صفحة 1
مدخل
.. ليس في الدنيا منظر أبشع من منظر هؤلاء اليتامى أو أبناء الزنى وسائر أولئك الذين نبذهم المجتمع...
دوستويفسكي في «المراهق»
(1)
الصداقة، ذلك البحر الكبير، النهر الذي لا ينضب أبداً، يتدفق سيلها مدراراً، لا تعرف الكلل أو الملل، الصداقة جنة بل أعطيةٌ، لا تعطى ولا تمنح إلا لمن يستحقها، الصداقة ذلك الشيء الذي تتلاشى أمامه كل الأشياء ويقف الجميع له احتراماً وتبجيلاً وتحية. الصداقة هي الروح التي تُمنح لنا في حياتنا الاجتماعية، يستطيع الواحد منا أن يعيش بلا أخ وبلا أخت ولكن بلا صديق صادق فمستحيل. يتضح ذلك عندما تمنحنا الحياة أكبر أُعطية وهي الأخ الصديق، نحن نحتاج إلى الصداقة لأننا نحيا، ونحن نحيا ونتحمل ونتعايش مع الناس لأن في واقعنا صديقاً يهتم بنا، يساعدنا ويمنحنا الإيمان والثقة بالنفس. عندما أتحدث عن الصداقة فأنا لا أتحدث عنها بمفهومها الضيق المحصور لأغلب عقولنا بل إني أتحدث عنها بجميع أشكالها وصورها المتعددة، فصداقة الإنسان لكتابة وصداقة الأب لابنه وكذلك صداقة الأم لابنتها أعظم صداقة وأعمق صداقة لأنها تنبع من أعماق الروح والإحساس بالطرف الآخر وعواطفه وخلجات مشاعره، فالحياة مهما كانت جميلة ومهما كان واقعنا أجمل تظل الحياة مليئة بالحجارة والعثرات التي قد لا تصادفنا الآن ولكنها قد تكتسحنا بعد فترة! كيف نحمي أنفسنا؟ كيف نقوي عزائمنا؟ كيف نزرع الثقة في ذواتنا؟ هل نعيش منعزلين عن البشر أم نذهب بعيداً إلى القمر أم نظل مستسلمين بلا حركة ولا صوت كالحجر؟ ماذا نفعل؟! سؤال كبير يقتحم الوجود بأسره.. الصداقة والأصدقاء هما الحل لنا، لأننا نعيش مع الناس وخلال الناس وفي محيط الناس، فالحياة الاجتماعية سلسلة مشتركة ومترابطة فأنت تعيش بجسدك مع الغير تختلط بالبشر وتتعايش معهم وتتمازج بأفكارك معهم، كيف يحمي الإنسان نفسه؟ كيف يقوي عزيمته؟ الصداقة وأعلنها مراراً وتكراراً هي البحر العظيم، الواحة المليئة بالخيرات ولكن بشرط أن نختار بأنفسنا ذلك الصديق ولا نوكل تلك المهمة لا إلى الزمان ولا إلى المكان، فجمال الصداقة واستمرارها هو أن يختار الواحد منا أصدقاءه لأنه الوحيد القادر على فهم نفسه ومعرفة ما يتقبله ويستأنس له، لذلك أقولها ألف مرة يجب أن يختار الواحد منا أصدقاءه بنفسه...لذلك كنا ثلاثة أصدقاء..
كنا ثلاثة أصدقاء..أنا وأحمد وشاهين ثلاثة أصدقاء كالنجوم تتلألأ في السماء، ثلاثة أصدقاء تجمعنا المحبة والود والإخاء، تجمعنا الصداقة المبنية على التوافق والانسجام والواقع المشترك! ثلاثة أصدقاء دائماً ما نلتقي إما لقاء طعام أو لقاء قهوة أو لقاء ثقافة عقلٍ..نعم كنا نلتقي ونتبادل المناقشات والأطروحات، كانت لقاءاتنا تشبه أن تكون سهرات أثينية (1) وجلسات ثقافية وحوارات فكرية اجتماعية، وأحياناً كنا بسنواتنا القليلة نتجاوز الخطوط الحمراء ونتحاور بالسياسة، كانت اهتماماتنا توحي وتدل لمن ينظر إلينا على أننا نماذج مشرقة وصفحات بيضاء تبعث في نفس المتأمل لنا الأمل والبهجة والسرور وقبل كل ذلك الافتخار بهؤلاء الشباب الثلاثة، فقد كنا في كل لقاء نتفق على موضوع معين ونستعد له. فأحياناً كنا نتناقش عن المذاهب والملل والنِحل وأحياناً نتحدث عن الحب ومراتبه وغاياته ونقفز لنتكلم عن العظماء عبر تاريخ البشرية أجمع، وأحياناً كنا نهرب من الواقع ونسافر بخيالنا استغراباً للأسئلة المتعددة، نسافر هناك للفلسفة ومذاهبها وروادها ومدارسها كنا نتحدث عن الفلسفة من الأزمنة الغابرة حتى ظهور الإسلام إلى وقتنا الحاضر، كنا نناقش الفلسفة نحاورها وتحاورنا نسألها العديد من الأسئلة والتي بدورها لا ترد إلا بالقليل من الأجوبة، كنا نأخذ كل فيلسوف نحاول أن نفهم فلسفته ونبحث عن بطلانها أو إثباتها من حضارتنا وتاريخنا، وكذلك كنا نتكلم عن المؤلفين وكتبهم وفلسفتهم في الحياة فكما نعلم أن لكل إنسان صغيراً كان أم كبيراً متعلماً أم جاهلاً فلسفة تختص به وليست لغيره. كنا نتحدث عن المدارس الفلسفية من أفلاطون وجمهوريته إلى أرسطو وكذلك ديكارت ووجوديته.. ونقفز إلى العملاق دوستويفسكي وكتبه المتلألئة التي يعجز قلمي أن يصفها ويصف ما خطته أنامل ذلك المبدع. وكنا نرجع بتحليلاتنا إلى ابن خلدون ومقدمته العملاقة وفلسفته في التاريخ، وأحياناً كنا نهرب إلى شاعر الفلاسفة أبي العلاء المعري ورسالة الغفران واللزوميات..كنا نتناقش مناقشات ثقافية تتعدى أعمارنا وكان الكتاب لا يفارقنا بل هو صديقنا الرابع الذي دائماً ما يلازمنا ولا يبتعد عنا لأنه كالأكل لنا، كنا نأكل ونأكل من الأوراق لنملأ عقولنا! نعم كان زادنا الكتاب فقد كانت عقولنا طماعة تريد المزيد ولا تتوقف عن أكل الأوراق! كنا عندما نجتمع نحضر مسجلاً ونسجل نقاشنا وبعد الانتهاء نجلس بصحبة أكواب الشاي المشبع بالنعناع لنستمع إلى أطروحاتنا الثقافية المتواضعة! فقمة المتعة أن يستمع الواحد إلى فلسفته وأفكاره من لسانه! وأذكر في هذا المقام حادثة مضحكة. ففي ذلك اليوم من أيام الرياض الحارة جداً كنا نجتمع في غرفة أحمد وكان الموضوع المطروح للنقاش عن الشعر العربي، كنا نتناقش فهذا يقول بيتاً لفلان وذلك يرد عليه بغيره وثالثنا يخرج عن قاعدة سابقيه ويأتي ببيتٍ من الشعر الحديث، نعم فقد كان لكل واحد شاعره المفضل الذي يحبه ويعشق قصائده ويدافع عنه، فقد كنت ومازلت أعشق أبا نواس ذلك الشاعر الشهواني العابث الذي وبعد توبته عن قصائده الشهوانية وخروجه من السجن كتب ملاحم عملاقة في الزهد والورع وفي الحب العذري والفلسفة
مالي وللناس كم يلحونني سفهاً
ديني لنفسي ودين الناسِ للناسِ
.. وكان أحمد يعشق أبا الطيب المتنبي بفخره بنفسه ومدحه لسيف الدولة الحمداني، ومن منا لا يعشق المتنبي عملاق الشعراء! وكان صديقي دائماً ما يردد مقولة: (لو ساعد الزمان المتنبي لأصبح ملكاً متوجاً!!!) وكنت أنا وشاهين نرد عليه بكلمات يسيرة وبصوت واحد قائلين: (يا أحمد كلمة "لو" تفتح عمل الشيطان ولا تقدم ولا تؤخر) نقول كذلك والتبجح يملأ وجهينا..أما شاهين فكان شاذاً عنا فهو متيم بشاعر يعتبر من الشعراء الحديثين فهو عاشق لشعر وفلسفة جبران خليل جبران ودائماً ما يردد بيتاً من الشعر لجبران هو بداية قصيدته العملاقة "المواكب" (2).
الخير في الناس مصنوع إذا جبروا
والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا
"آهٍ منك يا جبران" كانت تلكم الكلمات دائماً ما يرددها شاهين بعد أن يلقي ذلك البيت الجبراني!
.. قبل أن أعود إلى الحادثة المضحكة، اعذروني إخواني عن شطحاتي في الكتابة وعدم التقيد و الالتزام بأصول وقواعد الكتابة الأدبية والتسلسل الروائي، فالكتابة عن أصدقائي تجعلني أرتجف واهتز والدمع منسكب ويختل توازن القلم فالعواطف محفورة في أعمق خلجات روحي والذكريات وآهٍ من تلكم الذكريات تجعلني أنساق بلا قصد مني خلف تلك العواطف التي تنتظر بعد سنوات طوال قرار الإفراج عنها، وها أنذا وفي هذه الصفحات اليسيرة أحاول أن أعتق عواطفي وأعلن حريتها..
ذكريات الأمس الماضية..
أبحرت بي فوق الأمواج العاتية..
.. أعود إلى الحادثة المضحكة فبعد أن انتهت المناقشة في ذلك اليوم أخذنا جهاز التسجيل لكي نستمع إلى ما قلناه عن الشعر العربي وشعرائه.. وكان الشيء المضحك في ذلك الزمان المحزن لي الآن هو أن أحمد المتيم والعاشق للمتنبي ومع انسجامه واندماجه كان يقول بصوت رنان:
"المتخبي! المتخبي! إني أعشقك يا أيها المتنبي..."
كان يقولها بدل أن يقول "المتنبي". كانت تلك الحادثة من ضمن العشرات من الحوادث المضحكة التي تزيد من حلاوة اللقاء وتجعل السعادة مرسومة على أوجهنا التي تمر الآن أمام عيني كشريط بحركة سريعة، تمر تلك الذكريات التي حفرت في داخل ذاتي أعمق معاني الحزن، الحزن أتعلم يا من تقرأ معنى الحزن!!
.. ليس في الدنيا منظر أبشع من منظر هؤلاء اليتامى أو أبناء الزنى وسائر أولئك الذين نبذهم المجتمع...
دوستويفسكي في «المراهق»
(1)
الصداقة، ذلك البحر الكبير، النهر الذي لا ينضب أبداً، يتدفق سيلها مدراراً، لا تعرف الكلل أو الملل، الصداقة جنة بل أعطيةٌ، لا تعطى ولا تمنح إلا لمن يستحقها، الصداقة ذلك الشيء الذي تتلاشى أمامه كل الأشياء ويقف الجميع له احتراماً وتبجيلاً وتحية. الصداقة هي الروح التي تُمنح لنا في حياتنا الاجتماعية، يستطيع الواحد منا أن يعيش بلا أخ وبلا أخت ولكن بلا صديق صادق فمستحيل. يتضح ذلك عندما تمنحنا الحياة أكبر أُعطية وهي الأخ الصديق، نحن نحتاج إلى الصداقة لأننا نحيا، ونحن نحيا ونتحمل ونتعايش مع الناس لأن في واقعنا صديقاً يهتم بنا، يساعدنا ويمنحنا الإيمان والثقة بالنفس. عندما أتحدث عن الصداقة فأنا لا أتحدث عنها بمفهومها الضيق المحصور لأغلب عقولنا بل إني أتحدث عنها بجميع أشكالها وصورها المتعددة، فصداقة الإنسان لكتابة وصداقة الأب لابنه وكذلك صداقة الأم لابنتها أعظم صداقة وأعمق صداقة لأنها تنبع من أعماق الروح والإحساس بالطرف الآخر وعواطفه وخلجات مشاعره، فالحياة مهما كانت جميلة ومهما كان واقعنا أجمل تظل الحياة مليئة بالحجارة والعثرات التي قد لا تصادفنا الآن ولكنها قد تكتسحنا بعد فترة! كيف نحمي أنفسنا؟ كيف نقوي عزائمنا؟ كيف نزرع الثقة في ذواتنا؟ هل نعيش منعزلين عن البشر أم نذهب بعيداً إلى القمر أم نظل مستسلمين بلا حركة ولا صوت كالحجر؟ ماذا نفعل؟! سؤال كبير يقتحم الوجود بأسره.. الصداقة والأصدقاء هما الحل لنا، لأننا نعيش مع الناس وخلال الناس وفي محيط الناس، فالحياة الاجتماعية سلسلة مشتركة ومترابطة فأنت تعيش بجسدك مع الغير تختلط بالبشر وتتعايش معهم وتتمازج بأفكارك معهم، كيف يحمي الإنسان نفسه؟ كيف يقوي عزيمته؟ الصداقة وأعلنها مراراً وتكراراً هي البحر العظيم، الواحة المليئة بالخيرات ولكن بشرط أن نختار بأنفسنا ذلك الصديق ولا نوكل تلك المهمة لا إلى الزمان ولا إلى المكان، فجمال الصداقة واستمرارها هو أن يختار الواحد منا أصدقاءه لأنه الوحيد القادر على فهم نفسه ومعرفة ما يتقبله ويستأنس له، لذلك أقولها ألف مرة يجب أن يختار الواحد منا أصدقاءه بنفسه...لذلك كنا ثلاثة أصدقاء..
