eKtab
EN ع
إذا الأيام أغسقت
اقرأ عينة مجانية

إذا الأيام أغسقت

بقلم حياة شرارة

صفحة 1
المقدمة
 
بقلم: بلقيس شرارة
 
مدينة النجف، مدينة غريبة لا تشبه مدن العالم· ربما لا يوجد على شاكلتها إلا مدينة بناريس في الهند، التي تعيش وتحيا من الأموات·
 
فالنجف مدينتان، مدينة الموتى ومدينة الأحياء، ويتلاشى الفاصل بينهما أحيانا، ويصبح متشابكاً ومتلاحماً· فمدينة الموتى لا تخلو من الأحياء القادمين من مدينة الأحياء في النهار لاستمرار طقوس الدفن· إذ تأتي اليها جنائز الموتى من كل حَدَبٍ وصوبٍ في العالم الاسلامي، وتتعالى الأصوات التي يشوبها الألم والأسى على فقدان الأقرباء والأعزاء، وتضفي أشباح الموتى عليها جواً من الهلع المكبوت والسكينة القدرية·
 
ومدينة الأحياء لا تخلو من جنائز الموتى التي تقام لها الشعائر في جامع الامام علي ليل نهار، وتتقاطر الجنائز صفاً صفاً مرفوعة على أكتاف الأحياء في صحن الجامع بانتظار إقامة الصلاة عليها· فتماس الأحياء والموتى متواصل، حيث تمتزج صلاة الجنازة بأصوات الصبية وضجيجهم، يلعبون في زاوية صحن الجامع الواسع، وبأحاديث النسوة المتلفعات بعباءاتهن حول سماور الشاي· والجامع هو المنفذ والمتنفس الوحيد للصبية والنساء الهاربات من عزلة الدار القاتمة وأزقة المدينة الملتوية المظلمة التي لا ترى أشعة الشمس·
 
ومدينة الأحياء ملتفة بهالة أسطورية، فهي مطمح أنظار المسلمين من الشيعة، تعج أروقة جوامعها التاريخية بالطلبة القادمين من جنوب لبنان وإيران والهند لانتهال العلوم العربية والاسلامية، يستمعون اليها على شكل حلقات دراسية تحت إرشاد علمائها الدينيين·
 
وبالرغم من الجو الديني المرادف لمدينة النجف، هنالك جو آخر ازدهرت فيه نهضة ثقافية واسعة، إذ صدرت عدة صحف ومجلات كان لها دور مهم في الدعوة للاصلاح الاجتماعي، كـ الهاتف والحضارة والغري والبيان، وبرز فيها كتاب وشعراء أغنوا تراث العراق الأدبي مثل محمد مهدي الجواهري وعلي الشرقي وجعفر الخليلي وسعد صالح، ومن الجالية اللبنانية ظهر حسين مروة ومحمد شرارة·
 
في هذا الجو الغريب الذي يكتنف المدينة ولدت حياة عام 5391 في حي المدينة القديم·
 
مّرت والدتي بمعاناة شديدة، عندما ولدت حياة بعد بنتين، وجاء أهل النجف لتعزية والدي بولادة بنت ثالثة· كان أهل النجف يعتبرونها ثالثة الأثافي كناية عن المصائب، وانزعج والدي جداً من زيارات الناس وكلامهم، مما دعاه الى قضاء معظم وقته خارج الدار لتجنب رؤيتهم·
 
كانت نظرة المجتمع التقليدية للأنثى عندما ولدت حياة، نظرة غير محترمة، وغير مساوية للذكر· ولم تفتأ تلك المجتمعات تتدخل في الأمور الخاصة والشخصية للفرد كأن تدخلها حق مطلق من حقوقها· فتوالت الاقتراحات من كل جانب بتزويج والدي امرأة ثانية تلد له ولداً، وحُمّلت والدتي المسؤولية عن ولادة بنت ثالثة ولم تقع أية مسؤولية على الأب، للجهل المطبق بـ بايولوجية الأنجاب
 
وكتب والدنا، محمد شرارة، مقالة في الهاتف بعنوان سهيل ام خلاف آخر يدور حول هذا الموضوع، وذكرت حياة في رسالة لها عن ذلك عام1979:
 
يقول أن مريم استُقبلت بالبرود لأنها بنت رغم أنها أول طفل لدينا، أما بلقيس فلم تستقبل بالبرود رغم أنها الثانية وكان الأحرى ان يخلق ولادة طفلة ثانية مثل هذا الموقف· أما أنا فكنت هادئة صامتة في طبعي بعكس بلقيس كما لو كنت أعرف عدم الرغبة بمجيئي، وكانوا يسموني (ثالثة الأثافي)·
صفحة 2
ترك والدي النجف بعد ولادة حياة بعام، والتحق بثانوية الناصرية كمدرس للغة العربية، وشعر أن الحياة الجديدة مضنية في جانبها العملي والروحي، تستنزف معظم وقته، وشعر بالغربة والنفور من نظرة المعلمين السطحية(1)
 
سافرنا ذلك الصيف الى لبنان· وقضينا عاماً كاملاً مع والدتي، حيث ولدت ولداً، فتعالت الزغاريد ووزّعت علب الحلوى، وانهالت التهاني بالطفل الجديد على والدي من جميع أعضاء الأسرتين، آل الزين وآل شرارة، كأن والدي هو المسؤول الوحيد عن مجيء هذا المولود، واجتمع أعضاء أسرة شرارة نساء ورجالاً، قاضين سهرتهم في البحث عن إيجاد اسم لائق للمولود الجديد، واستعانوا بالقواميس العربية، وبعد أسبوعين من البحث عن أسم يليق بمنزلة المولود الجديد،اختلفوا في تسميته: أحدهم يريد عدنان وآخر قحطان، وسرت النشوة والفرح عندما وافق الجميع على اقتراح جدي في تسميته إبراهيم، وتخلص والدي ووالدتي من التسمية الشائنة التي لصقت بهما أبو البنات، وأم البنات·
 
ما هو شعور وردود فعل البنات الصغيرات تجاه هذا الاهتمام بالمولود الجديد وبالأخص الصغيرة حياة؟ إن أهمية الذكر وتعظيمه مشكلة اجتماعية، جابهتها المجتمعات وآمنت بها منذ ظهور الزراعة، فنشأ تفضيل الذكر على الأنثى لأنه يؤمن باستمرار اسم العائلة واستيراث الأرض، ولا زالت الأنثى تعاني من وطأة هذا الوضع·
 
ولكن والدي كان يؤمن بالمساواة التامة بين البنين والبنات، ولم يدع مجالاً لسيطرة عقول مؤمنة بمفاهيم قروسطية، من التدخل في توجيه أبنائه وبناته وتربيتهم·
 
قبل عودتنا الى العراق بأسابيع، أصيبت حياة بمرض التيفوئيد، واضطرت والدتي لتركها في لبنان مع جدتي·
 
