eKtab
EN ع
آثار الحقب في لاذقية العرب
اقرأ عينة مجانية

آثار الحقب في لاذقية العرب

بقلم الياس صالح اللاذقي

صفحة 1
ملاحظات لا بد منها

«آثار الحقب في لاذقية العرب»، مخطوط جديد يقع في جزئين لمؤلفه «العلامة الياس صالح اللاذقي»(1)، تنشره «دار الفارابي»، إيماناً منها بأن العلم الذي يحفظ على القراطيس المخبأة، يبقى النفع منه مقتصراً على قلة قليلة جداً ويبقى مهدداً بالضياع في أية لحظة. والدار بعملها هذا، تخرجه إلى النور العذب الجميل، فتغني المكتبة العربية عامة، والتاريخية منها خاصة، وينتفع جميع القراء بما يحتويه من علم.

يتناول مؤلف هذا المخطوط، تاريخ مدينة اللاذقية، بالارتباط مع لوائها من جهة، ومع ما حولهما من جهة أخرى، منذ أقدم العصور إلى أواخر القرن التاسع عشر، وما يحتويه له أهمية بالغة لاعتبارات كثيرة، أهمها:

1 ـ إن المؤلف هو ابن اللاذقية، والمنطقة التي يكتب عنها حدد بنفسه إطارها. فهي تمتد من شمال طرطوس جنوباً، إلى حدود الجبل الأقرع شمالاً، ما يبلغ طوله سبعين ميلاً؛ ومن الغرب إلى الشرق نحو خمسة وعشرين ميلاً، أي ما مساحته 1750 ميلاً مربعاً(2). وهذا التحديد ليس أمراً شكلياً، فتحديد المكان واحد من مستلزمات البحث العلمي الرصين.

2 ـ إن المنطقة المشار إليها، هي جزء من الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وقد شكل عبر التاريخ ـ في مختلف مراحله ـ ممراً طبيعياً، يصل قارات العالم القديم بعضها ببعض. ومن هذا الساحل ومما هو حوله في جهاته الأربع، نشأت امبراطوريات كبرى، في التاريخ القديم والوسيط والحديث. فهذا الساحل، كان وما زال وسيبقى ممراً للتجارة الدولية في كل اتجاه. كما أنه سيبقى من أهم ممرات العالم إلى مختلف أنحاء هذا العالم على الإطلاق. ومن أجل السيطرة عليه، أو لإبقائه حراً محايداً سيتزايد عليه الصراع أكثر فأكثر، بين أهله من جهة، ودول العالم من جهة أخرى، وفيما بين هذه الدول من ناحية ثالثة. ولا سيما عندما يقرر أبناؤه أن تكون مقدراته بين أيديهم بدون منازع. خاصة بعد الكشف عن أن سواحله غنية بالبترول والغاز الطبيعي والمياه العذبة.

3 ـ إنّ صاحب المخطوط، قد حدد الزمان الذي يكتب فيه عن هذا اللواء. وهذا أيضاً واحد من مستلزمات البحث العلمي. وفي صياغته لهذا التاريخ، فقد جمع بين ما هو مطلوب منه ـ على حد تعبيره ـ كمؤرخ من جهة، وبين إحساسه كمواطن عادي بما يحتاج إليه من معارف تاريخية عن مدينته ووطنه وما هو حوله من جهة أخرى. هذا الشعور، قد عبر عنه بشكل واضح في مقدمة مؤلفه. وهو بشعوره هذا لا يمكن أن يكون إلّا صادقاً، لسبب بسيط، وهو أن المعارف التي سعى وراءها وساقها لمواطنه، كان هو بحاجة إليها قبل غيره. علماً أن ما كتبه، لم يكن هدفاً بحد ذاته، بقدر ما هو محاولة لصياغة ذاكرة مواطنه وتزويدها بالمعارف الصحيحة عن المنطقة التي يعيش فيها.

4 ـ إنّ الياس صالح اللاذقي، لم يكن ذلك الإنسان العادي، عندما كان يكتب هذا التاريخ. فهو أكثر من شخصية في رجل واحد، بحكم ما كان يتقنه من لغات وما شغله من مناصب، وما قام به من مهام. هذا بالإضافة إلى ما كان يتمتع به من حضور سياسي واجتماعي ورسمي في الوسط الذي كان يعيش فيه.

5 ـ إنّ القسم الأكبر من المخطوط، يتعلق بفترة الحكم العثماني. وتتميز كتابته عن هذه الفترة بدقة استثنائية لسببين: الأول، لأن المؤلف يتقن اللغة التركية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان عضواً في محكمتها الابتدائية، وبحكم موقعه هذا، كان مطلعاً عن كثب، على ما كان يرد إليه من الإدارات الرسمية من تعليمات وأوامر عليّة؛ وما كان يصدر عن هذه الإدارات من مقررات واستفسارات، وما كان يفعله الولاة والموظفون من أجل الحفاظ على مصالحهم الخاصة. والثاني، وهو أن المؤلف قد ولد في مرحلة تداعيات النظام العام للسلطنة؛ وعاش في قلب مرحلة المحاولات، التي قامت بها من أجل إصلاح ذاتها؛ كما أنه شهد بعض الحروب التي شنت عليها من قبل الروس، وبعضها الآخر الذي شنته هي على رعاياها في لواء اللاذقية؛ كما أنه كان في قلب مرحلة انتقالها من «نظام الايالت» المتداعي، إلى «نظام الولاية»، الذي شارك في تطبيقه من موقعه الوظيفي.

6 ـ إنّ الفترة التي كان الياس صالح اللاذقي، يكتب فيها تاريخ لواء اللاذقية، كان الروس يعملون على تضمينه جزءاً من خطتهم العاملة لوصولهم إلى المياه الدافئة، بالاستيلاء على القدس، والعبور منها باتجاه الشمال، نحو اللاذقية عبر وادي البقاع وجبل لبنان فحمص؛ معتمدين في ذلك أسلوب استمالة وجذب أبناء الطائفة الأرثوذكسية إلى جانبهم وادعاء حمايتهم. ويبدو أن هذه الخطة، لم تكن حتى ذلك الوقت قد تبلورت بشكل واضح. بدليل أنه لم يشر إلى هذه المسألة بسوى أن للروس ـ كغيرهم من الدول ـ وكالة قنصلية في اللاذقية(3).
صفحة 2
سيرة الياس صالح اللاذقي 1839 - 1885

كتب صاحب هذه السيرة اسمه وتاريخ ولادته بخط ريشته على صفحات مخطوطة. فهو «الياس بن موسى بن سمعان صالح»، ولد في 26 كانون الثاني من العام 1839. أما بالنسبة لتاريخ وفاته، فهو 15 أيلول 1885، دوّنه ابنه رفيق، تحت الصورة التي أعدها لوالده، بمناسبة مرور ربع قرن على وفاته(4). ومع ذلك، هناك من أشار ـ بدون أي سند ـ إلى تواريخ أخرى مختلفة لولادته ووفاته، غير تلك التي أشرنا إليها(5). لاذقي(6) المولد (نسبة إلى اللاذقية) والمنشأ والرقاد، «غزاوي» (نسبة إلى غزة في فلسطين) الأصل والفرع. سليل أسرة وجيهة، خدمت السلطنة العثمانية وولاتها في سلك الوظيفة العامة في غزة، ويافا، واللاذقية. لكنها لم تسلم من أذية وكيد وبلص ولاتها.

صالح، كبير العائلة من غزة بفلسطين، ولد وترعرع فيها (1730-1790)، عمل في سلك رجال الحكومة ووصل إلى مكانة مرموقة ولقب «بالمعلم صالح»؛ وبوصفه كبير العائلة أعطى اسمه كنية لها(7).