كنا ثلاثة أصدقاء..أنا وأحمد وشاهين ثلاثة أصدقاء كالنجوم تتلألأ في السماء، ثلاثة أصدقاء تجمعنا المحبة والود والإخاء، تجمعنا الصداقة المبنية على التوافق والانسجام والواقع المشترك! ثلاثة أصدقاء دائماً ما نلتقي إما لقاء طعام أو لقاء قهوة أو لقاء ثقافة عقلٍ..نعم كنا نلتقي ونتبادل المناقشات والأطروحات، كانت لقاءاتنا تشبه أن تكون سهرات أثينية (1) وجلسات ثقافية وحوارات فكرية اجتماعية، وأحياناً كنا بسنواتنا القليلة نتجاوز الخطوط الحمراء ونتحاور بالسياسة، كانت اهتماماتنا توحي وتدل لمن ينظر إلينا على أننا نماذج مشرقة وصفحات بيضاء تبعث في نفس المتأمل لنا الأمل والبهجة والسرور وقبل كل ذلك الافتخار بهؤلاء الشباب الثلاثة، فقد كنا في كل لقاء نتفق على موضوع معين ونستعد له. فأحياناً كنا نتناقش عن المذاهب والملل والنِحل وأحياناً نتحدث عن الحب ومراتبه وغاياته ونقفز لنتكلم عن العظماء عبر تاريخ البشرية أجمع، وأحياناً كنا نهرب من الواقع ونسافر بخيالنا استغراباً للأسئلة المتعددة، نسافر هناك للفلسفة ومذاهبها وروادها ومدارسها كنا نتحدث عن الفلسفة من الأزمنة الغابرة حتى ظهور الإسلام إلى وقتنا الحاضر، كنا نناقش الفلسفة نحاورها وتحاورنا نسألها العديد من الأسئلة والتي بدورها لا ترد إلا بالقليل من الأجوبة، كنا نأخذ كل فيلسوف نحاول أن نفهم فلسفته ونبحث عن بطلانها أو إثباتها من حضارتنا وتاريخنا، وكذلك كنا نتكلم عن المؤلفين وكتبهم وفلسفتهم في الحياة فكما نعلم أن لكل إنسان صغيراً كان أم كبيراً متعلماً أم جاهلاً فلسفة تختص به وليست لغيره. كنا نتحدث عن المدارس الفلسفية من أفلاطون وجمهوريته إلى أرسطو وكذلك ديكارت ووجوديته.. ونقفز إلى العملاق دوستويفسكي وكتبه المتلألئة التي يعجز قلمي أن يصفها ويصف ما خطته أنامل ذلك المبدع. وكنا نرجع بتحليلاتنا إلى ابن خلدون ومقدمته العملاقة وفلسفته في التاريخ، وأحياناً كنا نهرب إلى شاعر الفلاسفة أبي العلاء المعري ورسالة الغفران واللزوميات..كنا نتناقش مناقشات ثقافية تتعدى أعمارنا وكان الكتاب لا يفارقنا بل هو صديقنا الرابع الذي دائماً ما يلازمنا ولا يبتعد عنا لأنه كالأكل لنا، كنا نأكل ونأكل من الأوراق لنملأ عقولنا! نعم كان زادنا الكتاب فقد كانت عقولنا طماعة تريد المزيد ولا تتوقف عن أكل الأوراق! كنا عندما نجتمع نحضر مسجلاً ونسجل نقاشنا وبعد الانتهاء نجلس بصحبة أكواب الشاي المشبع بالنعناع لنستمع إلى أطروحاتنا الثقافية المتواضعة! فقمة المتعة أن يستمع الواحد إلى فلسفته وأفكاره من لسانه! وأذكر في هذا المقام حادثة مضحكة. ففي ذلك اليوم من أيام الرياض الحارة جداً كنا نجتمع في غرفة أحمد وكان الموضوع المطروح للنقاش عن الشعر العربي، كنا نتناقش فهذا يقول بيتاً لفلان وذلك يرد عليه بغيره وثالثنا يخرج عن قاعدة سابقيه ويأتي ببيتٍ من الشعر الحديث، نعم فقد كان لكل واحد شاعره المفضل الذي يحبه ويعشق قصائده ويدافع عنه، فقد كنت ومازلت أعشق أبا نواس ذلك الشاعر الشهواني العابث الذي وبعد توبته عن قصائده الشهوانية وخروجه من السجن كتب ملاحم عملاقة في الزهد والورع وفي الحب العذري والفلسفة
مالي وللناس كم يلحونني سفهاً
ديني لنفسي ودين الناسِ للناسِ
.. وكان أحمد يعشق أبا الطيب المتنبي بفخره بنفسه ومدحه لسيف الدولة الحمداني، ومن منا لا يعشق المتنبي عملاق الشعراء! وكان صديقي دائماً ما يردد مقولة: (لو ساعد الزمان المتنبي لأصبح ملكاً متوجاً!!!) وكنت أنا وشاهين نرد عليه بكلمات يسيرة وبصوت واحد قائلين: (يا أحمد كلمة "لو" تفتح عمل الشيطان ولا تقدم ولا تؤخر) نقول كذلك والتبجح يملأ وجهينا..أما شاهين فكان شاذاً عنا فهو متيم بشاعر يعتبر من الشعراء الحديثين فهو عاشق لشعر وفلسفة جبران خليل جبران ودائماً ما يردد بيتاً من الشعر لجبران هو بداية قصيدته العملاقة "المواكب" (2).
الخير في الناس مصنوع إذا جبروا
والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا
"آهٍ منك يا جبران" كانت تلكم الكلمات دائماً ما يرددها شاهين بعد أن يلقي ذلك البيت الجبراني!
.. قبل أن أعود إلى الحادثة المضحكة، اعذروني إخواني عن شطحاتي في الكتابة وعدم التقيد و الالتزام بأصول وقواعد الكتابة الأدبية والتسلسل الروائي، فالكتابة عن أصدقائي تجعلني أرتجف واهتز والدمع منسكب ويختل توازن القلم فالعواطف محفورة في أعمق خلجات روحي والذكريات وآهٍ من تلكم الذكريات تجعلني أنساق بلا قصد مني خلف تلك العواطف التي تنتظر بعد سنوات طوال قرار الإفراج عنها، وها أنذا وفي هذه الصفحات اليسيرة أحاول أن أعتق عواطفي وأعلن حريتها..
ذكريات الأمس الماضية..
أبحرت بي فوق الأمواج العاتية..
.. أعود إلى الحادثة المضحكة فبعد أن انتهت المناقشة في ذلك اليوم أخذنا جهاز التسجيل لكي نستمع إلى ما قلناه عن الشعر العربي وشعرائه.. وكان الشيء المضحك في ذلك الزمان المحزن لي الآن هو أن أحمد المتيم والعاشق للمتنبي ومع انسجامه واندماجه كان يقول بصوت رنان:
"المتخبي! المتخبي! إني أعشقك يا أيها المتنبي..."
كان يقولها بدل أن يقول "المتنبي". كانت تلك الحادثة من ضمن العشرات من الحوادث المضحكة التي تزيد من حلاوة اللقاء وتجعل السعادة مرسومة على أوجهنا التي تمر الآن أمام عيني كشريط بحركة سريعة، تمر تلك الذكريات التي حفرت في داخل ذاتي أعمق معاني الحزن، الحزن أتعلم يا من تقرأ معنى الحزن!!
صفحة 2
(2)
كنا ثلاثة أصدقاء وعندما أقول أصدقاء فإني أقصد تلك الصداقة التي تتلاشى أمامها كل الحواجز وتقف الدنيا بأسرها إجلالاً واحتراماً لها. نعم إني أقصد تلك الصداقة التي تغيب في محيطها كل المصالح، فقد كنا كالجسد الواحد إذا اشتكى أحد منا قمنا واتحدنا ثلاثتنا لنجدته ومساعدته، كانت أسرارنا في بئر عميقة لا يصل إليها أحد ولا يفكر بشر في أن يقترب منها.فقد كانت أسرارنا متشابكة ومتداخلة ومرتبطة بعضها ببعض بسبب واقعنا المشترك! كانت صداقتنا كالواحة وسط الصحراء تجعل المشاهد يقف رافعاً يده تقديراً وتبجيلاً لنا، نعم تلك هي صداقتنا نماذج خلابة ومشرقة، كنا نجتمع على الخير والصلاح ونحاول أن نزيد ونطور من قدراتنا الفكرية والذهنية ونبتعد عن سفاسف الأمور وصغائرها، كانت عقولنا أكبر بكثير من أعمارنا، كنا نتحدث بأشياء تكبرنا فقد كان لكل واحد منا فلسفته الخاصة به، وكانت لنا مبادئنا التي نؤمن بها إيماناً خالصاً..نعم كنا ثلاثة أصدقاء كالنجوم تتلألأ في السماء.
.. كنا نحلم حلماً جميلاً بأن نقوي ونعمق من صداقتنا بأن نرتبط بثلاث أخوات حتى تزداد الصداقة وتقوى الألفة وقد اتفقنا ذات يوم ونحن في غرفة شاهين بأن يسمي كل واحد منا على اسم صديقه! نعم يا من تقرأ أسطورة ساش كانت أحلامنا بيضاء عملاقة. كنا نحلم ونحلم ولا نتوقف عن الأحلام، فما من إنسان يحيا ويعيش بدون حلم، بدون هدف يسعى إليه ويبذل في سبيله الغالي والنفيس، فالأحلام هي روح الحياة فهي التي تشعرنا بوجودنا، بل إننا بلا أحلام نكون لا شيء أبداً، حتى الحيوانات تعيش مع الأحلام! فهي تحلم ولكن على قدر وجودها ومحيطها! والقاعدة الفلسفية تقول: بما أني أحلم بكذا وكذا إذن أنا موجود! فالأحلام هي المكون لحياتنا وأدق تفاصيلها، ولكن يجب أن تتحرك الأحلام وتنبثق على أرض الواقع بأفعال تصنع من الواقع مستقبلاً نحيا لأجله. كانت أحلامنا نحن الثلاثة عملاقة وعظيمة تقتحم الوجود بأكمله..فقد كنت أدرس الإدارة وأحلم بأن أصبح أستاذاً مشاركاً في الإدارة أحصل على الماجستير والدكتوراه من كلية هالي فاكس (3) في كندا ولأني أبحث عن التميز ولشدة إيماني بأن التميز ليس هو النجاح فقط وإنما هو الغرابة والنجاح معاً!لذلك كنت لا أنفك أقرأ في علم الإدارة وكل ما له صلة من قريب أو بعيد بهذا العلم الذي أعشقه! نعم أعشقه عشقاً جنونياً ارتبط بي منذ شعرت بوجودي، حاولت في جميع قراءاتي أن أصل إلى إجابة شافية عن ذلك التساؤل الإداري الذي يملأ عقلي.
كيف ينجح ويبدع المدير الإداري بدون أن يصدر الأوامر؟
.. كنت أحاول أن أصل إلى الإجابة عن ذلك التساؤل بل إني في فترة من الفترات أصبحت باحثاً فقط عن إجابة لذلك السؤال المحير: كيف يستطيع الإنسان في حياته الاجتماعية بشكل عام أن ينجح بدون أن يصدر الأوامر؟ قرأت في كتب " لاتسو تارتية كينج " وعرفت أن النجاح والتميز في المنظومة الإدارية بدون إصدار الأوامر يسمى: (ذكاء عدم الهجوم أو سيادة الرجال) وقد حصلت على نتيجة مبسطة استخلصتها بعد عدة قراءات في المجال الإداري وهي: أن تلك الفئة من الإداريين يخلقون كذلك من غير قصد أو ذكاء فيهم، ومن خلال نظراتهم يفهم ما يريدون لذلك تنفذ مطالبهم من دون إصدار الأوامر.
