المقدمة
الأمومة منحة رائعة وغالية من الله تعالى خص المرأة بها ولا تعرف مدى روعتها إلا الأم التي عاشتها وحملت مسؤوليتها.
تواجه كل شابة واعية، عندما تصبح أماً، موقفاً تجد نفسها فيه تحمل مسؤولية كبرى، هي مسؤولية تربية طفل وتغذيته وتنشئته، طفلٍ لا حول له ولا قوة ولا بقاء له بدون رعايتها. وبقدر ما تكون هذه الرعاية سليمة منذ البداية بقدر ما يتمتع الطفل بفرص أكبر لينمو ويترعرع صحيح الجسم ومعافى.
حينما نؤسس طفلنا منذ البداية قوياً سليماً ونجنبه الأخطاء البنيوية منذ الطفولة فإننا نقدم له خدمة ترافقه مدى الحياة وتؤثر في مجرى مستقبله كله. ولذا فليس من الغريب أن يكون موضوع تغذية الطفل بالأغذية الصحية والصحيحة والمناسبة لعمره وتعويده السلوكيات الصحيحة على المائدة هي الشغل الشاغل لكل أم في هذه المرحلة العمرية لطفلها. وليس غريباً أن تضع كل أم نصب عينيها البحث عن الحل المناسب لكل تصرف من تصرفات طفلها في إطار ما وصلت إليه علوم التغذية من جهة وعلوم التربية من جهة أخرى ولابدَّ من الإشارة هنا إلى أن كثيراً من قواعد السلوك المرتبطة بالطعام التي تنطبق على واقع الأطفال في العالم الغربي لا تنطبق على عالم أطفالنا، لأننا نريد لأطفالنا أن يحافظوا على سمات شخصية تحدد انتماءهم الثقافي.
ما أكثر تصرفات الطفل وما أشد تنوعها بالرغم من صغر عمره. فتارة يأكل قليلاً من الطعام وأخرى يقبل عليه إقبالاً شديداً وثالثة يحاول أن يضع أمه تحت الضغط أو يبتزها فيرفض الطعام بشكل مطلق حتى يتحقق له ما يريد ورابعة يقلب طبق الطعام؛ وما بين مخاوف الأم من زيادة وزن الطفل أو نقصانه ورغبتها في غرس العادات الغذائية السليمة وآداب المائدة في طفلها تبحث جادة عن التصرف السليم في كل موقف من المواقف ويبقى ذلك شغلها الشاغل وتسعى لجمع المعلومات ممن سبقها في الخبرة في هذه المجالات، وكل يدفعها يميناً أو شمالا.
وهنا يتزاحم في ذهن الأم مائة سؤال وسؤال، وتجد نفسها مشدودة برغبة لا حدود لها لمعرفة ما هو الأفضل ؟ ما الطريق الصحيح في رعاية أغلى ما منحها الله تعالى في حياتها ؟
لهذا كله وتلبية لرغبة الأمهات الشابات في الحصول على دليل عملي ومعيار علمي حيادي يرشدهن في عملية تغذية أطفالهن نقدم لك أيتها الأم هذا القسم من كتاب "طفلي ذلك الكنز الثمين"، حول التربية الغذائية بعنوان: " تغـذيـة الطفـل منذ الولادة وحتى السادسة من عمره "، ليرافقك خطوة خطوة كدليل في تنشئة طفلك. كي ينمو صحيح الجسم، سليم البنية.. ونرجو من الله تعالى أن يعيننا ليكون هذا الجهد فاتحة لسلسلة من المواضيع التي تعين الأهل على حسن تنشئة أطفالهم وتربية فلذات أكبادهم.
يهدف هذا الكتاب إلى:
1- تعريف الأم بالغذاء الصحي المفيد للطفل وبطريقة تقديمه له منذ الولادة وحتى السنة السادسة من العمر.وقدمنا في هذا الإطار معلومات علمية مستقاة من منهج طب الأطفال وبأسلوب واضح ومبسط؛ ومعلومات تربوية مستقاة من ثقافتنا ومن علوم التربية الحديثة وبأسلوب عملي.
2- تنمية ثقة الأم بقدرة طفلها على تقدير احتياجه من الطعام حسب الصوت الداخلي لديه.
3- إلقاء الضوء على تأثير الوراثة وتأثير العوامل المكتسبة على النمو والوسائل المساعدة في تعديلها.
4- تربية الطفل على آداب الطعام وغرس آداب السلوك المرتبط بتناول الطعام المستقاة من ثقافتنا لديه.
5- تبصير الأم ببعض الاضطرابات الغذائية وبعض المظاهر المرضية وسبل الوقاية منها.
يتمتع هذا الكتاب بعدة ميزات تجعل منه مرجعاً في التغذية وفي الوقت نفسه في التربية الغذائية فهو:
أ) يعطي إجاباتٍِ عن أغلب تساؤلات الأهل المتعلقة بتغذية الطفل من حيث نوعية الطعام وكميته وكيفية تقديمه، أي من حيث الشكل والمحتوى والمضمون ويؤكد على التنوع الغذائي.
ب) ويعتمد في الوقت نفسه على تغذية الطفل بمواد غذائية طازجة لم تمر بمراحل التصنيع والتعليب والحفظ والملونات والمنكهات ومواد الكونسروة وهذا يتوافق مع بيئة بلداننا التي تذخر بالمنتجات الطبيعية في فصول السنة كافة ويتوافق مع قدرة العائلات الشابة المالية.
ج) يضع برنامجاً غذائياً متكاملاً ويقترح وسائل تقويم عوامل بنيان جسم الطفل من حيث النحول أو البدانة أو من حيث الطول والقصر.
د) ويعالج المشكلات السلوكية للطفل المتعلقة بتناول الطعام و يقترح الحل الأمثل لكل منها ويبرز السلوكيات المنسجمة مع آداب الطعام ويعززها.
تمت معالجة موضوع تغذية الطفل في هذا الكتاب من خلال خمسة فصول،
ـ عرض الفصل الأول منها الخبرات المتنوعة في تناول الطعام والقواعد الأساسية في التغذية السليمة،
ـ وتناول الفصل الثاني دور كل من الوراثة والبيئة في نمو الطفل وتطرق إلى كيفية المساعدة سعياً نحو الاعتدال في النمو، وسلط الضوء على حاجات الطفل الغذائية الأساسية والتنوع الغذائي والهرم الغذائي.