برزت أمامي عيناها الواسعتان، بنظرات مملوءة بالتوسل بوالدتها، وكأنها تقول: ماما لا تتركيني وتذهبين بدوني· لم تكن تستطيع التعبير بالكلام، فلم تبلغ بعد العامين من العمر، عزلت في غرفة لا يقترب منها أحد إلا والدتي، والآن ستتركها في هذه الغرفة وحدها، ظلت عيناها الواسعتان الغائرتان من شدة المرض، تلاحقنا ونحن نتجه نحو السيارة·
 
مّر عامان ولم يتذكر أحد منا حياة غير والدتي، التي كانت تغرورق عيناها بالدموع عندما تتكلم عنها· وعندما عدنا الى لبنان، لم تتعرف حياة على العائلة، ونسيت حتى والدتها، وعندما حاولت والدتي تقبيلها، أسرعت وتمسكت برداء جدتي التي أصبحت لها الأم والأب والأخت·
 
تغيرت ملامح حياة عما تركناها منذ عامين، ببريق عينيها الواسعتين، وشعرها الطويل الكستنائي اللون، وحمرة الصحة التي كست وجنتيها، وكانت طليقة الكلام باللهجة اللبنانية·
 
عادت معنا بعد أن قضينا الصيف في ربوع لبنان، والتحقت بالروضة بمدينة الحلة· لم تكن تحب الذهاب الى الروضة، فقد رفضت الذهاب اليها مرات عديدة· كانت تعيد نفس الجملة: الأطفال لا يتكلمون اللهجة التي تتكلمها، وتصّر عليهم أن يتكلموا لهجتها·
 
وأظهرت حياة موهبة أدبية منذ نعومة أظفارها، وأحبت الشعر الحديث وحفظته عن ظهر قلب، وكان لوالدي أثر كبير في ذلك· إذ كان يتلو الشعر ويترنم به، وأصبح ذلك جزءاً من حياتنا اليومية، ورسخ في ذاكرتنا ما كان يترنم به من قصائد· وبالاضافة الى هذا كانت أحاديثه الاعتيادية معنا باللغة الفصحى مما أغنى استيعابنا للغة العربية·
 
نشأت حياة وترعرت في هذا الجو الأدبي، وأظهرت موهبة خاصة عندما كانت تقارع والدي بحفظها دواوين شعر كاملة أثناء المساجلة الشعرية التي كانت تشترك بها العائلة·
 
عندما انتقلنا الى بغداد في منتصف الأربعينات، أصبح بيتنا منتدى وملتقى لكثير من الشعراء والأدباء والمفكرين، وكان يجمعهم في تلك اللقاءات حبهم للأدب والشعر، بالرغم من التباين والاختلاف في آرائهم السياسية· واتخذت تلك اللقاءات طابعاً اسبوعياً·
 
كانت حياة تجلس دائما في زاوية من غرفة الضيوف وبين يديها الصغيرتين دفتر تسجّل فيه ما تستمع الىه في تلك اللقاءات الشعرية من قصائد جديدة، ولم نكن ندري أن تلك اللقاءات كانت تمثل بداية نشأة الشعر الحديث· كان الجدل يدور حول تجديد الشعر وجعله حراً بلا قافية· كان الشعراء يقرأون آخر ما نظموه من القصائد، وكانت تلك اللقاءات الأسبوعية هي البذرة الاولى في توجيه حياة أدبياً وسياسياً·
 
كان بدر شاكر السياب ولميعة عباس عمارة من المواظبين أسبوعياً على تلك اللقاءات· وشارك بتلك اللقاءات محمد مهدي الجواهري وحسين مروة ونازك الملائكة وأكرم الوتري وبلند الحيدري، ومحسن الأمين· كانت نازك تزورنا معظم الوقت بصحبة والدها صادق الملائكة وأحيانا مع أخيها نزار·
صفحة 3
كنا نسكن حي سبع قصور، وكانت دارنا مطلة على نهر دجلة، تحيطها حديقة واسعة، باشجار قديمة باسقة، وكان المشي على شاطئ دجلة صيفاً من وسائل اللهو والمتعة، فنذرع الشارع رواحاً ومجيئاً، بخطى وئيدة، نستمع خلالها الى الأحاديث المتنوعة الشيقة التي لا تقتصر على الأدب والشعر، وإنما تشتمل على أحداث الساعة وما كان يدور في البلد من مشاكل اجتماعية وسياسية·
 
وقد أثر علينا نحن البنات بصورة خاصة كل من بدر ولميعة ونازك أكثر من الآخرين، لمعرفتنا بهم عن قرب·
 
كان بدر ثائراً على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وبالرغم من انتمائه الى عائلة ميسورة، قرر تركها عندما أصبح عضواً بالحزب الشيوعي·وتجلت تلك النزعة الثورية في بعض القصائد التي نظمها في تلك الفترة·
 
كان نحيل الجسد، أسمر اللون، له أذنان كبيرتان، بارزتان أكثر عن المألوف، مع أنف كبير، وعينين صغيرتين، وشفتين بارزتين، لنتوء في أسنانه· فليس هنالك أي شيئ جميل في محياه· كان ذا حس مرهف، يتنازعه القلق الدائم، يحب ويعشق كل ما هو جميل حوله· فالطبيعة الجميلة والمرأة الحسناء، كان لهما دور كبير، وقد عانى بدر من الاحباط المتواصل من المرأة· وكثيراً ما كان يقع في غرام امرأة حالما يتعرّف عليها، ولكم نظم القصائد بمثل هاتيك النساء، وكم ذمهن بقصائد أخرى عندما لا يجد استجابة منهن· وكان خجولاً الى درجة مفرطة·
 
إن معرفته وإلمامه الواسع بالأدب العربي والانكليزي، ميّزه عن شعراء عصره، الذين لا يملكون في معظمهم هذه المعرفة، لذا جاءت صوره الشعرية منوّعة وعميقة، حية تنبض بالحياة· كان بدر مؤمناً بخلاص الانسانية المعّذبة، واثرت به تجربته السياسية والتزامه بالاشتراكية، لينتهي شاعراً متمرداً، حرّ التفكير، لم يتقيد بقصائده بالمفاهيم السائدة في صياغتها، وأصبح من قادة التجديد في الشعر الحديث في العالم العربي·
 
كان يميل في تلك الفترة إلى الشاعرة لميعة عباس عمارة، زميلته في دار المعلمين العالية·وقد نظم فيها عدداً من القصائد·
 
كان مفتوناً بلميعة ومتيماً بحبها، وما كان يقرؤه من قصائد في تلك اللقاءات، كان موجهاً لها، وكانت هي تعرف كيف تثير عواطفه حين ترمقه بنظراتها الساحرة، التي تخفي عشرات المعاني· كانت علاقة بدر بلميعة علاقة حب مفضوحة، بعيدة عن التكتم·
 
