابة إليها بين حين وآخر، حتى وفاته في عام 1935.
صفحة 5
الزيارة الأولى لسوريا
 
مالَ توماس إدوارد لورنس منذ كان صبياً لزيارة المتاحف والكنائس. ثم أخذ يتطفل على المنقبين على الآثار حول مدينة أكسفورد، فصادق بعضهم، وحصل منهم على تحف وعملات قديمة مما كانوا يعثرون عليه. وقد بدأ لورنس منذ حداثته هواية جمع تلك التحف والعملات القديمة. واستهوته، على ما ذكرنا، دراسة الحصون والقلاع الصليبية. وتعرف حتى من قبل أن يلتحق بجامعة أكسفورد ببعض علمائها البارزين في علوم الآثار، وخصوصاً ليدز Leeds وهوجارث Hogarth وولي Woolley. وقد قيل إن هوجارث قد اعتبره بمثابة ابنه، ووريثه في عمله في أكسفورد، وساعده، كما سيجيء، مساعدات كثيرة. أما وولي، فقد عمل معه لورنس منقباً للآثار في سوريا، ثم مساعداً في المكتب العربي بالقاهرة.
 
وكان لورنس قد حصل، عندما أتم دراسته المدرسية، على جائزة في التاريخ، وفرت له بعض نفقاته الضرورية في جامعة أكسفورد. وفي امتحان دخول الجامعة، كان الأول على دفعته في الإنجليزية والثالث في علوم الدين.
 
وقد التحق لورنس بكلية يسوع بأكسفورد في عام 1907. ولكنه لم ينتظم في الدراسة اليومية بها، وقضى أكثر الفترة التي كان تلميذاً فيها، بين الأعوام 1907 و1910، منشغلاً بهواياته الخاصة. ومع ذلك فقيل إنه كان «أكسفوردياً مثالياً». وأنه قد أحب دراسته بها كل الحب. وأن الجامعة قد تركت عليه طابعها «المميز والذي لا يخطئ فيه إنسان».
 
وقد ذكر لورنس أنه قد انتهز فرصة التحاقه بجامعة أكسفورد كي يقرأ من كتب مكتبتها الحافلة بكل أنواع المعرفة. وادعى، في مبالغة واضحة، أنه قد قرأ في كل يوم من تلك الأيام ثلاثة كتب كاملة. والواضح أنه قد أراد القول إنه قد قرأ في «بعض» تلك الأيام ثلاثة كتب! وليس من شك أن قراءات لورنس، خلال دراسته في أكسفورد، كانت وافرة.
 
وقد أهدت جامعة أكسفورد لورنس خلال دراسته بها كتابين عن مصر القديمة. ثم اشترى من نقوده الخاصة عدداً من الكتب الأخرى في تاريخ وجغرافية بلدان الشرق الأوسط. ودرس كتابي دافني عن بلاد العرب وهوجارث عن بلاد الرافدين.
 
وكان لورنس يواظب على الصلاة كل يوم أحد في كنيسة سانت الديت بأكسفورد، ويرأس درسين أسبوعيين لمدرسة الأحد بها. وكان يخرج مع تلاميذ فصليه مرة كل أسبوع إلى الحقول المحيطة بالمدينة. فإذا قام برحلة من رحلاته البعيدة، راسل تلاميذه ثم قصّ عليهم عند عودته بعض وقائع تلك الرحلات ومشاهداته فيها.
 
* * *
 
وكان والدا لورنس قد جريا مع أبنائهم على أن يعطوهم أول كل صيف مبلغاً من النقود، ثم يتركوهم لقضاء عطلتهم الصيفية كيفما شاؤوا. فلما كان صيف عام 1909، فاجأ لورنس والديه بنيّته السفر إلى سوريا، لدراسة حصونها وقلاعها الصليبية. ومع أن والدة لورنس رفضت الفكرة رفضاً قاطعاً، فقد اضطرت بعد ذلك للموافقة أمام إصرار لورنس وموافقة والده على فكرته. وقد أعطاه والده 200 جنيهاً إسترلينياً للإنفاق منها على رحلته.
 