سمعان بن صالح، اقتفى خطى والده فقد عمل في غزة، ثم انتقل إلى يافا ليصبح رئيساً للكتّاب فيها، وهو ما سمح له بإعلاء كلمته ومكانته. غير أنه قتل عام 1825 (8). وبذلك كان مصيره كمصير حميه «حنا كبه» في اللاذقية، فقد صودرت أمواله وضبطت موجوداته(9).

أما موسى، فعندما رأى ما حلّ بوالده، غادر بصحبة والدته وخاله إلى اللاذقية عام 1831، حيث تزوج. وكان الياس بن موسى بن سمعان صالح ثمرة من ثمار هذا الزواج، وكبير ثلاثة أخوة من أصل خمسة رزق بهم والده(10)، الذي تركهم مع زوجته في اللاذقية وعاد إلى فلسطين، حيث توفي(11). ولذلك، انكبت الزوجة على تربيتهم، واضطر الياس، كبير الأبناء، أن يعمل باتجاهين: انكبابه على العلم والمطالعة من جهة، وإلى تعلم صنعة تقيه وعائلته من الفقر وذل السؤال. وبات في سن المراهقة يعرف شيئاً من مبادىء القراءة في كل من العربية والايطالية والفرنسية ويتقن كتابة الخط، وفي هذا المجال بلغ شأواً يقصّر عنه أمهر الخطاطين. وبهذه الصنعة، دخل باحة الكسب، ليسعف أخوته ويشد من أزر أمه.

في عام 1859، انشأ المرسلون الأميركان مدرسة للعلوم في اللاذقية وبذلك، انفتح أمامه باب لتعلم اللغة الإنكليزية وقواعد اللغة العربية. وفي عام 1866 عيّن ترجماناً لقنصلية أميركا في اللاذقية. عندها ترك كتابة الخط وتشارك مع الياس وجبران صوايا في عمل تجاري، لكن الحظ لم يحالفه بالنجاح. وكان في أثناء ذلك، قد التزم أعشار قضائي جبله واللاذقية ولقي في هذا المجال نجاحاً، كان من جرائه تحسين أوضاعه ومستوى معيشته. وفي عام 1869، سأله المرسلون الأميركان في اللاذقية أن ينظم لهم المزامير فأجاب طلبهم. وفي عام 1871 تزوج باحتفال عظيم(12).

في عام 1872، تولى إدارة قنصلية أميركا في اللاذقية إثر غياب نائب القنصل. وفي عام 1873، بدأ بكتابة مخطوطه «آثار الحقب في لاذقية العرب». وعندما أكمل نظم المزامير، سافر إلى مصر بطلب من المرسلين من أجل مقابلته بالنسخة الأصلية وطباعته هناك. كان ذلك في أيلول 1874 وبقي في مصر إلى حزيران 1875. وإثر عودته إلى اللاذقية استقال في شهر تموز من الترجمة لقنصلية أميركا، ودخل في خدمة الحكم العثماني. وفي هذا المجال انتخب عضواً للمحكمة الابتدائية. وأثناء ممارسته لهذه المهمة بات متمكناً من اللغة التركية بعد أن كان قد ألمّ بها وتعلم قواعدها، وراح يعرّب تآليفها كالدستور العثماني وقوانين السلطنة العلية(13). وظل انتخابه لهذه المهمة يتجدد إلى نهاية حياته. وخلال المدة 1875 ـ 1878، كتب مذكراته اليومية. أصيب بداء أعياه وعجز الأطباء عن مداواته وشفائه فتوفي في صباح الثلاثاء الواقع فيه 15 أيلول 1885، عن صبي وأربع بنات؛ وشيّع إلى مثواه الأخير بمأتم مهيب، حضره جمع غفير، كتبت عنه الصحف(14)؛ ورثاه عدد كبير من الشعراء. من أمثال: أسعد أفندي داغر، حنا أفندي نقاش، سامي كومين، الياس أفندي نوفل، ابراهيم أفندي رزوق واسحق أفندي شيبوب(15). وبالإضافة إلى المخطوط المشار إليه، فقد ترك لنا مجموعة كبيرة من القصائد جمعها ونسقها وطبعها ابنه رفيق بمناسبة مرور ربع قرن على وفاته كما أشرنا عام 1910 (16). أما أعماله غير المنشورة، فلم يبق منها أي أثر(17). وأخيراً، إنّ أفضل ما نختتم به سيرة هذا المؤرخ، الباحث والشاعر الرقيق، الياس صالح اللاذقي بما قاله في مدحه صاحبا كتاب ولاية بيروت: «يجب على اللاذقيين عامة والمسيحيين خاصة، أن لا ينسوا اسمه، لأنه استطاع تحريك الإحساسات التي تخفق لها قلوبهم وتقريرها. واقتدر على نقل حالتهم الروحية وتثبيتها»(18).
صفحة 3
نتناول تحت هذا العنوان من حيث الشكل ـ مسألتين أساسيتين:

أ ـ أثار الحقب في لاذقية العرب بحلّة المخطوط، قد أبصر النور في عام 1881، ليعود بعدها إلى الظل، بحيث تقتصر رؤيته والاطلاع عليه على الخاصة من الناس دون سواهم، بانتظار خروجه إلى النور خروجاً دائماً، شأنه في ذلك، شأن كل المخطوطات العربية في ذلك الزمن. وهو يتألف كما أشرنا من جزئين.

1 ـ الجزء الأول منه، يبدأ بصفحة غلاف خطّ عليها: أثار الحقب في لاذقية العرب، تأليف الفقير الياس صالح عفي عنه، الجزء الأول، يليها فهرس موضوعات، فمقدمة قصيرة تفي بالغرض الذي أراده من هذا الكتاب. ويقسم هذا الجزء من المخطوط إلى قسمين: القسم الأول جغرافي، بعنوان: في جغرافية اللاذقية ووضعها الحالي (1873 عندما بدأ بكتابة هذا التاريخ). وقد اعتمد المؤلف في كتابة هذا القسم نظام الفصل، فقسمه إلى أربعة عشر فصلاً. تناول في خمس منها جغرافية مدينة اللاذقية. أما في الباقي من هذه الفصول، فقد تناول جغرافية لواء اللاذقية. وأقل ما يقال في هذه الفصول بأنها غير متوازنة. أما القسم الثاني من هذا الجزء، فهو تاريخي، بعنوان: في تاريخ اللاذقية. يتخلى في هذا القسم عن نظام الفصل، ليعتمد نظام المحطات المهمة ـ حسب رأيه ـ في تاريخها، بدءاً من مرحلة ما قبل التاريخ، حتى عام 1831، عندما قام محمد علي باشا والي مصر (1769-1849) ، بحملته العسكرية المعروفة ضد السلطنة العثمانية واحتل اللاذقية عام 1832. وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن الياس صالح اللاذقي، قد صاغ لهذا القسم عن تاريخ اللاذقية تسعة وأربعين عنواناً أشار إليها في الفهرس الذي وضعه لهذا الجزء، أما في المتن فقد ترك أمرها ليشير في المتن إلى أفكارها فقط.

2 ـ الجزء الثاني منه، يبدأ بصفحة غلاف خطّ عليها: الجزء الثاني من كتاب أثار الحقب في لاذقية العرب، تأليف الياس صالح اللاذقي عفي عنه. أي بإضافة «اللاذقي» إلى اسمه. ويلي صفحة الغلاف فهرس يتضمن 109 عناوين بدون أن يشير إلى هذه العناوين في متن المخطوط. بمعنى أنه أكمل صياغة هذا الجزء بنفس الطريقة التي كتب بها القسم الثاني من الجزء الأول.