اما لميعة فكانت تجمع بين ذكاء الروح وجمال الجسد· طويلة القامة، نحيفة، ذات عينين جميلتين واسعتين سوداوين، وشعر فاحم· وبالرغم من أنها كانت ترتدي دائماً فستاناً أسود اللون، كانت تتألق نضارة وحيوية وشباباً· كانت نقيض بدر، فهي محدثة بارعة، ذات نكتة لاذعة· وعندما كانت تلقي قصيدة من قصائدها، فإنها تتكلم لغة الجسد، فتتغنج وتتمايل وتذوب مع الكلمات ومعانيها التي تصدر من بين شفتيها، فيرتفع صوتها تارة وينخفض تارة أخرى، فكانت تشرك كل حاسة من حواسها عند الإلقاء· جمعت بشخصيتها العذبة وأسلوبها الجذاب في قراءة الشعر سحراً كان يخيم على الحاضرين في تلك اللقاءات· كانت قصائد لميعة قصيرة ورقيقة في مضمونها، وكان الحب هو الموضوع الرئيسي لتلك القصائد·
 
أما نازك فكانت تختلف تماماً عن لميعة، لم تكن جميلة أو جذابة كلميعة، بل كانت قصيرة القامة، مملوءة الجسد، بسيطة المظهر، قليلة الكلام، وإن تكلمت فبصوت هادئ لا ترفعه إلا عندما تقرأ إحدى قصائدها· كان الحزن يغلب على محياها، وكانت نظرتها للحياة نظرة مأساوية، وانعكست تلك النظرة في قصائدها· ولكنها كانت واسعة الاطلاع، مرهفة الاحساس، ذات ثقافة أدبية عميقة، وهي تتقن اللغة الانكليزية والعربية واللاتينية والفرنسية·
 
حفظت حياة معظم شعر بدر ولميعة ونازك، وكانت تترنم بقصائدهم وهي لم تبلغ بعد سن الثانية عشرة·
 
بالاضافة الى اللقاءات الشعرية والأدبية، ثمة لقاءات يؤمها خليط آخر من المثقفين والمفكرين اليساريين، كالشاعر كاظم السماوي وجاسم الرجب وأساتذة من مدرسة شماش ودار المعلمين الريفية·
 
كان عام 1948، عاماً مضطرباً، مملوءاً بالمآسي، وقد شمل الغليان معظم البلدان العربية، لخسارتهم فلسطين في حربهم مع اليهود· وكانت تلك الخسارة بعد ولادة دولة اسرائيل، بقرار من هيئة الأمم المتحدة، بمثابة كارثة على العرب، ولم يكن الفكر العربي متهيئاً لها يومذاك، وما زالت أصداؤها سارية بعد خمسين عاماً·
صفحة 4
خرجت المظاهرات في شوارع بغداد، تطالب بسقوط الصهيونية، وشملت جميع المدارس في العاصمة، بما فيها المدارس المتوسطة والثانوية، ولكن لم يسمح للمدارس الابتدائية بالمشاركة فيها، وتألمت حياة عندما عدنا من المظاهرة المنظمة من قبل الحكومة نَقصّ عليها ما حدث، وتمنت لو سُمح لمدرستها الابتدائية بالمشاركة أيضا·
 
كان ذلك العام، عام 1948، من الأعوام الصاخبة التي مرّت في تاريخ العراق الحديث، فقد وُقّعت معاهدة بورتسموث، من قبل السلطة، التي كان رئيس وزرائها صالح جبر، واعترضت الأحزاب المعارضة على تلك المعاهدة، واعتبرتها جائرة ومجحفة بحق العراق، وشجبتها·
 
انتقلت المقاومة لتلك المعاهدة الى الشارع· وبدأت المظاهرات التي تخللتها الخطابات الحماسية والقصائد الملتهبة والهتافات الرنانة، وتزايدت المقاومة يوماً بعد يوم، حتى أمرت الشرطة بفتح النار على المتظاهرين، فسقط خلالها عدد من القتلى قرب جسر مود عندما كان المتظاهرون متجهين نحو السفارة البريطانية، والتهب الوضع عندما علم أن من بين القتلى الذين سقطوا مضرجين بدمائهم جعفر الجواهري، شقيق الشاعر المشهور محمد مهدي الجواهري، فنظم في تأبينه قصيدته المشهورة التي ترددت كنشيد شعبي على فم كل عراقي ومن بينهم حياة، ومطلعها:
 
أتعلم أم أنت لا تعلم
 
بأن جراح الضحايا فمُ
 
تراجعت السلطة عندئذ عن إبرام المعاهدة، وسقطت حكومة صالح جبر· وهدأ الشارع ، وتحول الى لافتات يرفعها المشيّعون للضحايا الذين سقطوا برصاص السلطة·
 
وأطل عام 1949، وصادفت الذكرى الأولى للوثبة التي أسقطت معاهدة بورتسموث فأعلنت الأحكام العرفية، وبدأت حملة اعتقالات واسعة في العراق، لم يشهد لها مثيلاً منذ حركة رشيد عالي الكيلاني· فحلت الأحزاب وعطلت الصحف عن الصدور، واعتقل عدد كبير من مفكري وسياسيي العراق، وكان والدي وعمي مرتضى ممن شملهم الاعتقال·
 
كنا نسكن في حي الكرادة الشرقية، في دارنا المطلة على نهر دجلة· عندما داهمت الشرطة دارنا ليلاً، وفتشت جميع الغرف، ونثرت الكتب وأوراق والدي، التي غطت أرض الغرفة، وصودر عدد كبير من كتبه وأوراقه، وشملت المصادرة حتى الصور التي التقطت لنا ولرفيقاتنا في المدرسة أثناء تشييع الذين سقطوا خلال المظاهرات· وانقلب عالمنا المشرق رأسا على عقب· وانطفأت جذوته وأصبح عالماً مثقلاً بالهموم، لا ندري ما يحمل في طياته من مفاجئات·
 
اختفى والدي وعمي مرتضى مع الكتب والأوراق التي صودرت، واعتقلا في معتقل أبو غريب· كان المعتقل يزخر بالمفكرين اليساريين، من أمثال الشاعر بدر شاكر السياب والشاعر محمد مهدي الجواهري، مع رجال الأحزاب المعارضة ورؤسائها، وطلبة الكليات·
 
حزنا على والدي وعمي، وشعرنا بالفراغ الذي أحدثه اعتقالهما· كانت والدتي تبعث لهما يومياً الطعام بـ زنبيل - وهي سلة مصنوعة من خوص النخيل - مغطى بمنديل أبيض، ويعاد الزنبيل بالمنديل الأبيض الذي يغطي ملابس والدي وعمي لغسلها، كانت والدتي تفتشها بحثاً عن قصاصات الورق التي قد تعطينا نزراً ضئيلاً عن حالتهما· وانطبعت حالة والدي وعمي في ذاكرة حياة وأبرزتها في روايتها وميض برق بعيد التي لم تنشر بعد:
 