وقد حصل لورنس من هوجارث، قبل سفره، على خريطة لسوريا. وحصل له السير جون ويز على خطاب رسمي من الحكومة التركية يطلب فيه إلى موظفيها ورعاياها في سوريا تقديم التسهيلات والمساعدات له.
 
وكان لورنس قد تعرف إلى «صديق عربي» في أكسفورد، نصحه بألا يتبع طرق السائحين المطروقة، وأن يتجنب النزول في الأماكن التي ينزل بها الأوروبيون. وألا يتخذ دليلاً لطريقه. وأن يلجأ في السؤال، بل والطعام والشراب، إلى المواطنين السوريين أنفسهم.
صفحة 6
وقد اشترى لورنس مسدساً وكاميرا وبعض الضروريات. ثم غادر إنجلترا إلى فرنسا. وقد توقف أياماً في باريس، اشترى خلالها ساعة نحاسية ظل يفخر بها طويلاً. ولكنه فقدها بعد ذلك في سوريا. ثم اتجه إلى مرسيليا، فركب منها سفينة إلى بيروت. وهناك التحق لورنس بمدرسة مدينة جبيل التابعة للبعثة الأميركية (بعد ذلك الجامعة الأميركية) في بيروت. وأخذ في دراسة العربية، فتعلم، كما قال، ثمانين كلمة. وبذلك بدأت معرفة لورنس بالعربية، وهي المعرفة التي سنتطرق إليها، والتي حارَ في تحديدها المؤرخون. فمن هؤلاء من يقول إن لورنس لم يجد قط العربية، وأنه كان يتحدث إلى العرب بالإنجليزية، أو يلجأ معهم إلى المترجمين، ومنهم من قال إنه قد ألمّ بأسرارها، وعرف لهجاتها، وكان يستطيع أن يحدد أصول من يتحدث إليه بها بمتابعة اللهجة التي ينطق بها كلماته.
 
وقد انتقل لورنس بعد ذلك، على قدميه، ومن دون دليل، إلى دمشق، متخذاً كما نصحه صديقه العربي في أكسفورد، طرقاً غير مطروقة. فأخذ يجوب مناطق القبائل السورية فيما بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الفرات. وقد طاف بأكثر وديان وسهول سوريا وفلسطين والعراق الغربية. وانقلب به قاربه في نهر الفرات، وكاد يغرق في مياه فيضانه. وقد زار في رحلته هذه 36 حصناً وقلعة صليبية في سوريا. وكان يلجأ في أكثر مأكله ومشربه إلى القبائل العربية ويُقبل على طعامها البسيط والغريب على الأوروبيين. ولكنه التقى أيضاً ببعض الأوروبيين والأميركيين، خصوصاً في صيدا، ونزل عند طبيب إنجليزي في صفد أربعة أيام. وعندما عاد إلى أكسفورد في بداية صيف عام 1910، كانت معه بقية قليلة من النقود التي أعطاها له والده عند بداية رحلته.
 
وقد قام لورنس خلال صيف ذلك العام برحلة أخرى إلى فرنسا. ثم تقدم بعد شهور من عودته في هذه الرحلة الجديدة برسالته الجامعية إلى جامعة أكسفورد، والتي نالَ عنها درجة البكالوريوس في العلوم مع مرتبة الشرف الأولى في التاريخ الحديث. وكانت عن «القلاع الصليبية»، وقد ضمّنها لورنس رسوم وخرائط وصور كثيرة. وتأثر فيها بوضوح باتجاه هوجارث، بأن ما يهمنا من تلك الحصون والقلاع ليس هو ما بقي منها، وإنما ما دار بأدمغة من بناها من أفكار حين قاموا بذلك.
 