ومن الجدير بالذكر هنا، أن نشير إلى مسألتين: الأولى، وهي أن هذا الجزء تاريخي، يستكمل به تاريخ اللاذقية بالكتابة عن تاريخ لواء اللاذقية من عام 1831-1881؛ الثانية، وهي أنه اعتمد النظام الحولي في التأريخ، مشيراً إلى السنين على هامش صفحات المخطوط.

ب ـ أثار الحقب في لاذقية العرب بحلّة كتاب، وحول هذا الشكل الذي أصبح عليه المؤلف، لا بد من القول بأن المخطوط الذي كان يتألف من جزئين، قد بات بعد طباعته كتاباً واحداً موحداً. وبات أمراً طبيعياً أن يكتب عنوانه مرة واحدة «أثار الحقب في لاذقية العرب»، وأن يكتب اسم مؤلفه مرة واحدة أيضاً وهو «الياس صالح اللاذقي»، الاسم المحبب لديه.
صفحة 4
غاية ومراجع ومنهج آثار الحقب في لاذقية العرب

لقد حدد المؤلف بنفسه الغاية والهدف الذي أراده من كتابة مُؤَلفه، بأنه من أجل أن يكون لهذه المدينة تاريخ مكتوب ومجموع في كتاب واحد، يتناول أخبارها منذ القديم إلى اليوم الذي كتب فيه هذا التاريخ، من أجل أن يستغني أبناء الوطن عن كثرة المراجعات ومشقة البحث والتفتيش. وبذلك، فهو يساهم في توحيد رؤية أبناء وطنه حول ماضيهم وحاضرهم لتتوحد رؤيتهم وتوجهاتهم نحو المستقبل.

أما بالنسبة للمصادر التي اعتمد عليها في كتابة هذا التاريخ، فهي من ثلاثة مصادر:

1 ـ من القليل الذي وجده عرضاً هنا وهناك في بطون الكتب عن اللاذقية، ولا سيما تاريخها القديم، لأنه لم يعثر على مصنف خاص بها.

2 ـ مما رواه له أبناء جيله الحاضر، الذين شهدوا الوقائع أو نقلوها عمن شهدوها.

3 ـ مما جدّ في أيام عصره من أخبار، ومما رآه وعاصره من أحداث. معتمداً في ذلك على سمعه وبصره.

وبالنسبة لمنهجه في الكتابة، فيمكن القول بأنه استند في تقديم معارفه ومعلوماته على عدد من القواعد:

الأولى، توجه بها إلى المؤرخ نفسه. فقد أوجب عليه «الابتداء بالأخص لينتقل منه إلى الأعم».

الثانية، تقوم على ربط المكان بالزمان وبالإنسان.

الثالثة، توجه بها إلى مواطنه العادي، فأوجب عليه «أن يعرف تاريخ مدينته ووطنه، قبل أن يعرف تاريخ المدن والأوطان الأخرى».

وعلى أساس هذه القواعد، بدأ بالكتابة عن مدينة اللاذقية أولاً، بوصفه من مواليدها وأحد أبنائها الميامين، ليتوسع بعدها باتجاه لواء اللاذقية. وعزا هذا التوجه في الكتابة إلى سببين:

الأول، وهو أن المدينة واللواء مرتبطان ببعضهما البعض منذ القديم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهما مرتبطان بمحيطهما في طرابلس وصيدا وعكا وبيروت ودمشق وحلب.

الثاني، وهو أنه لم يخطر بباله يوماً، أن يرى اللاذقية منفصلة عن اللواء، منطقتها الحيوية، أو أن تكون هذه الأخيرة مرتبطة بمركز آخر غير اللاذقية.

ولذلك، فعندما حصل الفصل بين اللاذقية ولوائها، اعتبر أن من قاموا بهذا الإجراء، لا يتمتعون بالرأي السديد. لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، ويعملون على تحويل الأحوال عن مجاريها الطبيعية.

اللاذقية في منهج الياس صالح اللاذقي موقع من مواطن الإنسان القديم، لجأ إليها واختبأ في مغاورها المحفورة في الصخر جنباً إلى جنب مع الحيوان. وما اكتشف فيها من آثار أثناء عملية الحفر في عام 1849 (*)، يدل على أن عملية الاستقرار هذه، قد ساعدت الإنسان القديم أن يخطو في العصر الحجري خطوة هامة على طريق التقدم والرقي. وبذلك، فهي تتماثل مع مواقع أوروبية ترقى إلى تلك الحقبة، ولا سيما في فرنسا واسبانيا، حيث عثر على تماثيل ترمز إلى الأمومة والخصب وتجدد الحياة ورسوم نافرة على جدران المغاور بعضها على شكل رؤوس بقر وبعضها على شكل رؤوس بشر، ترمز إلى السحر والشعبذة(19).

وهكذا يتسلسل تاريخ اللاذقية، في مؤلف «آثار الحقب في لاذقية العرب»؛ فهي في التاريخ القديم جزء من فينيقية، الممتدة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط من «جبل الأقرع» في سوريا شمالاً، إلى جبل الكرمل في فلسطين جنوباً(20).

وفي أيام الفرس، هي جزء من الامبراطورية الفارسية، التي امتدت من السند في آسيا شرقاً، إلى غرب قبرص وسراديس في آسيا الصغرى غرباً(21). بدليل أن أحد جبال مقاطعة «بيت الشلف»، في لواء اللاذقية يدعى «جبل دريوس» (Mont Darios) (22).
صفحة 5
وفي عهد الاسكندر الكبير، امبراطور اليونان (336 ـ 331) ق. م، كانت جزءاً من الامبراطورية اليونانية، الممتدة: من مقدونيا في أوروبا غرباً، إلى السند في آسيا شرقاً والى مصر في افريقيا جنوباً(23). وفي عهد السلوقيين، خلفاء الاسكندر، كانت اللاذقية جزءاً من حصتهم التي ورثوها عنه، وكانت مدمرة بفعل الزلازل، وأعاد سلوقس (Seleucus) بناءها، وسماهـا «لادوكيـة» باسم أمـه وقد عرّب العـرب هذا الاسم «اللاذقيـة». ومـن الجـدير بالذكـر هنا، أن المنطقـة التي بنيت عليهـا مدن: اللاذقية، وسلوقية، انطاكية وأفاميا(24)، كـانت فـي عهـد السلوقيين إقليمـاً مميـزاً، سمـي تترابـوليس، ومعنـاهـا المـدن الأربـع.

وفي عهد الرومان، الذين استولوا على سوريا بعد السلوقيين عام 64 ق.م.، دخلت اللاذقية تحت سلطتهم وباتت تابعة لروما. وفي هذا العهد، راحت تناظر انطاكية وتسمت باسم «سبتيما السيفيرية» نسبة إلى «سبتيموس سفيروس» وأعطى اللاذقية الحقوق التي كانت للمدن الرومانية.

وفي عهد الرومان شهدت ظهور المسيحية منذ البداية الأولى وقد آمن بها أهلوها وقدموا في سبيل إيمانهم شهداء كثيرين؛ وشارك أساقفة من اللاذقية وجبله في المجامع المسكونية السبعة(25). كما أنها عاشت حالة الجدل والصراع الذي نشب بين أنصار الطبيعة الواحدة وأنصار الطبيعتين للسيد المسيح، وعندما خرج العرب المسلمون من الجزيرة العربية لنشر الدين الإسلامي وتوسيع رقعة دولتهم، استخلصوها من أيدي الروم البيزنطيين عام 637 وأسموها «لاذقية العرب».

