eKtab
EN ع
أثر الزمن في خلق البنية الدلالية في رواية سابع أيام الخلق
اقرأ عينة مجانية

أثر الزمن في خلق البنية الدلالية في رواية سابع أيام الخلق

بقلم حسن كريم عاتي

صفحة 1
المقدمة
 
يمتاز المنجز الإبداعي للروائي عبد الخالق الركابي بميزتين أساسيتين، هما: التنوع والغزارة· فهو منذ صدور مجموعته الشعرية الأولى (موت بين البحر والصحراء) سنة 1976، تواصل في نتاجه الأدبي ورفد المكتبة العربية بالعديد من الأعمال الأدبية، بل زاد في ذلك من خلال انتقاله في مختبره الإبداعي بين الأنماط الأدبية من قصة قصيرة ورواية ومسرحية· إضافة إلى نصوص قصصية منفردة ولقاءات صحفية عبر فيها عن رؤياه الجمالية في منجزه وفي غيره·
 
غير أن ما يلفت النظر في ذلك المنجز، على تنوعه، أن الركابي لم يكن به ميل إلى تكرار الإنتاج في نمط واحد يقدم فيه أكثر من عمل سوى الرواية؛ فقد أصدر مجموعة شعرية واحدة، آنفة الذكر، هي البكر في نتاجه الأدبي، ومجموعة قصصية واحدة (حائط البنادق) سنة 1983، ومسرحيتين أولاهما (البيزار) سنة 1998 والثانية (نهارات الليالي الألف) سنة 2001· في حين أصدر ثماني روايات هي على التوالي: (نافذة بسعة الحلم) سنة 1978، (من يفتح باب الطلسم) و(مكابدات عبد الله العاشق) سنة 1982، و(الراووق) سنة 1986 و(قبل أن يحلق الباشق) سنة 1990، و(سابع أيام الخلق) سنة 1994 - التي تعد من بين أعماله الأكثر تميزاً - و(أطراس الكلام) سنة 2002 ، و(سفر السرمدية) سنة 2005، مما يؤكد ميله إلى استخدام الرواية أداة تعبير يحقق من خلالها قدرة القول مفصحاً بذلك عن رؤياه الجمالية عبر تقنيات كتابتها·
 
وقد استثمر في ذلك التنوع بين الأنماط، تنوعاً آخر في أساليب كتابتها، بين المستل من عمق التراث، وبين المستحدث على وفق آخر تطورات التقنية في الكتابات السردية·
 
اعتمد الركابي، في تلك الأعمال جميعها، التعبير عن البيئة العراقية، على المستويين المحلي والوطني، كانت من بينها الأعمال الروائية الثلاثة قبل الأخيرتين، التي اعتمدت، مثلما اعتمدت سابقاتها وفي إطارها الجغرافي، على البيئة المحلية نفسها وتحديداً منطقة طفولته وصباه، غير أنها اتصلت مع بعضها عبر وشائج تحاول بها أن تحيل القارئ إلى أماكن أكثر اتساعاً، وإلى زمن أكبر مما استغرقته فعلاً؛ فأصبحت أعماله بذلك ترتبط بتاريخ واسع لجغرافية محددة قابلة للانفتاح·
 
