مقدمة
بدأت تباشير هذا البحث الذي أعرضه هنا عام 87-1988، خلال المقالة التي أعددتها بالتعاون مع بنيامين فرانكل، والتي طورنا خلالها مصطلح "الغموض النووي" بوصفه مصطلحا نموذجيا لوصف تصرفات مروجي وناشري الأسلحة النووية من الجيل الثاني. والغموض النووي يعني وضعا لا يتم خلاله التأكيد رسميا على حيازة السلاح النووي لدى دولة ما من قبل زعيمها، رغم أن الدلائل التي تشير إلى حيازة تلك الدولة للأسلحة النووية شديدة إلى الدرجة التي تؤثر على مفاهيم وأعمال دول أخرى، وقلنا في المقالة آنفة الذكر أن مصطلح "الغموض النووي" يعكس بصورة دقيقة الواقع السياسي الذي يمثله مروجو وناشرو الأسلحة النووية من الجيل الثاني، وذلك لتمييز الوضع القائم عن الوضع السابق والذي سادت فيه مصطلحات مثل: ضبابية نووية، "نشر سري" والتي استخدمت آنذاك لوصف نفس الوضع.
وفي عام 1989 حظيت بمنحة لإجراء بحث، من صندوق (جون د.وكاترين ط، مكارتور)، تحت عنوان "القنبلة الإسرائيلية غير المنظورة: ثقافة، وسياسة، وأساليب عدم النشر"، وذلك بغية إجراء بحوث حول المعايير الداخلية-السياسية والاجتماعية والثقافية-والمعايير السياسية والإقليمية والعالمية للغموض النووي الإسرائيلي، ومن الجدير بالذكر أن البحث الذي أجريته لم يكن يرمي لتوفير الخلفية التاريخية، لأنني اعتقدت بأنني لن أستطيع الحصول على الوثائق المطلوبة لذلك.
وفي أيار 1990 انضممت إلى مركز الأبحاث الدولي التابع للمعهد التكنولوجي في ولاية مساشوستس (MIT) كباحث ضيف، وشرعت بالاستعداد لبدء البحث، بيد أن مخططاتي سرعان ما تغيرت على أرضية اجتياح العراق للكويت، والأزمة التي ولدت على خلفية هذا الوضع، ونشوب الحرب الخليجية، وإنشاء الهيئة الخاصة للشؤون العراقية في الأمم المتحدة، واستئناف مسيرة السلام في الشرق الأوسط، لقد أسفرت جميع هذه التمخضات، والتي كانت لها علاقة وطيدة بالشرق الأوسط، عن تغيير اتجاهات بحثي.
وعندما عملت خلال السنوات 1991-1992 مديرا شريكا لبرنامج مركز الأبحاث الدولي حول "الرقابة على السلاح في الشرق الأوسط" كتبت ونشرت سلسلة من المقالات التي كانت ترمي لتقديم المساعدة في ترسيم السياسات النووية، وكذلك كتبت مجموعة من المقالات التحليلية في الصحف، ثم شرعت في إعداد كتاب بالتعاون مع مارفين ميلر من مركز الأبحاث آنف الذكر حول انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.
وخلال عامي 1992، 1993 اتضحت لي مسألتان ذواتا علاقة بالبحث: أولا: اقتنعت بأهمية ضرورة فهم أساليب تطور الغموض النووي،وخرجت باستنتاج مفاده أن التاريخ النووي الإسرائيلي ليس فقط قضية تاريخية مثيرة، بل إنها أيضا تفرض العديد من الضرورات على عملية الرقابة على السلاح في الشرق الأوسط مستقبلا بالمفهوم الذي لا يصل إلى سبر غوره الكثير من زعماء الدول الباحثين دائما.ثانيا: اكتشفت أن المواد المؤرشفة بدأت تتسرب، إلى الدرجة التي يمكننا-بالاستناد إليها-إعادة بناء التاريخ السياسي والدبلوماسي لبرامج الأسلحة النووية الإسرائيلية، وعلى ضوء كل ذلك طرأ تغيير على بؤرة تركيز البحث الذي أجريه، وتوجهه، وبدأ يأخذ المنحى التاريخي بصورة رئيسية، وتمحور حول مصدر الغموض النووي الإسرائيلي وأساليب تطوره، أما الأسلوب فتمثل في استعادة المعالم التاريخية وتحليلها، أما المصادر فهي: مواد أرشيفية جرى السماح بنشرها، وشهادات تم الإدلاء شفهيا بها، وكتب مذكرات، ومقتطفات من الصحف.
ومن الجدير بالذكر أن قسما من المواد الأرشيفية التي عثرت عليها في الولايات المتحدة وإسرائيل والنرويج، تنشر هنا لأول مرة.
وعلى الصعيد الإسرائيلي، قام أرشيف الدولة في القدس-والذي يسمح بالاطلاع على جميع الوثائق بعد مرور ثلاثين عاما عليها-يكشف جميع أوراق وزارة الخارجية المؤرشفة بناء على الرمز (ق-ر) للسنوات ما قبل عام 1966، وهناك عثرت على غالبية الرسائل التي تم تبادلها بشأن الوضع النووي بين الرئيس الأميركي جون.ف،كيندي، ورئيسي الحكومة الإسرائيلية ديفيد بن غوريون وليفي أشكول.
وعثرت على مواد مفيدة أيضا في أراشيف إسرائيلية أخرى، الكثير منها من يوميات ورسائل بن غوريون التي تم رفع السرية عنها.
وفي أرشيف معهد وايزمن في رحوبوت عثرت على وثائق حول تاريخ شعبة الأبحاث النووية في المعهد،وحول الخصومات التي نشبت في مطلع الخمسينات بين مجموعة من الفيزيائيين النوويين الإسرائيليين وبين وزارة الدفاع، كما عثرت على مستندات ووثائق مختلفة ذات علاقة بمستشار بن غوريون للشؤون العلمية، والذي أسس اللجنة الإسرائيلية للطاقة النووية آرنست ديفيد برجمان.
أجريت القسم الآخر من البحث في الولايات المتحدة نظرا لأن الغموض النووي الإسرائيلي كان نتاجا للجهد الأميركي الإسرائيلي المشترك وقد تم مؤخرا، إلغاء قسم كبير من السرية التي كانت مفروضة على غالبية الوثائق والمستندات الأميركية المتعلقة بتطور الغموض النووي الإسرائيلي حتى عام 1970، وفي عام 1992 قدمت بالتعاون مع فرجينيه بورن من مؤسسة (كرنجي للسلام الدولي)، عددا من الالتماسات بناء على قانون حرية المعلومة (FIOA) للحصول على الرسائل التي تم تبادلها بين كيندي وبن غوريون، وبين كيندي وأشكول، وفي تشرين الثاني 1995 حصلنا على غالبية الوثائق المطلوبة، وهي تطرح هنا لأول مرة.
ومنذ آذار 1994 حصلت من جامعة ليندون ب.جونسون، في (أوستن) الواقعة في ولاية (تكساس) على معلومات مكثفة وشاملة حول الوثائق التي يرفع الحظر والسرية عنها، وفي عام 1995 حصلت على وثائق تم رفع السرية عنها.وتتعلق برد حكومة أيزنهاور على الديمونة، وإبان الزيارات العديدة التي قمت بها خلال عامي 1996، 1997 للأرشيف الوطني الأميركي في كلية بارك في الميريلند، عثرت هناك على معلومات جديدة حول الزيارات الأميركية للديمونة في الستينيات.