***
.. وكان حلمي الكبير بأن أصبح كاتباً ناجحاً أكتب القصة والرواية، أكتب ما أشعر به، أكتب حزني، بل أكتب واقعي! أكتب ما أؤمن به، أكتب لأخمد ذلك الصراع الرهيب المتأجج الثائر في داخلي، إنه صراع من أجل إثبات الوجود وأن أجعل لوجودي وجوداً آخر، نعم وجوداً في هذا الزمان المليء بالعثرات والمتاعب، كنت ومازلت أعتقد أن الموهبة كالكائن البشري يعتريها الكثير من المصاعب والعلل التي تنتاب المخلوقات لذلك حرصت أن أجعل من صديقيَّ موجِّهين لي ومساعدين لي وكذلك أن أجعل من الحلم واقعاً ملموساً واقعاً جميلاً لذلك كنت أكتب القصص وأحضرها لهما ليقرآها ويقوماها وينقداها. كنت بهذه الطريقة أطور قدراتي الكتابية وأخلق فلسفة كتابية خاصة بي أنا، محاولاً أن أكتب الغريب وأن أمارس الجديد وأتخطى القيود والحواجز لكي أرضي شغفي وولهي وحبي للكتابة الجنونية! وعندما أذكر مصطلح "الكتابة الجنونية" فأنا أقصد تلك الكتابة السلسة التي تجعل القارئ يتشوق شوقاً جنونياً لإكمال القراءة، أحاول أن أستحدث وأبتكر بل أخترع لي مساراً خاصاً طريقة جديدة، أحاول أن أجعل قصصي أنا، فأنا مزيج مركب من روايات وأحداث وواقع حزين وغربة مؤلمة! لأجل ذلك فأنا أكتب كما يقودني قلمي، كما يقودني حبيبي! نعم إن القلم عشيقي! أحاول أن أكتب ولا أبحث عن الكلمات بل هي من تبحث عني! كنت ومازلت وسأظل أستشف من العملاق فيدور دستويفسكي فلسفته الخاصة في كتبه والحرب المستمرة التي دائماً ما يخلقها في أشخاص رواياته بين الخير والشر، بين الحق والباطل، ذلك الصراع المستوطن في بني الإنسان..نعم إخوتي إني أحاول أن أستوحي منه تلك الطريقة الرائعة، تلك الفلسفة العجيبة، ذلك السحر الذي يشد القارئ ليكمل الرواية، محاولاً توظيفها في قصصي وفلسفتي بما يتناسب مع معتقداتي وهنا محطة للوقوف والتأمل فليس كل ما يُكتب لديهم يكون صالحاً ومقبولاً من الناحية الخُلقية والاجتماعية لنا. يجب أن نفصل بين المؤلف الذي يحاول النجاح على أكتاف مجتمع وعادات وتقاليد أمته وبين من يحاول ويسعى للنجاح لإصلاح الخلل في نفسه وبعد ذلك يحاول بكل نية سليمة إصلاح الخلل في مجتمعه، إني أعلنها الآن وبعد قراءات متعددة الثقافات أن الكُتاب الآخرين يحترمون أنفسهم باحترامهم لمجتمعاتهم أكثر ألف مرة من كتابنا!! نعم وللأسف فالروائيون عندنا يأخذون نماذج قذرة ويعممونها على مجتمع يضم قمماً شامخة ويجعلون من المرأة وسيلة للوصول إلى غاية قذرة وحقيرة!نعم وللأسف كتابنا يبحثون عن الخلل ليس من أجل إصلاحه ولكن من أجل نشره، فبنشره تزداد مبيعات كتبهم القذرة! آهٍ لأمة تنشر غسيل نفسها! إن الكاتب الناجح هو الذي يحترم نفسه باحترامه وتقديره لأهله ومجتمعه فهو الذي لا يجعل من أخطاء مجتمعه مادة لكي ينتشر بسببها في الآفاق. إن الكاتب الناجح هو الذي يحترم دينه ووطنه وزوجته وأطفاله أيضاً في المستقبل عندما يصبح كهلاً. ألا يخجل هؤلاء من نظرة طفل أو نظرة زوجة؟ ألا يخجل هؤلاء قبل كل شيء من جلسة مصارحة مع الذات ومراجعة للماضي؟ ألا يخجل هؤلاء! يجب أن يفكر كل كاتب ألف مرة قبل أن يكتب سطراً واحداً؛ إن تلك الكلمات البسيطة إما أن تكون قارب نجاة له وإما حبل مشنقة حول رقبته! وهذا الحبل ليس من قبل رقابة دولة أو من قبل الناس وذلك أحياناً لا يهم وإنما من نظرات طفل ينسب إليه. ألا يخجل هؤلاء من جعل مبادئنا وعاداتنا وقيمنا مادة للاستهزاء والسخرية! يجب أن يحترم كل من يكتب سطراً أو مجلداً زوجته وأطفاله ومجتمعه باحترامه لنفسه ودينه وتقاليد مجتمعه، يجب على كل مؤلف أن يسأل نفسه قبل أن يبدأ بالكتابة:
لماذا أكتب؟
ولمن أكتب؟
إذا عرف كل مؤلف الإجابة عن هذين السؤالين استطاع أن يكون متميزاً وناجحاً ومحافظاً على احترامه لنفسه، وللأسف أصبح النجاح في الكتابة أن يذم الكاتب ما نؤمن به ليقال إنه ناجح ومتميز!
***
.. نعم إخوتي إني آخذ من كل بحر قطرة، قطرة تتناسب مع ما أؤمن به وما يجعلني أكثر احتراماً لإنسانيتي، لا يهمني من أين أخذ الحكمة ومن كاتبها ولكن الأهم لديّ أن آخذ ما أؤمن به وما لا يتعارض مع معتقداتي، لذلك تجدني آخذ من العملاق مكسيم غوركي كيف يحاول إصلاح مجتمعه وذلك الحب الجنوني لوطنه ومعتقداته، أحاول أن أفهم الأم! نعم أحاول أن أفهم الأم، لأني لم أفهمها، أحاول أن أعرف الأم كما كتبها مكسيم غوركي. أحاول أن أفهم تلك الجامعة التي لم أدخلها ولم أُقبل بها! وأنتقل إلى بحر آخر إلى جبران خليل جبران لآخذ منه تلك الطريقة السلسة في الكتابة وقدرته العجيبة على شد القارئ لما يقرأ وكذلك لقدرته الخارقة على سبر الأعماق الإنسانية والتغلغل في ملكات الوجدان والتحدث عن النفس وما يختلج فيها من المتناقضات، محاولاً بذلك أن أختطف منه حكمته ووصفه الدقيق لكل شيء، وقد حرصت قبل كل شيء أن أشبع شغفي المعرفي بقراءة السيرة المحمدية وسير الأنبياء وكتب الفقه والمذاهب الأربعة، وكذلك حرصت على أن أقرأ التاريخ، فالتاريخ واقتحامه هو مفتاح الإبداع، وكنت دائماً أضع أمام عيني مقولة: (إن تاريخ العالم قد صنعه الصفوة أي الأقلية) (4). وأنا وصديقاي أقلية. هذه المقولة تضعني وصديقيّ ممن يمتلكون العزيمة والإصرار على تحقيق طموحهم أمام واقع مهم جداً وطريق لا مناص منه وهو التاريخ ومن ثم التاريخ واقتحام التاريخ، إذا كان التاريخ قد صنعته الأقلية فإن قراءة التاريخ ودراسته إذا امتزجت بالحلم والإصرار تصنع إنساناً مفكراً ذكياً يعشق التحدي لأنه قرأ وفهم أن بداية النجاح شعرة بسيطة تمتزج بالعزيمة والإصرار على تحدي وتخطي كل الحواجز والعوائق للوصول إلى إرضاء الذات وإشباع شغف الروح والنفس...
اعذروني إخوتي فقد نسيت أن أقول لكم إننا ثلاثة أصدقاء سامي وأحمد وشاهين.. ثلاثة أصدقاء كالنجوم تتلألأ في السماء.
كنا ثلاثة أصدقاء وعندما أقول أصدقاء فإني أقصد تلك الصداقة التي تتلاشى أمامها كل الحواجز وتقف الدنيا بأسرها إجلالاً واحتراماً لها. نعم إني أقصد تلك الصداقة التي تغيب في محيطها كل المصالح، فقد كنا كالجسد الواحد إذا اشتكى أحد منا قمنا واتحدنا ثلاثتنا لنجدته ومساعدته، كانت أسرارنا في بئر عميقة لا يصل إليها أحد ولا يفكر بشر في أن يقترب منها.فقد كانت أسرارنا متشابكة ومتداخلة ومرتبطة بعضها ببعض بسبب واقعنا المشترك! كانت صداقتنا كالواحة وسط الصحراء تجعل المشاهد يقف رافعاً يده تقديراً وتبجيلاً لنا، نعم تلك هي صداقتنا نماذج خلابة ومشرقة، كنا نجتمع على الخير والصلاح ونحاول أن نزيد ونطور من قدراتنا الفكرية والذهنية ونبتعد عن سفاسف الأمور وصغائرها، كانت عقولنا أكبر بكثير من أعمارنا، كنا نتحدث بأشياء تكبرنا فقد كان لكل واحد منا فلسفته الخاصة به، وكانت لنا مبادئنا التي نؤمن بها إيماناً خالصاً..نعم كنا ثلاثة أصدقاء كالنجوم تتلألأ في السماء.
.. كنا نحلم حلماً جميلاً بأن نقوي ونعمق من صداقتنا بأن نرتبط بثلاث أخوات حتى تزداد الصداقة وتقوى الألفة وقد اتفقنا ذات يوم ونحن في غرفة شاهين بأن يسمي كل واحد منا على اسم صديقه! نعم يا من تقرأ أسطورة ساش كانت أحلامنا بيضاء عملاقة. كنا نحلم ونحلم ولا نتوقف عن الأحلام، فما من إنسان يحيا ويعيش بدون حلم، بدون هدف يسعى إليه ويبذل في سبيله الغالي والنفيس، فالأحلام هي روح الحياة فهي التي تشعرنا بوجودنا، بل إننا بلا أحلام نكون لا شيء أبداً، حتى الحيوانات تعيش مع الأحلام! فهي تحلم ولكن على قدر وجودها ومحيطها! والقاعدة الفلسفية تقول: بما أني أحلم بكذا وكذا إذن أنا موجود! فالأحلام هي المكون لحياتنا وأدق تفاصيلها، ولكن يجب أن تتحرك الأحلام وتنبثق على أرض الواقع بأفعال تصنع من الواقع مستقبلاً نحيا لأجله. كانت أحلامنا نحن الثلاثة عملاقة وعظيمة تقتحم الوجود بأكمله..فقد كنت أدرس الإدارة وأحلم بأن أصبح أستاذاً مشاركاً في الإدارة أحصل على الماجستير والدكتوراه من كلية هالي فاكس (3) في كندا ولأني أبحث عن التميز ولشدة إيماني بأن التميز ليس هو النجاح فقط وإنما هو الغرابة والنجاح معاً!لذلك كنت لا أنفك أقرأ في علم الإدارة وكل ما له صلة من قريب أو بعيد بهذا العلم الذي أعشقه! نعم أعشقه عشقاً جنونياً ارتبط بي منذ شعرت بوجودي، حاولت في جميع قراءاتي أن أصل إلى إجابة شافية عن ذلك التساؤل الإداري الذي يملأ عقلي.
كيف ينجح ويبدع المدير الإداري بدون أن يصدر الأوامر؟
.. كنت أحاول أن أصل إلى الإجابة عن ذلك التساؤل بل إني في فترة من الفترات أصبحت باحثاً فقط عن إجابة لذلك السؤال المحير: كيف يستطيع الإنسان في حياته الاجتماعية بشكل عام أن ينجح بدون أن يصدر الأوامر؟ قرأت في كتب " لاتسو تارتية كينج " وعرفت أن النجاح والتميز في المنظومة الإدارية بدون إصدار الأوامر يسمى: (ذكاء عدم الهجوم أو سيادة الرجال) وقد حصلت على نتيجة مبسطة استخلصتها بعد عدة قراءات في المجال الإداري وهي: أن تلك الفئة من الإداريين يخلقون كذلك من غير قصد أو ذكاء فيهم، ومن خلال نظراتهم يفهم ما يريدون لذلك تنفذ مطالبهم من دون إصدار الأوامر.
***
.. وكان حلمي الكبير بأن أصبح كاتباً ناجحاً أكتب القصة والرواية، أكتب ما أشعر به، أكتب حزني، بل أكتب واقعي! أكتب ما أؤمن به، أكتب لأخمد ذلك الصراع الرهيب المتأجج الثائر في داخلي، إنه صراع من أجل إثبات الوجود وأن أجعل لوجودي وجوداً آخر، نعم وجوداً في هذا الزمان المليء بالعثرات والمتاعب، كنت ومازلت أعتقد أن الموهبة كالكائن البشري يعتريها الكثير من المصاعب والعلل التي تنتاب المخلوقات لذلك حرصت أن أجعل من صديقيَّ موجِّهين لي ومساعدين لي وكذلك أن أجعل من الحلم واقعاً ملموساً واقعاً جميلاً لذلك كنت أكتب القصص وأحضرها لهما ليقرآها ويقوماها وينقداها. كنت بهذه الطريقة أطور قدراتي الكتابية وأخلق فلسفة كتابية خاصة بي أنا، محاولاً أن أكتب الغريب وأن أمارس الجديد وأتخطى القيود والحواجز لكي أرضي شغفي وولهي وحبي للكتابة الجنونية! وعندما أذكر مصطلح "الكتابة الجنونية" فأنا أقصد تلك الكتابة السلسة التي تجعل القارئ يتشوق شوقاً جنونياً لإكمال القراءة، أحاول أن أستحدث وأبتكر بل أخترع لي مساراً خاصاً طريقة جديدة، أحاول أن أجعل قصصي أنا، فأنا مزيج مركب من روايات وأحداث وواقع حزين وغربة مؤلمة! لأجل ذلك فأنا أكتب كما يقودني قلمي، كما يقودني حبيبي! نعم إن القلم عشيقي! أحاول أن أكتب ولا أبحث عن الكلمات بل هي من تبحث عني! كنت ومازلت وسأظل أستشف من العملاق فيدور دستويفسكي فلسفته الخاصة في كتبه والحرب المستمرة التي دائماً ما يخلقها في أشخاص رواياته بين الخير والشر، بين الحق والباطل، ذلك الصراع المستوطن في بني الإنسان..نعم إخوتي إني أحاول أن أستوحي منه تلك الطريقة الرائعة، تلك الفلسفة العجيبة، ذلك السحر الذي يشد القارئ ليكمل الرواية، محاولاً توظيفها في قصصي وفلسفتي بما يتناسب مع معتقداتي وهنا محطة للوقوف والتأمل فليس كل ما يُكتب لديهم يكون صالحاً ومقبولاً من الناحية الخُلقية والاجتماعية لنا. يجب أن نفصل بين المؤلف الذي يحاول النجاح على أكتاف مجتمع وعادات وتقاليد أمته وبين من يحاول ويسعى للنجاح لإصلاح الخلل في نفسه وبعد ذلك يحاول بكل نية سليمة إصلاح الخلل في مجتمعه، إني أعلنها الآن وبعد قراءات متعددة الثقافات أن الكُتاب الآخرين يحترمون أنفسهم باحترامهم لمجتمعاتهم أكثر ألف مرة من كتابنا!! نعم وللأسف فالروائيون عندنا يأخذون نماذج قذرة ويعممونها على مجتمع يضم قمماً شامخة ويجعلون من المرأة وسيلة للوصول إلى غاية قذرة وحقيرة!نعم وللأسف كتابنا يبحثون عن الخلل ليس من أجل إصلاحه ولكن من أجل نشره، فبنشره تزداد مبيعات كتبهم القذرة! آهٍ لأمة تنشر غسيل نفسها! إن الكاتب الناجح هو الذي يحترم نفسه باحترامه وتقديره لأهله ومجتمعه فهو الذي لا يجعل من أخطاء مجتمعه مادة لكي ينتشر بسببها في الآفاق. إن الكاتب الناجح هو الذي يحترم دينه ووطنه وزوجته وأطفاله أيضاً في المستقبل عندما يصبح كهلاً. ألا يخجل هؤلاء من نظرة طفل أو نظرة زوجة؟ ألا يخجل هؤلاء قبل كل شيء من جلسة مصارحة مع الذات ومراجعة للماضي؟ ألا يخجل هؤلاء! يجب أن يفكر كل كاتب ألف مرة قبل أن يكتب سطراً واحداً؛ إن تلك الكلمات البسيطة إما أن تكون قارب نجاة له وإما حبل مشنقة حول رقبته! وهذا الحبل ليس من قبل رقابة دولة أو من قبل الناس وذلك أحياناً لا يهم وإنما من نظرات طفل ينسب إليه. ألا يخجل هؤلاء من جعل مبادئنا وعاداتنا وقيمنا مادة للاستهزاء والسخرية! يجب أن يحترم كل من يكتب سطراً أو مجلداً زوجته وأطفاله ومجتمعه باحترامه لنفسه ودينه وتقاليد مجتمعه، يجب على كل مؤلف أن يسأل نفسه قبل أن يبدأ بالكتابة:
لماذا أكتب؟
ولمن أكتب؟
إذا عرف كل مؤلف الإجابة عن هذين السؤالين استطاع أن يكون متميزاً وناجحاً ومحافظاً على احترامه لنفسه، وللأسف أصبح النجاح في الكتابة أن يذم الكاتب ما نؤمن به ليقال إنه ناجح ومتميز!