ـ وشرح الفصل الثالث الدور المنوط بالأم في تغذية الطفل بحيث لا تضع ولدها تحت الضغط أو الإكراه، ولا تعطيه الفرصة ليضغط هو بدوره عليها.
ـ واشتمل الفصل الرابع على برنامج غذائي للسنة الأولى من العمر وضمّ السلوك المناسب في تناول الطعام والذي يتوافق مع كل فئة عمرية حتى سن دخول المدرسة بما ينسجم مع القواعد الأساسية في التغذية السليمة بالشكل والموضوع والمحتوى.
ـ واحتوى الفصل الخامس على توجيهات عن كيفية التعامل مع الأطفال الذين تظهر لديهم اضطرابات جدية في تناول الطعام.
يتوجه هذا الكتاب بالدرجة الأولى إلى الأمهات لأنهن هن المسئولات أولاً وأخيراً عن تغذية الطفل في هذه المرحلة العمرية؛ كما يتوجه إلى الجهات والمؤسسات المناط بها توعية الأم ورفع مستوى ثقافتها في مجال التغذية والتربية الغذائية، من ذلك إدارات توعية وتنمية المرأة والأسرة ومؤسسات رعاية الطفولة والأمومة؛ كما يتوجه إلى الجهات المسئولة عن دور الحضانة ورياض الأطفال حيث يقضي أطفال الأمهات العاملات جزءاً كبيراً من يومهم فيها. راجين أن يكون دليل عمل بناء في تغذية الطفل وتنشئته في السنوات المهمة التأسيسية من عمره.
نتمنى لك أيتها الأم نجاحاً باهراً في تطبيق قواعد التغذية السليمة وشهيةً طيبةً للأسرة كلها! وأن يكون الطعام والغذاء مجالاً إيجابياً في ربط الأسرة بعضها ببعض وجعل ذكريات الطفولة عند الأجيال القادمة ذكريات محببة وجميلة لا ذكريات تعاسة وتسلط...
الفصل الأول
تناول الطعام بشكل صحيح
هل هو متعة للطفل والوالدين
أم مدعاة للتوتر
يتناول هذا الفصل
• خبرات الوالدين وخبرات الأطفال وذكرياتهم الجيدة والسيئة المرتبطة بموضوع: "تناول الطعام"
• المشكلات التي تظهر في عيادة طبيب الأطفال، وفي أي سن تظهر هذه المشكلات؟
• قواعد وأصول التغذية السليمة في السلوك والمحتوى
الإكراه والقسر الغذائي
تتعدد وتتنوع خبرات الأطفال وخبرات الأمهات في مجال تناول الطعام ، ويحمل كل منا في جعبته الخبرات الأليمة والخبرات الممتعة- شاء أم أبى- والمرتبطة بالغذاء وبمائدة الطعام . ولا أزال أذكر حتى اليوم حساء الطحين المسمى "الحريرة" المعد من الطحين المحمص بالسمن والمطبوخ بالماء والذي كانت أمي تسارع إلى إعداده بناء على توجيهات الجدة كلما شكا واحد من الأطفال من بلعومه أو لوزتيه أو أصيب بارتفاع بسيط في درجة حرارته . كانت أختي الأصغر تكره هذا النوع من الطعام، وبسبب الإكراه الذي كانت تتعرض له كانت لا ترغب بتناول أي شيء. ولذا ، وعندما أحضرت لها أمها طبق "الحريرة" إلى سريرها ، شعرت بأنها ستختنق لمجرد شمّ رائحة الطعام ناهيك عن أكله ! فما كان منها إلا أن أطبقت شفتيها وأشاحت بوجهها بامتعاض. وهنا بدأت المناوشات.. وككل الأمهات تبدأ المحاولات باللطف والمحبة : "هيا يا لينا، ملعقة من أجل ماما ، وأخرى من أجل بابا ، هيّا وأخرى من أجل الجدة " ويتصعّد التوتر حين تبدأ لينا بالبكاء قائلة " أنا لا أحبه !! "، وتتلقى لينا الأمر: "يجب أن تأكلي أم أنك لا تريدين أن تتعافي ؟؟ "
وبين أخذ ورد، وتحت وابل من الدموع وكثير من التهديدات والترغيب تطعم الأم الطفلة وتنتهي الوجبة وقد أنهكت كل من الأم والطفلة...
تقول السيدة لينا الآن على الرغم من أن مقصد أمي كان طيباً بالطبع ، إلا أنني حتى الآن وبعد ثلاثين عاما أشعر بانزعاج شديد في معدتي حين أفكر "بالحريرة" ! وحتى اليوم أكره كل ما يمت بصلة لهذا النوع من الطعام . حتى أنني حين أطعم أطفالي طعاماً مشابهاً فإني أعاني كثيراً عندما اضطر لتذوقه!!"
ماذا عنكم أيها الأهل ؟ هل يخطر على بالكم ذكريات من طفولتكم الشخصية حول موضوع "تناول الطعام" ؟ رائحة ما، شعور ما، ذكرى معاناة مزعجة لا تزال تلاحقكم حتى الآن ؟
تخلّف الخبرات السلبية في الطفولة حتمًا آثارها في النفس ، من توتر شديد وأعصاب مشدودة وضغوطات مرتبطة بتناول الطعام . فإذا ما أضيف إليها عاداتنا اليوم في الأكل التي لا نرضى عنها والوزن المزعج زيادةً أو نقصاناً ، أصبحت عملية تناول الطعام أمراً معقداً ومتعباً ومملوءاً بالمطبّات التي قد نقع فيها . ولكن طفلك – سيدتي الأم - يحتاج، إضافة لتقديم طعام جيد على المائدة، إلى منحه ثقتك ومنحه الشعور بالثقة والطمأنينة والمحبة، التي قد تكونين حرمت منها في طفولتك، عندها فقط يستطيع الاسترخاء والأكل بشكل سليم. ودون هذه الثقة تبدأ المعارك على المائدة مما يعني توتراً مصاحباً لكل وجبات الطعام!