إن المنجز الإبداعي آنف الذكر للركابي، على المستويين الكمي والنوعي خلق له حضوراً متميزا في الواقع الثقافي العراقي تحديداً، وإن لم يكن ذلك الحضور واضح البروز على المستوى العربي، لأسباب لا يمكن عدّها ثقافية؛ فهو صوت مهم من بين الأصوات العربية التي قدمت تجربتها الجمالية عبر الكتابة الروائية· وقد كانت روايته (سابع أيام الخلق) إضافة نوعية مهمة للرواية العراقية والعربية معاً، لما تمتاز به من خصائص فنية على مستوى البناء والسرد فيها، والذي قال عنها في حوار معه في مجلة الموقف الثقافي (العدد/6 سنة 1998 ص108): سبق لي أن كتبت روايات محدودة الطموح، لكن الأمر يختلف مع روايتي الأخيرة (سابع أيام الخلق) فهي تمثل النقطة الأساسية في نتاجي الروائي وكذلك استثمارها جملة معارف لا تمت بصلة مباشرة إلى هذا النمط الإبداعي، من بينها الأسانيد التراثية والمعارف الصوفية، وتحديداً وحدة الوجود، مما جعلها لا تعد ـ من وجهة نظرنا ـ جزءاً من ثلاثية أو امتداداً لها، فأصبحت نتيجة لتلك الخصائص نصاً مكتفياً بذاته دون إحالات إلى ما سبقها من عملين روائيين (الراووق) و(قبل أن يحلق الباشق) وإن تشابه الموضوع بينهما؛ فالرواية، على الرغم مما تشيعه من فوضى ظاهرية، أشار إليها المؤلف في المتن الروائي، غير أنها خضعت إلى بناء فني دقيق يكاد يضيع في تلك الفوضى الظاهرية على القارئ غير المتمرس، وجعل من إمكانية الوصول إلى معرفة تلك الدقة يتطلب القراءة المتأنية لغرض الوصول إلى معرفة ما تقوله وحاولت البوح به، وهو ما حاولنا القيام به·
صفحة 2
إن تفحص أثر الزمن في خلق البنية الدلالية في الرواية، لكي لا يكتفي بما يوفره التنظير من إمكانية خلق رؤيا قد تقترب من رؤيا الخطاب الفلسفي في موضوعة الزمن، التي يشوبها التناقض والاضطراب فيه، جنح إلى اختيار أنموذج روائي يحقق لنا إمكانية تتبع ذلك الأثر، فكان اختيارنا رواية (سابع أيام الخلق) للروائي (عبد الخالق الركابي) لجملة أسباب من بينها: تنوع مستويات السرد فيها، بين سرد سابق على تشكل المتن الحكائي، وسرد لاحق عليه، وسرد متزامن معه، كان لها الأثر الواضح في خلق قيم دلالية عبر تشكل البنى التي توختها، معبرة بذلك عن رؤيا المؤلف للوصول إلى غايات تم تحديدها في محلها من الدراسة· كذلك استثمارها جملة معارف تراثية موغلة في القدم، كانت تؤدي في الأصل الذي وجدت فيه وظائف معرفية مختلفة عن الوظائف التي أدتها في النمط الإبداعي الذي استثمرت فيه، من بينها أساليب الإسناد التراثية، ونظرية وحدة الوجود الصوفية، كان استثمارها قد أدى بها إلى خلق وظائف دلالية جديدة عبر البنى التي شكلها السرد بأزمانه المتعددة في الرواية·
 
كذلك استثمار ما عرف في تاريخ التوثيق المعرفي العربي (بعلم الرجال) الذي تطلبته فترة توثيق السنة النبوية الشريفة في أواخر القرن الأول الهجري، والذي عد التوثق من صدق الرواة يتطلب إخضاعهم إلى ضوابط سلوكية دقيقة في ضوئها يمكن الاعتداد بروايتهم أو إهمالها·
 
إن تفحص ومعاينة أثر الزمن في خلق بنيته الدلالية في رواية (سابع أيام الخلق) يتطلب، كشرط أولي للتعامل معها، كشف البناء الفني لها وتحديد مقوماتها الفنية ووحدات البناء التي اعتمدها· حيث يتوجب على الباحث··أن يكتشف المقومات الأساسية التي تعطي العمل الفني وحدته، أي بنيته الدلالية· وتقوم هذه الوحدة على دراسة مختلف العناصر التي تؤلف هذا العمل(1) ذلك ما تطلب أن يكرس الفصل الأول من الدراسة له لغرض الكشف عن ذلك البناء ومعرفة الأواصر التي تربطه بموضوعة البحث·
 
في حين كان الفصل الثاني مكرساً لدراسة الشخصيات الأساسية في العمل الروائي وتحليلها، وهي شخصيات الرواة باستثناء (السيد نور) حيث تمت دراسة هذه الشخصية (بؤرة السيرة والمخطوط والرواية) ضمن مبحث المصادر العرفانية في الفصل الرابع، والذي نرى أنه المكان المناسب لدراستها· في حين تمت دراسة فصل (كتاب الأحدية) من الرواية في الفصل الثاني من الدراسة، بينما كان الفصل الثالث يبحث في السيرة المطلقية، من خلال متنها الحكائي وليس من خلال التكوين النفسي والفكري أو الضوابط السلوكية لرواتها،كما في الفصل الثاني الذي حاولنا فيه التمييز بين السيرة المطلقية وبين المخطوط/ الراووق· فكان المخطوط موضوع الفصل الرابع والأخير من الدراسة·
 
