صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
ازداد الاهتمام في الآونة الأخيرة بالجوانب النفسية للسلوك الإجرامي، وبالعلاقة القائمة بين التكوين العضوي والتكوين النفسي للإنسان، وبدراسة شخصية المجرم ونموها في إطار تأثرها بالمحيط الاجتماعي الذي تعيش فيه.
فالإنسان في عالمنا المعاصر يواجه أزمات معقدة تتناول جميع جوانب حياته النفسية- والاجتماعية، والعقلية، والجسمية- كما يجتاح العالم تيار مادي رهيب، أدى إلى قلب المعايير، وزلزلة القيم الإنسانية، وسيادة المنافسة المادية ومحاولة الوصول إلى الأهداف بأي السبل أو الوسائل حتى ولو كانت غير قانونية أو مشروعة من قبل المجتمع. وهذا ما أدى إلى كثرة الانحرافات السلوكية، والاضطرابات النفسية والعقلية، وانتشرت حالات الإجرام بشتى أنواعها، وارتفعت الأصوات تنادي بضرورة الحد من ظاهرة الإجرام وتخليص المجتمع من المجرمين الذين باتوا يقلقون أمن الوطن والمواطن.
وفي هذا الكتاب يمكن للقارئ الكريم، والذي يبحث عن حل لمثل هذه المشاكل والانحرافات، أن يجد ضالته، حيث كتب إلى الباحثين من رجال القانون وعلم النفس، والأخصائيين الاجتماعيين، والأطباء ورجال القضاء والمحامين، والمربين، والأدباء، والمرشدين النفسيين، وذوي الاهتمام الخاص بالجريمة والمجرم، وبالانحرافات السلوكية والاضطرابات النفسية.
تضمن هذا الكتاب أربعة أبواب أساسية، حيث تضمن الباب الأول فصلين، الأول عن علم النفس الجنائي؛ اهتماماته وتطوره التاريخي، والثاني طرائق البحث في علم النفس الجنائي. وتضمن الباب الثاني أربعة فصول، تم الحديث فيها عن الجريمة والمجرم، والاتجاهات الحديثة في معاملة المجرمين، والنظريات المفسرة للسلوك الإجرامي.
في حين تضمن الباب الثالث خمسة فصول، تناولت جنوح الأحداث، وإدمان الخمور والمخدرات، والشخصية المضادة للمجتمع والانحرافات، والجرائم الجنسية، وبعض الاضطرابات النفسية والعقلية والسلوك الإجرامي. أما الباب الرابع فقد تضمن ثلاثة فصول، حيث تم الحديث فيها عن أطراف العملية الجنائية في المحكمة، والسجون وأثرها في رعاية السجناء وإصلاحهم، والخدمات النفسية في المؤسسات الجنائية.
وبناء على ذلك يمكن لهذا الكتاب أن يسد فراغاً في المكتبة العربية، خاصة وأنها لا زالت تفتقر إلى المراجع العلمية الحديثة في مجال علم النفس الجنائي، حيث أن ما كتب باللغة العربية في هذا المجال حتى الآن قليل.
ولهذا فإن أملي كبير في أن أكون بهذا الجهد العلمي المتواضع قد وفقت في تحقيق الهدف الذي من أجله وضع هذا الكتاب.
والله من وراء القصد
المؤلف
الدكتور أحمد محمد الزعبي
صفحة 2
طبيعة علم النفس الجنائي واهتماماته
يوضح علم النفس الجنائي أثر التركيب النفسي للإنسان على سلوكه بعامة وعلى السلوك المنحرف بخاصة. كما يهتم علم النفس الجنائي بالعلاقة الوثيقة بين التكوين العضوي والتكوين النفسي للإنسان. ولذلك يظهر السلوك الإنساني المنحرف كمعادلة ضمنها معادلات فمعادلات؛ يسعى الباحث العلمي للوصول عبرها إلى حقيقة الإنسان المجرم (العوجي، 1982: 24).