تناول الطعام متعة للطفل وللوالدين
من ناحية أخرى، ولحسن الحظ، فإن الحال ليست دائما سلبية هكذا. ويوجد أناس كثيرون بيننا ممن يملكون في الذاكرة رصيداً من الذكريات الجميلة التي تعود لأيام الطفولة وترتبط بتناول الطعام.
حدثتني إحدى الأمهات الشابات قائلة : "لا زلت أذكر وبكثير من الرضا مقدار المتعة المرتبطة بوجبة الفاكهة في منزلنا بدءاً من عودة والدي إلى البيت وقد أحضر صناديق البرتقال شتاءً، أو أعداداً من البطيخ صيفاً حيث كنت وإخوتي نتسابق لدحرجتها ضاحكين عبر المطبخ إلى المكان المخصص لها، وانتهاءً بوضع الطعام على المائدة واجتماع الأسرة حولها بكثير من المحبة والتوادد والرضا".
ومثال آخر أذكره من خبرتي الشخصية: "شخصياً، أتشارك مع أطفالي الثلاثة بكثير من الذكريات الجميلة والأخرى الأقل جمالاً والمرتبطة بتناول الطعام. فقد كنت أستمتع بوجبات الطعام المشتركة التي يغمرها الجو اللطيف والتي كان أولادي يحدثوننا خلالها عن خبراتهم اليومية التي يمرون بها وما تحمله من مشكلات أو مسرات، مما مكننا، كأهل، أن نتعرف على نواحي جديدة وهامة في مسيرة نمو أطفالنا..وأن نسهم في تطورهم وفتح الآفاق أمامهم.
فمثلا حين كانت ابنتي رشا في الثامنة من عمرها، وكنا جالسين معًا إلى مائدة عليها كل ما لذّ وطاب من الأطعمة كانت قد حضّرت خصيصاً احتفالاً بنجاحها، طرحت رشا أسئلة محددة عن الفقراء ومدى قدرتهم على تأمين الطعام اللذيذ لأولادهم ثم عن الأطعمة التي تقدّم في الوقت ذاته بكميات كبيرة تفوق الحاجة في الموائد المفتوحة في الحفلات الكبرى وعن مصيرها. وتشعّب النقاش إلى الحديث عن الجمعيات الخيرية والدور الهام الذي تقوم به في الحفاظ على الأطعمة من الهدر والاستفادة منها بالطريق الصحيح، وخلصنا في النقاش إلى نتائج هامة حول موضوع "التكافل الاجتماعي" والمشاريع التي تحقق هذا التكافل مثل مشروع حفظ النعمة الواقعي الذي يسعى لحفظ النعمة وعدم الهدر وتقديم المعونة في مجال الغذاء والدواء والملابس والأثاث.."
تتواجد خبراتنا حول الطعام المستمدة من أيام طفولتنا - شئنا أم أبينا – معنا على مائدة الطعام يومياً . فإن كانت وجبات الطعام قد احتلت مكانة متميزة في ذكرياتنا الحلوة وإن كنا قد استمتعنا بها فإن هذه الصورة سترافقنا حتى اليوم في كل مرة نجلس فيها إلى مائدة الطعام وبالتالي فإن تناول الطعام سيكون لدينا " أمراً طبيعيا ً" وسيكون بمقدورنا أن ننقل هذه الصورة الحلوة بما فيها من عادات وأجواء، إلى أطفالنا، وسيغلف السرور والرضا وجباتنا. وحين لا يكون الأمر كذلك فإن الخبرات السلبية تلقي بظلالها على المائدة دون شك كما ذكرنا.
خبرات من عيادة طبيب الأطفال
قام أحد أطباء الأطفال (Kast-Zahn, A.; Morgenroth, H 1999) بدراسة إحصائية الهدف منها تسليط الضوء حول أعداد الأهالي الذين يجدون صعوبات في تغذية أطفالهم ، وكانت النتيجة : خلال الشهور الأولى من الحياة – أي أثناء فترة الإرضاع - يبدو أن الأمور كانت تسير بشكل جيد ، حيث أن نسبة قليلة من الأهالي (أقل من 5%) أحسوا بأن السلوك الغذائي لأطفالهم الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة شهور وسبعة يشكل مشكلة. ولكن اختلف الوضع تماما لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنة وخمس سنوات: فقد قيّم بين 20-30% من الأهل سلوك أطفالهم الغذائي على أنه مشكلة ، و 7% على أنه مشكلة "كبيرة".
لقد عبّر الأهل عن همومهم بالشكل التالي:
• "إن طفلي قليل الأكل، كانت نسبة أهالي الأطفال حتى عمر السبعة أشهر، الذين عبّروا عن هذا الرأي فقط 1% ولكن هذه النسبة ارتفعت إلى 20% لدى أهالي الأطفال الذين بلغوا أربع إلى خمس سنوات من العمر.
• "إن طفلي أحادي النوع في الطعام"، هذه الشكوى ظهرت بشكل أكثر تواتراً لدى أهالي الأطفال الذين بلغوا سنتين من العمر. وبلغت نسبة الذين عبروا عن هذه الشكوى 20% من أهالي الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و 5 سنوات.
• " إن طفلي يأكل كثيراً "، لم يعبر عن هذه الشكوى إلا القليل النادر من أهالي الأطفال دون الخامسة من العمر. وقد ظهرت لدى 4% على أبعد تقدير بين أهالي الفئات العمرية كلها.
لوحة رقم -1- هموم الأهل فيما يتعلق بالغذاء
نجد على اللوحة رقم 1 النتائج المهمة لاستبانة رأي الأهالي . وبنظرة واحدة نخلص إلى نتيجة قد تكون الأكثر أهمية وبالتالي الأكثر استحقاقاً للتركيز عليها وهي ما يلي: يشغل بال أهالي كثيرين، على الأقل، بالنسبة للأطفال دون السادسة من العمر كون طفلهم نحيلاً أو قليل الأكل.