وعندما زحفت أوروبا في الحملات التي اصطلح على تسميتها «الحملات الصليبية» (les Croisades) قاصدة الاستيلاء على سوريا والأماكن المقدسة، جرى استخلاصها من أيدي حكامها البيزنطيين، وتم الاستيلاء عليها في عام 1103 م(26).

وفي أيام المماليك، باتت جزءاً من سلطنتهم في عام 1287. وعندما استولى السلطان سليم العثماني على سوريا ومصر عامي 1516 و1517، صارت اللاذقية تحت سلطة السلطنة العثمانية كباقي المدن السورية. إننا إذ نشير إلى بعض تفاصيل هذا السياق التاريخي، فمن أجل التأكيد، على أن الياس صالح اللاذقي، قد عمل على الربط دائماً، بين التاريخ والجغرافيا والإنسان بما هو سلطة تفرض إرادتها ورغبتها. فاللاذقية كانت عنده دوماً جزءاً من الامبراطوريات الكبرى، التي تأسست على حوض البحر المتوسط؛ وبالتالي، فقد اعتبر تاريخها جزءاً لا يتجزأ من تاريخ هذه الامبراطوريات.

مضمون آثار الحقب في لاذقية العرب

يتضمن هذا الكتاب معلومات ومعارف لا حصر لها ولا عدّ. وهي تقسم إلى قسمين كبيرين: معارف جغرافية ومعارف تاريخية. هذه المعارف هي كل موحد لا يتجزأ. فبعضها يتعلق بواقع الأمور التي كان المؤلف يعيش فيها، وبعضها الآخر يساعد على فهم هذا الواقع. أما تقسيم هذه المعارف على هذا الشكل، فهو من أجل دراسة هذا الكتاب والتعرف إلى مضمون مادته.

أ ـ المعارف الجغرافية كثيرة جداً. ويمكن القول، بأنه لم يترك فرعاً من فروع الجغرافيا إلّا خاض فيه. وهذه المعارف هي الأخرى تقسم إلى قسمين: معارف جغرافية عن مدينة اللاذقية، وأخرى عن لواء اللاذقية.
صفحة 6
1 ـ المعارف الجغرافية عن مدينة اللاذقية، وما دام هناك أكثر من لاذقية، فقد أراد لمواطنه أن يعرف أن موقعه على الأرض، هو في «لاذقية العرب»؛ وحدد له موقعها بدقة، فهي على ريف البحر المتوسط في إقليم سوريا؛ كما حدد له بدقة أيضاً الدائرة الفلكية التي يدور في نطاقها(27).

ولما كانت اللاذقية مركز لواء وأكبر مدنه، فقد أراد لمواطنه أن يعرف عنها عدداً من المعارف الجغرافية، ليكون عارفاً وملماً ـ على الأقل ـ بالمكان الذي يقيم فيه ومن أهم هذه المعارف:

الأولى، وهي أن المدينة، كانت تتألف من قسمين منفصلين عن اسكلتها، شأنها في ذلك، شأن كل مدن الساحل الشرقي للبحر المتوسط. فالأسكلة هنا «متراس» (rempart) المدينة المتقدم عنها مسافة ليست بالقليلة، تسمح لسكانها ـ في ذلك الوقت ـ أن يخرجوا منها ويستعدوا للدفاع عن أنفسهم ومدينتهم في وجه الأعداء المهاجمين والطامعين. علماً، أن المماليك، كانوا في عهد سيطرتهم على هذا الساحل، قد لجأوا «إلى ردم الموانىء لمنع سفن الأعداء من دخولها»(28). خاصة بعد أن هزموا الصليبيين وأجبروهم على الرحيل عن هذا الشاطىء.

الثانية، أراد لمواطنه أن يعرف شيئاً عن التجمع البشري الذي يعيش فيه؛ هذا التجمع هو عبارة عن مجموعات بشرية متعددة الأديان والطوائف والمذاهب والأجناس؛ وإنّ عدد أنفس هذا التجمع، حسب الإحصاء الرسمي لعام 1866، هو 11200 نسمة؛ وعلى الصعيد الديني فهم مسلمون ومسيحيون؛ أما اليهود فقد انقرضوا من هذه المدينة ـ لسبب أو لآخر ـ في أواخر القرن الثامن عشر. وعلى الصعيد الطائفي، فالمسلمون هم السنة، أما المسيحيون فهم من الروم الارثوذكس والموارنة والبروتستانت؛ وعلى صعيد الأعراق، فهم من العرب والأرمن، وهؤلاء بدأوا بالوفود إليها في القرن الثامن عشر؛ هذا بالإضافة إلى عدد قليل من اللاتين. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن السلطنة العثمانية كانت تعتبر أن المسلمين هم السنة، وأن المسيحيين هم الارثوذكس؛ وأن ما عدا هؤلاء أمسلمين كانوا أم مسيحيين فهم من أهل البدع(29).

الثالثة من هذه المعارف، التي أراد لمواطنه أن يعرفها، فهي تتعلق بالهيئة الاجـتماعية العمومية في اللاذقية. فهي على حد تعبيره «كباقي مدن سوريا أو بالحري البلاد العثماينة، على غير ما يُحب ويرتضي. وعلة ذلك اختلاف المذاهب الحاجز للائتلاف فيما بين المسلمين والنصارى». إنّ هذا الوضع ـ في ظل التماسك الاجتماعي الهش وحالة الجهل المتفشية ـ يؤدي برأيه إلى نتيجتين مضرتين بالجميع:

1 ـ زيادة التباعد وعدم الاختلاط وحرمانهما من منافع مشتركة من جهة، وتضييع حقوقهما من جهة ثانية.

2 ـ إنّ هذا الوضع يمكّن الباغين من الحكام أن ينفذوا مآربهم فيهم جميعاً.

وليكون مواطنه على بينة من الوضع الاجتماعي في اللاذقية، تحدث عن كل فئة من فئات مجتمعها. والفئة هنا فئة دينية، وعلى الأصح ـ إذا استثنينا حديثه عن النصارى ـ فهي فئة طائفية تحتوي في داخلها مستويات اجتماعية متعددة. ومن أهم ما أشار إليه عن كل فئة من هذه الفئات:

فحول هيئة المسلمين الاجتماعية في اللاذقية وعوائدهم، أشار إلى الأعمال التي يقومون بها، وإلى حالتهم العلمية المتأخرة بالنسبة للنصارى وإلى حالتهم المعشرية المتأخرة أيضاً، وإلى قلة ميلهم لرفاهية المعيشة والطرب والانشراح، وإلى طريقة تمضية أوقات فراغهم، وإلى طريقة تناول طعامهم، وإلى عدم ميلهم إلى الإكثار من أصناف الطعام. خلال الوجبة الواحدة، وإلى عدم تعيّرهم بالعمل مهما كان هذا العمل وضيعاً، وإلى تعاطي الكثيرين منهم المسكرات ومبالغة البعض منهم بالشراب إذا شربوا، وإلى ملابسهم التي يرتديها: العامة والعلماء، والمشايخ والأفندية، والآغاوات وغيرهم، وإلى النساء وطريقة حياتهن، وإلى وصف أعراسهم ومعالجة مرضاهم الموكولة عادة للطبيعة، وإلى حزنهم وسهولة عزائهم بعد دفن الميت.