وقد قام لورنس إثر تخرجه من جامعة أكسفورد برحلة جديدة إلى فرنسا. وانشغل خلال الشهور التالية بدراسة الآثار الخزفية، وقد وضع فيها رسالة قصيرة. ثم قام مع صديقه فيفيان ريتشارد بمحاولة إقامة مطبعة تقوم بطبع ما يؤلفان من كتب. وقد تأثر لورنس وصديقه في محاولتهما هذه بتجربة الأديب والرائد الاشتراكي وليام موريس، الذي حاول أن يجمع بين التأليف والطبع. وقام لورنس فعلاً بجمع حروف كتاب كامل له على آلة المونوتب. ولكنه لم يستطع طبعه. ثم تحول بعد ذلك إلى تعلم النقش على الخشب، والحفر على النحاس... إلخ. وقد كتب في 1927 إلى صديقه جرافيز:
 
«لقد تمنيت طول حياتي أن أملك القوة على خلق الأعمال الفنية: كالنحت والرسم والكتابة. ولكنني كنت أجد مواهبي في التعبير قاصر عما أحب لها».
 
وسنلاحظ أن حلم تأسيس المطبعة قد ظل يراود لورنس بعد ذلك سنوات، وأنه حين أخذ في وضع كتبه، كان يأخذ في الحسبان طرق ووسائل إخراجها، ويتدخل في شؤون نشرها وتوزيعها.
صفحة 7
التنقيب عن آثار الحيثيين في سوريا
 
حصل هوجارث للورنس، بعد أن نالَ الأخير درجة البكالوريوس في التاريخ الحديث من جامعة أكسفورد، على منحة مالية من كلية ماجدالين للتنقيب عن آثار الحيثيين في سوريا. وكانت مدة هذه المنحة أربعة أعوام، وقيمتها مائة جنيه إسترليني في كل عام.
 
وقد بارح لورنس إنجلترا قبل زملائه من أعضاء البعثة، فسافر إلى فرنسا، وأخذ من مرسيليا سفينة متوسطة، زار بواسطتها نابولي وأثينا وأزمير. ثم ترك السفينة في استانبول. وبعد أن قضى في هذه المدينة أسبوعاً كاملاً، توجه إلى بيروت، حيث انضم إلى رفاق بعثته. ومن هناك رافق لورنس هوجارث في زيارته لحيفا ودمشق وحلب، ثم ذهب معه إلى كارشيمش (جرابلس). وكان وولي قد سبقهما إليها. ثم عاد هوجارث في منتصف عام 1911 إلى إنجلترا، وترك مهمة الإشراف على بعثة جامعة أكسفورد في كارشيمش لمساعدة وولي.
 
وكان عمل لورنس في كارشيمش ينحصر في حفظ ودراسة الفخار الذي ينقبون عنه، والإشراف على العُمّال العرب والأكراد والتركمان والأرمن الذين يعملون للبعثة. ولم يكن لورنس يأنف من الاختلاط بهم ومعايشتهم. وقد أحاط تدريجياً بعاداتهم ولهجاتهم وتاريخهم.
 
ومع ذلك اتُّهم لورنس خلال عمله في كارشيمش بعدم الدقة أو الجدية في عمله، وبأنه كان «يفتقد روح العالِم الأصيل»، وبأنه كان «يستلقي على كرسيه المريح، مرتدياً ما يختاره من ملابس غريبة وزاهية، تاركاً شعر رأسه يطول حتى يلامس رقبته، ويستمع لموسيقى بتهوفن أو يردد أشعار هومير وبليك».
 
ويلاحظ أن لورنس كان يهوى منذ صغره ارتداء الملابس الغريبة والزاهية. وأنه قد تعلق حين وطئت قدماه سوريا بعباءات البدو البيضاء. وقد ذكر لورنس لليدل هارت في 1929 أن خيالاته كانت قد امتلأت منذ كان في السادسة عشرة من عمره بفكرة «تحرير شعب مستذل». فأقبل منذ هذا الوقت على القراءة في فنون الحرب، وأنه كان يفكر في تحرير الإيرلنديين، حتى اختلط بالعرب، فانتقلت خيالاته لتحريرهم!
 