حدثتني عن فزعها عندما طرق الباب في الساعة الثانية ليلاً، وكان الجميع يغطون في نوم عميق، فاضطرت هي الى النهوض من سريرها وفتحه، متصورة أن أحد الجيران قد وقع له مكروه، وأتى يطلب مساعدتهم· غير أنها فوجئت بشرطيين يقفان أمامها ويسألناها عن أخيها أحمد طالبين منها أن تناديه· ارتبكت ولم تعرف ماذا تفعل، وظلت جامدة في مكانها تتطلع اليهما بذهول حتى طلبا منها ثانية بصوت عالٍ صارم أن تذهب وتستدعيه· أبقت الباب مفتوحا ومشت وكأنها ترى كابوساً في نومها· دخلت غرفة ]أحمد[ وأيقظته بصوت مرتجف وأخبرته بوجود الشرطيين في الخارج· فزّ من فراشه في الحال وبقفزة واحدة أصبح عند خزانة الملابس وأخذ يرتدي ثيابه على عجل··· أيقظت في تلك الأثناء جميع أفراد عائلتها ما عدا أمها التي استيقظت من تلقاء نفسها على أصوات الضوضاء والحركة غير الاعتيادية فيما حولها· تعالى عويل أمه وأخواته وشهقاتهم، وبان الوجوم على وجوه أخوانه· بقيت هند مع أبيها رابطة الجأش، وخرجا معا الى الشارع، ووقفا يراقبان أحمد وهو يسير وسط الشرطيين، اللذين وضعا قيداً حديدياً في يديه، حتى توارى بعيداً مع معتقليه وتحولوا الى أطياف تشق سكينة الليل بوقع أصوات أحذيتهم الثقيلة· كانت تلك الأصوات هي الدليل الوحيد على حقيقة وجودهم بعدما تحولت هيئاتهم الداكنة الى جزء من أثير ذلك الليل المظلم وتلاشوا في جوفه تماماً عندما انعطفوا الى جهة اليمين واختفوا من مجال الرؤية، خفتت أصوات أحذيتهم واندمجت في همهمات الليل المبهمة· بقيت هي وأبوها وحدهما في الشارع لا يصدقان ما حدث ويتصوراه جزءاً من غموض الظلام وأسراره المحيطة بهما، ثم دخلا البيت وأغلقا الباب وعّبر وجههما عن ألم أخرس عظيم(2)
صفحة 5
توقفت اللقاءات الأدبية الأسبوعية، وذلك لأن عدداً من الذين كانوا يلتقون في دارنا تعرضوا الى قسط من الاضطهاد· فقد أسقطت السلطة الجنسية العراقية عن حسين مروة وعائلته، كانت تلك ضربة قوية سددت لعائلتنا وشعرنا بالخسارة باسقاط جنسية آل مروة، وكأن عضواً مهماً بُتر من جسد عائلتنا، إذ كنا عائلة واحدة، فإن غضبت العائلة على أحد أبنائها، كانت العائلة الأخرى تحتضنه·
 
كان الشاعر محمد مهدي الجواهري يتردد على دارنا بعد أن أطلق سراحه من المعتقل، وزارنا ذات ليلة، قرأ لنا قصيدة عن فتاة فرنسية اسمها أنيت كتبها على ورق لف السكائر الخفيف عندما كان معتقلاً في سجن أبوغريب· وللجواهري أسلوبه الخاص في قراءة الشعر، كان يعيد البيت الواحد ببطء مرتين قبل أن ينتقل الى البيت الثاني، وكانت حياة بدورها قد حفظت البيت فتعيده معه· وقد كتبت عن نفسها تقول وكنت أحفظ القصائد التي تلقى في الندوة بشغف وسرعة، ولذلك أستطعت أن أتذكر بعض أشعار السياب التي لم تنشر، والقصائد التي غيّر عناوينها أو الحادثة والسنة التي نظمت بها(3)
 
أضطر والدي بعد أن خسر وظيفته، الى مشاركة أحد الأصدقاء في فتح مخزنٍ، وكان نوع العمل شاقاٌ على والدي وهو غير معتاد عليه، واستغرق معظم وقته، كان مرهقاٌٌ جسدياٌ وفكرياٌ، يخرج من الصباح الباكر ولا يعود قبل العاشرة ليلاً· تغيرت أحاديثه عن الأدب والسياسة الى أحاديث غريبة عنه تماماً· كاكتشاف أسرار ترويب اللبن ونجاح تلك العملية التي تستغرق طول الليل، ليعرف في الصباح مدى نجاحها· بعد عام من العمل المتواصل المضني ترك المخزن، وخسر حتى الاكرامية التي حصل عليها بعد فصله من الوظيفة·
 
و لم تقتصر المعاناة على والدي وإنما شملت المعاناة جميع أعضاء الأسرة بمن فيهم والدتي، التي لم تكن مقتنعة وراضية عن اتجاه والدي السياسي·
 
كانت والدتي جميلة الوجه، مربوعة القامة، تميل الى البدانة، بسيطة في نظرتها للأمور، متدينة، تقوم بفروض الصلاة والصوم، مستقيمة الأخلاق، مخلصة في أداء واجباتها العائلية لدرجة انكار الذات، ربّت جميع أولادها على الصدق والتضحية وتحمل المسؤولية منذ نعومة أظفارهم· ظلت تتكلم اللهجة اللبنانية، ولم تستطع تعلم اللهجة العراقية طول حياتها· وبالرغم من الفجوة الفكرية العميقة بين والدي ووالدتي منذ زواجهما ومعارضتها للعمل السياسي الذي انخرط فيه أبي، فقد وجدت نفسها مضطرة في كثير من الأحيان لرهن مجوهراتها أو بيع قطعة أرض من الأراضي التي تملكها في لبنان، لكي تستطيع إعالة العائلة بالطريقة التي تعهدها·
 
أما عمي مرتضى فقد اشتغل محرراً ليلاً في احدى الصحف المحلية، ليتمم دراسته في كلية الحقوق صباحاٌ· كان لا يعود قبل منتصف الليل، مرهقاًٌ منهكاًٌ من عمله المتعب، ولم يعد ذلك العم المرح الذي يقضي جزءاً من وقته الثمين معنا بتوجيهنا والاشراف على تعليمنا وقراءة القصص لنا·
 
عاد والدي الى التعليم في المدارس الخاصة، فكان يلقي المحاضرات في مدرسة شماش للجالية اليهودية صباحاً وكان له تأثير كبير على الطلبة، واعتبر هو وحسين مروة من أهم الناطقين بمفاهيم اليسار في عالم الأدب والثقافة· يصفه البروفسور ساسون قائلاً:
 
كنا نحن الطلاب نتابع ما ينشر أستاذنا بكثير من الفخر والاعتزاز، أما دروسه فكان كل واحد منها مغامرة روحية بالنسبة لي وللعديد من الطلبة من أصدقائي· كان الأستاذ شرارة رجل أدب من أم رأسه الى أخمص قدميه، ولكن الأدب عنده لم يكن مجرد كلمات جميلة انتخبتها قريحة خلاّقة· كان رغم اهتمامه بالعناصر الفنية في النص، يؤكد دائماً على ما يمثله الأدب، قديمه وحديثه، من خلفية اجتماعية وصراع طبقي وثورة على الحياة الذليلة ! على الاستعمار والاستغلال والعبودية· كان رغم كل الظروف السياسية القاسية، لا يفتأ يتحدث عن الثورة والأدب الثوري، فإذا نشر الجواهري رائعة جديدة من روائعه فسرعان ما كان يقرؤها الأستاذ شرارة على طلابه في الساعات المخصصة لدراسة الأدب(4)
 