فالشخصية الإنسانية تعبر عن مكنوناتها الداخلية، وهي في هذا التعبير تتأثر بالتركيب العضوي للإنسان، وبالمؤثرات الخارجية، مما يجعلها تعكس بصورة مختلفة ما تتلقاه، وتسلك سلوكيات ربما أدت إلى الانحراف. فعلم النفس الجنائي يهتم بدراسة شخصية الإنسان المجرم، ونموها، وتأثيرها بالمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه منذ ولادته.
ولذلك يحاول علم النفس الجنائي بيان فائدة مضامين مبادئ علم النفس العام وعلم النفس الاجتماعي تجريبياً، ويتناول المشاكل الخاصة بميدان علم النفس الجنائي، وهو في محاولته هذه يتخذ وجهة نظر مهنية خاصة تختلف عن وجهة نظر علم النفس. فعالم النفس يتجه في بحوثه إلى بيان صحة فرض أو مبدأ أو تحقيقه للتوصل إلى المبادئ العلمية العامة، في حين يتجه اهتمام عالم النفس الجنائي إلى إيجاد حل عملي لمشكلة من المشاكل، وتكوين ممارسات مهنية تحقق أقصى ما يمكن من الفائدة التطبيقية. ولكن هذا لا يعني أننا نتحدث عن علمين منفصلين تماماً، فهناك الكثير من المبادئ النفسية التي يمكن التوصل إليها من خلال البحوث التي تجري في ميدان الجريمة، والتي تفوق أحياناً ما يتم التوصل إليه من خلال البحوث التجريبية في علم النفس. ولهذا لابد لعالم النفس الجنائي من الاستمرار في البحث عن التطبيقات العلمية للنظريات والمبادئ العامة لعلم النفس، ومحاولة التوصل إلى المضامين النظرية للتطبيقات العملية المختلفة (جلال، 1984).
ويهتم علم النفس الجنائي باستخدام قوانين علم النفس في تنفيذ مختلف مراحل الإجراءات الجنائية من حيث تحليل تصرفات وأفعال المسئولين عن التنفيذ (القاضي، المحامي)، حيث أن كلاً من القاضي والمحامي بشر يختلفون من حيث التكوين النفسي، ومن حيث الاتجاهات والميول والقدرات، والذي من شأنه أن يؤثر على أسلوب التنفيذ. كما يهتم علم النفس الجنائي بدراسة الأساليب النفسية في التحري والبحث عن المجرم، وبالأساليب والطرائق المختلفة لإصلاح الجاني، والعودة به عضواً فعالاً إلى المجتمع الذي يعيش فيه. فعلم النفس الجنائي يهتم بسيكولوجية صانع قانون العقوبات ومنفذها والظروف التي تتم فيها سن القوانين وتطبيقها وتطويرها بهدف العلاج، والتقليل من الجريمة في مجتمع بعينه (جلال، 1984).
ولذلك فإن علم النفس الجنائي يضع لدى الأجهزة القضائية والمنية المختلفة الأسس والقواعد العامة التي تساعدهم على تنفيذ مهامهم بيسر سواء في مجال التعرف على الجاني بشكل دقيق من خلال استخدام طرائق التشخيص النفسي في البحث الجنائي، أو في مجال تحقيق الوقاية من الجريمة والتقليل منها والحد منها ما أمكن، وذلك من خلال تحقيق الوقاية من الجريمة والتقليل منها والحد منها ما أمكن، وذلك من خلال برامج الإصلاح والتأهيل والرعاية. فعلم النفس الجنائي يهتم بدراسة أسباب الجريمة ودوافعها الشعورية واللاشعورية والفطرية والمكتسبة، وبالأسباب الاجتماعية التي تؤدي إلى الجريمة والجنوح، حيث يحاول الكشف عن العوامل التي تدفع الفرد إلى ارتكاب العمل الإجرامي (العيسوي، 1992).