***
.. نعم إخوتي إني آخذ من كل بحر قطرة، قطرة تتناسب مع ما أؤمن به وما يجعلني أكثر احتراماً لإنسانيتي، لا يهمني من أين أخذ الحكمة ومن كاتبها ولكن الأهم لديّ أن آخذ ما أؤمن به وما لا يتعارض مع معتقداتي، لذلك تجدني آخذ من العملاق مكسيم غوركي كيف يحاول إصلاح مجتمعه وذلك الحب الجنوني لوطنه ومعتقداته، أحاول أن أفهم الأم! نعم أحاول أن أفهم الأم، لأني لم أفهمها، أحاول أن أعرف الأم كما كتبها مكسيم غوركي. أحاول أن أفهم تلك الجامعة التي لم أدخلها ولم أُقبل بها! وأنتقل إلى بحر آخر إلى جبران خليل جبران لآخذ منه تلك الطريقة السلسة في الكتابة وقدرته العجيبة على شد القارئ لما يقرأ وكذلك لقدرته الخارقة على سبر الأعماق الإنسانية والتغلغل في ملكات الوجدان والتحدث عن النفس وما يختلج فيها من المتناقضات، محاولاً بذلك أن أختطف منه حكمته ووصفه الدقيق لكل شيء، وقد حرصت قبل كل شيء أن أشبع شغفي المعرفي بقراءة السيرة المحمدية وسير الأنبياء وكتب الفقه والمذاهب الأربعة، وكذلك حرصت على أن أقرأ التاريخ، فالتاريخ واقتحامه هو مفتاح الإبداع، وكنت دائماً أضع أمام عيني مقولة: (إن تاريخ العالم قد صنعه الصفوة أي الأقلية) (4). وأنا وصديقاي أقلية. هذه المقولة تضعني وصديقيّ ممن يمتلكون العزيمة والإصرار على تحقيق طموحهم أمام واقع مهم جداً وطريق لا مناص منه وهو التاريخ ومن ثم التاريخ واقتحام التاريخ، إذا كان التاريخ قد صنعته الأقلية فإن قراءة التاريخ ودراسته إذا امتزجت بالحلم والإصرار تصنع إنساناً مفكراً ذكياً يعشق التحدي لأنه قرأ وفهم أن بداية النجاح شعرة بسيطة تمتزج بالعزيمة والإصرار على تحدي وتخطي كل الحواجز والعوائق للوصول إلى إرضاء الذات وإشباع شغف الروح والنفس...
اعذروني إخوتي فقد نسيت أن أقول لكم إننا ثلاثة أصدقاء سامي وأحمد وشاهين.. ثلاثة أصدقاء كالنجوم تتلألأ في السماء.
صفحة 3
(3)
كان كثير التأمل يسرح بخياله وبأفكاره، يرى في كل شيء شيئاً آخر لا يراه إلا هو، كان واسع الخيال يطير بخياله بعيداً عن الوجود وعن الأحداث، يحاول باستمرار أن يكتشف السر في كل شيء، متخيلاً صوراً وهمية لا وجود لها في الواقع يخاطبها وتخاطبه، يناجيها وتناجيه كما يناجي المحب محبوبته! كان دائماً يظل متأملاً فترة طويلة وذلك من أجل أن يشعر بحقائق الحياة وصورها المتعددة. كان يعيش في صراع دائم في داخله، ذلك الداخل الممتلئ بالطموح وبالأحلام، صراع من أجل إثبات الذات وتفجير الكنوز المدفونة، كان دائماً يقول ذلك المتأمل: إن الحياة لغز! لغزٌ كبير! وإنها عجيبة وإنها غدارة! ومن أجل ذلك يجب على كل إنسان أن يجابه اللغز ويبحث عن الإجابة بطريقته هو. ويقول أيضاً: إن اللوحة الفنية حتى وإن كانت خطوطاً بسيطة فهي بحث مستمر عن الحقيقة وهي تحليل لكل موجود وليس تقليداً له.. وهي كذلك بحث عن العلو وليس عن التعالي، فالأول كما يقال حقيقة رائعة والآخر خيال. إنه وحيد يرتدي البساطة ويتغذى بالتأمل ويجلس بالقرب من الطبيعة ليدرك معنى الإبداع والاستغراب! يناجي ذلك الطفل الكائن في كينونته. فدائماً يردد: في كل فنان مهما تغير عرقه وثقافته طفل، طفل يناجيه ويناقشه وأحياناً يعاتبه. إنه الشاعر والرسام والمبدع شاهين، صديقي يسهو في سكينة الليل منتظراً نزول الروح ليبذر في شعره وريشته رياضاً من الإبداع والاختراع! يكتب قصيدة ويضمها بلوحة فنية تجعل المشاهد يبحر ويبحر في عالم غريب، عالم يملأك بالاستغراب، وأنت تتأمل ما يكتب ويرسم ينبثق من داخلك فجأة إنسان آخر يحاورك وتحاوره حواراً مشتركاً بين اثنين! إنه شاهين ذلك الرسام والشاعر والمتأمل، نعم إنه صديقي الفنان الحقيقي الذي يمسك الأشياء من جذورها لينبتها ويعيد تشكيلها بطريقته هو! نعم هو! يعشق الضوء والظل في كل ما يرسم. فكان دائماً يردد: إن كل الأضداد تجتمع في الضوء والظل، الحب والكره، الموت والحياة، الجنة والنار، الليل والنهار، الخير والشر، الحرية والكبت، الظلم والعدل، الحقيقة والباطل.. كل الأضداد تجتمع في الضوء والظل. ومن أجل هذا التباين بين الضوء والظل كان يعشق لوحات الرسام الإيطالي تينتو ريتو ذلك الرسام الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي وتميزت لوحاته بالتباين الشديد بين الضوء والظل وكان صديقي يحلم أن يجعل من ذلك التباين اندماجاً. هذا هو صديقي في غرفته تجد مدرسة مصغرة في الفن التشكيلي بما تحويه من صور لعدد من اللوحات الفنية، إنه عاشق الريشة صديقي...
* * *
.. وأنا أكتب الآن والذكرى ماثلة أمام عيني، صديقي شاهين وتلك اللوحة الكبيرة التي تتوسط غرفته، تلك اللوحة التي لا تجد فيها محتوى رسام من الألوان والخطوط والأشكال وإنما تجد بها ثلاث كلمات تعبر عن ثلاثة أساليب لإدراك الوجود وفهمه ومن ثم تحليله ورسمه: الواقعية، المثالية، التعبيرية. فالواقعية هي محاولة لتصوير العالم كما نراه بالضبط من دون أي تغيير فيه، أما المثالية فهي تبدأ من أساس واقعي وبعد ذلك تنتقي ما تشاء من عالم المحسوسات والمرئيات، أما التعبيرية فهي مبنية على العواطف الذاتية للفنان، فالفن هو نقل للعاطفة كما ذكر ذلك تولستوي... إنك عندما تترك تلك اللوحة وتتأمل ما بجانبها هناك تجد لوحة مطبوعة للفنان فان كوخ وأخرى للرسام الغريكو وخلف سريره تجد لوحة مطبوعة للرسام بول غوغان ذلك الرسام الذي بنيت المدرسة الفنية التي تسمي نفسها بالوحوش عليه. وهي مدرسة تهتم بالزخرفة في الرسم. وبعد أن تلتفت يميناً تجد لوحة مصورة للرسام بول سيزان رائد الحركة التكعيبية وهي الحركة التي ترسم الأشياء وكأنها تلمسها من جميع الجهات، وبجانبها تجد لوحة مطبوعة لذلك الرسام الخطير جداً والأكثر ذكاء بابليو بيكاسو (5)، وتتربع على جدران غرفته لوحات مصورة للرسام والفيلسوف والشاعر جبران خليل جبران فهو العاشق المتيم بجبران.
* * *
هذا هو صديقي شاهين، إنه يحاول العثور على شيء ما أو أمر موجود أصلاً حقيقة كائنة ولكن معناها أو مكان وجودها أو كيفية استغلالها واستعمالها ظلت غامضة منذ عرف الكون! إنه يحاول أن يكتشف في كل إنسان الشيء الغامض المبهم، الشيء الذي لا يراه الإنسان بنفسه، ذلك هو شاهين الرسام! كم أبكي الآن وأنا أتذكر ريشته، كم أبكي وأنا أشاهد لوحاته متأملاً تلك الألوان المندمجة المتفاعلة بعضها مع بعض، وأظل أتأمل لوحاته والدموع تشيعني معلنة أن الليالي التي مضت قد خلقت الذكريات، معلنة أن الدنيا قد ظلمت شاهين! والذكرى تزداد صراخاً في داخلي...
ذكريات الأمس الماضية..
أبحرت بي فوق الأمواج العاتية..
ذكرتني الذكريات بأصدقاء..
لهم داخل قلبي إخاء..
والسنوات مرت الآن والذكرى تعيد إلي تلك الحادثة التي لن أنساها ما حييت عندما اتصلت بشاهين والفرح يملأ عقلي وكل جسدي! نعم فرح النجاح، فرح العودة! قلت له قبل كل شيء: أين أنت يا صديق الروح؟ كنت أريد أن أقابله وأن أبشره. نعم أبشره. فهو يعرف أن سامي ذلك الكاتب القصصي قد مرت عليه ظروف نفسية جعلته يبتعد عن أجواء الكتابة، كنت أريد أن أعطيه قصة كتبتها في يوم واحد، نعم لقد تفجرت في ذلك اليوم الغريب من أيام الشتاء، كتبت وكتبت وعندما أنهيت الكتابة لم أفعل ولم أفكر إلا في أن أبشر أعز البشر شاهين، قابلته وأعطيته القصة، تلك القصة التي تتحدث عن الفوضى، فوضى العواطف والمشاعر لدى البشر، تتحدث عن الحب العذري الذي يكتمل بالارتباط، كنت فرحاً وأنا أتأمل نظرات صاحبي تلك النظرات التي تزرع الثقة وتحييها في شخص سامي، كم كنت سعيداً وأنا أمسك القصة. عشرون ورقة، عشرون ورقة أخرجتها من روحي ومن قلبي! عشرون ورقة أول من لمسها وقرأها صديقي شاهين، عشرون ورقة هي الأقرب إلى روحي، أعطيته الأوراق وتركته ليتفرغ لقراءتها. خرجت مسرعاً أمشي والسعادة تملأ روحي، لست عاشقاً عادت إليه معشوقته ولست أباً ينتظر رجوع ولده وفجأة رجع والنجاح وسامه، لا لست أي شيء! بل أنا كاتب وأحاول أن أصبح كاتباً بكل ما في هذه الكلمة من جبروت وعظمة! إني سعيد جداً لأن القلم عاد إليّ، أحسست أن الدنيا لا شيء أمام سعادتي! كيف يتكون العشق بين كاتب وقلم! كيف يتحول هذا العشق إلى جنون؟ نعم كنت كذلك في ذلك اليوم لقد عاد إليّ معشوقي! بعد أن تركت صديقي خرجت أمشي والفرح يُظهر علامات من الابتسامات! لقد كنت الأسعد في ذلك الوقت، وبينما أنا والسعادة نمشي في الشوارع اتصل بي شاهين طالباً مني أن أعود إليه، وكنت تركته قبل ثلاث ساعات تقريباً وبسرعة البرق توجهت إلى غرفة شاهين، دخلت الغرفة وإذ به يستقبلني ويمد لي لوحة! نعم لوحة قد وقع في ركنها كاتباً (العفاف) قلت له والاندهاش يمتلكني: ما هذه اللوحة الرائعة؟ قال لي وتقاسيم وجهه تمتلئ بالمحبة والود: هي لك! رددت عليه والحيرة تقتحم تفاصيل وجهي الفرح: لي أنا لماذا؟ فرد عليّ صديقي قائلاً: هذه لوحة رسمتها ريشتي قبل ساعة تمثل أبطال قصتك! عندما سمعت ما قال لم أستطع أن أرد أو أن أتكلم أو أن أعبر، لقد أُصبت بالعجز ولم استطع خلق الكلمات وأنا الكاتب! لقد كان الموقف أكبر من كل الدنيا، بدأت نظرات الصداقة تكمل سرد الحكاية، اقتربت منه وقبلت جبينه! أتعلمون لماذا قبلت جبينه؟! لأنه بهذه اللوحة قد حقق لي أحد أحلامي بأن يرسم فنان أبطال قصصي كالعمالقة! وأنا أتذكر تلك الحادثة أتساءل: هل يوجد أصدقاء في هذه الدنيا مثلنا؟ هل يوجد ارتباط وانسجام روحي مثلنا؟ هل يوجد إحساس بالطرف الآخر ومعرفة بمشاعره كما يحصل بيننا؟ نعم كنا ثلاثة أصدقاء...