وحول هيئة النصارى الاجتماعية في اللاذقية وعوائدهم قال: «لقد كان النصارى في الجيل الماضي في هيئتهم الاجتماعية وملابسهم وسائر عوائدهم لا يفترقون عن المسلمين». غير أنهم في أوائل هذا الجيل، «ابتدأوا بتغيير بعض تلك العوائد متنقلين شيئاً فشيئاً، حتى انتهوا إلى ما هم عليه الآن». (أي في عام1873(30))(*). وأشار إلى الوظائف والصنائع التي يقومون بها، وإلى حالتهم العلمية المتقدمة، وإلى معشرهم وميلهم الطبيعي للهو والطرب، وإلى اقتباسهم عوائد الافرنج في تناول طعامهم، وإلى ترفعهم عن تعاطي أي نوع من الأعمال الحطيطة، وإلى ملابس رجالهم الذين اعتمدوا فيها الزي المصري فالافرنجي، وإلى حياة نسائهم التي كانت في السابق كحياة النساء المسلمات إلى أن راحت تتطور مع كثرة الاحتكاك بعائلات الافرنج التي وفدت إلى المدينة واستوطنت فيها، وإلى تبادل الزيارات وتمضية أوقات الفراغ واللهو، وإلى حسنات ومساوىء الاختلاط بين النساء والرجال، وإلى اقتناعه بأهمية تعليم النساء وإلى ملابسهن التي باتت كملابس النساء الافرنجيات، وإلى العوائد في خطوبة وأعراس وزواج النصارى، وإلى عاداتهم في المرض والموت والحزن والحداد.
صفحة 7
ورابعة هذه المعارف التي أراد لمواطنه أن يعرفها، عن مدينة اللاذقية، فهي دينية وسياسية في آن معاً. وفي هذا المجال، أعلمه أن مركز كرسي مطران الروم الأرثوذكس، تابع للبطريرك الانطاكي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يوجد فيها لكل من دول: انكلترا، وفرنسا، وروسيا، والمانيا، واميركا، والنمسا، واسبانيا، وايطاليا، وهولاندا، والدانمارك، واليونان وايران، «نائب قنصل» (Vice consul). وأشار إلى أن جميع هؤلاء وطنيون أو متوطنون في اللاذقية، وليس لأي منهم معاش من الدولة المنصوب من قبلها. إنما يتخذ كل منهم الوظيفة، للحصول على الشرف والاعتبار الذي توفره له هذه الوظيفة من جهة ولحماية نفسه وأشغاله وأملاكه من جهة أخرى. لكن ما فاته قوله، هو أن مصالح هؤلاء، كانت في أكثر الأحيان تتطابق كلياً مع مصالح هذه الدول التي كانوا يمثلونها.

2 ـ المعارف الجغرافية عن لواء اللاذقية، في هذا المجال، يمكن أن تصنف المعارف الكثيرة، التي ساقها لمواطنه على صعد عدة.

أ ـ على الصعيد الاجتماعي، أشار إلى أن سكان اللواء، هم من النصيرية والإسماعلية، من المسلمين والمسيحيين. وقدم له «لائحة ديموغرافية» (Bordereau démographique)، بيّن له فيها أعداد كل طائفة، وتوزع كل منها على المقاطعات، مستنداً في ذلك، إلى الإحصاء الرسمي، الذي جرى لأول مرة في اللواء عام 1866. كما أعطاه لوحة عن مواصفات كل منها، مبتدئاً بالنصيرية بوصفهم الطائفة الأكثر عدداً وانتشاراً في اللواء. ومن أهم ما أشار إليه عن كل طائفة من هذه الطوائف:

بالنسبة للنصيرية، أشار إلى حالتهم التي يرثى لها، وإلى جهلهم وتأخرهم وقلة من يعرف القراءة والكتابة بينهم، وإلى خشونتهم، وإلى عدد من صفاتهم غير الحميدة، وإلى عشائرهم وانقلابها على بعضها البعض، وإلى تمردهم على الحكومة وتخلفهم عن أداء الأموال المطلوبة منهم، وإلى تخلفهم عن أداء الخدمة العسكرية، وإلى غزوهم قرى الساحل والإخلال بالأمن والسلامة العامة، وإلى قيام السلطنة والحكومات المحلية بسوق الحملات العسكرية عليهم. وأشار إلى تركيب العشيرة عندهم؛ وفي هذا المجال توقف مطولاً عند هذه المسألة مشيراً إلى أن كل واحدة منها تتألف من ثلاث طبقات:

الأولى، طبقة المشايخ خدمة الدين. فهؤلاء يتفاوتون فيما بينهم في الغنى والعلم والنسب، ويتميزون عن غيرهم باعتمار العمائم البيضاء التي يسمونها شاشاً. ويوجد في هذه الطبقة ثلاث رتب: الإمام، والنقيب والنجيب والعامة من هذه الطبقة تطيع كل هؤلاء طاعة عمياء، ويقبلون كل ما يرسمونه من الطقوس، معتقدين بأنهم معصومون من الغلط وقادرون على منع الضرر عنهم، كمنع سريان الأمراض في جميع الناس والحيوانات مهما كانت، كما أنهم قادرون على إلحاق الضرر بهم. الدواء عندهم الأحراز والرقى، وهم يعيشون غالباً في هذه الشعبذة، ومن الأوقاف النذور والزكاة وغير ذلك. ولا يتجاسر أحد من العامة أن يغيظ شيخاً منهم، لأنه إذا ألقى عليه الحرم يمسي بأسوأ حال، إذ لا يعود أحد من النصيرية يقترب منه أو يخالطه أو يكلمه فيضطر إلى إرضاء الشيخ بما عزّ وهان ليحله من رباط الحرم.

الثانية، طبقة المقدمين، وهؤلاء هم أصحاب الأرض والنفوذ. وهم أيضاً على تفاوت في الغنى والجاه والنسب.

الثالثة، طبقة الفلاحين، وهم من العامة المساكين. ويحسبون بالنسبة إلى أرباب الطبقتين الأوليين كالعبيد. إذ ليس لهم ملك ولا تقدم في طائفتهم. وعليهم الأتعاب والخدمة ومنهم أيضاً الأنفار العسكرية. وأشار إلى أنه لا يوجد فرق كبير بين المقدمين منهم والرعاة من حيث السكن والمأكل إلا نادراً. غير أن المقدمين هم أحسن لباساً، فإنهم يلبسون غالباً طرابيش بشرابات طويلة ولبادات ويتعممون بجملة عصائب أو بزنار حرير، ويلبسون سراويل أبيض أو من الجوخ أحياناً وزناراً عريضاً ويشكون أسلحة في مناطقهم.

وتحدث عن وضع المرأة وقدرها عند هذه الطائفة، وعن قيامها بعمل المرأة في البيت وعمل الرجل في الأرض ولا سيما في الزراعة وخاصة زراعة التبغ. وأشار إلى بيوتهم الشبيهة بالأكواخ، وإلى طريقة ومستوى معيشتهم، وإلى الأعمال التي يقومون بها، كندف القطن وغزله وحياكته، وإلى تعاطي صنعة السكافة. وأشار إلى دينهم على أنه فرع من الطائفة الباطنية؛ فمنهم من يعبد بعض الأجرام السماوية على أنها ظهورات للإمام علي بن أبي طالب، الذي ينتحلون فيه الألوهية؛ كما توقف عند طقوسهم الدينية، فأشار إلى امتزاجها من طقوس النصارى والمسلمين واليهود والصابئين؛ وأنهم ينتسبون إلى اربع فرق: الكلازية، والشمالية، وعبدة الشفق ويدعون مواخسة، وعبدة الهواء ويقال لهم غيبية؛ كما أنهم يعتقدون بتناسخ الأرواح. وأشار إلى أعيادهم بأنها كثيرة وبأنها أعياد للمسلمين وللمسيحيين والوثنيين، وبذلك، فهي مزيج من طقوس كل الديانات التي عرفتها البشرية عبر التاريخ. كما أشار إلى أن من قواعد دينهم المحافظة على كتمانه وعدم إباحته حتى لو أصبحوا في أعظم الخطر حتى الموت؛ وإلى عدم تسليمه إلى أي أحد من أولادهم ما لم يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً أو عشرين؛ وإذا بلغ هذه السن وعولوا على تسليمه أسرارهم الباطنية، يجتمع جمهرة منهم مؤلفة من عامة الناس وخاصتهم، ويجري ذلك وفق مراسم وطقوس؛ ويقتل من يبوح بسر الدين بعد أن يتسلمه؛ وأشار إلى أنهم يكتمون ديانتهم عن النساء لأسباب ليست خافية على أحد. كما توقف عند وضع المرأة في هذه البيئة الدينية، والى عاداتهم في الزواج، وإلى تعدد الزوجات وتبادل النساء، والى الاحتفال بأعراسهم؛ وإلى عاداتهم في الحزن والى مزاراتهم الكثيرة.