وقد توثقت علاقة لورنس خلال عمله في كارشيمش بعربيين: الأول هو «صبي الماء» الذي خدمه وأخلص له: داهوم أو الشيخ أحمد، والثاني هو رئيس العُمّال حمودي. وكان داهوم أشقر الشعر جميل التقاطيع، قليل الذكاء. وقد علمه لورنس الإنجليزية، وأحضر له بعض كتبها التمهيدية، ثم أخذه معه إلى إنجلترا لزيارتها في أواخر عام 1911. وذكر وولي أن لورنس قد نحت لداهوم في إنجلترا تمثالاً له وهو عاري. وظن بعض الكُتّاب الغربيين أن علاقة شاذة قد قامت بين لورنس وداهوم. خصوصاً وأن لورنس قد وصفه في كتابه «الأعمدة السبعة» بأن «علاقة دموية وأخوية قد ربطت بينهما». ورمز له في كتابه مراراً بالحرفين S.A ، ولكن هذه العلاقة بعيدة الاحتمال، وقد كذّبها وولي صراحةً.
 
وأما حمودي فكان رجلاً طويلاً وقوياً، يتباهى بلحيته القصيرة، ويعطي الانطباع برفعته وأهميته. وكان لورنس يختار حمودي لمرافقته عند خروجه لاستكشاف المناطق المحيطة بكارشيمش، ويتظاهر بأنه، أي لورنس، خادمه. وقد رويت عن حمودي حكايات كثيرة تصور مغامراته الإجرامية وقسوته غير العادية.
 
ويلاحظ أن لورنس كان قد ترك كارشيمش في أوائل أغسطس عام 1911 إلى حلب ومعه داهوم. وكان لورنس قد أصيب بملاريا شديدة لازمته طوال رحلته مع داهوم إلى إنجلترا. وكان يعالجها بالكينين (الحديث وقتئذ) والزرنيخ (الذي كان يُستخدم قبلاً). فلما بلغ منزل لورنس في أكسفورد، حمل لورنس إلى غرفة نومه حيث بقي أياماً يعاني من المرض الشديد.
 
ثم عاد لورنس وداهوم إلى كارشيمش في أواخر ذلك العام، لكنه وجد أعمال الحفر فيها قد توقفت. إذ كان الحاكم التركي المحلي قد اكتشف أن الترخيص بالتنقيب قد صدر باسم هوجارث. ولكن هوجارث كان قد سافر عائداً إلى إنجلترا، وترك أمر التنقيب لوولي. وقد حاول وولي ولورنس أن يتفاهما مع الحاكم التركي، فلم ينجحا في إقناعه. فأخرجا أسلحتهما وتحدياه أن يوقفهما عن العمل! وفي هذه الحادثة، وغيرها مما سيجيء، عبرة بما كان عليه الحال في سوريا وقتئذ !
صفحة 8
وقد زار لورنس في بداية عام 1912 القاهرة للمرة الأولى. وتتلمذ على العالم المصرولوجي فلاندورز بيتري في أعمال الحفر والحفظ. وقد لاحظ لورنس أن أساليب بيتري كانت متقدمة كثيراً عن الأساليب الأكسفوردية في كارشيمش. ولكنه عندما عاد إلى كارشيمش وجد أن أساليب المنقبين الألمان الذين كانوا يعملون إلى جوارهم كانت متأخرة حتى عن أساليبهم. ثم ثار خلاف بين الألمان والبريطانيين في كارشيمش، جعل المحكمة المحلية بها تأمر بوقف أعمالهم جميعاً. وقد ذهب وولي ولورنس بأوراقهم إلى القاضي التركي، وحاولا أن يتفاهما معه، ولكن القاضي أمر بمصادرة تلك الأوراق. وحينئذ أخرج وولي ولورنس أسلحتهما مرة أخرى، وتهددا القاضي، واستردا أوراقهما، ثم ذهبا لمتابعة حفرياتهما غير عابئين بأحد!
 