هذا هو شاهين صديقي الشاعر والرسام والمتأمل والطيب لقد كان أطولنا وأكثرنا هيبة جسدية تمنحه طلة شامخة، وكانت الحبوب تتناثر على وجهه من أجل ذلك كان دائماً يردد: "هذا هو جزاء الرسام". هذا هو شاهين يدرس في كلية الفن التشكيلي والحالم بأن يصبح كجبران فيلسوفاً ورساماً وشاعراً. لذلك كان يدرس في النهار ويرسم في الليل وحدته وعزلته ويكتب القصائد كل ذلك من أجل أن يثبت وجوده، كان يحلم بأن يكمل دراسته في الفن التشكيلي بإيطاليا، نعم هذا هو شاهين ينبوع من القوة والعظمة والإرادة وأيضاً من الشفقة والشعور بالآخرين.. هذا هو صديقي شاهين.. كنا ثلاثة أصدقاء كالنجوم تتلألأ في السماء.
كان كثير التأمل يسرح بخياله وبأفكاره، يرى في كل شيء شيئاً آخر لا يراه إلا هو، كان واسع الخيال يطير بخياله بعيداً عن الوجود وعن الأحداث، يحاول باستمرار أن يكتشف السر في كل شيء، متخيلاً صوراً وهمية لا وجود لها في الواقع يخاطبها وتخاطبه، يناجيها وتناجيه كما يناجي المحب محبوبته! كان دائماً يظل متأملاً فترة طويلة وذلك من أجل أن يشعر بحقائق الحياة وصورها المتعددة. كان يعيش في صراع دائم في داخله، ذلك الداخل الممتلئ بالطموح وبالأحلام، صراع من أجل إثبات الذات وتفجير الكنوز المدفونة، كان دائماً يقول ذلك المتأمل: إن الحياة لغز! لغزٌ كبير! وإنها عجيبة وإنها غدارة! ومن أجل ذلك يجب على كل إنسان أن يجابه اللغز ويبحث عن الإجابة بطريقته هو. ويقول أيضاً: إن اللوحة الفنية حتى وإن كانت خطوطاً بسيطة فهي بحث مستمر عن الحقيقة وهي تحليل لكل موجود وليس تقليداً له.. وهي كذلك بحث عن العلو وليس عن التعالي، فالأول كما يقال حقيقة رائعة والآخر خيال. إنه وحيد يرتدي البساطة ويتغذى بالتأمل ويجلس بالقرب من الطبيعة ليدرك معنى الإبداع والاستغراب! يناجي ذلك الطفل الكائن في كينونته. فدائماً يردد: في كل فنان مهما تغير عرقه وثقافته طفل، طفل يناجيه ويناقشه وأحياناً يعاتبه. إنه الشاعر والرسام والمبدع شاهين، صديقي يسهو في سكينة الليل منتظراً نزول الروح ليبذر في شعره وريشته رياضاً من الإبداع والاختراع! يكتب قصيدة ويضمها بلوحة فنية تجعل المشاهد يبحر ويبحر في عالم غريب، عالم يملأك بالاستغراب، وأنت تتأمل ما يكتب ويرسم ينبثق من داخلك فجأة إنسان آخر يحاورك وتحاوره حواراً مشتركاً بين اثنين! إنه شاهين ذلك الرسام والشاعر والمتأمل، نعم إنه صديقي الفنان الحقيقي الذي يمسك الأشياء من جذورها لينبتها ويعيد تشكيلها بطريقته هو! نعم هو! يعشق الضوء والظل في كل ما يرسم. فكان دائماً يردد: إن كل الأضداد تجتمع في الضوء والظل، الحب والكره، الموت والحياة، الجنة والنار، الليل والنهار، الخير والشر، الحرية والكبت، الظلم والعدل، الحقيقة والباطل.. كل الأضداد تجتمع في الضوء والظل. ومن أجل هذا التباين بين الضوء والظل كان يعشق لوحات الرسام الإيطالي تينتو ريتو ذلك الرسام الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي وتميزت لوحاته بالتباين الشديد بين الضوء والظل وكان صديقي يحلم أن يجعل من ذلك التباين اندماجاً. هذا هو صديقي في غرفته تجد مدرسة مصغرة في الفن التشكيلي بما تحويه من صور لعدد من اللوحات الفنية، إنه عاشق الريشة صديقي...
* * *
.. وأنا أكتب الآن والذكرى ماثلة أمام عيني، صديقي شاهين وتلك اللوحة الكبيرة التي تتوسط غرفته، تلك اللوحة التي لا تجد فيها محتوى رسام من الألوان والخطوط والأشكال وإنما تجد بها ثلاث كلمات تعبر عن ثلاثة أساليب لإدراك الوجود وفهمه ومن ثم تحليله ورسمه: الواقعية، المثالية، التعبيرية. فالواقعية هي محاولة لتصوير العالم كما نراه بالضبط من دون أي تغيير فيه، أما المثالية فهي تبدأ من أساس واقعي وبعد ذلك تنتقي ما تشاء من عالم المحسوسات والمرئيات، أما التعبيرية فهي مبنية على العواطف الذاتية للفنان، فالفن هو نقل للعاطفة كما ذكر ذلك تولستوي... إنك عندما تترك تلك اللوحة وتتأمل ما بجانبها هناك تجد لوحة مطبوعة للفنان فان كوخ وأخرى للرسام الغريكو وخلف سريره تجد لوحة مطبوعة للرسام بول غوغان ذلك الرسام الذي بنيت المدرسة الفنية التي تسمي نفسها بالوحوش عليه. وهي مدرسة تهتم بالزخرفة في الرسم. وبعد أن تلتفت يميناً تجد لوحة مصورة للرسام بول سيزان رائد الحركة التكعيبية وهي الحركة التي ترسم الأشياء وكأنها تلمسها من جميع الجهات، وبجانبها تجد لوحة مطبوعة لذلك الرسام الخطير جداً والأكثر ذكاء بابليو بيكاسو (5)، وتتربع على جدران غرفته لوحات مصورة للرسام والفيلسوف والشاعر جبران خليل جبران فهو العاشق المتيم بجبران.
* * *
هذا هو صديقي شاهين، إنه يحاول العثور على شيء ما أو أمر موجود أصلاً حقيقة كائنة ولكن معناها أو مكان وجودها أو كيفية استغلالها واستعمالها ظلت غامضة منذ عرف الكون! إنه يحاول أن يكتشف في كل إنسان الشيء الغامض المبهم، الشيء الذي لا يراه الإنسان بنفسه، ذلك هو شاهين الرسام! كم أبكي الآن وأنا أتذكر ريشته، كم أبكي وأنا أشاهد لوحاته متأملاً تلك الألوان المندمجة المتفاعلة بعضها مع بعض، وأظل أتأمل لوحاته والدموع تشيعني معلنة أن الليالي التي مضت قد خلقت الذكريات، معلنة أن الدنيا قد ظلمت شاهين! والذكرى تزداد صراخاً في داخلي...
ذكريات الأمس الماضية..
أبحرت بي فوق الأمواج العاتية..
ذكرتني الذكريات بأصدقاء..
لهم داخل قلبي إخاء..
والسنوات مرت الآن والذكرى تعيد إلي تلك الحادثة التي لن أنساها ما حييت عندما اتصلت بشاهين والفرح يملأ عقلي وكل جسدي! نعم فرح النجاح، فرح العودة! قلت له قبل كل شيء: أين أنت يا صديق الروح؟ كنت أريد أن أقابله وأن أبشره. نعم أبشره. فهو يعرف أن سامي ذلك الكاتب القصصي قد مرت عليه ظروف نفسية جعلته يبتعد عن أجواء الكتابة، كنت أريد أن أعطيه قصة كتبتها في يوم واحد، نعم لقد تفجرت في ذلك اليوم الغريب من أيام الشتاء، كتبت وكتبت وعندما أنهيت الكتابة لم أفعل ولم أفكر إلا في أن أبشر أعز البشر شاهين، قابلته وأعطيته القصة، تلك القصة التي تتحدث عن الفوضى، فوضى العواطف والمشاعر لدى البشر، تتحدث عن الحب العذري الذي يكتمل بالارتباط، كنت فرحاً وأنا أتأمل نظرات صاحبي تلك النظرات التي تزرع الثقة وتحييها في شخص سامي، كم كنت سعيداً وأنا أمسك القصة. عشرون ورقة، عشرون ورقة أخرجتها من روحي ومن قلبي! عشرون ورقة أول من لمسها وقرأها صديقي شاهين، عشرون ورقة هي الأقرب إلى روحي، أعطيته الأوراق وتركته ليتفرغ لقراءتها. خرجت مسرعاً أمشي والسعادة تملأ روحي، لست عاشقاً عادت إليه معشوقته ولست أباً ينتظر رجوع ولده وفجأة رجع والنجاح وسامه، لا لست أي شيء! بل أنا كاتب وأحاول أن أصبح كاتباً بكل ما في هذه الكلمة من جبروت وعظمة! إني سعيد جداً لأن القلم عاد إليّ، أحسست أن الدنيا لا شيء أمام سعادتي! كيف يتكون العشق بين كاتب وقلم! كيف يتحول هذا العشق إلى جنون؟ نعم كنت كذلك في ذلك اليوم لقد عاد إليّ معشوقي! بعد أن تركت صديقي خرجت أمشي والفرح يُظهر علامات من الابتسامات! لقد كنت الأسعد في ذلك الوقت، وبينما أنا والسعادة نمشي في الشوارع اتصل بي شاهين طالباً مني أن أعود إليه، وكنت تركته قبل ثلاث ساعات تقريباً وبسرعة البرق توجهت إلى غرفة شاهين، دخلت الغرفة وإذ به يستقبلني ويمد لي لوحة! نعم لوحة قد وقع في ركنها كاتباً (العفاف) قلت له والاندهاش يمتلكني: ما هذه اللوحة الرائعة؟ قال لي وتقاسيم وجهه تمتلئ بالمحبة والود: هي لك! رددت عليه والحيرة تقتحم تفاصيل وجهي الفرح: لي أنا لماذا؟ فرد عليّ صديقي قائلاً: هذه لوحة رسمتها ريشتي قبل ساعة تمثل أبطال قصتك! عندما سمعت ما قال لم أستطع أن أرد أو أن أتكلم أو أن أعبر، لقد أُصبت بالعجز ولم استطع خلق الكلمات وأنا الكاتب! لقد كان الموقف أكبر من كل الدنيا، بدأت نظرات الصداقة تكمل سرد الحكاية، اقتربت منه وقبلت جبينه! أتعلمون لماذا قبلت جبينه؟! لأنه بهذه اللوحة قد حقق لي أحد أحلامي بأن يرسم فنان أبطال قصصي كالعمالقة! وأنا أتذكر تلك الحادثة أتساءل: هل يوجد أصدقاء في هذه الدنيا مثلنا؟ هل يوجد ارتباط وانسجام روحي مثلنا؟ هل يوجد إحساس بالطرف الآخر ومعرفة بمشاعره كما يحصل بيننا؟ نعم كنا ثلاثة أصدقاء...
هذا هو شاهين صديقي الشاعر والرسام والمتأمل والطيب لقد كان أطولنا وأكثرنا هيبة جسدية تمنحه طلة شامخة، وكانت الحبوب تتناثر على وجهه من أجل ذلك كان دائماً يردد: "هذا هو جزاء الرسام". هذا هو شاهين يدرس في كلية الفن التشكيلي والحالم بأن يصبح كجبران فيلسوفاً ورساماً وشاعراً. لذلك كان يدرس في النهار ويرسم في الليل وحدته وعزلته ويكتب القصائد كل ذلك من أجل أن يثبت وجوده، كان يحلم بأن يكمل دراسته في الفن التشكيلي بإيطاليا، نعم هذا هو شاهين ينبوع من القوة والعظمة والإرادة وأيضاً من الشفقة والشعور بالآخرين.. هذا هو صديقي شاهين.. كنا ثلاثة أصدقاء كالنجوم تتلألأ في السماء.
صفحة 4
(4)
كثيرٌ هم أولئك المتأملون، المستغربون، أولئك الذين يعيشون في استغراب واضطراب دائم ولا يبرحون يتساءلون:
لماذا وقع هذا؟
لماذا يحدث كل ذلك؟
إلى متى يستمر ذلك؟
ما هو الموت قبل الوجود!؟
لماذا أنا كذلك؟
كثيرٌ هم المستغربون من كل شيء موجود في حياة البشر، كثيرٌ هم أولئك المتعجبون، أولئك الذين يعتقدون أن الحياة ليست إلا أضحوكة تمتلئ بالمتناقضات! كثيرٌ هم أولئك البشر الذين يعتقدون أن كل شيء موجود بين يدي الإنسان ومع ذلك يدع الإنسان كل شيء يمر أمامه بلا أي فعل أو حتى صوت! كثيرٌ هم أولئك الذين يوصفون بأنهم بشر. ولكن لقب الإنسان أو من يستحق أن يكون إنساناً من وجهة نظر أولئك المستغربين هم أولئك الأشخاص الذين ينذرون أنفسهم وحياتهم من أجل تحطيم كل العوائق والظروف التي تغيب وتغلق عقل الإنسان!