• وبالنسبة للإسماعيليين، فقد أراد لمواطنه، أن يعرف أنهم من بقايا الطائفة المشهورة، التي كانت منتشرة في بلاد الشام، وكان في يدها أشهر المعاقل والحصون؛ وإنهم فرع من الطائفة الباطنية؛ التي تعتقد بشيء من ألوهية الإمام علي بن أبي طالب؛ وإنّ من جملة عقائدهم «عبادة الفرج»؛ وإنهم في الليلة الأولى من كل سنة يكون عندهم «عيد البقبيشة»؛ وتجري من أجل هذا العيد مراسم خاصة(31).
صفحة 8
• وبالنسبة للنصارى المنتشرين في لواء اللاذقية، أراد لمواطنه أن يعرف عنهم أمرين: الأول، أنهم قليلوا العدد، ومتفرقين بين النصيرية والمسلمين. ولذلك، ليس لهم عوائد مستقلة خاصة بهم. فمن هم بين النصيرية تتشابه عوائده بعوائدهم، ومن هم بين المسلمين تتشابه عوائدهم في الغالب منها بعوائد المسلمين. أما الأمر الثاني فهو أنه، لكي يتمكن النصارى القليلون القاطنون بينهم أن يعيشوا غالباً بأمن واطمئنان، فإن كل فئة منهم، تشترك بالدم مع إحدى العشائر. وبالتالي يصير لها ما لهم وعليها ما عليهم.

• وعن مسلمي المقاطعات في لواء اللاذقية، فقد أعلم مواطنه عنهم عدة أمور، من أهمها: أنهم أقل جهلاً وأحسن عيشة من النصيرية. ولأكابرهم بيوت مناسبة وأثاث نظيف. وحيثما دخلت في قراهم، تجد منزلاً عند كبير القرية، خصوصاً إذا كان من «الآغاوات». ومن عاداتهم قري الضيف. غير أنهم منقادون للحكومة ولا يميلون للتشويش ولا للسرقة وقطع الطرق. لكنه يستثني من هذه الصفات مسلمي «مقاطعة صهيون». فقد ذكر عن هؤلاء أنهم مماثلون للنصيرية في معيشتهم وتعدياتهم وحبهم للفتن، وميلهم للسلب وقطع الطرق وسفك الدماء. ويضيف عنهم قوله: «ولطالما أضروا بأبناء السبيل وقرى الساحل، ومع أن لهم ما للنصيرية من الجرائم والذنوب، لم تشهر عليهم الحكومة قط عصا التأديب، التي طالما اشهرتها على النصيرية، وما ذلك إلّا لتحزب مسلمي اللاذقية لهم ومحاماتهم عنهم المحاماة التي تبعثهم عليها العصبية والغيرة المذهبية». وأشار إلى أن هذه المحاماة تؤدي إلى أمرين: الأول، هو تمادي الصهاونة في الفجور وارتكاب المخالفات؛ والثاني، هو ما يلحقونه من ضرر بحق عباد الله ولا سيما الأبرياء منهم.

وهنا، في نهاية ما أشار إليه الياس صالح اللاذقي، حول معتقدات النصيريين والإسماعيليين الدينية، بأن من قواعد دينهم المحافظة على كتمانه وعدم إباحته ولو أصبحوا في أعظم الخطر حتى الموت؛ وحول أعيادهم بأنها كثيرة وهي إسلامية ومسيحية، يهودية وصابئية ووثنية، وفي ظل وجود كل ذلك، يطرح التساؤل التالي: هل هذا الأمر صدفة في هذه المنمطة بالذات؟ أم أن المسألة هي أبعد من ذلك بكثير؟

إننا نطرح هذا التساؤل، ليس من أجل الإجابة عليه إجابة وافية شافية. فالمجال هنا، لا يتسع لمثل هذا الأمر. لكن ما يمكن قوله ـ في هذا المجال حتى الآن ـ هو أن إحدى القبائل، وهي «قبيلة الحشيشة» (Tribu des Assassins)، كانت تقيم في هذه المنطقة؛ وتتشارك مع أهلها في السكن معهم، وهم من أتباع «شيخ الجبل» (Le veillard de la Montagne) يؤمنون به وينفذون أمره مهما بلغ من الصعوبة والخطورة والحاجة إلى الوقت من أجل تنفيذه. وقد وصل الأمر بشيخ هذه القبيلة، في فترة حكـم عموري الأول (Amoury 1er) (1163-1174) وبالتنسيق معه وعبره مع ملوك أوروبا، أن يعمل بين قومه، من أجل أن يحملهم على اعتناق معتقد جديد، يكون محتوياً على شيء من المسيحية، وآخر من الإسلام، وثالث من المعتقدات الدينية الأخرى، التي ما زالت عالقة في نفوس الناس.

غير أن البابا، أفسد هذه الخطة، بقتل رسول «شيخ الجبل»، إلى الملك عموري أثناء عودة هذا الرسول من عند الملك، على يد أحد «فرسان الداوية»، الذين كان البابا قد حماهم بوضعهم تحت رعايته منذ عام 1154. وقد حصل مقتل هذا الرسول بالرغم من الحماية المشددة، التي كان الملك قد بعثها معه. وكان من نتيجة هذه الحادثة، ووقوف البابا موقف الحامي للقاتل(*)، أن باتت مملكة القدس والملك والكنيسة في وضع لا يحسدهم عليه أحد. خاصة بعد أن قرر الملك أن يقتص من الجاني أياً تكن النتيجة؛ وأن يرسل المبعوثين والرسل من ذوي المرتبة السامية إلى ملوك أوروبا وأمراء الأرض(32).