قواعد التغذية السليمة
أياً كانت نسبة الأهالي الذين يعتبرون أطفالهم من " الأكلة السيئين "، فإن هؤلاء الأهالي مخطئون، لأن الأطفال الأصحاء لا يمكن أن يأكلوا أقل من حاجتهم إذا قدم لهم الطعام بكميات كافية. فهم يعرفون جيداً كم يحتاجون من الغذاء. وهم يعرفون ذلك بشكل أفضل من الأهل. وكلما كانوا أصغر سناً كلما كانوا أكثر معرفة من أهليهم بهذا الأمر. فالرضيع حين يشبع لا يمكن لأي قوة أن تكرهه على متابعة الرضاعة وإن أُكره فإنه يتقيأ.
يدرك الأهالي، أن أطفالهم يعرفون جيداً مقدار ما يحتاجون إليه من الغذاء ويثقون بمعرفة أطفالهم هذه، مادام الأطفال في الأشهر الأولى من العمر، ولكن، وللأسف، ما يلبث سلوك الأهل أن يجعل الأطفال غير قادرين على تحديد حاجتهم من الغذاء. وذلك حين يفقد الأهل ثقتهم بقدرة الطفل على تحديد كمية احتياجه من الطعام ويبدلونه هذه الثقة بقولهم: " إنك لا تستطيع أن تحدد احتياجاتك بنفسك لذا سنقوم عنك بهذه المهمة ونقرر لك كمية الطعام التي يجب أن تأكلها." وهذا خطأ خطير وشائع بين الناس ويمكن بل يجب تلافيه.
لذا سنتعرف منذ الآن ونحن لا نزال في البداية على قواعد التغذية السليمة التي صاغتها خبيرة التغذية والطبيبة المعالجة الأمريكية إلين ساتر (Satter,E. 1987 ) والتي ظهرت عام 1999على الصفحات الأولى من دليل التغذية الرسمي الصادر عن اتحاد أطباء الأطفال الأمريكان (AAP ).
إذا راعيت أيتها الأم هذه القواعد واتبعتها دوماً سواء أكنت تعانين من مشاكل في تغذية طفلك أم لا فلا يمكن أن ترتكبي أي خطأ أبداً. صحيح أنها تبدو بسيطة ولكن التصرف حسبها ليس سهلاً. فخطر التلاعب في تطبيقها وارد ولكنه مرفوض. ونؤكد دوماً على أن من الصعب إقناع الأهل بأهميتها وصحتها .
قواعد التغذية السليمة
الأم تقرر:
• ماذا تقدم لطفلها من طعام.
• متى تقدم له الطعام.
• كيف تقدم له الطعام.
الطفل يقرر:
• إذا كان يريد أن يأكل من الطعام.
• كم يريد أن يأكل منه.
هكذا يتحدد دور الأهل في موضوع الطعام بوضوح.
ماذا: تعني:
• تنتقي الأم نوعية الطعام وتستعين في ذلك بمعلوماتها حول التغذية الجيدة والصحية.
• تحضر الأم الطعام.
متى: تعني :
• تحدد الأم كم مرة تقدم الطعام وتحدد أوقات تناول الطعام.
• تضع الأم الطعام على المائدة.
كيف: تعني:
• تحدد الأم قواعد السلوك الواجب مراعاتها أثناء تناول الطعام.
• تحاول الأم تحقيق الالتزام بقواعد السلوك.
• إذا كان الطفل لا يستطيع أن يأكل وحده، تقدم له المساعدة بحدود ما هو ضروري وبأقل ما هو ممكن تاركة له المجال للاعتماد على نفسه.
• تسعى الأم كي يخيم جو مريح.
• الأم قدوة جيدة تستمتع بتناول الطعام.
وبهذا تنتهي "مهمتك" أيتها الأم. وكل ما تفعلينه فوق ذلك يدخل في إطار التلاعب والغش. والآن جاء دور طفلك.
دور طفلك واضح أيضاً ويتحدد بما يلي:
• يأتي الطفل إلى المائدة الموضوعة على مستوى نظره ليرى ما فيها.
• يرى الطفل ماذا يوجد من طعام. يحدد الطفل بنفسه: إذا كان يريد أن يأكل شيئاً من هذا الطعام.
• يختار الطفل بنفسه: ماذا يريد أن يأكل منه.
• يقرر الطفل بنفسه: كم يريد أن يأكل منه.
• يتوقف الطفل عن تناول الطعام، حين يكون قد أخذ كفايته.
• يراعي الطفل قواعد السلوك الخاصة بتناول الطعام التي تضعينها.
تصلح قواعد التغذية السليمة للطفل الصغير حتى يصبح فتى. وفي حالة الطفل الصغير الذي لا يستطيع بعد الأكل وحده يسمح لك أن تساعديه بشرط أن تفهمي إشاراته المتعلقة بالانتقاء والبدء والانتهاء وأن تفسريها بشكل صحيح.
لا تحتمل قواعد التغذية السليمة التأويل على عدة وجوه، ورغم هذا لا يزال أهالي كثيرون يعملون أكثر من اللازم في مجال تغذية أولادهم ويقحمون أنفسهم حيث دون أن يفسحوا المجال للطفل ليؤدي دوره. فهم يريدون أن يلعبوا دوراً في موقف الطفل فيما إذا كان يريد أن يأكل شيئاً أم لا يريد . ويريدون أن يكون لهم رأي فيما يختاره الطفل لنفسه من الطعام الذي قدم له. ويريدون أن يحددوا الكمية التي يأكلها الطفل. وهذه التصرفات كلها مخالفات للقواعد وتؤدي دائماً إلى النتيجة نفسها: التوتر على مائدة الطعام. تذكروا لينا الصغيرة المريضة التي تحدثنا عنها في بداية هذا الفصل. لقد خرقت أمها قواعد اللعبة كافة حين أطعمتها وخلافاً لرغبتها وجبة الحريرة. حاولوا الآن أن تتذكروا خبراتكم الخاصة في التوتر على مائدة الطعام والتي كان سببها بشكل رئيس ارتكاب أهلكم لمخالفات لقواعد التغذية السليمة.