.. كان أكثر المستغربين استغراباً، بل كان أكثر الناس تعجباً واستفهاماً، كان يرى في كل شيء أشياء وليس شيئاً واحداً! كان دائماً يقول: "إني باحث! باحث ومفتش عن الفضيلة! إني باحث عن الحق! عن الحقيقة، إني مؤمن بالحرية التي أساسها ومنبعها العدالة! إني أبحث عن الفضيلة الكبرى عن الحكمة، في مدينة الفارابي كل شيء يجعل الإنسان حكيماً! نعم إني أبحث عن حقيقة الأشياء". وعندما نسأله: أية حقيقة؟ كان يرد والاستغراب قد ملأ تفاصيل وجهه قائلاً: "الحقيقة للأسف لا أعرفها! ولو كنت أعرفها لما بحثت عنها! إني أحاول أن أقوم بالتفكير، أحاول أن أصل إلى حقيقة ما هو ضروري أو باطل أو ما هو صالح أو مقيد ومضلل وفاسد! إني كسقراط أحاول أن أسأل أسئلة متعددة من أجل أن أقترب ولو مجرد اقتراب من فضيلة الذات لمحبة الأشياء الجميلة، إنني كسقراط وكالفارابي! أمثلهما في هذا الزمان! أحاول أن أصل إلى الحقيقة التي تقودني إلى الحكمة، لكني وفي الوقت نفسه أعترف أني لن ولن أصل إلى حقيقة كل شيء! فالوصول إلى ذلك الهدف أشبه بحلم لا يطال! ولكني أحاول أن أتعرف على جزء يسير من تلك الحقيقة! أنا أفكر وأستمر بالتفكير والتأمل لكي أشعر بوجودي، لست وجودياً ولست من أنصار الفلسفة الوجودية التي تعطي الحرية الكاملة والمطلقة لكل رغبات الذات وملذاتها والتي بدورها تقود لا محالة إلى الشك والانحلال، فأنا أؤمن بوجود خالق ومسير لهذا الكون ولكني أؤمن بحسب فهمي! عندما أتفلسف فهذا لا يعني أني ملحد أو غير مؤمن، بل إني أتفلسف وأحاول ذلك من أجل إسعاد ذاتي! قد يقول قائل: السعادة لا تأتي هكذا! ولكن هذا القائل لا يعرف أن للسعادة أوجهاً متعددة وسمات متنوعة، إني أحاول أن أعيش وحيداً متفلسفاً وأحياناً ساخطاً فقط وذلك من أجل أن أكون سعيداً!! فالسعادة تكمن أحياناً في إذلال الذات وكبح ملذاتها وشهواتها وجعلها حزينة! إنني كسير الجناح! محطم حتى أبعد الحدود، أشعر أني حي ولكني ميت! وميت ولكني حي! صحيح أن القدر هو الذي اختارني وصديقيّ لذلك الواقع الأليم الفظيع ولكن ما حيلتي يجب أن أحيا هذا الواقع، يجب أن أفسر كل شيء تفسيراً آخر، يجب أن أقلب المعادلات حتى أجد الحلول الأخرى وإذا لزم الأمر أخترع حلولاً جديدة! يجب أن أقوم بالتفلسف وأحياناً بالتخبط! فكلنا نذهب في طريق نشذ ونتخبط ولكننا نعود إلى الحق والحقيقة نرجع إلى الحكمة إلى الفضيلة، يجب أن أجد نفسي وأبحث عنها! وأجعل غيري يعرف من أكون ومن أنا!!"
"... إني أحتفل بنفسي وأتغنى بنفسي..
وكل ما أدعيه أنا عليك أنت أن تدعيه
لأن كل ذرة تنتمي إليّ تنتمي إليك أنت أيضاً..
ها هي ذي المائدة قد مدت بالتساوي للجميع.. وهاهو ذا الطعام للجوع الطبيعي
وهو للطالحين كما للصالحين.. إني أضرب المواعيد للجميع!!
ولن أقبل أن يُهمل أحد أو يمس شعوره بشيء
فالخلية المستقعدة، والطفيلي، واللص، كلهم مدعون ههنا..
والعبد بشفتيه الغليظتين مدعو، والممروض جنسياً مدعو،
وليس بينهم وبين الآخرين من فرق.
أنا شاعر المرأة والرجل سواء بسواء،
وأقول إن المرأة عظيمة كالرجل،
وأقول ليس هناك ما هو أعظم من والدة الرجال.
إني لست شاعر الخير فحسب، إني لا أرفض أن أكون شاعر الشر أيضاً
ما هذا الهذر عن الفضيلة و الرذيلة؟
فالشر يدفعني وإصلاح الشر يدفعني، أما أنا فأقف غير مبالٍ،
فليست مشيتي مشية من يبرز العيوب ويكثر الرفض.
إني لأرطّب جذور كل شيء ينمو ويترعرع.
بين ثناياي عديد من أصوات طويلة بكماء،
أصوات أجيال لا تنتهي من المساجين والعبيد،
أصوات الممروضين واليائسين واللصوص والأقزام،
كثيرٌ هم أولئك المتأملون، المستغربون، أولئك الذين يعيشون في استغراب واضطراب دائم ولا يبرحون يتساءلون:
لماذا وقع هذا؟
لماذا يحدث كل ذلك؟
إلى متى يستمر ذلك؟
ما هو الموت قبل الوجود!؟
لماذا أنا كذلك؟
كثيرٌ هم المستغربون من كل شيء موجود في حياة البشر، كثيرٌ هم أولئك المتعجبون، أولئك الذين يعتقدون أن الحياة ليست إلا أضحوكة تمتلئ بالمتناقضات! كثيرٌ هم أولئك البشر الذين يعتقدون أن كل شيء موجود بين يدي الإنسان ومع ذلك يدع الإنسان كل شيء يمر أمامه بلا أي فعل أو حتى صوت! كثيرٌ هم أولئك الذين يوصفون بأنهم بشر. ولكن لقب الإنسان أو من يستحق أن يكون إنساناً من وجهة نظر أولئك المستغربين هم أولئك الأشخاص الذين ينذرون أنفسهم وحياتهم من أجل تحطيم كل العوائق والظروف التي تغيب وتغلق عقل الإنسان!
.. كان أكثر المستغربين استغراباً، بل كان أكثر الناس تعجباً واستفهاماً، كان يرى في كل شيء أشياء وليس شيئاً واحداً! كان دائماً يقول: "إني باحث! باحث ومفتش عن الفضيلة! إني باحث عن الحق! عن الحقيقة، إني مؤمن بالحرية التي أساسها ومنبعها العدالة! إني أبحث عن الفضيلة الكبرى عن الحكمة، في مدينة الفارابي كل شيء يجعل الإنسان حكيماً! نعم إني أبحث عن حقيقة الأشياء". وعندما نسأله: أية حقيقة؟ كان يرد والاستغراب قد ملأ تفاصيل وجهه قائلاً: "الحقيقة للأسف لا أعرفها! ولو كنت أعرفها لما بحثت عنها! إني أحاول أن أقوم بالتفكير، أحاول أن أصل إلى حقيقة ما هو ضروري أو باطل أو ما هو صالح أو مقيد ومضلل وفاسد! إني كسقراط أحاول أن أسأل أسئلة متعددة من أجل أن أقترب ولو مجرد اقتراب من فضيلة الذات لمحبة الأشياء الجميلة، إنني كسقراط وكالفارابي! أمثلهما في هذا الزمان! أحاول أن أصل إلى الحقيقة التي تقودني إلى الحكمة، لكني وفي الوقت نفسه أعترف أني لن ولن أصل إلى حقيقة كل شيء! فالوصول إلى ذلك الهدف أشبه بحلم لا يطال! ولكني أحاول أن أتعرف على جزء يسير من تلك الحقيقة! أنا أفكر وأستمر بالتفكير والتأمل لكي أشعر بوجودي، لست وجودياً ولست من أنصار الفلسفة الوجودية التي تعطي الحرية الكاملة والمطلقة لكل رغبات الذات وملذاتها والتي بدورها تقود لا محالة إلى الشك والانحلال، فأنا أؤمن بوجود خالق ومسير لهذا الكون ولكني أؤمن بحسب فهمي! عندما أتفلسف فهذا لا يعني أني ملحد أو غير مؤمن، بل إني أتفلسف وأحاول ذلك من أجل إسعاد ذاتي! قد يقول قائل: السعادة لا تأتي هكذا! ولكن هذا القائل لا يعرف أن للسعادة أوجهاً متعددة وسمات متنوعة، إني أحاول أن أعيش وحيداً متفلسفاً وأحياناً ساخطاً فقط وذلك من أجل أن أكون سعيداً!! فالسعادة تكمن أحياناً في إذلال الذات وكبح ملذاتها وشهواتها وجعلها حزينة! إنني كسير الجناح! محطم حتى أبعد الحدود، أشعر أني حي ولكني ميت! وميت ولكني حي! صحيح أن القدر هو الذي اختارني وصديقيّ لذلك الواقع الأليم الفظيع ولكن ما حيلتي يجب أن أحيا هذا الواقع، يجب أن أفسر كل شيء تفسيراً آخر، يجب أن أقلب المعادلات حتى أجد الحلول الأخرى وإذا لزم الأمر أخترع حلولاً جديدة! يجب أن أقوم بالتفلسف وأحياناً بالتخبط! فكلنا نذهب في طريق نشذ ونتخبط ولكننا نعود إلى الحق والحقيقة نرجع إلى الحكمة إلى الفضيلة، يجب أن أجد نفسي وأبحث عنها! وأجعل غيري يعرف من أكون ومن أنا!!"
"... إني أحتفل بنفسي وأتغنى بنفسي..
وكل ما أدعيه أنا عليك أنت أن تدعيه
لأن كل ذرة تنتمي إليّ تنتمي إليك أنت أيضاً..
ها هي ذي المائدة قد مدت بالتساوي للجميع.. وهاهو ذا الطعام للجوع الطبيعي
وهو للطالحين كما للصالحين.. إني أضرب المواعيد للجميع!!
ولن أقبل أن يُهمل أحد أو يمس شعوره بشيء
فالخلية المستقعدة، والطفيلي، واللص، كلهم مدعون ههنا..
والعبد بشفتيه الغليظتين مدعو، والممروض جنسياً مدعو،
وليس بينهم وبين الآخرين من فرق.
أنا شاعر المرأة والرجل سواء بسواء،
وأقول إن المرأة عظيمة كالرجل،
وأقول ليس هناك ما هو أعظم من والدة الرجال.
إني لست شاعر الخير فحسب، إني لا أرفض أن أكون شاعر الشر أيضاً
ما هذا الهذر عن الفضيلة و الرذيلة؟
فالشر يدفعني وإصلاح الشر يدفعني، أما أنا فأقف غير مبالٍ،
فليست مشيتي مشية من يبرز العيوب ويكثر الرفض.
إني لأرطّب جذور كل شيء ينمو ويترعرع.
بين ثناياي عديد من أصوات طويلة بكماء،
أصوات أجيال لا تنتهي من المساجين والعبيد،
أصوات الممروضين واليائسين واللصوص والأقزام،
صفحة 5
أصوات دورات من التمهيد والتراكم،
والخيوط التي تربط بين النجوم، والأرحام ونطفة الآباء،
وحقوق الذين داسهم الآخرون،
والمشوهين والعاديين والفاهين والحمقى والمحتقرين،
والضباب في الهواء والصراصير تدحرج كريات من الزبل.
بين ثناياي أصوات محترمة،
أصوات الجنس والفحشاء، أصوات محجّبة أرفع عنها الحجاب
أصوات خليعة أنقيها وأبدل أشكالها.
أظن أن بوسعي أن أذهب وأعيش مع الحيوانات، فهي مستكينة قانعة بنفسها.
وإني لأقف وأطيل إليها النظر.
فهي لا تعرف جهداً ولا تئنّ متشكية من أحوالها،
ولا تأرق في الظلام وتبكي لخطاياها،
ولا تُضيق صدري بحديثها عن واجبها تجاه ربها،
وليس بينها حيوان يتذمر، أو حيوان جُنّ بسعيه وراء المقتنيات،
لا يخر أحدها ساجداً لآخر، أو لبني جنسه ممن عاشوا قبل آلاف السنين،
وليس بينها وجيه أو بائس على وجه البسيطة كلها.
هذه هي المدينة، وأنا أحد سكانها.
وما يهم الغير يهمني: السياسة والحروب والأسواق والجرائد والمدارس،
ورئيس البلدية، والمجالس، والمصارف، والمكوس،
والبواخر، والمصانع والأسهم، والمخازن والعقارات والأراضي.
لقد آن لي أن أفسر نفسي ـ فلنقف!
المعلوم أنضوه عني،
وأقذف بالرجال والنساء جميعاً في غمرة المجهول.
تدل الساعة على اللحظة هذه ـ ولكن ما الذي تدل عليه الأبدية؟
الماضي والحاضر في ذبول ـ لقد ملأتهما، وأفرغتهما،
وها أنا أستمر فأملأ ثنايا المستقبل.
أيها المصغي هناك! أعندك ما تُسره في أذني؟
أنظر في وجهي وأنا انتشق عطر المساء،
(وتكلم بإخلاص، فليس من يسمعك غيري، ولن أمكث إلا دقيقة أخرى).
أتراني أناقض نفسي؟
حسناً إذن، إنني أناقض نفسي،
(عظيم الاتساع أنا، وأحوي الجموع الزاخرة).
لقد ركزت همي في الذين هم قربي، وأنا على عتبة الباب أنتظرهم.
من فزع من عمل يومه؟ من ينتهي من عشائه قبل غيره؟
من يريد المشي برفقتي؟
تكلم قبل أن أذهب، أم أنك ستبطئ فيفوت الأوان؟
لن تكاد تعرف من أنا أو ماذا أعني،
ولكني، إلى ذلك، سأكون صحة لك طيبة،
وأنقي دمك وأنسِغُه،
فإذا لم تجدني بادئ الأمر، تشجع،
وإذا افتقدتني في مكان، ابحث عني في مكان آخر.
لقد وقفت في مكان ما في انتظارك..." (6)
***
والخيوط التي تربط بين النجوم، والأرحام ونطفة الآباء،
وحقوق الذين داسهم الآخرون،
والمشوهين والعاديين والفاهين والحمقى والمحتقرين،
والضباب في الهواء والصراصير تدحرج كريات من الزبل.
بين ثناياي أصوات محترمة،
أصوات الجنس والفحشاء، أصوات محجّبة أرفع عنها الحجاب
أصوات خليعة أنقيها وأبدل أشكالها.