كذلك أخذ يدرّس في مدرسة (الجعفرية) مساءً· وبالرغم من العمل المرهق وكثرة عدد ساعات التدريس، والتصليح الذي استهلك معظم أوقات راحته وانتاجه الفكري، فقد شعر بارتياح، لأنه عاد الى جو يعرفه·
صفحة 6
هكذا مرّت سنوات طفولة حياة، كانت تراقب عن كثب ما حلّ بالعائلة من جور وظلم، وكيف شُتّت الأصدقاء والمعارف، فانخرطت في العمل السياسي، وهي ما زالت بريعان الصبا، مندفعة بعاطفة جارفة لمحاربة التعسف والظلم، ومتطلعة الى حرية الانسان وتحطيم قيوده· وبرز ذلك واضحاًٌ في روايتها وميض برق بعيد التي جاء فيها:
 
لو يستطيع الانسان ان يحطم القيود الاجتماعية التي تلتف حوله كالحبال الغليظة لصار شخصاً مغايراً تماماً لما هو عليه··· نحن نتّهم وندان في محكمة المجتمع دون ان نعطى فرصة لسماع رأينا والدفاع عن انفسنا(5)
 
كان الحزب الشيوعي يمثل القاعدة التي دافعت ضد الظلم الاجتماعي، وكان بحاجة آنذاك الى رفدٍ من الشباب المتحمس المؤمن بنظريته، وكانت حياة خير مثال لهؤلاء· رُشحت ولم تبلغ السابعة عشرة من العمر، لحضور مؤتمر السلام الذي عقد في براغ عام 1952، وسافرت الى شيكوسلوفاكيا لحضوره·
 
بعد سفر حياة بفترة وجيزة، حدث ما يعرف بـ انتفاضة تشرين في 23 تشرين الثاني 1952 التي طالبت بالغاء معاهدة 30 وتعديل قانون الانتخابات· واشتعلت الشرارة الأولى بسبب فصل أربعة طلاب من كلية التجارة في جامعة بغداد، وجُندّ طلبة الكليات بالدفاع عنهم وطالبوا باعادتهم، وعندمارفضت هذه المطالب، أقدموا على التظاهر ونزلوا الى الشارع، والتحقت بهم فئات أخرى من الشارع، فجوبهوا بقسوة من قبل الشرطة، وأعلنت الأحكام العرفية، وألقي القبض على عدد كبير من الطلبة والمفكرين اليساريين، واختبأ والدي في مدينة النجف، عندما داهمت الشرطة الدار لالقاء القبض عليه، وبعد أن فتشت وبعثرت أوراقه وكتبه، لم يجدوا إلا أخي إبراهيم البالغ من العمر الرابعة عشرة، فأُخذ بدلاً عن والدي، وأودع المعتقل لمدة أربعة ايام، ولم يطلق سراحه إلا بعد زيارة لـبهجت العطية مدير الأمن العام آنذاك، الذي كان له معرفة بوالدي، ولكنه لم يكن راضياً عن تفكيره وسلوكه السياسي ·
 
حكم على والدي من قبل محكمة عرفية لمدة عام، لانتمائه الى منظمة أنصار السلام وتوقيعه برقية احتجاج ضد الشيشكلي، وعلى ما نشره من مقالات في تلك الفترة·
 
قررت سلطة السجن نقل السجناء السياسيين وابعادهم عن بغداد، وعندما رفض السجناء نقلهم الى سجن بعقوبة، وعدم امتثالهم للأمر، شنت ادارة السجن عليهم حملة واسعة، وأطلقت الرصاص عليهم، فسقط على أثرها ثمانية سجناء وجرح عدد كبير منهم· كان والدي من بين الجرحى، ولم يسمحوا لنا بزيارته إلا بعد شهر، وعندما زارته والدتي كان لا زال مرتدياً البجامه المضرجة بالدم اليابس الذي تحول لونه الى احمر بني، لم يكن باستطاعة والدتي كبت عبراتها، فاغرورقت عيناها بالدموع، وسالت على وجهها، وهزّ منظرها والدي، فنظم فيها قصيدة بعنوان (دموع ··!) ومنها قوله:
 
دموع أم ظلال من حنان
 
مطلات من المقل الرواني
 
دموعك يا أميمة غاليات
 
فصونيها مع الألم المصان
 
ولا تتنهدي، فالسجن مهد
 
تهز به جبابرة الزمان
 
و لو عرف الذين به لتاهت
 
مبانيه على أسمى المباني
 
و تاه على الكواكب كبرياء
 
بما ضمت جوانحه الحواني(6)
صفحة 7
في منتصف آذار عام 1953، وبعد مظاهرات الطلبة، داهمت الشرطة دارنا ثانية، مطالبة بإلقاء القبض على والدي، فأجابتهم والدتي أنه ما زال عندكم في السجن· فقد وضعت مديرية الأمن التحقيقات الجنائية اسمه بقائمتها السوداء، بالرغم من ان نشاطه السياسي كان مقتصراً على ما ينشره ويكتبه من مقالات· وفتشت الدار مرة أخرى·
 
بعد أن عادت حياة في عام 1953من النمسا، ولم تبلغ بعد الثامنة عشرة من عمرها، اختفت في دار إحدى زميلاتها، لمدة شهرين تقريباً، وقد أصبحت انذاك ملتزمة كلياً بمبادىء وتعليمات الحزب الشيوعي· ولم تقم بزيارة عائلتها بعد إطلاق سراح والدها·
 
كان سبب هذا أن الحزب الشيوعي اعتبر والدها من كتلة لا تناصرهم في موقفهم السياسي، وذلك بعد الانشقاق الذي حدث داخل السجن بين السجناء السياسيين، حيث انقسموا الى كتلتين متضادتين· وشعر والدنا بألم دفين من السلوك الذي لم يكن يتوقعه من الذين يعتقد بأنهم حملةراية الحرية والعدالة والديمقراطية، إذ كان صميمياً في نظرته نحو مجتمع عادل حيث يؤمّن للفرد حرية الرأي·
 
و في عام 1954 ترك والدنا العراق متوجها للإقامة في لبنان، بعد أن أغلقت جميع أبواب المعيشة أمامه، وخاصة أبواب النشر، بالاضافة الى أنه كان معرّضاً لإلقاء القبض عليه في أي هزة يتعرض لها البلد بعد أن أدرج اسمه في القائمة السوداء
 
أكملت حياة الدراسة الثانوية وحصلت على شهادة البكالوريا، وأصبح من الصعوبة عليها دخول جامعة بغداد، لعدم حصولها على شهادة حسن السلوك بسبب انتمائها السياسي، مما دعاها الى ترك العراق والذهاب الى سوريا·
 