اعتمدت تلك الفصول، من بين ما اعتمدته للوصول إلى غايتها، مخططات توضيحية نعتقد أنها ساعدت في اختصار حجم الدراسة وأغنت عن التكرار، فكان كل فصل منها يحتوي على مباحث عدة شكلت ما نعتقده يمثل قراءة متأنية· غير أن تلك القراءة لا تدعي الإحاطة بجميع جوانب الرواية، فإن كانت هناك إجادة فهي سمة الرواية ومبدعها التي حرضتنا على الكتابة فيها، وإن كان غيرها، فهي قدراتي وحدي وشفيعي في ذلك حماسة المحاولة·
صفحة 3
التمهيد
 
شكل الزمن منذ بدء الوعي به أحد المعضلات العصية على الحل؛ فهو لا يأبه بالأفراد أو بالمجتمعات، وسيره حثيث باتجاه مغاير لسلوك الأشياء، فكان تقسيمه إلى زمن اللحظة المعاشة، وزمن لحظة غادرت لتوها، وزمن لحظة آتية، فكانت (الآن) نقطة تماس تلك اللحظات، وبتراكمها حين تنصرم تخلق تاريخ الأشياء التي أتفق عرفاً عليه أنه (الماضي)، والذي يمثل التيار المعاكس لخط سيرنا الذي يمخر عباب الزمن الآتي (المستقبل) مستفيداً من لحظة التماس بينهما وهو (الحاضر)· وبذلك يتشكل وعينا بالزمن عبر تقسيمه وإيجاد وسائل اصطلاحية تساعدنا على فهمه ومن ثم إدراكه، ليخلق ذلك الفهم والإدراك الوعي به·
 
غير أن ذلك الوعي، الذي يخلق الرؤيا المتشكلة به وبالأشياء التي تتحرك فيه، أسير وعي جمعي في جانب منه خلقه التراكم الكمي والنوعي لاحتمال الصواب والخطأ في فهمه، وأسير وعي فردي يخلقه التأمل فيه ثانياً؛ فكان تنوع الرؤى وتناقضها في فهمه غير قادرة على حرث أرضه، فتركت برغم المحاولات الكثيرة، دون اطمئنان من إمكانية استنبات أفكارنا فيه لتثمر يقيناً، يدفع بنا بعيداً عن احتمال الصواب والخطأ· فكان ـ الزمن ـ بذلك أرضاً بكرا يصلح دوماً لادعاء إمكانية إعلان ابتكاراتنا فيه دون ادعاء الريادة في ذلك· وهو ما دفع (بالقديس أوغسطين) إلى القول: إن لم يسألني أحد عنه، أعرفه· أما أن أشرحه فلا أستطيع(2)· فكانت سهولة النظر فيه مغرية لولوج عالم عصيّ على الإمساك، علّ العود يكون أحمد بما يشفي الغليل من ظمأ سكن الوعي الفردي والجمعي منذ بدء تشكل ذلك الوعي·
 
فقد ذهب (أرسطو) إلى تحديد مفهوم الزمن عبر تحديد أجزائه بقوله: إن الأجزاء التي يتألف منها الزمان: أحدها كان ولم يعد بعد موجوداً، والثاني لم يأت بعد، والثالث لا يمكن الإمساك به، فأجزاؤه إعدام ثلاثة(3)· ينتهي إلى أن الزمن يستحيل أن يشارك في الوجود لاتصافه بالعدم· غير أن أثره يبدو جلياً حين يرتبط بالحركة ويكون بالإمكان معرفة ماهيته· ذلك التصور الذي يتفق مع فلسفة العلوم وإن اختلف معها في طبيعة تلك الحركة، حيث ذهبت النظرية النسبية، التي شكلت الأثر الأكبر في خلق التصور الفكري عن الزمن في فلسفة العلوم الحديثة إلى أنه لا مكان بالقول بالزمان المطلق لأن الزمان يختلف من نظام مرجعي إلى آخر، تبعاً لكون هذا النظام المرجعي يتحرك بسرعة دنيا أو بسرعة تصل أو تقترب من السرعة القصوى التي هي سرعة الضوء(4)، فكان الزمن قد فقد ماهيته دون أن يرتبط بحركة، غير أن فلسفة العلوم تؤكد أن الحركة بذاتها متغيرة وفي ضوء تغيرها يتغير الزمن كذلك· وهو ما يناقض رؤيا (بركسون) عنه حيث ذهب إلى إن الواقع الحقيقي للزمن يكمن في الديمومة· أما اللحظة فليست إلا تجريداً لا واقع له···فاللحظة تقطيع خاطئ للزمن···فالديمومة تدرك في وحدتها التي لا تقبل الانقسام(5)·
 