ويلاحظ أن الإنجليز والألمان والأتراك كانوا يتوقعون قيام حرب عالمية بينهم، ويستعدون سراً لنشوبها. وكان الإنجليز يتوقعون دخول تركيا الحرب إلى جانب الألمان. وقد أخذوا يحصنون حدود مصر الشرقية بين سيناء وقناة السويس. وكان ميناء الإسكندرونة قد وضع في اتفاق عُقد في 1912 بين هذه الدول الثلاث، تحت إشراف الألمان. وأخذ هؤلاء في مد خط حديدي يمر به ويحاول أن يربط بين برلين وبغداد.
 
وقد ذهب لورنس في بداية عام 1913 (أي بعد عودته من إجازته الثانية في إنجلترا) إلى القاهرة، وطلب مقابلة كيتشنر. وحاول لورنس أن ينبه كيتشنر إلى خطورة ما يفعله الألمان في الإسكندرونة إذا ما قامت الحرب المتوقعة. ولكن كيتشنر لم يبدِ إلا عجبه من هذا الفتى النحيل والقصير الذي يتكبد رحلة طويلة وشاقة لتحذيره من أمر كهذا. واعتذر له بأن الأمر ليس في يده، وإنما في يد أولى السلطان في لندن.
 
وعندما عاد لورنس إلى كارشيمش، أخذ يتحين الفرص، بطرقه الصبيانية أحياناً، لمضايقة المهندسين الألمان الذين يعملون في مد خطوط السكة الحديدية إلى جوار مقر البعثة. فحرّض العُمّال الأكراد عليهم. وتهدد بالانتقام كبير المهندسين الألمان إذا لم يعتذر شخصياً لخادمه داهوم عن جلده له إثر مشاجرة مع بعض عُمّالهم. وقد رضخ الألمان لتهديد لورنس، واعتذر رئيس مهندسيهم لداهوم.
 
وكان لورنس يستخدم في حفرياته أنابيب فولاذية ضخمة. فأخذ يحركها فوق التلال المحيطة، حتى ظن الألمان أن الإنجليز ينوون «عمل شيء ما» واحتجوا رسمياً لدى لندن. وجاءت أوامر لندن للبعثة بالتوقف عما قد يثير غضب الألمان.
 
وفي صيف عام 1913، قضى لورنس أسبوعين في إنجلترا. وقد رافقه إليها هذه المرة داهوم وحمودي. وعندما عادوا، وجد لورنس أن الجيش الإنجليزي قد أخذ يعد خرائط وافية لجانبي حدود مصر الشرقية. ولما كان الإنجليز لا يستطيعون إرسال بعثة علنية لمسح الأراضي التي يحكمها الأتراك، فقد ألّفوا لجنة «علمية» يموّلها ظاهرياً «صندوق استكشاف فلسطين» وهي جمعية دينية علمية، لأداء هذه المهمة! وتألفت البعثة من وولي ولورنس وضابط المخابرات الإنجليزية نيوكومب.
 
وقد قامت البعثة بعملها طال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير عام 1914، فهبط وولي ولورنس، ومعهما داهوم، من كارشيمش إلى غزة، حيث اشتروا لوازمهم. ثم تقابلوا مع نيوكومب في بير شيبا. واتجهوا جنوباً إلى العقبة. وهناك فقدوا جِمالهم وأكثر متاعهم. ولكن لورنس كان قد بدأ يستغني عن أكثر ما يحتاجه غيره، وأصبح يفضل المشي على قدميه على ركوب الجِمال والخيول، فلم يعبأ بما فقد، ومضى يتمم مهمته، حتى جاءته برقية من كيتشنر بضرورة العودة، بعد أن أخذ الأتراك يتشككون في أغراضهم. فعاد لورنس مع داهوم إلى حلب بالقطار. ولحقا ببعثتهم في كارشيمش.
 