كما يعالج علم النفس الجنائي الجريمة بوصفها ظاهرة نفسية سببها سوء توافق نفسي واجتماعي من قبل الجاني، وذلك ليتخلص من انفعالاته واضطراباته. كما يدرس الذكاء والطباع، والموقف الأخلاقي للجاني من الوجهة الموضوعية لعلم النفس التجريبي، وبدوافع فعله الشعورية واللاشعورية، كما يحاول الوصول إلى الظواهر المرضية للسلوك الإجرامي.
صفحة 3
تعريف علم النفس الجنائي:
تعددت تعاريف علم النفس الجنائي من قبل العلماء والباحثين، حيث اعتبره البعض "فرعاً من فروع علم النفس الاجتماعي الذي يستند بدوره إلى علم النفس العام" (ليلة، 1901: 92). كما يعرفه البعض الآخر بأنه "فرع تطبيقي من علم نفس الشواذ، يدرس العوامل والدوافع المختلفة التي تتضافر في إحداث الجريمة، ويقترح أنجح الوسائل لعقاب المجرم أو علاجه أو إصلاحه" (راجح، 1942).
وهذا التعريف يهتم بالأسباب والدوافع المختلفة التي تدفع الفرد لارتكاب الفعل الإجرامي، ويقترح الوسائل الكفيلة لعقابه، أو علاجه، أو إصلاحه. ويحدد "لاجاش" علم النفس الجنائي بأنه "العلم الذي يتناول السلوك الإجرامي تناولاً سيكولوجياً. في حين يعرف جلال (1984: 3) علم النفس الجنائي بأنه "تطبيق مبادئ علم النفس العام في ميدان الجريمة". ولكن في كثير من الحالات فإن مجرد تطبيق مبادئ علم النفس العام في ميدان الجريمة، لا يأتي بالنتائج المرجوة، خاصة إذا كانت الآراء مصدرها علماء ليس لهم خبرة كافية بميدان الجريمة، والتعامل مع الفئات المنحرفة المختلفة. فعلم النفس الجنائي يتحمل اليوم مسؤولية إثبات مدى فائدة تطبيق علم النفس العام في ميدان الجريمة بشكل تجريبي، ويسعى إلى إيجاد حل علمي لمشكلة من المشاكل، وتكوين ممارسات مهنية تحقق أقصى ما يمكن من الفائدة التطبيقية.
ومن التعاريف المبسطة لعلم النفس الجنائي والتي تحدد مجاله، تعريف "هانزتوخ" (1961) إذ يعرفه بأنه "العلم الذي يشارك غيره من العلوم في تأهيل وإصلاح الجاني، يقوم بدراسة أسباب السلوك الإجرامي، ويحاول عزل وفصل وفهم تفاعل العوامل الخاصة التي تؤدي ببعض الناس إلى اقتراف بعض الجرائم، محاولاً التوصل إلى قوانين أو مبادئ عامة عن أنماط أسباب السلوك المضاد للمجتمع، والهدف من ذلك علاج الجاني وتقليل الجريمة" (جلال، 1984).
وهذا التعريف يفرق بين علم النفس الجنائي وعلم النفس القانوني الذي يهدف إلى التحكم في العوامل النفسية التي تؤثر في موضوعية العمليات القانونية لتحقيق العدالة بطريقة إنسانية قدر المستطاع.
أما عيسوي (1981: 14) فيعرف علم النفس الجنائي "بأنه ذلك العلم الذي يدرس أسباب الجريمة ودوافعها سواء أكانت هذه الدوافع نفسية أم اجتماعية، كما يدرس وسائل مكافحة الانحراف، ويساهم في وضع السياسة العقابية التي تستهدف إصلاح الفرد بدلاً من إنزال العقاب به".
ولهذا فإن علم النفس الجنائي يدرس المجرمين والجرائم المختلفة، ويدرس تكوين وبناء الجريمة، والأغراض التي تؤدي إليها. كما يدرس الجماعات الإجرامية Criminal, Croups ومدى تأثير كل من الوراثة والبيئة في تكوين سلوكيات المجرمين.