وإضافة إلى تمحيص المستندات والوثائق السرية التي تم رفع السرية عنها، تابعت التسلسل التاريخي النووي الإسرائيلي عبر حل الإلماحات والإرشادات حول المشروع النووي الواردة في المواد التي كانت تنشر، فكتاب رفائيل-سلطة تطوير المعدات الحربية-الذي أصدره مونيه مريدور والذي صدر باللغة العبرية، ولم يثر الكثير من الاهتمام كان يتضمن شهادات دافعة على تطوير إسرائيل لما وصفه الكتاب باسم "مرحلة المشروعات الكبيرة". ويمكننا أن نفسر قسما كبيرا من رواية مريدور كوصف من مصدر أول شديد الاطلاع على بداية تبلور الخطة النووية الإسرائيلية-مونيه م.مريدور، رفائيل/تل أبيب-وزارة الدفاع عام 1981.
لقد أكثر شمعون بيرس بمرور السنين من التحدث والكتابة ملمحا بالرموز إلى دوره في البرامج النووية الإسرائيلية، وقد أبدى بيرس في مذكراته التي نشرها عام 1995 صراحة أكبر وأسهب في التحدث عن دوره كمدير رئيسي للمشروع فقال: "لقد كانت مسؤوليتي تتمثل في اتخاذ القرار حول ما يجب فعله وما لا يجب فعله". ورغم أن روايته كانت انتقائية، إلا أنها كانت تحمل شهادة من الشخص الذي أدار المشروع في تلك الفترة الحرجة التي كان آخذا في التبلور خلالها.
وإزاء عدم إمكانية الوصول إلى ملفات اللجنة الإسرائيلية للطاقة النووية، ولسجلات وزارة الدفاع، ووثائق مكتب رئيس الحكومة في الشؤون النووية-ولبروتوكولات جلسات الحكومة وما شابه، فإنه لا نزال نفتقر إلى الأدلة الحيوية لمساق اتخاذ القرار الإسرائيلي، فالكثير من القرارات السياسية الإسرائيلية الهامة لم توثق كما يجب، والكثير من القرارات اتخذت في ظل السرية التامة في الجلسات التي شاركت فيها شخصيات قليلة-مثلما أفادت شلهيبت فريار مدير عام لجنة الطاقة النووية 67-1970 والملحق العلمي الإسرائيلي في فرنسا 56-1960، خلال اللقاءات التي أجراها معها المؤلف:ولا شك أن هذا الوضع يعتبر بمثابة قيد كبير يكبل يدي الباحث، وقد حاولت التغلب على هذه المشكلة بإجراء لقاءات مع أكثر من مائة وخمسين شخصية معروفة، في إسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا، ورغم أن هذه المقابلات أسفرت عن نتائج هامة، إلا أنني أدرك تماما مدى محدودية التاريخ الشفهي.
مدخل
بات من البديهي لدى الكثيرين منذ سنوات السبعينات الاعتقاد بأن إسرائيل مسلحة بأسلحة نووية، بيد أن البرامج النووية الإسرائيلية غارقة في ستار كثيف من الغموض ومحاطة بالسرية التامة، وتحتاج كل خطوة بشأنها إلى تصديق رسمي، ومعزولة عن السياسة الإسرائيلية الداخلية، ترى كيف ولدت سياسة الغموض الإسرائيلية؟ وكيف وأين ولدت؟
لقد بدأت إسرائيل في تطوير برامجها النووية بصورة جدية قبل أربعين سنة عندما أنشأت بؤرة بنيتها النووية في ديمونة، وخلال عامي 66-1967 استكملت تطوير سلاحها النووي الأول، وعشية نشوب حرب 1967 كان بحوزتها مقدرة نووية مبدئية عاملة-مثلما يقول وزير العلوم السابق يوفال نئمان في كتابه "إسرائيل في عهد الأسلحة النووية تهديدات وردع يتجاوز عام 1995"، وفي عام 1970 كانت مكانة إسرائيل كدولة تمتلك أسلحة نووية قد باتت مسلمة مقبولة-مونيه م.مريدور-رفائيل، تل أبيب، وزارة الدفاع 1981.
لقد كانت إسرائيل بمثابة الدولة السادسة في العالم، والأولى في الشرق الأوسط، التي تمتلك سلاحا نوويا، بيد أن مسلكيتها كانت تختلف عن مسلكية الدول الخمس الأخرى التي سبقتها في هذا المضمار، فهي لم تقر أو تؤكد حتى يومنا هذا وجود أسلحة نووية بحوزتها، وقبل حوالي ثلاثين سنة، وبينما كانت إسرائيل تبذل قصارى ما بوسعها لتطوير سلاحها النووي، أعلن رئيس الحكومة ليفي أشكول أن إسرائيل لن تكون الدولة الأولى التي ستدخل الأسلحة النووية إلى الشرق الأوسط، وقد تمسك جميع رؤساء الحكومات الإسرائيلية الذين تلوه بهذه السياسة، وهكذا بقي موقف إسرائيل النووي غامضا.
ويجب علينا أن نميز دائما بين الموقف النووي الغامض والموقف الضبابي، لقد أوضحت أنا وبنيامين فرانكل الفارق بين الغموض والضبابية في المقال الذي نشرناه عام 1988 على النحو التالي:
الموقف الضبابي: هو المصطلح الذي يستخدم في غالبية الحالات التي نتطرق فيها للدول الناشرة للسلاح النووي، وقد تم استخدامه للإشارة إلى المسلكيات المشبوهة على الصعيد النووي مهما كانت نوعية هذه المسلكيات، وتكمن المشكلة في استخدام هذا المصطلح في إمكانية تفسيره في صورتين: الأولى:هناك علامات شكوك ما، والثانية: هناك مفهومان مختلفان، وأكثر، لذا بالإمكان استخدام هذا المصطلح فيما يتعلق بتوزيع أو نشر الأسلحة النووية، للإشارة إلى حالتين مختلفتين من الضبابية يمكن لإحداهما أن تكون قريبة من الأخرى، ففي الحالة الأولى يكون هناك عدم تأكد حقيقي-أي انعدام وجود معلومات كافية حول الوضع النووي الفني للدولة موضع البحث، وفي هذه الحالة يكون مغزى الضبابية عدم وضوح فيما يتعلق بمدى التقدم الفني للبرامج النووية المذكورة، ويمكننا القول أن الأرجنتين والبرازيل هما نموذجان لهذا الوضع الضبابي.
وفي الحالة الثانية، يتعلق الوضع الضبابي في الحيرة-الناجمة عن وضع سياسي أو عسكري، أو تربوي-التي يبديها زعماء هذا البلد أو ذاك تجاه الأسلحة النووية، ويمكننا أن نعثر على مثل هذه الحيرة في دول بات من المعروف لدى الكثيرين أن لديها برامج أسلحة نووية.
وإسرائيل هي نموذج مثالي للغموض النووي، والغموض كان بمثابة الأسلوب الذي اختارته إسرائيل لمواجهة التوترات والمشاكل المرتبطة بحيازة أسلحة نووية، والغموض النووي هو وضع لا يجري فيه الإقرار أو الاعتراف رسميا بحيازة الدولة مقدرة نووية، رغم إدراك وجود مثل هذه المقدرة بصورة تؤثر على مفاهيم دول أخرى وأعمالها، وبذلك يكون مفهوم الغموض أوسع من مصطلح الضبابية النووية.
وهذا الكتاب يصف التاريخ السياسي للبرامج النووية الإسرائيلية في سنوات تبلورها، ويوثق مصادر وتطور سياسة الغموض النووية الإسرائيلية .