وفي آخر صيف عام 1914، ذهب وولي ولورنس ونيوكومب إلى أكسفورد لإعداد الخرائط التي أتموها ووضع تقريرهم. وقد نشر التقرير بعد ذلك باسم «صحراء زين». ويلاحظ أن لورنس لم يعمل في كارشيمش بعد ذلك. وأما وولي، فقد عاد إليه في نهاية الحرب في عام 1919 كضابط سياسي ومنقب عن الآثار. وجدير بالذكر أن حفريات جامعة أكسفورد في كارشيمش قد لقيت نجاحاً كبيراً، وعثرت على آثار هامة. وأثبتت أن المكان الذي عملت فيه البعثة كان العاصمة القديمة للحيثيين. وقد نقل أهم ما عثرت به البعثة إلى أكسفورد، حيث شيّد فيها متحف خاص حفظت فيه أهم مكتشفاتها، هو المتحف الأشمولي بأكسفورد.
صفحة 9
العمل بمكتب الخرائط بالقاهرة
 
عاد لورنس بعد انتهاء مهمته في أكسفورد، وقيام الحرب العالمية الأولى، إلى القاهرة. وحاول أن يتطوع جندياً في الجيش البريطاني. ولكن طلبه رُفض، لقِصَر قامته خمسة سنتيمترات عن القياس المطلوب وقتئذ. وأما نيوكومب وولي، فقد قَبِلَ تطوعهما، وأُرسلا إلى فرنسا. ولكنهما عادا إلى مصر بعد ذلك: نيوكوب إلى القاهرة، وولي إلى بورسعيد. ثم عيّن السيرن جيلبرت كلايتون لورنس، بتوصية من هوجارث، في مكتب الخرائط التابع لمكتب الاستعلامات البريطانية في القاهرة. فعمل لورنس ملازماً ثانياً تحت رئاسة الكولونيل هيدلي. ولكن شخصيته ومعلوماته سرعان ما طغت على شخصية ومعلومات زميليه في المكتب: لوجان وكروسثويت. حتى ذكر هيدلي بعد ذلك أن لورنس قد أصبح «يدير المكتب منفرداً». وقد رُقي لورنس في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1914 إلى رتبة كابتن.
 
وقد انحصر علم لورنس في مكتب الاستعلامات البريطانية بالقاهرة في جمع وتمحيص المعلومات المستخدمة في إعداد وتحديث الخرائط والمنشورات العسكرية، والإشراف على طبعها في مطبعة الحكومة المصرية ببولاق. فكان عمل لورنس يأخذه من مكتب الاستعلامات بقصر النيل إلى القيادة العامة البريطانية في فندق سافوي بالقاهرة، إلى إدارة الساحة المصرية في الجيزة، إلى مطبعتها في بولاق. وقد خُصِّصت له دراجة بخارية عسكرية يتنقل بها بين هذه الأماكن. وكانت هذه أولى الدراجات البخارية التي اقتناها لورنس، والتي أخذ يقودها بعد ذلك بسرعة كبيرة تجاوز أحياناً المائة كيلومتر.
 
وقد تعرف لورنس في القاهرة على المستشرق الإنجليزي وعضو مجلس العموم البريطاني، أوبري هربرت وجورج لويد (بعد ذلك اللورد لويد). وكانت علاقاته بجبيلبرت كلايتون ورونالد ستورز (السكرتير الشرقي للسفارة البريطانية) قوية.
 
وكان لورنس يتردد بكثرة على منزل ستورز لقراءة الكتب اللاتينية والإغريقية في مكتبته وللاستماع إلى عزفه على البيانو. وكان مندوب بريطانيا السامي في مصر وقتها مكماهون، ومنذ أواخر عام 1916، اللورد وينجت. وكان لستورز صوتاً مسموعاً لديهما.
 