أما ربيع وآخرون (1995: 18) فيعرفون علم النفس الجنائي "بأنه فرع من فروع علم النفس التطبيقي يهتم بدراسة السلوك الإنساني في إطار تعامل هذا السلوك مع القانون". وهذا التعريف يركز على العلاقة بين علم النفس والقانون، ويعتبر علم النفس الجنائي المنطقة التي يتقابل فيها علم النفس مع القانون.
ومن خلال ما تقدم عرضه من تعريفات يخلص المؤلف إلى تعريف علم النفس الجنائي على أنه "فرع من فروع علم النفس التطبيقي، يهتم بدراسة العمليات النفسية للسلوك الإجرامي والعمل على فهمها، ومعرفة الدوافع المختلفة في إحداث الجريمة، بهدف الوصول إلى القوانين والمبادئ العامة عن أنماط السلوك المضادة للمجتمع، من أجل إصلاح الجاني أو علاجه".
ولذلك فإن دراسة العمليات النفسية الكامنة وراء السلوك الإجرامي للمجرم، وكذلك معرفة دوافعه المختلفة، تعد من ضمن الاهتمامات الرئيسية لعلم النفس الجنائي، والغاية من ذلك التعرف إلى أنماط سلوك المجرم المضادة للمجتمع وذلك تمهيداً لإصلاحه أو علاجه في مؤسسات الرعاية الاجتماعية، أو في المستشفيات النفسية، أو في السجون.
صفحة 4
التطور التاريخي لعلم النفس الجنائي
تعد الجريمة منذ فجر التاريخ الإنساني من أكثر منغصات المجتمع أهمية، وذلك نظراً لما يتكبده المجتمع من خسائر في شتى مجالات الحياة، وقد كان استخدام علم النفس في مجال القضايا الجنائية والقانونية مبكراً في تاريخ البشرية، حيث يمكن أن تعود البداية لهذا الاستخدام إلى قبل ما يقرب من (200) عام. وقد توافق ذلك مع بدايات تطور علم النفس، وظهور علومه التطبيقية، ومن خلال إسهامات أعلامه المشهورين (أمثال فوندت، واطسن، فرويد،... الخ)، الذين توصلوا إلى استنتاجات مهمة فيما يخص السلوك البشري، وتفسير ظواهره النفسية المختلفة.
ففي عام (1792) ظهر كتاب حول "القدرات الفيزيولوجية لتقييم المجرمين" للعالم (Eckardthausen) كما ظهر في نفس العام كتاب بعنوان "أفكار في علم النفس الجنائي" للعالم (Schaumann) ومن خلال هذه المؤلفات درست بعض القضايا الجنائية من وجهات نظر نفسية.
كما ظهرت في بداية القرن التاسع عشر بعض الأعمال مثل "التطبيقات الرئيسية لعلم النفس في المجال القانوني" للعالم (Hoffbauer) وكذلك "الدليل المنهجي لعلم النفس القضائي"، حيث شملت هذه المؤلفات قضايا مثل: تحليل شخصية المجرم، وتحديد المسؤولية الجنائية، وبعض المسائل التفصيلية التي ترتبط بسيكولوجية الإجراءات القضائية.
وفي منتصف القرن التاسع عشر شهد علم النفس مرحلة نوعية جديدة في تطوره، غير أن المسائل الخاصة بعلم النفس الجنائي لم تلق الأهمية الكافية.
وفي نهاية القرن التاسع عشر حظيت المشاكل العملية، وخاصة الظواهر الإجرامية باهتمام لا بأس به، والتي ترافقت مع ظهور معطيات ونتائج علم الإجرام. وقد لعبت مدرسة الحقوق الأنثروبيولوجية ومؤسسها "لومبروزو وتلاميذه" دوراً مميزاً، حيث تبنت فكرة "مجرم بالوراثة". وقد ساهمت هذه المدرسة مساهمة كبيرة في الدراسات البيولوجية لشخصية المجرم.