لقد تطورت سياسة الغموض النووية الإسرائيلية في غضون السنوات الثلاثين الماضية إلى استراتيجية أمن وطني، ويعتبرها الكثير من الإسرائيليين سياسة ناجحة تتناسب وتعقيدات الوضع الأمني الإسرائيلي المتفرد، ورغم ذلك يمكننا القول أن سياسة الغموض لم تكن سياسة محسوبة مسبقا، بل لقد ولدت ونمت بأساليب ملتوية ومتداخلة في إطار محاولة العثور على رد للاحتياجات والضغوط التي مورست على إسرائيل على مستويات مختلفة.
ويمكننا القول أن هذا التطور لسياسة الغموض النووي قام على أربعة أركان تاريخية من منتصف الخمسينات وحتى عام 1970، وهي:السرية، والنفي، والضبابية، والغموض.
ويمكننا أيضا أن نضع لهذه السياسة أربعة مصادر هي: الوضع الداخلي، والدولي، والإقليمي، والمفاهيم الفنية.
لقد شعرت جميع الأحزاب اليمينية واليسارية في إسرائيل، ومنذ اتخاذ القرارات الحاسمة حول إقامة مفاعل الديمونة، وكل ما يترتب عليه خلال عامي 57-1958، أنه لا يجوز لها الإعراب عن تحفظاتها من البرامج النووية علنا، ونظرا لسرية هذه القضية وتعقيداتها الفنية، لم يكن الكثيرون يمتلكون المعلومات المطلوبة لمناقشتها، بل وحتى أولئك الذين كانوا على علم باهتمام بن غوريون بهذه القضية، لم يكونوا على استعداد لمناقشتها علنا، ورغم تلك التحفظات أخذت الأحزاب اليمينية الصهيونية على عاتقها مبدأ "قدسية الأمن" أما أولئك الذين أصروا على مناقشة القضية علنا، فقد شددت الرقابة العسكرية يدها عليهم، ومنعتهم من طرحها علنا، رغم أن الرقابة لم تكن تستند إلى الالتزام الذاتي للجماهير، والذي يعتبر أحد أسس الغموض لسياسة إسرائيل النووية في الماضي والحاضر.
ازدادت التوجهات نحو الغموض على عهد أشكول حيث بقيت القضية النووية معزولة عن جميع القضايا والممارسات السياسية الأخرى، وعلى ما يبدو أن أشكول مثله كمثل رئيس الحكومة الذي سبقه لم يطرح هذه القضية على الحكومة.
وفي أعقاب حرب 1967 تقدمت إسرائيل باتجاه وضع "قنبلة في المخزن"، وأصبحت السياسات الحزبية أقل أهمية لسياستها النووية وأصبحت السياسة البيروقراطية أكثر أهمية، فأصبح المشرفون على الوضع النووي وليس السياسيون المنتخبون هم المسؤولون عن اتخاذ القرارات الفعلية، فميثاق الحد من انتشار الأسلحة النووية مثلا، لم يناقش في الحكومة أبدا، وحتى عام 1970 نشأ تقليد ينص على أن لا علاقة للسياسات الداخلية في إسرائيل بالسياسات النووية الإسرائيلية، ولا يمكن اعتبارها المكان المناسب لمناقشتها، وأصبح هذا التقليد بمثابة أحد الأسس الهامة التي يقوم عليها الغموض.
أسهمت العلاقات الإسرائيلية مع الجهات الأجنبية في بلورة الغموض النووي، فقد كانت علاقة إسرائيل مع فرنسا في بداية المشرع النووي حيوية للغاية لإسرائيل على صعيد تمكينها من بدء طريق تصنيع القنبلة النووية، وقد تمثلت المساهمة الفرنسية في هذا الطريق بأكثر من تزويد إسرائيل بالمواد والمعلومات المجردة.
ففي منتصف الخمسينات تعلم شمعون بيرس ونظراؤه في باريس كيف يمكن لدولة ديموقراطية أن تصبح دولة نووية دون أن تتخذ أية قرارات علنية بهذا الصدد، ونظرا لأن الوضع على هذا النحو، فقد نشأ تشابه كبير بين اشتغال الفرنسيين والإسرائيليين بالقضايا النووية.
كانت فرنسا هي الدولة التي تعلمت إسرائيل على أيديها كيف يمكن لدولة ديموقراطية السير على طريق الغموض النووي، بيد أن الولايات المتحدة كانت الدولة العظمى التي أسهمت ردودها على البرامج النووية الإسرائيلية، وإلى حد كبير، في بلورة طريق إسرائيل الملتوية إلى الغموض.
ويتضح من السجلات أن الأسلوب الذي حصلت إسرائيل عبره على مقدرتها النووية، وأساليب النشر التي طورتها، تأثرت إلى حد كبير من تطور سياسات عدم النشر الأميركية في الستينات.
لم تكن الولايات المتحدة قادرة على كبح جماح برامج إسرائيل النووية، بيد أن الحوار الأميركي الإسرائيلي بشأن الوضع الأمني هو الذي أسهم في تحديد وترسيم الطابع الخاص لكيفية أن تصبح إسرائيل دولة حائزة على الأسلحة النووية. لقد فعلت إسرائيل ذلك متوخية الغموض آخذة بعين الاعتبار سياسة الولايات المتحدة، ورغبة منها في عدم معارضة السياسة الأميركية لعدم نشر الأسلحة النووية.
بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في سنوات الستينات بتلمس طريقها للعثور على الردود الناجعة لسد احتياجاتهما الاستراتيجية وأهدافهما الوطنية، ومطالبهما السياسية، وقد تواصلت عملية البحث آنفة الذكر طيلة عقد كامل، تحت رعاية الرؤساء: كيندي وبن غوريون، وجونسون وأشكول، ونيكسون وغولدا مائير.
وتقدمت عمليات البحث والتلمس في مسرب ديالكتيكي يتناول ثلاث مراحل سياسية: مواجهات، ضبابية، ومصالحات، وقد كان الغموض النووي الإسرائيلي الرد المناسب لذلك البحث والتفتيش الذي تواصل عقدا.
كانت نووية إسرائيل إحدى العوامل الهامة في بلورة وتطوير السياسة الأميركية للحد من انتشار الأسلحة النووية طيلة سنوات الستينات، لقد كانت إسرائيل أول حالة من حالات نشر الأسلحة النووية التي اضطرت الولايات المتحدة لمواجهتها في أعقاب حصول الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا والصين على السلاح النووي، هذا في الوقت الذي لم تكن فيه الولايات المتحدة قد طورت لنفسها فيه سياسة مبلورة حول الحد من انتشار الأسلحة النووية.
كانت إسرائيل دولة صغيرة، وصديقة، ومحاطة بالعديد من الأعداء الأكبر منها، هذا إضافة إلى أنها لم تكن كألمانيا الغربية-التي كانت تطلعاتها النووية تقلق الولايات المتحدة، فقد كانت خارج إطار التأثير المباشر على الدول العظمى.
وعلى عكس فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي-ثم الصين والهند فيما بعد-لم تكن إسرائيل تسعى للوصول إلى مكانة عظمى، أضف إلى ذلك أن إسرائيل كانت تتمتع بدعم كبير من قبل الساحة السياسية الأميركية الداخلية.
لقد برزت التحديات المرتبطة بتجسيد معارضة الولايات المتحدة لانتشار الأسلحة النووية في الحالة الإسرائيلية المعقدة، على المدى الطويل، وقدمت ثلاث عبر لثلاث حكومات أميركية في سعيها للحد من انتشار الأسلحة النووية، وبلورة سياسة خاصة بذلك.
تمحورت الحوارات الإسرائيلية الأميركية على الصعيد الأمني في سنوات الستينات حول ثلاث قضايا: تزويد الولايات المتحدة لإسرائيل بالأسلحة التقليدية، وتقديمها ضمانات لأمن إسرائيل، وكبح جماح مخططاتها وبرامجها النووية.