إننا إذ نشير إلى هذه المسألة، فمن أجل أن تولى العناية الكافية التي تستحقها من المؤرخين والباحثين، من أجل الكشف عن أسباب انتشار هذه المعتقدات الدينية الكثيرة في هذه المنطقة، وعن الغاية الحقيقية من النقاشات التي دارت بين رسول «شيخ الجبل» ومندوبي الملك عموري، ولمعرفة ما إذا كانت مسألة وضع دين جديد كانت مسألة جدية يجري البحث فيها منذ ذلك الوقت. لاسيما وأن هذه المسألة قد عادت إلى الظهور في أوروبا مع «أوغست كونت» (Auguste Comte) (1798-1857)(*) وغيره من الفلاسفة. فقد رأى هذا الفيلسوف، «أن المجتمع يتدهور وتجب إعادة تنظيمه، لكنه لا ينتظم إلا بسلطة روحية توحد العقول» وينتهي به المطاف إلى رؤية الخلاص بتأسيس دين وضعي جديد يحل محل الدين التقليدي ويكون البديل الشرعي لسائر الأديان(33). فهل التقط «أوغست كونت» ذلك الخيط الذي وضعه ملك القدس مع ملوك أوروبا ببناء هذا الدين في الشرق بعيداً عن سلطة البابا؟
صفحة 9
ب ـ على الصعيد الاقتصادي

قدم الياس صالح اللاذقي لمواطنه في هذا المجال معارف كثيرة في ميادين اقتصادية كثيرة. ففي الميدان الزراعي أشار إلى أن الزراعة في لواء اللاذقية ما زالت غير متقنة كما يجب. فهي ما زالت على الطريقة القديمة، بالرغم من محاولات البعض تغيير هذه الطريقة، مستعينين في ذلك بمزارعين ألمان من ذوي الخبرة. وأشار إلى أن الأرض متوسطة الخصب، يغلّ الواحـد سبعة أمثال من القمح في السنة المعتدلة الموسم في الساحل؛ أمـا أراضي الجبـال فهي أكثر خصوبـة وتغل أكثر. ومن الشائـع أن أصحاب الأرض هم من أبنـاء البـلاد؛ لكـن المزارعة(34) هي الشكل السائد بين المالكين والفلاحين. أمـا في عملية الغـرس، فالسائـد هو المساقاة أو المغارسة(35)، وهي شكل آخر من أشكال العلاقات الزراعية.

وفي الميدان الصناعي، أشار إلى أن الموجود من الصناعات هو في مدينة اللاذقية، وهو الضروري منها واللازم وجوده في أصغر المدن. وهي بمعظمها صناعات حرفية، كالصباغة والحياكة والعقادة والسكافة والحدادة والتنكرية والنجارة والبناء وعمل الفخار وصناعة الطحين والخبز والصابون وعصر الزيتون والسمسم وحلج القطن وكبسه. هذه الصناعات جارية على الأصول القديمة، الموروثة عن الآباء والأجداد. وهي لم تبلغ بعد درجة الإتقان. وفي هذا المجال أكد مسألة مهمة، وهي أن صنعة الحياكة، كان يعيش منها كثيرون، رغم أنهم كانوا لا يحيكون سوى الأقمشة البسيطة كالخام والحرير، اللازمة للأقمصة؛ لكن بعد دخول الأقمشة الافرنجية إلى هذه البلاد، أخذ يتناقص رواج المحوكات البلدية حتى باتت نادرة.

وفي مجال حديثه عن تجارة اللاذقية، أراد لمواطنه أن يعرف ما يصدّر منها وما يرد إليها. فما تصدره هو: الحنطة، والشعير، والقطن، والسمسم، والذرة، والاسفنج، والصوف، والأخشاب، والشمع، والسمن، والزيت، والصابون، وجلود الحيوانات، والخرق البالية وعظام الحيوان. غير أن التبغ هو أهم هذه الصادرات وهو جنسان: جبلي وجدار. وتبرز أهمية هذا المحصول من خلال الاهتمام الرسمي بزرّاعه وتجاره، من قبل السلطنة العثمانية نفسها. وأشار أيضاً إلى أن صادرات اللاذقية قسمان: منها ما هو من حواصل اللواء المحلية كالاسفنج والشرانق؛ ومنها ما هو مختلط من الحواصل المحلية، ومن حواصل جسر الشغور وإدلب كالقطن والصوف والحبوب. كما أشار إلى الجهات التي تصدر إليها هذه المحاصيل والى كمياتها وأثمانها بأرقام عام 1872. أما الأصناف التي ترد إلى اللاذقية، فهي تتألف من أقمصة الحرير والصوف والقطن الأوروبية المختلفة؛ والأرز الافرنجي والمصري والسكر والبن وزيت البترول وغير ذلك. أما بالنسبة إلى جنسيات السفن التي ترسو في ميناء اللاذقية وتبحر منه، فقد أشار إلى أنها نوعان: بخاري وشراعي. البخارية منها: فرنسية وروسية وعثمانية وانكليزية؛ أما الشراعية فهي عثمانية وانكليزية ويونانية وبيرق أورشليم. كما أشار إلى أعداد السفن البخارية والشراعية لكل دولة؛ والى حمولة كل منها بالطن، والى حمولة جميع هذه السفن.

وعن حيوانات اللواء، فقد أشار إلى الأليف منها: الخيل، والحمير، والبقر، والغنم، والمعزى، والجمال والجاموس؛ وإلى البري منها: الغزال، والأرنب، والخنزير، والثعلب، وابن آوى، والضبع، والدب ونوع من النمور يعيش في أعالي الجبال. كما أشار إلى طيور اللواء الأهلية والبرية. أما حواصل اللواء فهي: الزيتون، الزيت، التوت، الميس، الحور، الازدرخت، النخيل، الجميز، اللوز، الجوز، الصفصاف، السرو، الآس، القطن، الشرانق، العسل، الشمع، الاسفنج والصوف. ومن الفواكه: التين، العنب، التفاح، المشمش، الكمثري، الخوخ، الدراق، الليمون على أنواعه المختلفة الرمان والصبّار. ومن الحبوب: الحنطة، الشعير، العدس، الكرسنة، الحمص، الفول، الذرة البيضاء والسمسم. ومن الرياحين: شجر الحناء، الورد، الياسمين، القرنفل، الفل والنرجس. كما أشار إلى أنواع من التبغ تنتج في الجبال وأكثره التبغ المسمى «مدخوناً» أو «جبلياً» ويقال له أيضاً «أبو ريحه». وذكر عدداً من المنتجات الصناعية التي تعتمد على منتجات زراعية كالخشب والتين، والخمر والزيت. وقدر قيمة حواصل اللواء السنوية بخمسة وثلاثين مليوناً من القروش.

وعن دخل السلطنة العثمانية وخرجها من لواء اللاذقية، أراد لمواطنه أن يعرف أن دخلها يتأتى من: ويركو الأملاك وتمتعات أهل المدينة، ويركو القرى مضروب على أهالي المقاطعات عن الذكور البالغين، بدل عسكرية مضروب على النصارى فقط، عشر المزروعات والاثمار، رسم الماعز والغنم، الرسومات الجمركية وتؤخذ على الصادرات والواردات من البضائع، رسم الطابو ويؤخذ على الأراضي لأجل إباحة التصرف بها وإثبات صحة التفرغ عنها وانتقالها من يد متصرف إلى آخر. أما الخرج، فهو يتألف من: معاشات المأمورين والكتّاب والضابطين والعساكر النظامية والمصاريف النثرية. وأورد جدولاً عن عام 1872، بيّن فيه دخل السلطنة وخرجها من قضائي اللاذقية وجبله اللذين كان يتألف منهما اللواء آنذاك. وقدّر دخل قضاء اللاذقية في هذا الجدول من 4604670.5 غرشاً، وخرجه من 635638 غرشاً، فتكون الزيادة لصالح الدخل من 3969034.5 غرشاً. أما قضاء جبله، فقد قدر دخله من 2472590 غرشاً، وخرجه من 500000 غرش، فتكون الزيادة لصالح الدخل من 1973590 غرشاً. وهكذا يكون ربح السلطنة السنوي الصافي من اللواء 5942093.5 غرشاً.
صفحة 10
ج ـ على الصعيد الإداري

قبل أن تقع اللاذقية، في قبضة الحكم العثماني عام 1517، إثر معركة مرج دابق(36)، كانت المدينة قد تعرضت للتخريب جراء الحروب بين تيمورلنك المغولي وبين المماليك الجراكسة عام 1400. وبقيت اللاذقية مخربة وقليلة السكان. ولذلك، فمنذ بداية الحكم العثماني جعل مركز اللواء في «جبله». وبعد أن قضت السلطنة العثمانية على الأمير فخر الدين المعني(37)، رجعت اللاذقية وطرابلس تحت سلطة والٍ واحد كما كان الأمر سابقاً. وفي عهد «أرسلان باشا المطرجي» الذي تولى على طرابلس عام 1696 (38)، أعاد بناء بعض ما تخرّب(*) منها وأعيد إليها مركز الحكومة. إلّا أن السلطنة استمرت تطلق على اللواء «لواء جبله»؛ هذا بالاستناد إلى ما هو مقرر في قيودها الرسمية إلى حين دخولها تحت سلطة محمد علي باشا، حاكم مصر (1805 ـ 1849) عام 1832.