كما أن معالجة السلوك الإجرامي كظاهرة مرضية، أدى إلى الارتباط الوثيق بين علم النفس الجنائي، وعلم الأمراض العقلية الشرعي لفترة طويلة. كما أن ضرورة التفسير النفسي للمشكلات القانونية ليست محصورة فقط على المرضى العقلين، بل امتد ليشمل أيضاً الأشخاص العاديين في حالاتهم النفسية.
ولكن المحاولات في تحديد موضوع علم النفس الجنائي قد ظهرت بشكل واضح في كتاب (Friedrich) بعنوان "أهمية علم النفس في مكافحة الجريمة"، و "سيكولوجية النشاط القضائي"، و "سيكولوجية شخصية المجرم"، و "سيكولوجية الجرائم".
كما أن دراسة الفئات الخاصة من المجرمين، والدراسات النفسية للمجرمين، وكذلك الجريمة، كانت هي الأخرى مثار اهتمام كل من (C…L Wulfeen) و (M. Kaufmann) في كتابيهما "علم النفس الجنائي"، و "علم نفس الجريمة".
كما برز في نهاية القرن التاسع عشر أيضا عمل (H. Gross) "علم النفس الجنائي"، والذي يعتبر استمراراً لعمله السابق "دليل قاضي التحقيق"، حيث خصص هذا العمل للمشاكل النفسية للإجراءات الجنائية، وخصص ثلث هذا الكتاب للأسس النفسية للنشاط القضائي، وبقية الأجزاء خصصت لسيكولوجية التحقيق مع المتهمين والشهود، وبنتائج استخدام علم النفس في المجال القانوني. كما اقترح عالم النفس الفرنسي (Laparje) التفريق بين علم النفس القضائي (الذي يهتم بسيكولوجية النشاط القضائي)، وعلم النفس الجنائي (الذي يهتم بسيكولوجية المجرم). ويمكن أن يتوحد هذان العلمان في اتجاه واحد يطلق عليه (علم النفس الشرعي).
صفحة 5
وفي بداية القرن العشرين أصبح ارتباط علم النفس بالأعمال القانونية واضحاً، حيث اهتم علماء النفس، والعاملون في مجال الجريمة والقانون من بلدان متعددة في هذه الأنشطة، حيث تم فحص أقوال الشهود، والمتهمين في إطار ما يعرف (بعلم نفس الإجراءات الجنائية)، حيث يتم تشخيص الوقائع الإجرامية بطرائق نفسية يتم من خلالها إثبات التهم في المتهمين من خلال دراسة ردود الأفعال الفيزيولوجية في التحقيق. ومن أبرز الباحثين في هذا المجال العالم الألماني (Wartheimer) وكذلك (Munsterberg) الأمريكي الجنسية والأصل الألماني، والذي اهتم بتطبيقات علم النفس في مجالات الحياة، وخاصة المجال الجنائي، والمجال الصناعي، ويعتبر مؤسس علم النفس الجنائي، إذ أصدر في عام 1908 كتاباً بعنوان "على منصة الشهادة"، إذ أشار في هذا الكتاب إلى مشاهداته وملاحظاته لما يتم أثناء المحاكمة من مداخلات. كما نشر في عام 1914 مقالة بعنوان "الجوانب النفسية عند المحلفين" حيث كانت هذه الدراسة نتيجة بحوث أجريت على طلبة جامعتي "هارفارد"، و" راد كليف"، وأكد في هذه الدراسة على ضرورة استبعاد النساء من هيئات المحلفين على أساس أن الطالبات أقل كفاءة في دقة الأحكام واتخاذ القرارات من الطلاب.