ومن الجدير بالذكر أن الدولتين وصلتا في بعض الحالات إلى شن الصدام، لكن الأمور لم تصل في أية مرة إلى مرحلة المواجهة العلنية لأن أي طرف منهما لم يكن معنيا بذلك، وقد تعلمت الدولتان من هذه الصدامات وشبه الصدامات العديد من العبر العميقة على صعيد كيفية التعامل مع المخططات النووية الإسرائيلية.
كانت الدول العربية-وعلى وجه الخصوص مصر-أحد العوامل التي أثرت على الموقف النووي الإسرائيلي، فقد حرصت إسرائيل على عدم حث دول عربية على تطوير أسلحة نووية، لذا كانت السرية والضبابية حيوية وضرورية جدا لمنع التحديات للعرب. هذا إضافة إلى أنه كانت هناك قناعة لدى الكثيرين بأنه إذا ما اقتنع العرب بأن إسرائيل تطور أسلحة نووية، فسوف يقومون بتوجيه ضربة وقائية على الديمونة لوضع حد للخطوة الإسرائيلية، وقد تمثلت هذه المخاوف في النقاشات التي جرت بين الولايات المتحدة وإسرائيل في تلك الأيام، فقد خشي الأميركيون من أن يحث تسلح إسرائيل النووي الاتحاد السوفيتي للدخول في السباق، لتصعيد التسلح النووي في الشرق الأوسط، سواء أكان ذلك عبر تزويد مصر بالأسلحة النووية، أو بإدخالها تحت المظلة النووية السوفييتية.
وعدا عن مساهمة المخططات النووية الإسرائيلية في تصعيد الأزمة التي سبقت نشوب حرب 1967، فإنها لم تصبح مسألة مهمة في العالم العربي، وطالما حافظت إسرائيل على هدوئها، فضلت الدول العربية اعتبار الأمر قضية هامشية.
أدت الهزيمة التي منيت بها مصر خلال حرب 1967 إلى خلق الظروف المناسبة لانتقال إسرائيل من مرحلة الضبابية إلى الغموض، ورغم ذلك واصلت الدول العربية طريقها المتمثل في استغلال الغموض النووي الإسرائيلي للحفاظ على مستوى متدن من الاهتمام بشأن القضية النووية.
لقد شاءت المفارقات أن يصبح العرب شركاء-هامشيين- في خلق الغموض النووي الإسرائيلي.
أصبحت مسألة المكانة النووية الإسرائيلية أكثر تعقيدا في أعقاب حرب 1967، فقد أصبحت إسرائيل في تلك الآونة معنية بتغيير طبيعة تعاملها مع خطتها النووية، دون أن تنتهك التزاماتها المعلنة، وفي تشرين الأول 1968 أعلن رئيس الحكومة ليفي أشكول ووزير الخارجية أبا ايبان أن إسرائيل "تعرف سر تطوير القنبلة النووية، بيد أن الطريق حتى صناعتها لا زالت طويلة".
-قالا ذلك في جريدة هآرتس في الرابع والثامن من تشرين الأول 1968-.تركت التصريحات آنفة الذكر سؤالا معلقا في الهواء: ما الذي تفعله إسرائيل في المجال النووي، وأوضحت أنه يتوجب اعتبارها دولة ذات مقدرة نووية.
أصبحت هذه المسألة بمثابة حجر الزاوية في النزاع القائم بين إسرائيل والولايات المتحدة في أواخر 1968، خلال المفاوضات التي جرت بين الدولتين لبيع إسرائيل طائرات نفاثة مقاتلة من طراز (اف-4).
طرحت خلال السنتين الأوليتين من ولاية الرئيس الأميركي نيكسون، مرة أخرى، قضية التزام إسرائيل بعدم إدخال الأسلحة النووية إلى الشرق الأوسط، بيد أن ذلك لم يستمر زمنا طويلا، ففي عام 1970 بات مقبولا القول بأن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية.
اختارت إسرائيل أسلوبا غريبا للحصول على كفاءة ردع نووية مستقلة، وهذا الكتاب يصف ذلك الأسلوب وشركاء إسرائيل فيه.
الفصل الأول
الناس والأسطورة
نشأت فكرة ضرورة امتلاك إسرائيل للقنبلة النووية منذ نشوء الدولة، وبدت أفكار الإسرائيليين بهذا الصدد في بداية نشوء الدولة بعيدة المنال، إن لم تكن مستحيلة،بيد أن الوضع الذي وجدت إسرائيل نفسها أسيرة فيه في أعقاب ولادتها، من محيط عربي معاد يستعد للانقضاض عليها في كل لحظة، إضافة إلى أن أصداء مجازر الحرب العالمية الثانية والمحارق لا زالت حية في ذاكرة الإسرائيليين-جعل مسألة التخلي عن فكرة الحصول على قنبلة نووية يبدو في صورة تسليم أمر إسرائيل للمجهول.
شرع رئيس حكومة إسرائيل ديفيد بن غوريون يتبنى وينمي هذه الفكرة في مرحلة مبكرة جدا، رغم أنها كانت في سنوات الخمسينات مجرد أمل للمستقبل القادم، ولم يعثر بن غوريون على الموارد اللازمة للشروع بمشروعه النووي الرسمي إلا خلال الفترة الواقعة بين 1955-1958 حينما عاد إلى مقعد السلطة، وتجذرت العلاقات الخاصة بين إسرائيل وفرنسا.
كان هناك ثلاثة أشخاص يعتبرون بمثابة المحرك الرئيسي لهذا المشروع: زعيم إسرائيل آنذاك، ومستشاره العلمي، ورئيس الشعبة التنفيذية التابعة له، لقد آمن بن غوريون أن بمقدور العلماء الإسرائيليين تزويد إسرائيل بالحلول الناجعة لمشكلة الأمن التي تعانيها، وكان آرنست ديفيد برجان وهو كيميائي عضوي-يعمل مستشارا لبن غوريون في القضايا النووية سنوات طويلة، وقام شمعون بيرس باستغلال الوضع الدولي لتجسيد الحلم، ومما لا شك فيه أنه ولولا هؤلاء الثلاثة لما انطلقت فكرة المشروع النووي الإسرائيلي إلى حيز الوجود، ولما رأت النور.
ديفيد بن غوريون
قدم ديفيد بن غوريون إلى فلسطين عام 1906 وهو لم يتجاوز العشرين، من بلونسك البولندية، وهو يحمل عقيدة صهيونية اشتراكية متّقدة، وبعد أربعين سنة من قدومه، وفي الرابع عشر من آيار 1948 أعلن عن إقامة دولة إسرائيل، وأصبح رئيسا لأول حكومة لها، وبقي في هذا المنصب طيلة أربع عشرة سنة.
وبوصفه رئيسا لإدارة الوكالة اليهودية، وهي الجهة الإدارية المركزية للاستيطان اليهودي في (أرض إسرائيل)-أدار بن غوريون منذ عام 1935 وحتى عام 1948 النضال الذي أدى إلى إقامة دولة إسرائيل، وعلى خلفية هذا النضال شهد بزوغ نجم النازية، والحرب العالمية الثانية، والمحارق التي صاحبتها.
لقد بدأت خطة المشروع النووي تنضج في رأسه في ظل الكارثة التي حلت باليهود إبان الحرب على أيدي النازيين، وزودته العبر التي تم استقاؤها من تلك الحرب الحجة لذلك، والمحفز للعمل من أجل الفكرة، ويمكننا القول أنه لو لم تحدث المحارق النازية لما كان بالإمكان تفهم عمق التزام بن غوريون للحصول على أسلحة نووية، لقد تحولت المخاوف التي انتابته إبان عهد المحارق إلى سياسة وطنية.