إذن، كان لواء اللاذقية جزءاً لا يتجزأ، من ممتلكات السلطنة العثمانية منذ بداية الحكم العثماني لبلاد الشام، حتى نهاية هذا الحكم ورحيله عنها عام 1918. وخلال هذه المدة غير القصيرة من التبعية، خضع للنظامين الإداريين اللذين اعتمدهما العثمانيون في إدارة امبراطوريتهم، هما «نظام الأيالت»، و«نظام الولاية»، تفصل بينهما مرحلة انتقالية. وقد أشار الياس صالح اللاذقي إلى هذين النظامين ليس من منطلق نظري، إنما من خلال ما رآه قائماً على أرض الواقع، والى ما شارك هو في تطبيقه.

لقد كانت رؤيته للأوضاع الإدارية رؤية دقيقة، لأنها تأتي من باحث، وُلد في آخر نظام الأيالت، وترعرع خلال المرحلة الانتقالية، وشارك من موقعه كموظف في تطبيق نظام الولاية. ومن المفيد هنا، أن نتوقف بشكل سريع عند هذين النظامين، لنتعرف إلى مضمونهما من جهة، وإلى الفرق بينهما من جهة ثانية. علماً أن بعض المؤرخين والباحثين يستعملون مصطلح الأيالت و «الأيالة» و «الولاية» كيفما اتفق، كأنهما مصطلح واحد ويحمل كل منهما مدلول الآخر.

أ ـ نظام الأيالت(39)، هو نظام إداري عسكري، اعتمدته السلطنة العثمانية لإدارة أراضيها من جهة، ولخدمة أغراضها العسكرية من جهة أخرى. كان ذلك، في عهد السلطان محمد الثاني (الملقب بالفاتح) 1451-1481 م. فبعد جلوس هذا السلطان على العرش، وتحقيقه لعدد من الانتصارات الهامة، التي أدت إلى توسيع رقعة السلطنة، أصدر إرادته عام 1476م/881هـ، بتقسيم الامبراطورية إلى أيالات. وبالاستناد إلى هذه الإرادة، يمكن القول بأن هذا النظام، قد ارتكز على عدد من المبادىء، من أهمها:

1 ـ تطبيق أحكـام الأراضي عـلى منهج الشرع الشريف. وهذا يعني أنـه يحـق للناس الإفادة من منافع الأرض بدون امتلاك رقبتهـا. فملكية الرقبـة عائـدة إلى بيت مـال المسلمين.

2 ـ تحويل الضـرائب والحاصلات، التي كانـت قـد وضعت قبـلاً وتؤخـذ مـن «خـراج المقاسمـة» و«الخراج المـوظف»(40)، إلـى أقجـة (Akje) عثمـانيـة معينـة(41).

3 ـ تقسيم أراضي السلطنة إلى وحدات إدارية عسكرية، تدعى أكبرها «أيالت» (Aayalat)؛ وتقسم الأيالت بدورها إلى عدد من الوحدات الإدارية تدعى الواحدة منها «سنجقاً»؛ والسجنق يشتمل على عدد من المقاطعات الإدارية العسكرية أيضاً؛ وهذه المقاطعات الإدارية العسكرية حسب مقدار دخلها ثلاثة أنواع: أصغرها «تيمار» (Timar)، يقدر دخلها من ثلاثة آلاف أقجة كحد أدنى إلى حوالى عشرين ألفاً كحد أقصى؛ وأوسطها «زعامت» (Za’amet) ، يقدر دخلها من عشرين ألفاً إلى حوالى مئة ألف كحد أقصى؛ وأكبرها «خاص» (khass)، يقدر دخلها من مئة ألف أقجة كحد أدنى إلى ما فوق هذا الحد(42).

4 ـ تفويض هذه الوحدات إلى قادة عسكريين لإدارتها وتصريف شؤونها والدفاع عنها. وهم بحسب رتبهم ودرجاتهم التراتبية وسلطانهم من الأعلى إلى الأدنى كما يلي:

* الأيالت، يعهد بتصريف شؤونها إلى «بكلربكي» (Beglerbegi)، أي «بك البكوات»؛ ونسبة إليه فقد دعيت «بكلربكوية»، وهو برتبة «أمير أمراء»، أو باشا بطوغين وأحياناً بثلاثة أطواغ(43) برتبة وزير، يتصرف بمقاطعة من نوع خاص.

* السنجق، يعهد بتصريف شؤونه إلى «سنجق بكي» أي «بك السنجق»، وهو برتبة لواء، وباختصار «ميرلوا»؛ ويتصرف بمقاطعة من نوع خاص، غير أن خاصه هو أصغر من خاص الباشا.

* الزعامت، يعهد بتصريف شؤونها إلى «زعيم» «Zaim» (*).

* التيمار، يعهد بتصريف شؤونها إلى صغار القادة العسكريين، ويدعى الواحد منهم «سباهي»(**) (Spahi) (44).

4 ـ إنّ منح مقاطعة من المقاطعات، إلى شخص ممن أشرنا إليهم، لم يكن يعني تمليكه القرى والأراضي والمزارع التي تتألف منها تلك المقاطعة؛ إنما يعني تفويضه حق جباية الأعشار والرسوم والضرائب المترتبة عليها. وكانت القرى والأراضي والمزارع تبقى تحت تصرف مالكيها، على أن يدفعوا الضرائب المترتبة عليها إلى متسلم المقاطعة، أو إلى من يوكله لتسلمها. على أن يتولى إعداد عدد من الخيالة والفرسان المحاربين وأن يجهزهم بكل ما يحتاجون إليه من أسلحة وخيول بنسبة فارس واحد عن كل ثلاثة ألف أقجة عثمانية من حاصل المقاطعة.

5 ـ وبموجب «نظام الأيالت» هذا، كان يعتبر «بك اللواء» آمراً ومرجعاً لجميع عساكر «التيمارات» و «الزعامتات» الداخلة في حدود لوائه. وإذا طلبت السلطنة أن تسافر الجيوش للحرب في أية جهة من الجهات، كان عليه أن يجمع الخيالة المترتبة على الخاص المخصص لمنصبه مع الخيالة المترتبة على التيمارات والزعامتات التابعة للوائه، وأن يتوجه بهم إلى حيث يأمره «بك البكوات». وبدوره كان علي بك البكوات أن يتصرف بالخاص المخصص لمنصبه، فيعدّ ويجهز الخيالة المترتبة على خاصه، فضلاً عن أنه يأمر ويوجه الخيالة، الذين يجهزهم أمراء الألوية وأصحاب التيمارات والزعامتات التابعة لجميع ألوية أيالته. وظلت السلطنة العثمانية تعمل بهذه الإرادة حتى العام 1255هـ/1839م(45).