ومن جهة أخرى، يجب الانتباه إلى أن الأطفال يتصرفون ضد قواعد اللعبة حين يقصر الأهل في العمل، مثلاً حين يترك الأهل للطفل مهمة اختيار ما يوضع من طعام على المائدة، أو مهمة تحديد موعد تناول الطعام أو مهمة تحديد قواعد السلوك على مائدة الطعام، هذا إن وجدت أي قواعد سلوكية أصلاً. في هذه الحالات جميعها يؤدي خرق قواعد التغذية السليمة إلى التوتر والمسرحيات لدى تناول الطعام .
هل بمقدوركم أن تتصوروا، أن كل طفل يستطيع، حين يلتزم والداه تماماً بقواعد التغذية أن يتناول الطعام بشكل سليم. يعبر أهالي كثيرون عن قلقهم بقولهم : " إن كان طفلي هو الذي سيقرر فيما إذا كان يريد أن يأكل وكم يريد أن يأكل ، فإنّ هذا لن يؤدي إلى نتائج إيجابية أبداً ، لأنه لن يأكل أشياء مفيدة ، كيف ذلك وهو من الآن متعب جداً في تناول بضع ملاعق من الخضار ! "
وأنتم أيضاً، أعزاءنا القراء، ربما لا يزال لديكم بعض الشك والقلق لذا فمن أهداف هذا الكتاب أن يمنحكم الشجاعة ويحرركم من الشك في أن طفلكم أيضاً يستطيع أن يأكل بشكل سليم إذا التزمتم بقواعد اللعبة وأن يصل بكم إلى القناعة أن من اختصاصكم تحديد ماذا يأكل طفلكم ومتى يأكل وكيف يأكل . ليس من السهل إنجاز المهمة، ولكن هذا لا يمنع من أن تركزوا على مهمتكم وتتركوا الباقي لطفلكم: إذا كان يريد أن يأكل وكم يريد أن يأكل.
وخلال متابعتكم لهذا الكتاب ستتلقون معلومات علمية موضوعية وتمتلكونها، تجعل قواعد التغذية السليمة واضحة لكم ومفهومة من قبلكم وستجدون توجيهات من عيادة طبيب الأطفال تعينكم على تحويل هذه القواعد إلى واقع، بما يتناسب مع عمر الطفل.
الفصل الأول: الخلاصة في سطور
• تلعب ذكريات طفولة الأهل دوراً هاماً في تعاملهم مع أطفالهم في مجال التغذية .
• يقلق أهالي كثيرون حول سلوك أطفالهم تجاه تناول الطعام. وأثبتت دراسة اعتمدت على نتائج استبانة وزعت في عيادة طبيب الأطفال أن أهالي الأطفال دون السادسة من العمر عبروا عن مخاوفهم بعبارة: " إن طفلي قليل الأكل " ، بينما عبرت قلة قليلة من الأهالي عن قلقها بقولها : " إن طفلي كثير الأكل ."
• تقول القاعدة الحاسمة في التغذية السليمة:
أنت تقررين : ماذا تقدمين لطفلك من طعام ، متى تقدمينه وكيف ..
طفلك يقرر : إذا كان يريد أن يأكل وكم يريد أن يأكل .
الفصل الثاني
ما يلزم أن يعرفه الوالدان عن الغذاء والتغذية
نتحدث في هذا الفصل عن المواضيع التالية :
• هل يعرف طفلك حاجاته الغذائية للحياة: كماً ونوعاً ؟
• ما دور كل من الوراثة والتربية في الشكل الذي سيكون عليه طفلك ؟
كيف تعرفين إذا كان طفلك "شديد السمنة" أم "شديد النحافة"، "شديد الطول أم شديد القصر؟" وما دور الخطوط البيانية للنمو في سجلات فحوص الأطفال لدى الطبيب؟ جدول الطول والوزن حسب العمر.
• ما المطلوب من الوالدين معرفته حول موضوع التغذية ؟
هل يعرف طفلك حقاً ما يحتاج إليه من غذاء كي يعيش: كماً ونوعاً ؟
هل لدى الأطفال الصغار فعلاً القدرة الفطرية على اختيار الطعام المناسب ـ وبالكمية المناسبة؟ وإذا صح هذا ـ كيف نستطيع أن نثبت ذلك؟
تجربة كلارا ديفيس مع الأطفال اليتامى الذين ربتهم
أجرت الطبيبة كلارا ديفيس عام 1928 اختباراً حول هذا الموضوع لا يزال مشهوراً حتى يومنا هذا ( ( Story, M.et al.1986لقد أخذت ثلاثة أطفال يتامى تتراوح أعمارهم ما بين سبعة وتسعة شهور إلى مشفاها بعد أن أتم ثلاثتهم حتى ذلك الوقت رضاعتهم، ثم بدأت التجربة: قدمت الطبيبة ولمدة ستة شهور كاملة الطعام للأطفال الثلاثة. وفي كل وجبة طعام وضعت على الطبق أنواعاً مختلفة من الطعام: اللحم، السمك، القلب أو الكبد، الحبوب، البيض، الثمار والخضار. وكانت الأطعمة طازجة أو مطبوخة ولكن لم يضف إليها الخبز أو المعكرونة ولم تخلط مع بعضها أي أنه لم يوجد حساء في الوجبة وكانت معدّة بأبسط طريقة. وتواجدت أثناء الوجبات دائماً ممرضة قامت بدور الرقابة فقط ثم وزنت الأكل المتبقي. لقد سمح للأطفال الثلاثة أن يأكلوا بأنفسهم. وكانت النتيجة أن الأطفال الثلاثة كانوا بعد ستة أشهر بأفضل وضع صحي: نمو، زيادة في الوزن، المظهر الخارجي جيد، النشاط وكل شيء على خير ما يرام. لقد حصل كل من الأطفال على ما يبدو على أحسن تشكيلة من الطعام المقدم له. وحتى حسب مقاييسنا اليوم فإن تشكيلة الطعام مقبولة.