وفي كتابه: المليون السابع: الإسرائيليون والكارثة، كتب توم سيجف عام 1991: إن رواية زعماء الاستيطان اليهودي في أرض إسرائيل على عهد المحارق، هي رواية العجز، لذا فإن قرار القيادة اليهودية بزعامة بن غوريون القائل بأن اليهود لن يكونوا بعد الآن شعبا عاجزا، وأنهم سيصبحون سادة مصائرهم، كان أحد السمات التي ميزت المعركة التي أدارها بن غوريون لإنشاء إسرائيل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان ذلك القرار أيضا المحفز الأساسي لسعيه نحو الحصول على القنبلة النووية.
كان بن غوريون يدرك تماما عمق الكارثة التي حلت باليهود خلال الحرب العالمية الثانية، ويشعر بالكثير من الخوف على أمن إسرائيل، وقد كتب بهذا الصدد إلى أحد العلماء الإسرائيليين قائلا: "الميتون لن يسبحوا لله، وإذا كنا نتعرض لخطر الدمار، ولأسفي نحن نتعرض لهذا الخطر، والمحارق النازية لم تكن سوى إحدى الفصول الكبيرة على صعيد تدميرنا على مدى التاريخ، فإن هذه المشكلة هي إحدى المشاكل المصيرية بالنسبة لنا، بيد أنها لا تخفي عن عيني أو ذاكرتي أهمية المشاكل والاحتياجات الأخرى، لأنني لا أعيش يوميا فقط مع مشاكل الدولة، بل أعيش مشاكل الشعب اليهودي كله، لأنني أدرك أن مصيرنا لسنوات طويلة سيرتبط بطبيعة تعامل الشعب اليهودي كله معنا، وبمقدرته وإرادته".
وإزاء رؤيته الواضحة لحقائق الحياة المتعلقة بالنزاع العربي الإسرائيلي، وضع بن غوريون الأمن على رأس أولوياته، ورغم أن حرب 1949 انتهت بانتصار إسرائيل، إلا أنه كان على قناعة تامة بأن انتهاء الأعمال العدائية لن يقود إلى السلام الدائم، بل إلى هدنة مؤقتة حتى تبدأ الجولة التالية على صعيد المواجهات العسكرية بين إسرائيل والدول العربية، ديفيد بن غوريون-يوميات الحرب 48-1949، إصدار وزارة الدفاع عام 1982.
اعتبر بن غوريون العداء العربي لإسرائيل عميقا جدا ومتواصلا، وأن السلام لن يحل قبل أن يسلم العرب بما فقدوه خلال حرب 1948 وقبل أن يقتنعوا بأن هزيمتهم خلال الحرب لم تكن خطأ زائلا عائدا إلى طبيعتهم المسالمة، وإلى الفرقة القائمة في أوساط زعمائهم الفاسدين، إن التسليم بوجود إسرائيل، يتطلب أن يقبلوا خسارتهم في الحرب كخسارة نهائية-يوميات ديفيد بن غوريون 26 نيسان 1949 و 23 تشرين الأول 1950.
إن رؤية بن غوريون المتشائمة تجاه الجولة العربية القادمة للحرب مع إسرائيل، وحتميتها واستحالة منعها، هي التي بلورت سياسة الخارجية والأمن الإسرائيلية طيلة السنوات اللاحقة.
أسهمت تطلعات بن غوريون ونظام حكمه الاستبدادي في بلورة دوره الحاسم كمبادر لطرح الخطة النووية الإسرائيلية، كان بن غوريون شديد الإعجاب بالعلم والتكنولوجيا في القرن العشرين، وبذل كل ما بوسعه لتحسين الأبحاث والعلوم في إسرائيل، وكان يعتبر الإنجاز العلمي بمثابة دلالة اعتراف بالدولة الصهيونية، وتجسيدا علمانيا لاعتبار الشعب الإسرائيلي كشعب منفرد، وكان يقول: "نحن أقل من الشعوب الأخرى في تعدادنا، وتشتتنا، لكن لا يوجد شعب في العالم يفوقنا على صعيد خصالنا العلمية، لقد وزعنا حتى الآن كنوزنا الروحية على الأجانب، وساعدنا الكثير من الشعوب في تحقيق إنجازاتها العلمية الكبيرة في القرن التاسع عشر والعشرين، ولا أعتقد أن هناك أي مبرر للقول أن جهودنا العلمية ستنمو وتزدهر في الدول الأجنبية أكثر مما ستزدهر في بلادنا".
كان بن غوريون يؤمن بأن العلم والتكنولوجيا يجب أن يلعبا دورين في تجسيد الصهيونية: تحسين مكانة إسرائيل الروحية والمادية، وتوفير وسائل دفاع أفضل لإسرائيل لمواجهة أعدائها، ويقول شمعون بيرس:أن بن غوريون كان يؤمن بأن العلم قادر على تعويضنا ما حرمتنا إياه الطبيعة.
لقد أسرت الطاقة النووية بن غوريون منذ نهاية الأربعينات، وفي المقابلة التي كتبها في تشرين الثاني 1948 لتوزيعها على المجندين الجدد قال: "إننا نعيش جيل الثورة العلمية، جيل اكتشاف الذرة، وتركيبتها الرائعة، وإطلاق طاقاتها الكامنة". كما حرص بن غوريون على الالتقاء بالعديد من الفيزيائيين الذين شاركوا في مشروع مانهاتن، والذين كانوا عددا لا بأس به، منهم يهود، ومن بينهم ج.روبرت أوفنهيمر، و ادوارد تيلر، وفيكتور فيسكوفف وغيرهم.
كان الوضع الجغرافي لإسرائيل أحد الأسباب الرئيسية لنظرية بن غوريون التشاؤمية، فقد وجد العرب أن من الصعب عليهم التسليم بهزيمتهم عام 1948 بسبب تفوقهم الاستراتيجي، فإسرائيل كانت أصغر من أن تتمكن من إلحاق هزيمة ساحقة ونهائية بالدول العربية، لذا كانت انتصاراته بمثابة انتصارات آنية ومحدودة، وإزاء الحجم السكاني العربي الهائل، والموارد الواسعة كان من الصعب على الدول العربية أن تقتنع بأن من الأفضل لها التسليم بوجود إسرائيل، وكان بمقدور العرب بعد كل هزيمة أن يعيدوا بناء أنفسهم والاستعداد للجولة التالية.
وكان جل خوف بن غوريون منصب على احتمال تشكيل ائتلاف عربي تحت قيادة زعيم وطني متحمس، يرفع لواء الوحدة العربية، وقد ازدادت هذه المخاوف في سنوات حكمه الأخيرة، وقد عقب على ذلك بالقول لسكرتيره اسحق نافون: "لم يجد النوم الليلة سبيلا إلى عيني، فقد تملكني الرعب من احتمال شن هجوم عربي جماعي"، وقد أعرب أيضا عن تلك المخاوف أمام زعماء أجانب ومن بينهم ايزنهاور، وكندي، وشارل ديغول-ميخائيل بار زوهر: بن غوريون تل أبيب عام1987.
كان الحل لمشكلة إسرائيل الأمنية يتمثل في بناء قوة ردع قوية، وقد بدأ بن غوريون في سعيه لتشكيل هذه القوة منذ منتصف الخمسينات منتهجا أسلوبين: أولا: إقامة تحالف مع إحدى الدول الغربية، أو عدد منها، بحيث تمنح ضمانة حقيقية لسلامة إسرائيل الإقليمية، وثانيا: توفير خيار نووي لدى إسرائيل، ومن الجدير بالذكر أن بن غوريون أبدى اهتماما بإنجاز اتفاقية عسكرية مع الولايات المتحدة أو بالحصول على ضمانة أمنية رسمية حتى أيامه الأخيرة.