وفي شباط/فبراير عام 1915 قام الأتراك بهجومهم غير الموفق على حدود مصر الشرقية. وأسر الإنجليز أعداداً كبيرة من جنود الفرقة الخامسة والعشرين الذين جُنِّدوا من المناطق المحيطة بدمشق. فأوكل كلايتون إلى لورنس مهمة استجوابهم. وقد ذكر لورنس بعد ذلك أنه كان يذكر للجندي الذي يستجوبه اسم أحد أبناء الإقليم الذي جاء منه، فيثرثر الجندي بكل ما يعرفه من أخبار ومعلومات. وتؤكد هذه الحادثة معرفة لورنس بأبناء ولهجات وعادات المنطقة التي عاش فيها في سوريا قرابة أربع سنوات. وقد أكد ستورز أن لورنس كان يعرف، زيادة على معرفته بالعربية، كلمات تركية كثيرة.
 
كتب لورنس في أحد خطاباته في نيسان/إبريل عام 1915 تعليقاً على سير الحرب وقتئذ:
 
«المسكينة تركيا. لقد تهلهلت أجزائها، ومع ذلك فإن بعض الناس يتحدثون عن معجزات قامت بها أخيراً، ولكن هذه المعجزات أحقر من أن توصف بالكلمات. إن كل شيء عنها مقزز».
 
وسنلاحظ أن كراهية لورنس لتركيا كانت كبيرة، وقد كره بعد ذلك فرنسا، وأراد حجبها عن أي وجود في الدول العربية.
 
وفي عام 1915، أشرف لورنس على وضع وطبع دليل عسكري لمنطقة سيناء. ثم أوفده كلايتون في بداية العام التالي، إبريل 1916، في مهمة سرية إلى العراق. وهناك قابل لورنس لأول مرة عميلة المخابرات البريطانية جيرترود بيل Gertrude Bell (1868-1926) التي كانت تعمل مساعدة لرئيس المخابرات البريطانية في العراق السير بيرسي كوكس.
 
مع أن لورنس قد فشل، كما سيجيء، في مهمته في العراق، وهي محاولة إنقاذ القوات البريطانية المهزومة والمحاصرة في كونت العمارة. فإن مقابلته لجيرترود بيل تعتبر نقطة تحول هامة في حياته. إذ سحر لورنس بحديث جيرترود بيل. وقضى ساعات طويلة من الأيام التي قضاها في البصرة وهو يستمع إلى حديثها عن «وحدة الدول العربية» وعن ضرورة أن تجمعها بريطانيا، وأن تؤلف لها «حكومة عربية واحدة» تكون خاضعة لها !
صفحة 10
وكانت جيرترود بيل قد نشرت أفكارها هذه في نيسان/إبريل عام 1907 في أهم كتبها «الصحراء والبذر». ثم رددتها في رسالتها الكثيرة والتي نُشرت بعد وفاتها في عام 1927.
 
وكانت القوات التركية يساعدها بعض الخبراء الألمان قد حاصرت القوات البريطانية في كوت العمارة بالعراق. وحاولت القوات البريطانية مراراً أن تخرج من الحصار الذي فُرض عليها، من دون أن تنجح في محاولاتها. وتعذر على الإنجليز مساعدتها بقوات جديدة من الهند، أو مجرد تزويدها بالذخيرة والأطعمة. ثم فكر الإنجليز في محاولة رشوة قائد القوات التركية كي يسمح للقوات البريطانية بالجلاء عن كوت العمارة ! وذهب لورنس مع زميله في القاهرة أوبري هربرت وضابط مخابرات آخر يعمل في العراق، هو بيتش، لمقابلة القائد التركي خليل باشا، وعرضوا عليه مليون جنيه ذهبي، رفعوها بعد ذلك إلى مليونين من الجنيهات. ولكن بينما هم يتفاوضون، استسلمت القوات البريطانية المحاصرة للقوات التركية. فقطعوا المفاوضات وعادوا أدراجهم.
 