كان هذا السلاح، سلاح شهادة حسن السلوك، يشن في محاربة الطلبة ومنعهم من الحصول على شهادة في الدراسات العليا أو العمل في الدولة بعد تخرجهم من الكلية، وقد أُصدرت تلك التعليمات خصيصاً لمحاربة اليساريين والشيوعيين من الطلبة· لذا سافر عدد كبير من خريجي المدارس الثانوية الى سورية ومصر·
 
وصلت حياة متأخرة، فقد بدأت الدراسة في الجامعات السورية، فخسرت سنة دراسية كاملة، ثم قررت الذهاب الى مصر والالتحاق بجامعة القاهرة، قسم اللغة الانكليزية·
 
التقت حياة بعدد كبيرمن الطلبة في مصر، وتعرفت على من سيكون زوجها في المستقبل محمد صالح سميسم الذي لم تكن التقته من قبل على الرغم من وجود علاقة عائلية في بغداد· وقد هرب من العراق كغيره لملاحقة السلطة له في العهد الملكي·
 
و قد اهتم واعتنى محمد بحياة بصورة خاصة· وتطور ذلك الاهتمام الى حب، وصّمم على خطبتها، ولكن الظروف لم تكن ملائمة، فأجل اعلان الخطبةرسمياً، ولكن استمرت العلاقة بينهما حتى بعد عودتهما الى بغداد عام 1958، بعد ثورة 41 تموز·
 
و لم يكن قرانهما حزبياً، كما كان دارجاً في تلك الفترة، وإنما كان عن حب بحت· وما جمعه بحياة ليس النشاط والاتجاه السياسي فقط، وإنما حبه واحساسه العميق بالأدب والشعر· وانتظر حياة لحين عودتها من موسكو عام 1968، وتم قرانهما عام 1970، اي بعد انتظار دام ثلاثة عشر عاماً·
 
كانت حياة في تلك الفترة تقضي معظم وقتها بالمطالعة والدراسة في قاعة كلية الحقوق لهدوء أجوائها، حيث كان معظم الطلبة من الشباب يقومون بزيارة كلية الآداب لكثرة عدد الطالبات فيها، وهو الأسلوب الوحيد للاختلاط بالجنس الآخر· وعندما كانت في القاهرة، كان هنالك فصل تام بين الطلبة بالنسبة لانتمائهم السياسي، فالطلبة اليساريون والتقدميون لا يختلطون أو يتكلمون مع الطلبة البعثيين أو القوميين، اي هنالك عزل تام بينهم· وقد انعكست تلك الحدية وعدم المرونة في التعامل السياسي بوضوح بعد ثورة 1958
 
تطوعت حياة خلال العدوان الثلاثي على مصر، للتدرب على حمل السلاح، جاءت بعض المتطوعات في اليوم الأول بكعوب عالية وتنانير قصيرة، وكأنهن ذاهبات لحضور حفلةرقص· لذا فإن الضابط المسؤول عن تدريبهن التزم الجد والصرامة معهن في الأيام الثلاثة الأولى، ولكن غيّر سلوكه بعد ذلك، وأخذ يبتسم ويتساهل ويضحك، وكانت المتدربات يخلقن جو معركة حقيقية·
صفحة 8
وفي عام1957، طُلب من نوري عبد الرزاق- الذي كان طالبا يدرس مع حياة في جامعة القاهرة - أن يتكلم ساعة كاملة عن الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري (والتي اذيعت من محطة الاذاعة المصرية)، فاتصل بـ حياة، ورتب معها منهجاً شيقاً· فكان نوري يتكلم عن منجزات الجواهري، وحياة بدورها تلقي شعراً مندواوين الجواهري· ولاقى المنهج نجاحاًٌ لم يتوقعاه، حتى أن الكاتب الكبير طه حسين، طلب اعادة المنهج في اليوم التالي·(7)
 
عادت حياة ووالدي الى العراق عام 1985، بعد ثورة الرابع عشر من تموز، مع الطلبة والمنفيين الذين كانوا خارج العراق· واستبشر الناس في بداية الثورة، ببداية صفحة جديدة في تاريخ العراق، وانعقدت الآمال والاحلام على عراق يسوده العدل وكل ما ترمز له كلمة الديمقراطية من معان· هذا ما كان يرنو اليه والدي عندما نظم قصيدته بوالدتي في سجن بعقوبة:
 
وراء الغيب خيط من شعــاع
 
سيبزغ، ثم يأخذ بالتدانــــــي
 
أكاد أراه شفافاً نقيـــــــــــاً
 
على رغم الغمائم والدخــــان
 
و ألمحه- وظل الليل يمشي
 
على شفق الصباح الأرجواني
 
و ألمح عنده عيداً عظيمـــــاٌ
 
تطوف به المباهج والتهــاني
 
و تأتلق الحياة به وتغــــدو
 
نعيماً ما له في الدهر ثانـــي
 
و عندئذ يسود الأرض عدل
 
ترفرف فيه أجنحة الأمــــان
 
فلا سجن، ولا إرهاب فيها
 
و لا تخويف للشرف المعـان(8)
 
و لكن في صباح ذلك اليوم الرابع عشر من تموز، سيطر العامة على الشارع، بتشجيع من نائب الرئيس عبد السلام عارف، طالباً اليهم التوجه نحو القصر الملكي، فأدى ذلك الى نهبه وتدميره، وقتل من بداخله وسحلهم في شوارع بغداد·
 
كانت بداية عنيفة ورهيبة، وانتقاماً بشعاً، واصبحت شوارع مدينة بغداد كتلة بشرية واحدة، تتماوج وتتدافع لرؤية جثث عارية معلقة من رؤوسها تحت شمس تموز الحارقة·
 
و لم تمّر إلا بضعة أسابيع حتى ظهر التصدع في جدار الثورة، بسبب المنافسة والصراع على السلطة بين رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم ونائبه عبد السلام عارف· واحتضن الديمقراطيون والشيوعيون عبد الكريم قاسم، أما القوميون والبعثيون فاحتضنوا عبد السلام عارف، الذي كان مُسنداً من قبل جمال عبد الناصر· ولعب عبد الناصر دوراً كبيراً في إحداث هذا التصدع، فقد كان يطمح في ضم العراق الى الوحدة القائمة بين سوريا ومصر· وكان معارضاً جداً للاتحاد الفدرالي· وانقسم المجتمع العراقي بين مؤيد للوحدة ومؤيد للاتحاد الفدرالي·
صفحة 9
كان عبد كريم قاسم رجلاً بسيطاً ومخلصاً للعراق، تعوزه الخبرة والحنكة السياسية· ولكن عندما تقلد أمور الحكم طمح في السلطة المطلقة· أما عبد السلام فكان رجلاً طائفياً، متهوراً ومحدود الأفق· وأصبحت خطاباته العديدة، منها: لا قصور ولا ثلاجات بعد اليوم، مثاراً للتهكم والسخرية بين الناس· ولم يكن عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء آنذاك راضيا عن سلوك نائبه عبد السلام، فاحتدم الصراع والتناحر بينهما للقبض على مقاليد السلطة والتفرد بها، واهملت فكرة تسليم مقاليد الحكم للمدنيين عن طريق اجراء انتخابات حرة·
 