بيد أن الشكوك في إنجاز هذه الاتفاقية بدأت تساوره منذ منتصف الخمسينات، وتساءل فيما إذا كان هذا الخيار يمكنه حقا أن يخدم المصالح الإسرائيلية شلوم-ديفيد بن غوريون دولة إسرائيل والعالم العربي-مطبعة جامعة كامبردج.
وإزاء استحالة الوصول إلى المواد الأرشيفية السرية، يصبح من الصعب معرفة متى وكيف بدأ بن غوريون في التفكير في السلاح النووي كخيار عملي، لقد راقت له الفكرة منذ أيامه الأولى في رئاسة الدولة، بيد أنه لم يفكر بأنها باتت ممكنة إلا في أعقاب توليه منصب وزير الدفاع عام 1955، ونشوء برنامج "الذرة من أجل السلام" الذي أسسه ايزنهاور.
فقد اقتنع بن غوريون حينئذ بأنه آن الأوان للتوجه نحو الفكرة بجدية، وفي النشرة التي كتبها تحت عنوان "مكانة العلم في بناء دولة إسرائيل" في الثاني من تشرين الثاني 1956، قال: إن ما فعله اينشتاين، وأوفنهيمر وتلر-والثلاثة من اليهود لصالح الولايات المتحدة، لن يكون عصيا على العلماء الإسرائيليين فعله من أجل بلادهم".
آمن بن غوريون بأن إسرائيل في أمس الحاجة إلى أسلحة نووية، كضمانة في الحالة التي لن يكون لديها إمكانية لمجاراة العرب في سياق التسلح، بوصف الأسلحة النووية مخرجا وملاذا أخيرا في حالات الطوارئ العسكرية المتطرفة.
أضف إلى ذلك أن من الممكن أن تقنع الأسلحة النووية العرب بالتسليم بوجود إسرائيل، مما قد يقود نحو السلام.
وفي الكلمة التي ألقاها أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست في الرابع من آذار 1958، قال بن غوريون: "إذا ما توصل العرب إلى قناعة باستحالة تدمير إسرائيل، فمن الجائز أن تقوم جهات منهم بالتفكير أن من الأفضل وقف العداء، وصنع السلام معها، إن فرصة السلام مع العرب تكمن في تعزيز قوة وأمن إسرائيل على الصعيد السياسي والأمني والاقتصادي".
هذا، ولم يتطرف بن غوريون إلى هذه المبررات بصورة علنية أبدا، والمرة الوحيدة التي تطرق إليها علنا، كانت خلال الكلمة التي ألقاها أمام الكنيست في كانون الأول 1960 والتي تحدث فيها عن "أهداف السلام" للمشروع النووي.
وفي السابع والعشرين من حزيران 1963، أي قبل أحد عشر يوما من إعلانه عن استقالته الأخيرة، بعث بن غوريون رسالة إلى عمال وموظفي سلطة تطوير المعدات الحربية-رفائيل-أعرب فيها- دون أن يشير إلى السلاح النووي- عن ضرورة وعدالة البرنامج النووي، حيث قال: "لا أعرف أن هناك أمة واحدة في العالم يعلن جيرانها عن نيتهم تدميرها، وهم لا يعلنون عن ذلك فقط، بل يستعدون لفعله، ولا يجب أن تراودني أية أوهام حول أن ما يعلنه العرب في القاهرة ودمشق وبغداد ما هو سوى مجرد تصريحات كلامية، بل ما يعلنونه هو التفكير الحقيقي الذي يقود الزعماء العرب ونحن عددنا قليل، ولا يمكن أن نعادل أميركا التي يوجد فيها 180 مليون نسمة، أو نعادل أية دولة عربية، بيد أن هناك شيئا واحدا لا نقل فيه عن أية دولة في العالم وهو العقل اليهودي، والعلم. والعقل اليهودي لم يخيب آمالنا. وأنا واثق من ذلك، وليس فقط بناء على ما سمعته اليوم من أن علمنا يمكنه أن يزودنا بالأسلحة الضرورية لنا، والتي يمكنها أن تردع أعداءنا، ولهذا السبب يعتبر هذا السلاح ضروريا، وأنا واثق من أن بمقدور العلم تزويدنا بالسلاح الذي يضمن السلام ويردع أعداءنا".
آرنست ديفيد برجمان
لم يكن الالتزام الذي قدمه الزعماء السياسيون الإسرائيليون كافيا لتمكين دولة صغيرة وشحيحة الموارد كإسرائيل من بناء مشروع نووي في سنوات الستينات وفي منتصف الخمسينات، فقد كانت هناك ضرورة لتوفر كادر علمي وتنظيمي قادر على وضع البرامج والأهداف والاستراتيجيات وتحديد المهام، والميزانيات المالية، وتجنيد العلماء والإداريين، والإشراف على عملية التنفيذ، ولا شك أن توفر كل هذه الأمور، يعتبر بمثابة الفارق بين رغبات وأمنيات الزعيم، وبين تنفيذ مشروع نووي واعد.
كان هناك لبن غوريون منذ البداية مساعدان أمنيان ومخلصان: آرنست ديفيد برجمان، وشمعون بيرس، وكان بن غوريون يقدم الصلاحيات الرسمية والالتزام في حين قدم برجمان وبيرس الجهد والحماس اللذين كانا قادرين على تحويل الرغبة إلى واقع حقيقي.
وصف إسرائيل دوستروبكسي الذي خلف برجمان في مطلع عام 1966 الدور الذي لعبه برجمان على النحو التالي: "كانت شخصية البروفيسور برجمان-المستشار الرئيسي لبن غوريون في هذه المسائل-حيوية، ويخيل لي أن بن غوريون كان يأخذ بآرائه بدون أية تحفظات، ولهذا السبب، كان كل قرار يطرح يجب أن يحصل على تأييد برجمان، وإذا ما اقتنع بقيمته كان بن غوريون يوافق عليه فورا".
عمل برجمان طيلة خمس عشرة سنة-قبل أن يبدأ العمل مع بن غوريون-تحت رعاية حاييم وايزمن الكيميائي الشهير، وخصم بن غوريون في إدارة الصهيونية، وقد كان برجمان كيميائيا عضويا شابا حينما طرده الألمان من جامعة برلين عام 1933 فعينه وايزمن رئيسا لمعهد الأبحاث (دنيئيل زيف) الذي تم تأسيسه للتو في رحوبوت-والذي تم دمجه عام 1949 في معهد وايزمن للعلوم حينما أُسّس.
وعندما عاد برجمان إلى فلسطين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عاد لمزاولة عمله كمدير لمعهد زيف، وتطلع الكثيرون لرؤيته رئيسا للمعهد خلفا لوايزمن، بيد أن العلاقات بين برجمان ووايزمن وصلت إلى نهاية مؤسفة بسبب الخلافات الشخصية التي نشبت بينهما على أرضية إدارة برجمان للمعهد، وقد انجذب برجمان إلى بن غوريون في نهاية الأربعينات بسبب إيمان بن غوريون الشديد بأن مستقبل إسرائيل رهن باستغلال العلم والتكنولوجيا.
وفي آب 1948 عين بن غوريون برجمان رئيسا للشعبة العلمية في الجيش الإسرائيلي، وفي الخامس عشر من تموز 1951 أصبح مستشارا لوزير الدفاع، وفي مطلع 1952 عين رئيسا للأبحاث في شعبة الأبحاث والتخطيط التي تم إنشاؤها في وزارة الدفاع، ورغم كل هذه المهام واصل برجمان تدريس الكيمياء في الجامعة العبرية، وفي حزيران 1952 تم تشكيل اللجنة الإسرائيلية للطاقة النووية سرا، ووضع برجمان على رأسها، وقد مارس وظائفه الثلاث آنفة الذكر حتى استقالته في نيسان 1966.