هل نستنتج من هذا أن الأطفال يملكون بالفطرة القدرة على انتقاء الطعام الممتاز لصحتهم وبالكمية الصحيحة؟ ليس تماماً. ربما لاحظتم أن أطباق الأطفال كانت تخلو بشكل كامل من بعض أنواع الطعام مثل : البوظة والشوكولاته والكعك والبطاطا المقلية والسكاكر ...هذا يعني أنه قدم للأطفال الطعام كامل الغذاء فقط، وأنهم هم بدورهم اختاروا مما قدم لهم الأفضل والأنسب لنموهم الممتاز. فلم يأكل أي منهم قليلاً أو كثيراً، ولم يكن أي منهم أحادي النوع في الطعام. ولكن، ما الذي كان يمكن أن يحدث، لو أن الطيبات من الأطعمة الحلوة والدسمة تواجدت مع بقية الأطعمة المقدمة للأطفال؟
لا يمكننا اليوم أن نتصور إمكانية تكرار مثل هذه التجربة مع المواد الغذائية السكرية والدسمة. ولكن يمكننا أن نتخيل النتيجة. لقد ثبت من خلال تجارب كثيرة أن الأطفال يملكون بالفطرة محبة خاصة للأطعمة السكرية. فعلى الأرجح لو قدمت الأطعمة السكرية والدسمة فإن الأطفال الثلاثة كانوا سيتجنبون الأطعمة غير السكرية وسيقبلون على الأطعمة السكرية والتي كان من الممكن أن تخل بالتوازن بين الطاقة والوزن والشهية.
الأهم من هذا هو السؤال الآتي: ماذا تعني نتائج هذه التجربة لقواعد التغذية السليمة ؟ إنها تنسجم معها بشكل ممتاز .
• لدى تقديم طعام متنوع وكاف، لا يمكن أن يأكل طفل صغير أقل من حاجته، إذا سمح له أن يحدد بنفسه كمية الطعام الذي يتناوله.
• يشوش أكل الأطعمة السكرية والدسمة اللامحدود السيطرة الداخلية الممتازة على التوازن بين الحاجة وتناول الأطعمة لدى الطفل الصغير. وحينذاك قد يأكل الطفل كثيراً أو قد يأكل نوعاً واحداً فقط .
• لذا يجب على الأهل أن يقرروا أنواع الطعام التي توضع على المائدة. فإذا كان الطعام متنوعاً وحاوياً على مواد غذائية ذات قيمة عالية، وإذا قللوا من تقديم الأطعمة الدسمة والسكرية، فستكون النتيجة عندئذ، وفقط عندئذ، أن الطفل يستطيع القيام بالاختيار الجيد ويستطيع أن يقرر إذا كان يريد أن يأكل وكم يريد أن يأكل. و حين يتحقق هذا الشرط يستطيع الطفل بفطرته أن يقيم توازناً بين ما يحتاج إليه وبين ما يأكله. سيأكل كمية كافية ولكن ليس أكثر مما يحتاج إليه .
قدرة الأطفال على تنظيم تناول الطعام حسب الحاجة
ينجح ضبط كمية الطعام حسب الحاجة لدى الأطفال الرضع أكثر مما ينجح لدى الأطفال الأكبر سناً أو لدى الأشخاص الكبار. ما السبب في ذلك؟ السبب هو أنه مادام الطفل يرضع فإن عرض الغذاء قائم. والطفل هو الذي يحدد كمية الحليب التي يشربها بل يرضعها، وتسير الأمور بميكانيكية سلسة: الجوع، الشرب، الشبع. ولا تحتاج الأم إلى معرفة الكمية التي شربها (رضعها) الطفل. الطفل الصغير هو انتقائي دون شك ويفضل الأشياء التي يعرفها ولا يمكن بهذا العمر أن يتأثر بالدعايات الإعلانية. لذا فإن كمية الغذاء التي يأخذها تنظم بشكل ممتاز عن طريق: الجوع والشبع. أجريت في عام 1991 تجربة تسترعي الانتباه مع أطفال صغار تتراوح أعمارهم بين سنتين وخمس سنوات (Birch, L. et al. 1991) . بقي الأطفال الصغار في بيتهم وفي بيئتهم وقدمت لهم ثلاث وجبات رئيسة وثلاث وجبات خفيفة بينها. كان الطعام متنوعاً ومتوازناً ومحتوياً في بعض الأحيان على أغذية سكرية. الأمر الخاص في هذه التجربة هو تقديم كميات مضاعفة من الطعام في كل مرة. وسمح للأطفال أن يأكلوا بقدر ما يرغبون منها. وظهر مرة أخرى أن الأطفال الصغار أكلوا تماماً بقدر ما يحتاجون دون زيادة. ولكن، كان هناك تفاوت في كميات الطعام بين وجبة وأخرى. ففي إحدى الوجبات لم يأكلوا شيئاً تقريباً وفي وجبة أخرى أكلوا كثيراً. و رغم ذلك كان مجموع ما أكله كل طفل منهم في اليوم الواحد مماثلاً لما أكله في يوم آخر. فإذا أكل في إحدى الوجبات كثيراً أنقص كمية الطعام تقريباً في الوجبة التالية في اليوم ذاته، والعكس صحيح. إننا نغبط هؤلاء الصغار كم يستطيعون أن يضبطوا الأمور بشكل ممتاز!
مع نمو الطفل تنمو المؤثرات الخارجية أكثر وأكثر. ولدى الإنسان الكبير أصبحت الأمور معقدة بشكل واضح. وأصبحت عناصر كثيرة تلعب دورها لدى اختيار المواد الغذائية مثل: الذوق، العادات، التقاليد، الثقافة، الفضول، كيس النقود، التصورات عن الجمال، الرشاقة، الصحة والقدرة على التحمل و توفر المادة المطلوبة وكلفتها. ويبقى الصوت الداخلي، الذي يعرف احتياجات الجسم ويسميها، محاصراً ومثقلاً بهذه العناصر. هذا من حيث اختيار نوع المادة الغذائية. فماذا عن الكمية ؟ هل نأكل نحن الكبار فقط حين نكون جائعين ونتوقف عن تناول الطعام حين نحس بالشبع؟ هنا أيضاً نتعرض لعوامل ضغط تجعلنا نتجاوز الصوت الداخلي، فنأكل مثلاً لأسباب تتعلق بالأدب أو بالمجاملة الاجتماعية أو بسبب الملل أو الهموم أو العادة. ونتوقف عن تناول الطعام لأن الصحن أصبح فارغاً أو لأننا نحس بالسمنة أو لأننا لا نملك الوقت الكافي لتناول مزيد من الطعام. وهكذا لا يتحدد نوع غذائنا أو كميته حسب حاجتنا بل تمسك المؤثرات الخارجية بزمام سلوكنا تجاه الطعام في " قبضتها".