و تفاقم الوضع سوءاً عندما عيّن عبد الكريم قاسم، قريبه فاضل المهدواي، رئيساً لمحكمة الشعب، لمحاكمة جماعة العهد البائد، فأصبحت المحكمة سيرك واتجهت الى مهاترات مع الرئيس عبد الناصر، ومنافسة شعرية وخطب حماسيةرنانة بين رئيس المحكمة المهداوي والحاضرين من الناس المؤيدين لكل ما يتفوه به· وانتشرت الفوضى في المحكمة إلى درجة أن المتحمسين من الحاضرين رموا الحبال على المتهمين الواقفين داخل قفص الاتهام، مطالبين بشنقهم، وكأن التاريخ أعادنا الى عهد الثورة الفرنسية، التي قاسى سكانها من العنف والفوضى التي تجلت في أحكامها الاعتباطية منذ مئتي عام·
 
كما أخذت المقاومة الشعبية التي أنشئت كميليشيا، تجوب شوارع مدينة بغداد عند غروب الشمس، وتقوم بتفتيش السيارات والمارة من الناس المشتبه بهم، وفرض منع التجول بعد منتصف الليل، الذي استمر معظم عهد عبد الكريم قاسم· وتم القاء القبض على اعداء الثورة الذين أخذت تتزايد أعدادهم يوماً بعد يوم! فساد جو مشحون بالرعب والخوف بين الناس، وكانت المقاومة الشعبية تقتحم الدوائر الحكومية حتى في رابعة النهار لإلقاء القبض على الموظفين من أعداء الثورة· هذا ما انحدرت اليه الثورة من تدهور وفقدان المصداقية والمبادئ التي جاءت من أجلها·
 
و صدرت في بداية الثورة مراسيم أدت الى تخريب المستوى العلمي كاصدار مرسوم الزحف وطُبق هذا المرسوم على الطلبة الذين لم ينجحوا في امتحانات البكالوريا لكي يمكنهم دخول الجامعة بلا امتحان· فتساوى المجتهد والكسلان، وأدى ذلك الى تدهور علمي، وتم بهذا تسييس مؤسسات التعليم·
 
انتهز الحزب الشيوعي ومؤيدوه الوضع المتأزم، فقاموا بتنظيم قطار السلام لزيارة الموصل وانقلبت الزيارة إلى عمل تأديبي لسكانها، الذين أعتبروا مناهضين للثورة· فكان من جراء هذه الزيارة الشعبية، القتل والسحل والاعدامات الفورية، وتكررت هذه الاعمال في مدينة كركوك أيضاً·
 
وصل عندئذ الانشقاق والتأزم في الوضع، إلى قيام الشواف بحركته الانقلابية الفاشلة، التي أدت إلى القاء القبض على المشتبه بهم، وبدأت سلسلة من الاعتقالات والتعذيب والاعدام، بعد محاكمتهم من قبل محكمة المهداوي· واعتقل عبدالسلام وأودع السجن، وحكم عليه بالاعدام، إلا ان عبدالكريم قاسم عفى عنه بعد فترة قصيرة·
 
أدى هذا التأييد الذي حصل عليه عبد الكريم قاسم من قبل اليسار والحزب الشيوعي، الى التغلغل في معظم مراكز الدولة الحيوية لفترة قصيرة، ونشرت حوله هالة من التأليه، وأصبح الزعيم الأوحد وشاهد المنافقون من الناس صورته في القمر عندما كان بدراً، وصدّق البسطاء هذه الروايات· وأصبحت خطبه أكثر رتابة وطولاً من خطب عبد الناصر، وشلّت المظاهرات اليومية المتواصلة الأعمال التجارية والمدارس والجامعات عن العمل·
 
و تغلغل الانشقاق وطفت الأحقاد بين صفوف المجتمع، واختل التوازن الاجتماعي، فشملت العلاقات العائلية بين الولد وأبيه، وعادى الأصدقاء بعضهم بعضاَ، وغاب المنطق السليم والوجدان في حل الأمور والحوار بين الناس، واختزلت تعقيدات الحياة ومشاكلها بلونين الأحمر والأخضر، وأصبح اللون يرمز للآنتماء السياسي، فاللون الأخضر يرمز للقومي واللون الاحمر للشيوعي، وشمل حتى الاطفال الذين أخذوا يطالبون أمهاتهم ارتداء اللون القومي أو الشيوعي· وامتنع بعض الناس عن أكل الطماطة (البندورة) للونها الاحمر، وعن ارتداء اللون الأحمر، كردود فعل غير عقلانية لمواجهة الشيوعية·
 
عندما عادت حياة بعد ثورة الرابع عشر من القاهرة، التحقت بكلية الآداب، قسم اللغة الانكليزية، لإكمال تعليمها الجامعي، ألقى الحزب الشيوعي على عاتقها أعمال ومهمات حزبية كثيرة، كانت تنوء تحت عبئها الثقيل أدت بها الى إهمال الدراسة والدوام الجدي في الجامعة· إنها كانت مسؤولة عن تنظيم المظاهرات والتوعية بين الناس، وحضور الاجتماعات الحزبية المتواصلة· بعد بضعة أشهر من النشاط المتواصل بدأ الاعياء يؤثر على صحتها، من قلة النوم والعمل المتواصل· بل كان عليها القيام بواجباتها حتى أثناء مرضها· كانت تمّر بصراع نفسي عنيف لم تبح به بل ظلت صامتة، وشعرت أن الاعمال التي كانت ترتكب غير صحيحة ولا تتفق بما تؤمن به·
 
بالرغم من الفوضى والاعتداءت التي حصلت في تلك الفترة، فقد شهد العراق درجة من الحرية في إبداء الآراء المختلفة، فسمح بإصدار صحف ومجلات متعددة، تمثل جميع الفئات السياسية، من القوميين والبعثيين والشيوعيين والديمقراطيين· وكانت الصحافة المناوئة لسياسة عبد الكريم قاسم، تهاجمه بعنف مستمر، كما كانت جريدة (صوت الشعب) التي أصدرها الحزب الشيوعي، عنيفة وحدية في مهاجمة أعداء الثورة بلا هوادة·
صفحة 10
ولكن عندما مال عبد الكريم قاسم في اتجاهه السياسي تدريجياً نحو الوسط واليمين، محاولا الابتعاد عن اليسار والحزب الشيوعي، حتى أنه أمر بالقاء القبض على بعض قادته، نشط في تلك الفترة حزب البعث الذي لم يكن له قاعدة شعبية قبل الثورة، وأصبح قوة مهمة بالاشتراك مع القوميين، فاستغلوا خوف الناس من انتشار الشيوعية، ولعبوا على ذلك الوتر بنجاح· وزاد التردد على الجوامع وحضور خطبة الجمعة، وقوي الاتجاه الديني السياسي، محاولة لعزل اليساريين والحزب الشيوعي واضعافهم، متهمين الشيوعيين بتدنيس القرآن، فخرجت المظاهرات في حي الأعظمية مطالبين بقتل الكفرة، وظهرت المعركة بوضوح بين الطرفين في الانتخابات النقابية التي سيطر القوميون والبعثيون عليها تدريجياً·
 