كان برجمان يشاطر بن غوريون الرأي في أن المحارق النازية تبرر أية خطوة تتخذها إسرائيل لضمان وجودها، وقد عقب برجمان على ذلك بالقول: أنا على قناعة تامة من أن إسرائيل في حاجة لخطة أبحاث أمنية خاصة بها، كي لا تقاد بعد ذلك أبدا كما يقاد الحمل إلى الجزار".
وفي الرسالة التي بعث بها برجمان عام 1966 لمائير يعري زعيم حزب اليسار (مبام) والذي عارض فكرة الأسلحة النووية، أوضح له أن انتشار الأسلحة النووية بات أمرا يستحيل منعه، وأن من المحتمل أن تصل العديد من الدول بما فيها دول عربية إلى المقدرة النووية، وقال: أشعر بالدهشة لأن شخصا مثلك على استعداد لأن يغلق عينيه ويسد أذنيه، ويعتقد أن الواقع سيكون مثلما ترغب في أن نراه، ولست أعتقد أن هناك إسرائيليا لا يخاف نشوب حرب نووية، ولا يأمل في أن يسيطر التعقل على عالم الغد.
بيد أنه لا يجب علينا أبدا أن نستبدل المعلومات المؤكدة، والتقديرات الجامدة للواقع كما هو بالآمال والأمنيات، وأنا لا أستطيع أن أنسى أن نكبة المحارق في الحرب العالمية الثانية هبطت على رؤوس الشعب اليهودي بصورة مفاجئة، ولا أعتقد أن الشعب الإسرائيلي يمكنه أن يسمح لنفسه مرة أخرى بالإغراق في هذه الأوهام".
ويقول شمعون بيرس: كان حماس برجمان لا يروق للكثير من العلماء الآخرين، والذين كانوا يشكون في بعض الأحيان في مدى اتزان رأيه، وقد تبدت ميوله للتوسع في الحديث حول القضايا العلمية التي لا يفهمها فهما كاملا في التقرير الذي أعده حول المؤتمر النووي من أجل السلام الذي عقد عام 1955، فعندما وصل في التقرير إلى مرحلة قضية "الصهر النووي المسيطر عليه" قال: إن الرأي السائد ينص على أن إحدى الإمكانيات للحصول على الحرارة العالية اللاذعة لإحداث سلسلة ردود الفعل الحرارية النووية، تتمثل في الدمج بين عدة عبوات مفرغة من المواد المتفجرة، وبالمناسبة أود القول أننا نفكر في هذا الخيار منذ سنتين" وقد أبدى العلماء الإسرائيليون الثلاثة المشاركون في الوفد الإسرائيلي للاجتماع انزعاجهم من هذه الأقوال، وطالبوه بشطبها، وغزوه قائلين: نحن نعرف لأول مرة أننا نفكر في هذا الخيار منذ سنتين:
لقد قاد برجمان نشاطات إسرائيل في المجال النووي منذ عام 1948 وحتى عام 1955، وهو الذي أنشأ لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية عام 1952، ووضع الأسس الأولية لعملها، بيد أن تسلطه في اللجنة أدى إلى دفع العلماء نحو معهد وايزمن حيث شكلوا طاقما مناوئا له، وقد بدأ دوره يتضاءل كلما بدأ المشروع النووي الإسرائيلي يتكامل، فهو لم يكن مديرا جيدا، ويبدو أنه كان يتجاهل كليا التقديرات الاقتصادية.
وعلى عهد ليفي أشكول تقلص دوره أكثر، ولم يعد يحظى بالثقة والصلاحيات التي كانت له على عهد بن غوريون، وفي حزيران 1964 قدم استقالته إلى أشكول لكن أشكول رفضها وأبقاه في مهمته، ثم انضم إلى بن غوريون وبيرس اللذين شكلا حزب رافي، الأمر الذي قطع صلته تماما بأشكول، لذا عندما قدم استقالته إليه في الأول من نيسان 1996، قبلها فورا.
شمعون بيرس
منح برجمان لبن غوريون الإيمان بأن إسرائيل قادرة على تطوير سلاح نووي لنفسها، بيد أن بيرس هو الذي أقنع بن غوريون خلال السنوات 56-1957 أنه آن الآوان للبدء بالمشروع النووي، لقد وضع بن غوريون ومنذ البداية-بين أيدي بيرس إدارة الجهد الإسرائيلي للحصول على مقدرة نووية، مثلما أفاد دستروبسكي:
"إضافة إلى برجمان كان هناك شخص آخر يلعب دورا كبيرا في اتخاذ القرارات آنذاك، وهو شمعون بيرس، والذي أخذ على عاتقه شخصيا مهمة دفع القضايا ذات العلاقة بالطاقة النووية إلى الأمام، وخصوصا العلاقات مع فرنسا والتي بدأت آنذاك".
ولسنا نبالغ إذا ما قلنا أنه وعلى الرغم من أن بيرس لم يرتد الملابس العسكرية أبدا، إلا أنه كان الشخصية الساحرة والفذة بالنسبة لوزارة الدفاع، وفي عام 1947، وفي الوقت الذي لم يكن بيرس قد تجاوز الثالثة والعشرين-جنده أشكول لهيئة أركان منظمة (الهجناة).
ولم تكد تمضي بضعة أشهر، حتى كان يمسك بين يديه بزمام شعبة المشتريات، وفي عام 1949 ضم بيرس إلى وفد وزارة الدفاع في نيويورك كنائب لرئيس الوفد، ثم رئيسا له، وحال عودته من نيويورك عام 1952 عين بيرس نائبا للمدير العام لوازرة الدفاع، وبعد سنة عين مديرا عاما لها،وخلال إدارة الوزارة تعرف على برجمان، وعلى تطلعاته النووية، ويقول بيرس فيما بعد: "كنت شديد الفضول كبن غوريون، وشديد التحمس كبرجمان، ولا شك أن الطاقة الهائلة التي كان بيرس يتحلى بها، وخبرته السياسية أخذت تبرز رويدا رويدا كعامل حيوي على صعيد تجسيد آمال إسرائيل النووية.
وفي أعقاب عودة بن غوريون إلى السلطة عام 1955 عاد بيرس مجددا لإدارة الخطة النووية الرسمية، وترأس الطواقم العاملة على إخراجها إلى حيز التنفيذ الفعلي، وحتى استقالته من وزارة الدفاع، بعد عشر سنوات، كان بيرس المسؤول عن المشروع النووي، مثلما كتب فيما بعد:
"قررت منذ البداية الحفاظ على الدور الذي أقوم به بعيدا عن أعين الجماهير، ولهذا السبب لم يظهر اسمي علنا في قائمة أية لجنة رسمية تم تشكيلها في مجال الطاقة النووية، بيد أن ذلك لم يمنعني من إدارة الخطة النووية كلها باسم بن غوريون، وكان بن غوريون يثق بي، والبروفيسور برجمان يتعاون معي بلا أي تحفظ.
وبمرور الزمن تمكنت من اكتساب ثقة باقي العلماء والمهندسين وكبار مسؤولي المشروع".
ومن الجائز أن تعمد بعض الجهات للتشكيك في العبارات الأخيرة، بيد أن مما لا شك فيه أن بيرس لعب دورا رئيسيا في القرارات الأولية التي حددت طابع واتجاه المشروع النووي.