كما أن أبحاث علماء النفس الأمريكي أدت إلى إنتاج أجهزة لكشف الكذب، وعرفت فيما بعد باسم "كاشفة الكذب". فنتائج البحوث النفسية التجريبية فيما يخص القضايا الجنائية أدت إلى ما يعرف أخيراً (بتقارير الخبرة النفسية في العملية القضائية)، وقد تضمنتها أعمال (Stern) "شهادة الأحداث في العمليات الاعتبارية"، كما نشر في عام (1939) دراسة عن أخطاء عملية التذكر عند الأطفال، وعند الكبار، وأوضح بأنها تعود إلى أساليب الاستجواب ذات الطابع الإيحائي. أما العالم (K. Marbe) فقد ألف كتاباً بعنوان "عالم النفس كخبير قضائي في الإجراءات الجنائية والمدنية، وقدم في عام (1911) استشارات علمية للجهات القضائية عن الوقت الذي يفصل بين المثير والاستجابة.
كما عمل بعض علماء النفس الشرعيين كخبراء نفسيين في المحاكم، حيث ذكر (Waldimirow) في كتابه "البحث النفسي في الإجراءات الجنائية" أن الضوء لا يأتي لرجل البحث الجنائي من موقع القانون، ولكن من داخل عيادة طبيب الأمراض العقلية، وكذلك من مختبر علم النفس.
وفي عام (1922) عين (W. Marston) بوظيفة أستاذ علم النفس القانوني في الجامعة الأمريكية، وهو يعتبر من كبار علماء النفس الأمريكيين تأثراً في المجال الجنائي في ذلك الوقت، وقد عمل (Marston) باحثاً في "كلية راد كليف" وأجرى في عام (1917) دراسة عن العلاقة بين الكذب وارتفاع ضغط الدم، واشترك في تقديم الاستشارات العلمية إلى العديد من المؤسسات العلمية المهتمة بدراسة الجريمة. كما قام أيضاً بالعديد من الدراسات عن نظام المحلفين مما يتصل بالقضاء الأمريكي، بقصد مساعدتهم للوصول إلى فهم الجوانب النفسية المتعلقة بالشهادة والمحاكمة وغير ذلك.
أما في روسيا فقد توسع نطاق الرأي الذي يعتبر علم النفس الشرعي علماً مستقلاً بين أوساط القانونيين، وكذلك علماء النفس، حيث ظهر هذا الرأي بعد المؤتمر الأول لأبحاث السلوك الذي عقد في عام (1930).
أما في أوائل الأربعينات فكانت المؤسسات العقابية في الولايات المتحدة الأمريكية تضم حوالي مئتي ألف نزيل، وكان عدد الاختصاصيين النفسيين الذين يقدمون لهم الخدمات النفسية لا يتجاوز الثمانين، وكانت خدماتهم تقتصر على تطبيق الاختبارات النفسية، والإرشاد والتوجيه المهني والتعليمي.
أما في الخمسينات من هذا القرن فقد ساهم العديد من علماء النفس في المجال الجنائي، من حيث تقديم الاستشارات العلمية بشأن الشهادة القضائية، وكذلك في تقديم الفحوص النفسية للمجرمين، وأبدوا آراءهم عن أثر الأفلام الخلاعية على المراهقين، وكان تقرير المسؤولية الجنائية للمجرم أمراً يقرره الطبيب النفسي إذا كان المجرم مريضاً نفسياً، كما أن بعض المحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية تأخذ بتقرير علماء النفس في تحديد الحالة النفسية والعقلية للمتهم مثل ولاية "كولومبيا".
وفي الستينات من هذا القرن أصدر (Toch 1961) كتاباً بعنوان "علم النفس الجنائي والقانوني (Legal And Criminal Psychology) وقد كتب هذا الكتاب اختصاصيون في علم النفس. كما أصدر آيزنك (Eysenk, 1964) كتاباً بعنوان الجريمة والشخصية (Criminal Personality) والذي يعتبر بحث تنظيراً متكاملاً لموضوع الجريمة يقوم به أحد علماء النفس المهتمين بموضوع الجريمة.
ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن تتوالى المؤلفات وصدور الدوريات العلمية في مجال علم النفس الجنائي، إذ نجد اليوم مئات العناوين حول هذا المجال.