وكان لورنس قد عانى خلال رحلته في البصرة من الملاريا، فتعطلت عودته للقاهرة. ثم قام بعد عودته بعدة مهمات سرية، إحداها لمفاوضة السنوسيين في ليبيا، وثانية لا يعرف شيئاً عن تفاصيلها لمقابلة «مستر ر» في أثينا !
 
وفي شباط/فبراير عام 1916، جاء هوجارث إلى القاهرة. وتألف تحت رئاسته، وبالتعاون مع رئيس المخابرات كلايتون «المكتب العربي». وأنيط بالمكتب بحث كل المشاكل المتعلقة بالمنطقة العربية. وما أن مضت أسابيع على ذلك حتى أعلن الشريف حسين الثورة العربية في جزيرة العرب.
 
وكان الشريف حسين قد أرسل ابنه الأمير عبدالله قبيل بداية الحرب العالمية الأولى إلى السفارة البريطانية بالقاهرة لمقابلة كيتشنر. ولكن كيتشنر رفض أن يقابله، وأحاله على ستورز. فلما قابله ستورز، أبلغه عبدالله أن والده ينوي إعلان الثورة على الأتراك، ويطلب من بريطانيا أن تزوده ببضعة مدافع «دفاعية» لمواجهة المدفعية التركية. ولكن ستورز أفهمه أن الحرب بين بريطانيا وتركيا لم تُعلن بعد. وأن تركيا لا زالت «صديقة» لبريطانيا.
 
وقد استمرت اتصالات الشريف حسين بالسفارة البريطانية بالقاهرة وممثليها في السودان بعد ذلك. ووجد الإنجليز أن الشريف حسين لم يكن يطمع بذهب أو مؤن أو عتاد حربي، إنما كان يهدف إلى توحيد أكثر من قطر عربي تحت راية عربية. والثابت أن الشريف حسين ومكماهون قد تبادلا حتى بداية 1916 ثمانية خطابات طويلة. وأن مكماهون قد وافقه منذ تشرين الأول/أكتوبر عام 1915 على أكبر أهدافه في سوريا الكبرى والعراق والجزيرة العربية «ما لم يكن بين بريطانيا وطرف آخر معاهدات أو اتفاقات أخرى».
 
ويقول الدينجتون إن مساعدات الإنجليز في القاهرة والخرطوم للشريف حسين قد بلغت حتى آخر تموز/يوليو عام 1917، أي قبل بداية إشعاله ثورته، 22٫000 بندقية و14 وحدة مدفعية وأكثر من 500٫000 جنيه ذهبي، من هذه 3٫000 بندقية، ووحدتين للمدفعية، وستة مدافع رشاشة جاءته من السودان، مع كميات كبيرة من الشعير والأرز والدقيق والبن. وجدير بالذكر أن المدفعية التي كانت تُقدَّم للشريف حسين كان يصاحبها على الدوام طاقمها من المصريين وأحياناً السودانيين. وكان على رأس هؤلاء الجنرالات عزيز المصري والسيد علي. وقد عيّن الشريف حسين الجنرال عزيز المصري رئيساً لأركان حربه.
 
* * *
 
وعندما جاءت أخبار الثورة العربية في الحجاز إلى ستورز، أرسل ستورز مذكرة مطولة إلى وزير الحرب وقتئذ، كيتشنر، يطالب فيها بزيادة المساعدات للشريف حسين. فرد كيتشنر على ستورز يطالبه بضرورة ذهابه بنفسه إلى الحجاز. وأعد ستورز إجراءات سفره، وكان لورنس في إجازة، ولكن ستورز قرر أن يأخذه معه. وهكذا نجد مصادفتين غريبتين في اختلاط مصير لورنس بمصير الثورة العربية: الأولى عمله الأثري في كارشيمش الذي قاده لمهمة رسم خرائط سيناء، ثم العمل بمكتب الخرائط بالقاهرة. والثانية مرافقته لستورز في زيارته الهامة للشريف حسين بالحجاز.