وفي مذكراته التي صدرت في بريطانيا عام 1955 طرح بيرس بعضا من المبادئ التي كان يضعها نصب عينيه في إدارته للمشروع، وقال أنه كان يعرف منذ البداية القيود المفروضة على المشروع.وأنه كان يخالف وجهة النظر المتفائلة التي طرحها برجمان والقائلة أن بمقدور إسرائيل تنفيذ المشروع النووي بقوتها الذاتية، ويعارض المعارضة الشديدة التي يبديها جميع العلماء تقريبا لفكرة دخول إسرائيل إلى عالم الذرة، "وكنت أقول أنه لا يجب علينا أن نعمل من أجل تطوير الأشياء التي سبق لغيرنا أن طورها، وهو الأمر الذي قادني إلى الصدام مع برجمان، الذي كان يعتقد أن بمقدور إسرائيل تطوير مفاعلها النووي بنفسها، بينما كنت أنا أقول: "يجب أن نشتري مفاعلا نوويا من الخارج إذا كان ذلك ممكنا".
وبرزت الخلافات بين بيرس وبرجمان أيضا على صعيد الجهة الأجنبية التي يمكنها أن تساعد إسرائيل في تطوير مفاعلها النووي.
وقد أعربت الولايات المتحدة عن استعدادها في إطار خطة "ذرة من أجل السلام" لبيع إسرائيل مفاعلا نوويا صغيرا للتجارب شريطة أن يعمل تحت الرقابة الأميركية، وكان من الواضح أن مثل هذا المفاعل يصلح فقط للتدريب والأبحاث الأساسية، ولا يمكنه أن يخلق خيارا نوويا، لذا يجب أن تأتي المساعدة من جهة أجنبية أخرى.
لقد اعتبر برجمان وآخرون فرنسا منذ نهاية الأربعينات بمثابة أكثر الفرص المتوفرة للحصول على مساعدات نووية، لذا عمد برجمان إلى إقامة علاقات بين هيئة الطاقة النووية الفرنسية وبين لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية، بيد أنه كان واضحا خلال عام 1955 أنه إذا لم يطرأ انفراج سياسي بين الدولتين، فإن علاقات الصداقة القائمة لا يمكنها أن تزود إسرائيل باحتياجاتها.
وهنا جاء دور بيرس، ويمكننا القول أن جميع الجهود التي بذلها بيرس على صعيد جعل إسرائيل دولة نووية، تتضاءل أمام الجهود التي بذلها لتوطيد العلاقات النووية مع فرنسا،فقد أدرك أن الفرصة سانحة لذلك، وعمل رغم جميع الانتقادات الشديدة التي وجهت له لانتهاز هذه الفرصة، كان بيرس هو عراب التحالف الفرنسي الإسرائيلي، والذي ولدت من رحمه صفقة ديمونة.
ويقول بيرس: كانت فرنسا هي أكثر الدول المرشحة لإبداء استعداد لتقديم المساعدة لنا، لذا اعتقدت أن علينا أن نمحور جل جهودنا الدبلوماسية حولها وحول علومها وصناعتها.
لقد أدت الظروف التي تطورت منذ صيف 1956 وحتى خريف 1957 إلى إتاحة فرصة فريدة لإسرائيل للشروع بمشروعها النووي، وكان شمعون بيرس هو المسؤول-أكثر من أي إنسان آخر عن بلورة هذه الفرصة واهتبالها.
ولعب بيرس أيضا دورا مركزيا في اختيار العلماء والإداريين للمشروع، وعلى عكس مشروع مانهاتن الذي دعت الولايات المتحدة إليه غالبية فيزيائييها، فقد بقي القسم الأكبر من الفيزيائيين الإسرائيليين خارج الصورة، ويرجع ذلك لأن الغالبية من الفيزيائيين الإسرائيليين كانت تعارض دخول إسرائيل عالم الذرة، مما حدا ببيرس لاتخاذ قرار بتجنبهم.
آخرون
لم يكن بن غوريون وبرجمان وبيرس قادرين على تحقيق النجاح بقوتهم الذاتية فقط ودون مساعدة الآخرين، وكانت المساهمات التي قدمها بعض الأشخاص شديدة الحيوية والأهمية بصورة خاصة.
ولد إسرائيل دوستروبسكي في روسيا عام 1918 وهاجرت عائلته إلى إسرائيل بعد سنة واحدة من ذلك، وبدأ دراسته في إسرائيل، وواصلها حتى أصبح عالما، ودرس الكيمياء الفيزيائية في (يونيفرستي كولج) البريطانية وحصل على لقب الدكتوراة عام 1943، ثم مارس التدريس وعمل في مجال الأبحاث في بريطانيا لمدة خمس سنوات.
وأصبح علامة معتمدة في أبحاث النظائر، وفي عام 1948 عاد دوستروبسكي إلى إسرائيل وأنشأ شعبة أبحاث النظائر في معهد وايزمن، وبوصفه ضابطا برتبة رائد في السلاح العلمي الإسرائيلي أقام وحدة (حمد-ج) السلاح العلمي-ج وهي الوحدة التي مهدت الأرضية للمشروع النووي، وقد طور أساليب لفصل النظائر وخلق اليورانيوم.
وفي عام 1965، وبعد أن أكمل دوستروبسكي أربع سنوات أبحاث في المعمل الوطني في روكهيبن في نيويورك، كلفه نائب وزير الدفاع الإسرائيلي تسفي دينشتاين بإعادة تنظيم لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية بصورة تضمن سيطرة وزير الدفاع على الوضع النووي، وقد تسلم رئاسة لجنة الطاقة، في أعقاب استقالة برجمان عام 1966 وبقي في مكانته حتى عام 1971.
الإخوان كتشلكي-كتسير من معهد وايزمن أهارون وأفرايم، واللذان كانا من بين مؤسسي وحدة (حمد)، حيث كان أهارون سكرتيرا للشعبة العلمية، في حين كان أفرايم قائدا للسلاح فترة قصيرة، وكان الاثنان أول من حصل على لقب الدكتوراة من الجامعة العبرية على الأبحاث التي أجرياها في مجال الكيمياء العضوية والبيولوجية.
وقبل أن يعود برجمان إلى إسرائيل في منتصف سنوات الأربعين كان أهارون كتسير العالم المقرب لبن غوريون، وكان هو أول من تحدث معه مطولا حول القنبلتين النوويتين اللتين ألقيتا على ناجازاكي وهيروشيما، وبوصفه محاضرا شابا في الجامعة العبرية عامي 46، 1947 تمكن أهارون كتسير من تجنيد طلبة في العلوم للانضمام إلى الوحدات الأولى التي عملت على صعيد تجارب السلاح والمواد المتفجرة في منظمة (الهجناة)، وقد كان هؤلاء المجندون بمثابة النواة التي قام عليها السلاح العلمي (حمد) في مطلع 1948.
ورغم أن الأخوين كتسير لم يكرسا جل وقتهما للأبحاث الأمنية، إلا أنهما كانا مشاركين طيلة حياتهما في المشروعات التي تبنيها (رفائيل).
شلهبت بريار
من بين الأشخاص الذين كانت مساهمتهم للمشروع النووي الإسرائيلي كبيرة جدا، وكان يتسم بوصفه رجل ظل يتمتع بقدر كبير جدا من البطولة، وقبل قيام الدولة لعب دورا في تنظيم شبكة مخابرات منظمة (الهجناة) في القدس، وشارك في تنظيم عمليات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وعين عام 1954 رئيسا لشعبة الأبحاث والتخطيط في هيئة الأركان الإسرائيلية خلفا لمونيه مريدور.
وفي صيف 1956، إبان المفاوضات الإسرائيلية الفرنسية حول الصفقة النووية، طالبه بيرس وبرجمان أن يعمل ملحقا علميا في سفارة إسرائيل في باريس، حيث أشرف على إنضاج الصفقة.