ضعفت حكومة عبد الكريم قاسم الى درجة كبيرة، وأصبح اغتيال المناصرين له والمدافعين عن سياسته من الاحداث التي كانت تتكرر يومياً، وأخيراً حاولوا اغتياله في وضح النهار، ورشق بالرصاص من جميع الجهات، ولكنه نجا من الاغتيال بالصدفة·
 
و أنيط بكتابة المقالات في جريدة صوت الشعب في تلك الفترة باليساريين من أمثال والدي، مما ادى الى وضع اسمه في قائمة الاغتيال التي تبناها المناوئون لـ عبد الكريم قاسم·
 
و في نهاية عام عام 0691، حكم على والدي لمدة ثلاث أشهر بالسجن في سجن العمارة لكتابته هذه المرة مقالاً طعن فيه بصحة انتخابات نقابة المعلمين· إذ لم يكن والدي راضياً على التطرف والاعتداءات التي أصبحت روتيناً يومياً·
 
و لذا عندما خرج من السجن، قرر ترك العراق، حيث وجد أن عراق الثورة وعراق نوري السعيد لا يختلفان، ولم تتحقق آماله في أن يسود الارض عدل، ولا رفرفت أجنحة الأمان كما كان يحلم ويتوق في تصوراته لثورة مثالية·
 
و بتردي الوضع العام، قررت حياة الذهاب الى موسكو للدراسة، لأنها كانت مصممة على ترك الحزب الشيوعي بعد ما خاب ظنها في العمل السياسي، وكانت على اختلاف مع الشيوعيين، ولم يكن بوسعها ترك الحزب والبقاء في العراق، حيث سيتحول بعض أعضائه الى مهاجمتها ونعتها بالخيانة والجبن، الأمرالذي كانت تتجنبه· كانت في صراع نفسي متواصل، فكان تقديمها طلب الالتحاق بالبعثة لإتمام دراستها فرصة مناسبة للتخلص من هذا الجو والابتعاد عنه، وقد صوّرت تلك الخيبة على لسان أحد أبطال روايتها وميض برق بعيد:
 
كان خالد متحمسا لكل ما هو مثالي ولكل ما يمكن أن يخفف من مآسي الحياة والشر المتغلغل في طواياها، ولذلك انتمى الى حزب سري· اكتشف تدريجياً الاختلاف الكبير بين ما يؤمن به من أفكار وبين تطبيقها العملي· كانت طبيعته حساسة ولا تتحمل الازدواجية لذلك قرر الانسحاب، وإذا برفاق الأمس الذين يجمعهم الايمان بقضية الانسان يتحولون الى أبواق تنعته بالجبن والأنانية ويستهينون به ويسخرون منه(9)
 
لم يمّر عام على محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، حتى نجح البعثيون بالسيطرة على مقاليد الحكم ، في 8 شباط، عام 1963·
 
كان انقلاباً دموياً عنيفاً جداً، وشمل التعذيب والقتل شرائح مختلفة من المجتمع، وجثت سحابة كالحة مظلمة في سماء العراق، لم تنقشع إلا بعد بضعة أشهر، فأُلقي القبض على عدد كبير من الناس، بمساعدة الميليشيا الجديدة التي أطلق عليها هذه المرة اسم الحرس القومي، وكانت مهمتها القاء القبض على الناس وايداعهم الاعتقال، واستجوابهم بشتى طرق التعذيب· وشمل ذلك كل من له صبغة ديمقراطية أو يسارية، وامتلأت المعتقلات بالمعتقلين حتى لم تعد تسعهم ، فحولت بعض الملاعب الى معتقلات، كالنادي الأولمبي· وعذب وقتل واختفى عدد كبير من المفكرين والمثقفين ودفنوا بقبور جماعية، ولم تسلم حتى الجامعة، فقد ألقي القبض على الأساتذة والطلبة في داخل حرم الجامعة· كما فصل عدد كبير من الفئة اليسارية من أعمالهم·
 
كان للولايات المتحدة دور مهم في تنظيم هذا الانقلاب، وكانت من المخططين في إزالة حكم عبد الكريم قاسم، ساندت بكل قواها حزب البعث ضده، حتى تبجح (ليكلند) أحد كبار موظفي السفارة الأمريكية، - حينما أعلنت أسماء الوزارة - أن له علم بمعظم أسماء الوزراء، ولم يخف ذلك آنذاك علي صالح السعدي، وزير الداخلية، قائلاً في كثير من المناسبات لقد جئنا بقطار أمريكي
 
و من الصدف ان حياة ووالدي كانا خارج العراق آنذاك، حيث سافرت حياة عام 1961 لدراسة الدكتوراه في جامعة موسكو، وسافر والدي الى الصين بنفس التاريخ للتدريس في جامعة بكين· ولكن لم ينج دارنا من التفتيش، فبعد مرور أربعة أيام على الانقلاب، قرع باب دارنا، وعندما فتحت والدتي الباب فوجئت بالحرس القومي موجهين بنادقهم نحوها، وأطلق أحدهم رصاصة من بندقيته ثقبت السجادة المفروشة في غرفة الضيوف· التصقت والدتي بجدار الغرفة جامدة من الرعب والفزع الذي انتابها، وكان بينها وبين أصابتها بضع بوصات·
 
ظن أفراد الحرس القومي أنهم عثروا على وكر مهم، وكان السؤال الأول أين حياة؟ أجابهم أخي إبراهيم: إنها خارج العراق منذ عامين، والسؤال الثاني عن والدي، فأجابهم نفس الجواب، إنه خارج العراق أيضاً، فلم يرتح رئيسهم لهذه الاجابة، لذا قرروا ألا يتركوا الدار صفر اليدين، فاخذوا أخي رهينة بدل والدي وحياة· وهذه هي المرة الثانية التي يتعرض لها إبراهيم لمثل هذه التجربة·
 
إن أخذ البديل ليس ابتكاراً جديداً فقد دخل القاموس العراقي بـ انتفاضة تشرين عام 1952 في العهد الملكي، وطُبق على نطاق واسع من قبل منفذي هذا الانقلاب الجديد·
 
بعد الانتهاء من التحقيق، وتفتيش الدار وبعثرة الكتب والأوراق ونبش صورالعائلة والاصدقاء، لم يجدوا شيئاً مهماً، وبعد تحقيق دام ساعتين علموا خلالها أن إبراهيم كان طيلة تلك الفترة الماضية طالباً في انكلترا، وشفعت له معرفته ببهاء شبيب وأحمد النقيب اللذين كانا من أقطاب حزب البعث آنذاك، واعجابهم بكتابات عمي عبد اللطيف شرارة وخاصة كتابه روح العروبة، فنجى إبراهيم من القاء القبض عليه كبديل، وأفلت من الاعتقال·