وبعد، ألا نزال كأهل ندّعي أننا، في مجال تناول الطعام، نعرف أكثر من أطفالنا - ذوي نظام الضبط الداخلي الذي لم يطرأ عليه أي أذى - كم يحتاج هؤلاء الأطفال من غذاء؟ يجدر بنا أن نتعلم منهم وأن نكفّ عن تبنّي موقف "العارف أكثر" على الدوام أو المتسلط أو الدكتاتور.
يظهر لنا مثال الطفلة لارا مدى الدقة التي يعمل بها نظام الضبط الداخلي لدى الطفل الرضيع الصغير. تبلغ لارا ستة شهور من العمر. وهي لا تتغذى بالرضاعة الطبيعية بل بالرضاعة البديلة أي أنها تتلقى حليباً من الزجاجة مقارباً قدر الإمكان لحليب الأم ، لذا فإن أمها تستطيع قراءة كمية الحليب المستهلكة بشكل جيد. وتصاب الأم بالرعب ، لأن لارا لا تأخذ كمية الحليب المقترحة كلها بل تكتفي بجزء منها، ولأنها أبطأ في نموها من بقية الأطفال الرضع الآخرين. وبالرغم من أن لارا صحيحة الجسم ونشيطة إلا أن أمها قلقة ومصرة على إذابة حبوب في الحليب الذي تعطيه لابنتها . " إذا كانت تشرب هذه الكمية القليلة من الحليب فلتكن على الأقل مغذية " على رأي الأم.
هذه هي الحالة كما تراها الأم، فماذا عن لارا وماذا ستفعل يا ترى؟ إنها بكل بساطة تشرب من الحليب الأكثر غنىً بالحريرات كميةً أقل مما كانت تشربه من الحليب العادي بحيث تبقى كمية الحريرات التي تحصل عليها متساوية. وحين يقول جهاز الضبط الداخلي أو الصوت الداخلي لديها: " هذا كافٍ " فإنها تتوقف عن الشرب. ولأن جهاز الضبط الداخلي لديها يعمل بشكل رائع فبإمكانها أن تعتمد عليه وتستجيب له وكذلك، يجدر بأمها أن تثق به .
البدانـة والنحافـة: تربيـة أم وراثـة؟
"طفلتي لارا نحيلة جداً لماذا ؟ ابن جيراننا المماثل لها في العمر يزن ضعف وزنها ؟ !" بم يتعلق نمو الأطفال وتطورهم : بتربيتهم أم باستعداداتهم الوراثية؟
دور الوراثة
إن العوامل الوراثية تلعب في طبائع التغذية دوراً مهماً وأساسياً ولقد أثبتت أبحاث كثيرة حول هذا الموضوع صحة هذه المقولة.
فقد أجرى الباحثون في الدانمارك دراسة على أطفال بالتبني ( Stunkard, A.J. et al. 1986) . تمت مقارنة أوزان الأطفال مع أوزان أهاليهم الفعليين وأهاليهم بالتبني. لقد حدد الأهالي بالتبني عادات الطعام، ونوعيات الطعام والقدوة في تناول الطعام، بينما لم يمنحهم الأهالي الفعليون سوى مورثاتهم ولا شيء سوى ذلك. وكانت النتيجة أنه لم يعثر على تطابق مع الأهل بالتبني، ولكن عثر على تطابق بدرجة عالية مع الأهل الفعليين. وكان للمورثات أثر أكبر بكثير من جميع الأمور المكتسبة.
كما وأظهرت نتائج دراسة أجريت على طفلين، توأم، ربيا منفصلين عن بعضهما، نتائج مشابهة لنتائج الدراسة السابقة (Stunkard, A.J. et al.1990 ). فبالرغم من اختلاف ظروف الحياة لدى كل من الطفلين التوأم كان وزن كل منهما يزيد بشكل متماثل مع وزن الآخر.
وفي تجربة ثالثة (Bouchard, C. et al. 1990) تمت تغذية أفراد اثني عشر توأماً حقيقياً يومياً بكميات متساوية من الحريرات. عشرة توائم منها زاد وزن كل فرد فيها مع أخيه بشكل متماثل. ولكن كل توأم اختلف كثنائي عن غيره . فبينما زاد أحد التوائم 4 كغ فقط بلغت الزيادة في الوزن لدى توأم آخر 14 كغ .بالرغم من تماثل كمية الحريرات .
وفي دراسة أخرى (Faith, M.S. et al1999 ) تجرى على توائم تتراوح أعمارهم ما بين 3 سنوات وسبع عشرة سنة يتم فحص كمية الدسم في الجسم بطريقة خاصة وكانت النتيجة وجود اختلافات كبيرة بين الأطفال. تقول نتائج الدراسة: يعود 80% من هذه الفروق إلى استعدادات وراثية والباقي إلى تأثيرات العالم الخارجي من حولهم.