أظن أن بوسعي أن أذهب وأعيش مع الحيوانات، فهي مستكينة قانعة بنفسها.
وإني لأقف وأطيل إليها النظر.
فهي لا تعرف جهداً ولا تئنّ متشكية من أحوالها،
ولا تأرق في الظلام وتبكي لخطاياها،
ولا تُضيق صدري بحديثها عن واجبها تجاه ربها،
وليس بينها حيوان يتذمر، أو حيوان جُنّ بسعيه وراء المقتنيات،
لا يخر أحدها ساجداً لآخر، أو لبني جنسه ممن عاشوا قبل آلاف السنين،
وليس بينها وجيه أو بائس على وجه البسيطة كلها.
هذه هي المدينة، وأنا أحد سكانها.
وما يهم الغير يهمني: السياسة والحروب والأسواق والجرائد والمدارس،
ورئيس البلدية، والمجالس، والمصارف، والمكوس،
والبواخر، والمصانع والأسهم، والمخازن والعقارات والأراضي.
لقد آن لي أن أفسر نفسي ـ فلنقف!
المعلوم أنضوه عني،
وأقذف بالرجال والنساء جميعاً في غمرة المجهول.
تدل الساعة على اللحظة هذه ـ ولكن ما الذي تدل عليه الأبدية؟
الماضي والحاضر في ذبول ـ لقد ملأتهما، وأفرغتهما،
وها أنا أستمر فأملأ ثنايا المستقبل.
أيها المصغي هناك! أعندك ما تُسره في أذني؟
أنظر في وجهي وأنا انتشق عطر المساء،
(وتكلم بإخلاص، فليس من يسمعك غيري، ولن أمكث إلا دقيقة أخرى).
أتراني أناقض نفسي؟
حسناً إذن، إنني أناقض نفسي،
(عظيم الاتساع أنا، وأحوي الجموع الزاخرة).
لقد ركزت همي في الذين هم قربي، وأنا على عتبة الباب أنتظرهم.
من فزع من عمل يومه؟ من ينتهي من عشائه قبل غيره؟
من يريد المشي برفقتي؟
تكلم قبل أن أذهب، أم أنك ستبطئ فيفوت الأوان؟
لن تكاد تعرف من أنا أو ماذا أعني،
ولكني، إلى ذلك، سأكون صحة لك طيبة،
وأنقي دمك وأنسِغُه،
فإذا لم تجدني بادئ الأمر، تشجع،
وإذا افتقدتني في مكان، ابحث عني في مكان آخر.
لقد وقفت في مكان ما في انتظارك..." (6)
***
صفحة 6
إنني خليط مركب، خليط معقد أحياناً، وسهل أحياناً أخرى! خليط من ولت وتمن من أفلاطون من سقراط وبرجسون وغوته وفريدريك نيتشه وأبقراط وابن خلدون وبلزاك وجوجول والقصيمي صديقي! خليط من كل شيء، أحاول أن أطبق تعريف الثقافة فآخذ من كل شيء شيئاً بسيطاً! أحاول أن أجعل الشيء يختلط مع الشيء الآخر، إنني خليط من الماضي البعيد جداً وخليط من ذلك الماضي القريب، وخليط من هذا الحاضر، من هذا الواقع الأليم الذي أعيشه وأعيش كل جزء منه والجرح يزداد! إنني إنسان مجروح ينزف ألماً، مجروح ليس من حبيبة تركتني وحيداً وليس من صديق خذلني، لا والله بل أنا مجروح بسبب واقع! وأبكي على واقعي وأمقت هذا المجتمع الذي هو تجسيد لهذا الواقع! وأشعر بالكره لهذا المجتمع وكثيراً ما أحتقر كل جزيئات الحياة وأحياناً أصل إلى احتقار ذاتي! إن الفلسفة والتفلسف تجعلني أبتعد بخيالي على الأقل عن هذا الواقع المؤلم المحزن، تجعلني أذهب إلى مكان بعيد جداً. وحدنا أنا وفيلسوف نجلس معاًً نتفلسف ونتناقش! أحاول أن أبتعد معه عن المجتمع، عن الأشخاص! فأنا أكره المجتمع والأشخاص الممثلين للمجتمع! أحاول أن أكون بعيداً عن الناس، أحاول أن أصنع لي خلوة وعزلة عن البشر، لأن عقلي كره البشر! أعلنها صراحة ومن غير مراء: إني أكره و أحتقر البشر! ويا حبذا الموت ومرحباً به!!
مـوت يسـير معه رحـمةٌ
خير من اليسر وطول البقاء
ما أطيب المـوت لشـرابه
إن صح للأموات وشك التقاء (7)
هذا هو أحمد صديقي، الهزيل جسداً، القصير قامةً، القوي الكبير عقلاً! المتمرد بأفكاره، يفكر ويفكر وإذا توقف عن التفكير كان التأمل هو أساس الوجود لديه! قال مرة وثلاثتنا على طاولة الطعام في الملجأ في السنوات الأولى من المرحلة الثانوية!
غدوت مريض العقل والدين فالقني
لتسمع أنباء الأمور الصحائحِ
فلا تأكلن ما أخرج الماء ظالماً
ولا تبغ قوتاً من غريض الذبائحِ
ولا تفجـعن الطير وهي غوافل
بما وضعت فالظلم شر القبائحِ (8)
نظر إليه شاهين وكان الذهول، ذهول وتعجب شاعر يملأ وجهه فقال: ماذا تقول! لكن الله سبحان تعالى أحل أكل اللحوم والأسماك وأنت يا صديقي عندما تقول كذلك فأنت تخالف مبدأً شرعياً! لو قلت مثلاً: أنا أبتعد عن أكلها للحفاظ على صحتي لكنت على حق ولم أستطع أن أجادلك ولكنك تحلل وتحرم وهذا يعني عدم الرضا والتسليم وهذا يؤدي إلى الكفر!!!
رفع أحمد رأسه وبدأ يتأملنا وكأنه يشاهد مناظر قديمة تعود إلى أزمنة غابرة قد مضى عليها الدهر وقال:
ودع ضرب النحل الذي بكرت له
كواسب من أزهار بنت فوائح (9)
كنت أريد أن أرد على فلسفته المسروقة!! ولكنه وقف وابتعد عن المائدة رافعاً رأسه وبصوت قوي قال:
ولا بيض أمات أرادت صريحة
لأطفالها دون الغواني الصرائح (10)
وبحركة سريعة وضعت يدي على كتفه والحزن، نعم حزن الصديق على صديقه وقلت له:
- ما هذا الكلام يا أحمد! ما هذه الفلسفة يا فيلسوف! أتحرم ما أحله الله! أتريد الدخول إلى نار جهنم! لن تنفعك صلاتك ولا صومك وهذه الأفكار تحتل عقلك!!
ابتعد عني قليلاً والتفت إلى شاهين ومن ثم أغمض عينيه وخفض رأسه وقال:
ما الخير صوم يذوب الصائمون له
ولا صلاة ولا صوف على الجسد
وإنما هو ترك الشر مطّرحاً
ونفضك الصدر من غلٍ ومن حسد (11)
عاد شاهين والحزن يستوطن تقاسيم وجهه وكأنه أم تشفق على طفلها قائلاً:
مـوت يسـير معه رحـمةٌ
خير من اليسر وطول البقاء
ما أطيب المـوت لشـرابه
إن صح للأموات وشك التقاء (7)
هذا هو أحمد صديقي، الهزيل جسداً، القصير قامةً، القوي الكبير عقلاً! المتمرد بأفكاره، يفكر ويفكر وإذا توقف عن التفكير كان التأمل هو أساس الوجود لديه! قال مرة وثلاثتنا على طاولة الطعام في الملجأ في السنوات الأولى من المرحلة الثانوية!
غدوت مريض العقل والدين فالقني
لتسمع أنباء الأمور الصحائحِ
فلا تأكلن ما أخرج الماء ظالماً
ولا تبغ قوتاً من غريض الذبائحِ
ولا تفجـعن الطير وهي غوافل
بما وضعت فالظلم شر القبائحِ (8)
نظر إليه شاهين وكان الذهول، ذهول وتعجب شاعر يملأ وجهه فقال: ماذا تقول! لكن الله سبحان تعالى أحل أكل اللحوم والأسماك وأنت يا صديقي عندما تقول كذلك فأنت تخالف مبدأً شرعياً! لو قلت مثلاً: أنا أبتعد عن أكلها للحفاظ على صحتي لكنت على حق ولم أستطع أن أجادلك ولكنك تحلل وتحرم وهذا يعني عدم الرضا والتسليم وهذا يؤدي إلى الكفر!!!
رفع أحمد رأسه وبدأ يتأملنا وكأنه يشاهد مناظر قديمة تعود إلى أزمنة غابرة قد مضى عليها الدهر وقال:
ودع ضرب النحل الذي بكرت له
كواسب من أزهار بنت فوائح (9)
كنت أريد أن أرد على فلسفته المسروقة!! ولكنه وقف وابتعد عن المائدة رافعاً رأسه وبصوت قوي قال:
ولا بيض أمات أرادت صريحة
لأطفالها دون الغواني الصرائح (10)
وبحركة سريعة وضعت يدي على كتفه والحزن، نعم حزن الصديق على صديقه وقلت له:
- ما هذا الكلام يا أحمد! ما هذه الفلسفة يا فيلسوف! أتحرم ما أحله الله! أتريد الدخول إلى نار جهنم! لن تنفعك صلاتك ولا صومك وهذه الأفكار تحتل عقلك!!
ابتعد عني قليلاً والتفت إلى شاهين ومن ثم أغمض عينيه وخفض رأسه وقال:
ما الخير صوم يذوب الصائمون له
ولا صلاة ولا صوف على الجسد
وإنما هو ترك الشر مطّرحاً
ونفضك الصدر من غلٍ ومن حسد (11)
عاد شاهين والحزن يستوطن تقاسيم وجهه وكأنه أم تشفق على طفلها قائلاً:
صفحة 7
- أحمد بالله عليك، ما هذا الكلام! وما هذه الفلسفة الغريبة الشاذة! بل ما هذه النزعة الإنسانية التي طغت عليك وجعلتك إنسانياً وأملت عليك ألا تأكل من لها دم وتطور بك الحال حتى مع البيض والعسل! لماذا؟ لم تكن كذلك يا صديقي! هل تريد أن تكون نسخة المعري في هذا الزمان! ما هذه الكلمات الغريبة؟ استغفر ربك وتب الآن فإن من حرم شيئاً أحله الله قد كفر! نعم كفر! أتعلم معنى الكفر؟!
ارتفع وجه ذلك الفيلسوف واتجه نحو كرسي يتوسط غرفة الأكل وقال:
- الشر وطبيعته أكثر في الإنسان من الخير! والناس يأكلون بعضهم بعضاً بالحسد والكذب والنميمة و الحقد! ونحن يا صديقيّ شئنا أم أبينا، نحن أغراب في هذا المجتمع! إنني يا صديقيّ لا أحلل ولا أحرم شيئاً، وإنما أقول أبياتاً من الشعر أشعر أنها تخصني في هذا الزمان! إنني أحاول بابتعادي عن أكل تلك الأشياء أن أبتعد عن الدم عن الألم ولو مع الحيوان، لأن الألم صفة للشر الذي انتشر بين الناس! إن الألم هو المخلوق الذي يقتلني ويجعلني أعيش غريباً!
أولو الفضل في أوطانهم غرباء
تشذ وتنأى عنهم القرباء
وزهدني في الناس معرفتي بهم
وعلمي بأن العالمين هباء
***
وأرواحنا كالراح إن طال حبسها
فلا بد يوماً أن تكون سباء
وما قبلت نفسٌ من الخير لفظة
وإن طال ما فاهت به الخطباء
***
أرى فلكاً ما زال بالخلق دائراً
له خبرٌ عنّا يصان ويخبأ
فلا تطلب الدنيا وإن كنت ناشئاً
فإني عنها بالأخلاء أربأ
وما نوب الأيام إلا كتائب
تبث سرايا أو جيوش تُعبأ
***
بني الدهر مهلاً إن ذممتُ فعالكم
فإني بنفسي لا محالة أبدأُ
متى ينقضي الوقت والله قادرٌ
فنسكن في هذا التراب ونهدأ
تجاوز هذا الجسم والروح برهة
فما برحت تأذى بذاك وتصدأ
***
إن مازلت الناس أخلاق يُعاش بها
فإنهم عند سوء الطبع أسواءُ
أو كان كل بني حواء يشبهني
فبئس ما ولدت في الخلق حواء
بُعدي من الناس برءٌ من سقامهم
وقربهم للحجى والدين أدواء (12)
***
ارتفع وجه ذلك الفيلسوف واتجه نحو كرسي يتوسط غرفة الأكل وقال:
- الشر وطبيعته أكثر في الإنسان من الخير! والناس يأكلون بعضهم بعضاً بالحسد والكذب والنميمة و الحقد! ونحن يا صديقيّ شئنا أم أبينا، نحن أغراب في هذا المجتمع! إنني يا صديقيّ لا أحلل ولا أحرم شيئاً، وإنما أقول أبياتاً من الشعر أشعر أنها تخصني في هذا الزمان! إنني أحاول بابتعادي عن أكل تلك الأشياء أن أبتعد عن الدم عن الألم ولو مع الحيوان، لأن الألم صفة للشر الذي انتشر بين الناس! إن الألم هو المخلوق الذي يقتلني ويجعلني أعيش غريباً!