تلعب الوراثة إذاً دوراً حاسماً. ويعود إلى الاستعدادات الوراثية كون بعض الأطفال يأكلون قليلاً جداً. ولكن وزنهم يزيد بشكل واضح. كما يعود إليها إلى حد بعيد ازدياد وزن الإنسان وتراكم الشحم لديه، بالرغم من الحركة الكافية التي يمارسها وتناوله الطعام بشكل معتدل. وكذلك يعود إلى الاستعدادات الوراثية حين نجد طفلاً " قليل الأكل " وآخر " كثير الأكل " ، يأكل ضعف ما يأكله الطفل الأول ، ورغم ذلك يزيد وزن الطفلين بالنسبة ذاتها . ولا يتوقف تأثير الوراثة عند هذا الحد بل يتعداه إلى شكل الجسم، سواء كان طفلك نحيفاً وذا عضلات وقوياً أو كان غير قوي و سميناً وقليل العضلات، كل هذا يمكن إثباته عند الولادة. وليس من الضروري أن يتطابق شكل الجسم مع النمط الذي تحلمين به وزوجك كوالدين لطفلكما، لأنكما في نهاية المطاف لن تستطيعا التأثير في الشكل الذي سيكون عليه طفلكما في المستقبل. ولن تتمكنا من خلال التربية الغذائية من تعديل الشكل الذي تحدده الوراثة مسبقاً. وخيراً تفعلان حين تقبلان بشكل ولدكما كما هو. وتذكرا أن الشكل الممتاز نادر الوجود . ولا تنسيا أن طفلكما أو طفلتكما سيلاقي في المستقبل بعض الصعوبات في تقبل شكله مع وجود " الأخطاء الجمالية " فيه، لذا فأنتما تحسنان صنعاً بمساعدته من البداية على تقبله.
دور البيئة المحيطة
من الطبيعي أن تلعب مؤثرات البيئة المحيطة بنا دورها. ترى ما الذي يجعل الأطفال سماناً ؟ إنها بديهيات نعرفها جميعاً: الحركة القليلة، الجلوس أمام التلفاز لساعات طويلة، تناول الطعام أثناء ذلك من شطائر وحلويات غنية بالدسم والسكريات بدلاً من الجلوس إلى مائدة الطعام في أوقات محددة. وربما اجتمعت العوامل الثلاثة معاً. ورغم كل شيء لا يسمن الأطفال الذين لديهم استعدادات وراثية مناسبة بينما نجد أحياناً حالة معاكسة. حيث نرى طفلاً كثير الحركة، قليل الجلوس أمام التلفاز ويأكل في أوقات محددة مع الأسرة ويتلقى غذاءً مدروساً وهو رغم ذلك أسمن من جميع الأطفال الذين هم في سنه.
تصبح زيادة الوزن عادة مشكلة لدى الأطفال الكبار ولدى الراشدين. أما في السنوات الأولى من الحياة فيهتم الأهالي على العكس من ذلك بزيادة وزن أطفالهم. وشكواهم الدائمة هي: " طفلي نحيل جداً، وقليل الأكل." ما الذي يجعل الطفل " نحيلاً جداً ؟"
ثبت لأطباء الأطفال على مدى سنوات طويلة في عياداتهم الخاصة أنه يوجد ظرفان مؤثران:
يتعلق الظرف الأول بالمؤثرات الخارجية ولكن لا علاقة له بالتربية: إنه المرض. فمعظم الأطفال تقل شهيتهم إلى الطعام في حال المرض، و لا يأكل بعضهم شيئاً على الإطلاق ما دام مريضاً، وبخاصة حين يتسبب له الطعام بالألم كما هو الحال في التهاب البلعوم. ويعرف الأطفال المرضى ماذا يفيدهم فيرفضون الطعام إذا كان لا ينفعهم. وهذا تصرف سليم للغاية من وجهة النظر الطبية. ولن تضعف قواهم بسبب امتناعهم عن الطعام بل بسبب مرضهم، فإذا ما صحوا وتعافوا، استعادوا قواهم بسرعة كبيرة. لذا لا يمكننا الحديث عن النحافة الشديدة لدى الأطفال المرضى الذين ينخفض وزنهم في فترة مرضهم.
تؤدي بعض الأمراض الشديدة أحياناً إلى فقدان كمية كبيرة من السوائل من الجسم وإلى انخفاض خطير في الوزن. في هذه الحالة لا يستطيع الطفل أن ينظم تناوله للطعام بنفسه . وفي أسوأ الحالات يجب تغذيته اصطناعياً. وكذلك تشكل الرغبة الشديدة في النحافة التي تصيب الفتيات بعد سن البلوغ مرضاً خطيراً له أسباب متنوعة. لأن تناول الطعام لا يتحدد لديهن حسب الاحتياجات الداخلية بل فقط حسب مقاييس مرضية خارجية.
الظرف الثاني الذي يمكن أن يجعل الطفل "نحيلاً جداً" ذو علاقة ضعيفة بالتربية، إذ يرتبط بالدرجة الأولى بالفقر: حين يقدم الأهل للطفل طعاماً قليلاً، أو حين لا يحتوي الطعام المقدم على المواد الغذائية المهمة. وتجد بعض الأسر نفسها في مأزق مالي مربك يجعلها عاجزة عن شراء المواد الغذائية كلها. قد يكون السبب غير المباشر في ذلك انعدام التكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع الواحد، وضع يمكن تفاديه بدفع الحقوق إلى أصحابها ، تلك الحقوق التي أقرها الله سبحانه وتعالى بقوله : " وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ."/ الذاريات 18/ .الجوع بسبب الفقر هذا ما لا نرجو وجوده أبداً ! ولكن لا تزال حالات كثيرة من نقص التغذية موجودة بسبب الفقر بالإضافة إلى الجهل وقلة الوعي.
أما نقص التغذية، لدى العرض المتنوع من الطعام فهذا ما لا يمكن حدوثه لطفل صحيح الجسم في السنوات الأولى من العمر! ومهما بدت العادات الغذائية لدى طفلك خارجة عن المألوف وأحادية الاتجاه فلن ينقصه شيء ما دمت تقدمين له غذاء متكاملاً بطريقة مدروسة.
هناك عامل يرتبط بالبيئة المحيطة الخارجية يؤثر على شهية طفلك باتجاهين: إنه التوتّر. قد ينشأ التوتر بسبب المزاج السيئ لدى الجلوس إلى المائدة، أو بسبب العلاقة الصعبة (المعقدة ) بين الأهل والطفل، أو بسبب الضغط الذي يمارسه الوالدان أثناء الطعام. فيكون ردّ فعل بعض الأطفال أنهم يأكلون كثيراً بسبب الإحباط، بينما يكون رد فعل أطفال آخرين بالاتجاه المعاكس أي أنهم لا يرضون أن يأكلوا شيئاً على الإطلاق !! وسوف نناقش هذا الموضوع في الفصل الثالث بإسهاب.