أولو الفضل في أوطانهم غرباء
تشذ وتنأى عنهم القرباء
وزهدني في الناس معرفتي بهم
وعلمي بأن العالمين هباء
***
وأرواحنا كالراح إن طال حبسها
فلا بد يوماً أن تكون سباء
وما قبلت نفسٌ من الخير لفظة
وإن طال ما فاهت به الخطباء
***
أرى فلكاً ما زال بالخلق دائراً
له خبرٌ عنّا يصان ويخبأ
فلا تطلب الدنيا وإن كنت ناشئاً
فإني عنها بالأخلاء أربأ
وما نوب الأيام إلا كتائب
تبث سرايا أو جيوش تُعبأ
***
بني الدهر مهلاً إن ذممتُ فعالكم
فإني بنفسي لا محالة أبدأُ
متى ينقضي الوقت والله قادرٌ
فنسكن في هذا التراب ونهدأ
تجاوز هذا الجسم والروح برهة
فما برحت تأذى بذاك وتصدأ
***
إن مازلت الناس أخلاق يُعاش بها
فإنهم عند سوء الطبع أسواءُ
أو كان كل بني حواء يشبهني
فبئس ما ولدت في الخلق حواء
بُعدي من الناس برءٌ من سقامهم
وقربهم للحجى والدين أدواء (12)
***
صفحة 8
هذا هو أحمد صديقي، الفيلسوف الساخط المتهم البشر، يعشق الانطواء والخلوة! وهو السبب الرئيس بعدم عيشنا معاً بعد خروجنا من الملجأ! يعشق الوحدة ويرى أن الوحيد والمنفرد بذاته يستطيع أن يكتشف نفسه ويعرف نفسه! بالوحدة يستطيع الواحد منا أن يعرف حدود ذاته وكينونته على الأقل، إنه فيلسوف بكل شيء وأي شيء حتى بأصغر جزيئات الحياة، كان دائماً يردد: ظلمة، وحدة، عزلة، حزن، قلم، ورقة، تأمل، استغراب، أسئلة، تصنع فيلسوفاً..! ويضيف ".. لست أثق بأي شيء ولا أهتم لأي شيء سوى قدسية التأمل وصدق الخيال... الخيال يؤدي بنا إلى أن نضع أنفسنا في أماكن الآخرين فندرك حاجاتهم ونشعر بعواطفهم، ونهتم لحزنهم وفرحهم وهذا يؤدي بنا لا محالة إلى أن نحبهم.." (13)
البعد والاستغراب والتأمل والتساؤل والألم والغموض والفوضى والتمرد والواقع المرير هي خلاصة الفيلسوف أحمد، خلاصة ذلك العبقري، ذلك الحكيم، ذلك الطفل! نعم طفل ولكنه يفكر أكثر ألف مرة من إنسان بالغ وعاقل! إنه طفل يبكي على واقعه الذي جعله في ركن من الأركان المظلمة في هذا المجتمع، وحيد وهو يعيش بين الناس، وحيد بعواطفه وبأحاسيسه وبما يملكه من رؤية وتصور وجنون فيلسوف، وحيد تمتلئ غرفته بالكتب الفلسفية، جمهورية أفلاطون، الفوضى والعبقرية، اللامخرج، الحزن العميق، الكلمات، جان بول سارتر، الفوضوية السارترية الوجودية، الإنسان المتمرد، ألبير كامو، هذا هو الإنسان، هكذا تكلم زارا، ما وراء الخير والشر، نشوء الأخلاق، فريدريك نيتشه، آلام فارتر، فاوست، الفيلسوف غوته، والكثير من الكتب الفلسفية التي تمتلئ بالمذاهب والأفكار الفلسفية، يعيش بينها، يأكل الكلمات ويستمر في التأمل والاستغراب وطرح الأسئلة، ليستمر فيلسوفاً باحثاً كما يقول عن شبح فلسفي يسمى الحقيقة!
".. إن مهنتي كفيلسوف هي أن أمقت كل وجود للكذب والدجل! أن أمقت كل كريه يجعل من شهواته طريقاً للوصول لملذاته، إن مهنتي أشرف المهن فأنا أسمى من العالم والشاعر وحتى الرئيس! إني أنفذ إلى كل شيء من أجل أن أحصل على شيء واحد يكفيني..."
كانت تلك الكلمات تتردد في كل لقاء يحضره أحمد، كان يقولها بصوت رنان يملأ الوجود تأملاً واستغراباً لذلك الفيلسوف العاشق المغرم بالمتنبي المزدري الزمان وأهله...
أذم إلـى هـذا الزمان أهله
فأعلمـهم فدمٌ وأحزمهم وغد
وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ
وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد!!!
البعد والاستغراب والتأمل والتساؤل والألم والغموض والفوضى والتمرد والواقع المرير هي خلاصة الفيلسوف أحمد، خلاصة ذلك العبقري، ذلك الحكيم، ذلك الطفل! نعم طفل ولكنه يفكر أكثر ألف مرة من إنسان بالغ وعاقل! إنه طفل يبكي على واقعه الذي جعله في ركن من الأركان المظلمة في هذا المجتمع، وحيد وهو يعيش بين الناس، وحيد بعواطفه وبأحاسيسه وبما يملكه من رؤية وتصور وجنون فيلسوف، وحيد تمتلئ غرفته بالكتب الفلسفية، جمهورية أفلاطون، الفوضى والعبقرية، اللامخرج، الحزن العميق، الكلمات، جان بول سارتر، الفوضوية السارترية الوجودية، الإنسان المتمرد، ألبير كامو، هذا هو الإنسان، هكذا تكلم زارا، ما وراء الخير والشر، نشوء الأخلاق، فريدريك نيتشه، آلام فارتر، فاوست، الفيلسوف غوته، والكثير من الكتب الفلسفية التي تمتلئ بالمذاهب والأفكار الفلسفية، يعيش بينها، يأكل الكلمات ويستمر في التأمل والاستغراب وطرح الأسئلة، ليستمر فيلسوفاً باحثاً كما يقول عن شبح فلسفي يسمى الحقيقة!
".. إن مهنتي كفيلسوف هي أن أمقت كل وجود للكذب والدجل! أن أمقت كل كريه يجعل من شهواته طريقاً للوصول لملذاته، إن مهنتي أشرف المهن فأنا أسمى من العالم والشاعر وحتى الرئيس! إني أنفذ إلى كل شيء من أجل أن أحصل على شيء واحد يكفيني..."
كانت تلك الكلمات تتردد في كل لقاء يحضره أحمد، كان يقولها بصوت رنان يملأ الوجود تأملاً واستغراباً لذلك الفيلسوف العاشق المغرم بالمتنبي المزدري الزمان وأهله...
أذم إلـى هـذا الزمان أهله
فأعلمـهم فدمٌ وأحزمهم وغد
وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ
وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد!!!
صفحة 9
(5)
الهواء جميل جداً، يرسل نفحات من النسمات، الليل رائع وقلوب العشاق تتطاير! الأشجار تتمايل يميناً وشمالاً بكل برودة، وكأنها تعزف لحناً موسيقياً، الغيوم قد تلاشت هذا اليوم، الشوارع جفت من الأمطار المستمرة منذ أيام، الازدحام كالعادة ازداد بعد توقف الأمطار، الرياض غريبة هذه الأيام فالأمطار ليست بالعادة لها! وكثرة الأمطار تجعل الرياض واحة وسط الصحراء، الشتاء هذه السنة كان متذبذباً، يتأرجح بين البرودة الشديدة والجو المعتدل، تكتسي عروس الصحراء حلة جديدة ورونقاً ساحراً، كل شيء جميل، يبعث في أهالي الرياض المتعة والنشاط وحب الحياة، كل شيء ممتع ورائع والأروع من كل ذلك أننا كنا ثلاثة أصدقاء مجتمعين في غرفة شاهين. كان اجتماعاً نافعاً ومثمراً فقد تناقشنا في هذا اليوم الربيعي عن الحب وعن العشاق، عن الحب الخالد الذي تتلاشى في رحابه كل المصالح المادية والجسدية، كنا نتكلم عن ذلك الشعور الغريب الذي يُخلق فجأة وبلا مقدمات بين اثنين رجل وامرأة، كنا نتحدث في ذلك الزمان، وآهٍ من ذلك الزمان الذي مضى، كم أتمنى أن يتوقف الزمان لحظة عند ذلك الزمان، في غرفة شاهين، كم أتمنى وأنا أكتب صفحات الماضي الآن لو أن الزمان ظل ثابتاً عندما كنا معاً، في ذلك المكان تكلمنا وتكلمنا وتناقشنا وسمعنا قصائد عن الحب وفي الحب، وبحكم وجودنا في معقل جبران، في غرفة شاهين، كانت أول أبيات سمعناها بصوت شاهين لجبران...
والحب في الناس أشكال وأكثرها
كالعشب في الحقل لا زهرٌ ولا ثمرُ
وأكثر الحب مثل الراح أيسرهُ
يُرضي وأكثره للمدمـن الخطرُ
والحب إن قادت الأجسام مـوكبه
إلى فراشٍ من الأغراض ينتحرُ
كأنه ملكٌ في الأسر معتقلٌ
يأبى الحياة وأعوانٌ له غدروا
***
الهواء جميل جداً، يرسل نفحات من النسمات، الليل رائع وقلوب العشاق تتطاير! الأشجار تتمايل يميناً وشمالاً بكل برودة، وكأنها تعزف لحناً موسيقياً، الغيوم قد تلاشت هذا اليوم، الشوارع جفت من الأمطار المستمرة منذ أيام، الازدحام كالعادة ازداد بعد توقف الأمطار، الرياض غريبة هذه الأيام فالأمطار ليست بالعادة لها! وكثرة الأمطار تجعل الرياض واحة وسط الصحراء، الشتاء هذه السنة كان متذبذباً، يتأرجح بين البرودة الشديدة والجو المعتدل، تكتسي عروس الصحراء حلة جديدة ورونقاً ساحراً، كل شيء جميل، يبعث في أهالي الرياض المتعة والنشاط وحب الحياة، كل شيء ممتع ورائع والأروع من كل ذلك أننا كنا ثلاثة أصدقاء مجتمعين في غرفة شاهين. كان اجتماعاً نافعاً ومثمراً فقد تناقشنا في هذا اليوم الربيعي عن الحب وعن العشاق، عن الحب الخالد الذي تتلاشى في رحابه كل المصالح المادية والجسدية، كنا نتكلم عن ذلك الشعور الغريب الذي يُخلق فجأة وبلا مقدمات بين اثنين رجل وامرأة، كنا نتحدث في ذلك الزمان، وآهٍ من ذلك الزمان الذي مضى، كم أتمنى أن يتوقف الزمان لحظة عند ذلك الزمان، في غرفة شاهين، كم أتمنى وأنا أكتب صفحات الماضي الآن لو أن الزمان ظل ثابتاً عندما كنا معاً، في ذلك المكان تكلمنا وتكلمنا وتناقشنا وسمعنا قصائد عن الحب وفي الحب، وبحكم وجودنا في معقل جبران، في غرفة شاهين، كانت أول أبيات سمعناها بصوت شاهين لجبران...
والحب في الناس أشكال وأكثرها
كالعشب في الحقل لا زهرٌ ولا ثمرُ
وأكثر الحب مثل الراح أيسرهُ
يُرضي وأكثره للمدمـن الخطرُ
والحب إن قادت الأجسام مـوكبه
إلى فراشٍ من الأغراض ينتحرُ
كأنه ملكٌ في الأسر معتقلٌ
يأبى الحياة وأعوانٌ له غدروا
***
صفحة 10
فإن لقيت مُحباً هائماً كِلفاً
في جوعه شبعٌ في ورده الصدر
والناس قالوا هو المجنون ماذا عسى
يبغي من الحب أو يرجو فيصطبرُ؟
أفي هوى تلك يستدمي محاجره
وليس في تلك ما يحلو ويعتبرُ!
فقل هم البهم ماتوا قبلما ولدوا
أنى دروا كنه من يحيا وما اختبروا
كان شاهين يردد تلك الأبيات من قصيدة جبران"المواكب"والزهو والخيلاء والافتخار قد ملأ تقاسيم وجه ذلك الرسام، كان مفتخراً بجزالة وقوة الألفاظ وقربها إلى القلب، إن هذا الاعتزاز قد أعداني وأحمد كذلك! فانبرى كل واحدٍ يدافع عن شاعره المفضل فقلت أنا على لسان أبي نواس..
أموت ولا تدري وأنت قتلتني
ولو كنت تدري كنت لا بد ترحمُ
أهابك أن أشكو إليك صبابتي
فلا أنا أبديها ولا أنـت تعلمُ
لساني وقلبي يكتمان هواكمُ
ولكن دمعي بالهوى يتكلمُ
ولو لم يبح دمعي بمكنون حبكم
تكلم جسـم بالنحول يترجمُ
وأكملت أفتخر بشاعري أبي نواس فقلت:
إذا التقى في النوم طيفانا
عاد لنا الوصل كما كانا
يا قرة العينين ما بالنا
نشقى ويلتذ خيالانا؟
في جوعه شبعٌ في ورده الصدر
والناس قالوا هو المجنون ماذا عسى
يبغي من الحب أو يرجو فيصطبرُ؟
أفي هوى تلك يستدمي محاجره
وليس في تلك ما يحلو ويعتبرُ!
فقل هم البهم ماتوا قبلما ولدوا
أنى دروا كنه من يحيا وما اختبروا
كان شاهين يردد تلك الأبيات من قصيدة جبران"المواكب"والزهو والخيلاء والافتخار قد ملأ تقاسيم وجه ذلك الرسام، كان مفتخراً بجزالة وقوة الألفاظ وقربها إلى القلب، إن هذا الاعتزاز قد أعداني وأحمد كذلك! فانبرى كل واحدٍ يدافع عن شاعره المفضل فقلت أنا على لسان أبي نواس..
أموت ولا تدري وأنت قتلتني
ولو كنت تدري كنت لا بد ترحمُ
أهابك أن أشكو إليك صبابتي
فلا أنا أبديها ولا أنـت تعلمُ
لساني وقلبي يكتمان هواكمُ
ولكن دمعي بالهوى يتكلمُ
ولو لم يبح دمعي بمكنون حبكم
تكلم جسـم بالنحول يترجمُ
وأكملت أفتخر بشاعري أبي نواس فقلت:
إذا التقى في النوم طيفانا
عاد لنا الوصل كما كانا
يا قرة العينين ما بالنا
نشقى ويلتذ خيالانا؟