بين ديمومة الزمن على وفق رؤيا (بركسون)، وعدّه عدماً لا يشارك في الوجود على وفق رؤيا (ارسطو)، تنوعت الآراء بين المنجذب إلى هذا والمفترق عنه· فكان (روبنل) من بين الأصوات التي تتناقض في رؤياها للزمن مع (بركسون) ولا تتفق في المقابل مع النظرية النسبية في فهمها له· حيث يعد (روبنل) الزمن يكمن في اللحظة، والديمومة تركيب لا واقع له···إن حقيقة الزمن تصبح إذن مركزة في الحاضر الذي يفهم الماضي انطلاقاً منه···(6)· وهو ما يتفق به مع باشلار الذي يذهب إلى أن ليس للزمان إلا واقع واحد هو اللحظة· فالزمان واقع محصور في اللحظة ومعلق بين عدمين· يستطيع الواقع دون شك أن يتجدد· ولكن عليه قبل ذلك أن يموت فهو لا يستطيع أن ينقل كينونته من لحظة إلى أخرى لكي يكون من ذلك ديمومته(7)· ذلك الرأي الذي يتفق معه (القديس اوغسطين) الذي قال فيما سبق أما أن اشرحه فلا أستطيع فهو في محل آخر يشرحه بظن الوضوح نافياً تقسيم الزمن إلى ماضِ وحاضر ومستقبل، بل يعد جزء واحد هو الحاضر، والصحيح أن يقال ثلاثة أقسام، حاضر لأشياء مضت، وحاضر لأشياء حاضرة، وحاضر لأشياء ستأتي(8)·
 
مما تقدم يتضح حجم الاضطراب في الرؤى الفلسفية التي حاولت معرفة ماهية الزمن، فهي بين أن تعده مطلقاً، وبين أن تربطه بالحركة، وبين أن تعده لحظة الحاضر حسب· وإن كنا أهملنا عن عمد التسلسل التاريخي لاعتقادنا أن سيادة أو شيوع مفهوم فلسفي معين، لا يمنع من وجود مفاهيم أخر على الضد منه في المدة نفسها، وكان هدفنا من ذلك بيان ذلك الاضطراب والتعارض في فهمه·
صفحة 4
فإذا كان الزمن في الخطاب الفلسفي يشوبه الاضطراب والتناقض؛ فإنه في الخطاب الأدبي يمتلك إمكانية أفضل على تجسيد تلك الرؤى· ومن ثم يكون التوظيف لهذا المفهوم، وإن خضع في الأصل للرؤيا الفلسفية لمنتج الخطاب، تحكمه عوامل مختلفة عن تلك التي تحكمه في الخطاب الفلسفي، حيث هناك بُعدان في كل عمل فني: اجتماعي (منطلق من الواقع المعاش)· وبُعد فردي (منطلق من خيال الفنان)···(9)، وإذا كانت قابليتنا للتخيل هي قابليتنا لنتذكر ما خبرناه مسبقاً ونطبقه على واقع مختلف(10)· فإن خيالنا نفسه يتحول إلى ضرب من ضروب التفاعل مع الزمن، أو أن الزمن يمثل جانبه الحيوي؛ لذا فإن الزمن في الخطاب الأدبي، وإن تنوعت الأساليب في استخدامه، لا يمكن إغفاله أو استبعاده من العوامل المؤثرة· فالخطاب الأدبي نفسه لا يمكن أن يمتلك فاعليته الحقيقية في التأثير إن لم يكن قد ارتبط بزمن، سواء أكان ذلك الزمن تاريخياً أم مفترضاً أم وهمياً أم نفسياً، ففي جميع الأحوال لا بد للخطاب الأدبي أن يرتبط بالزمن وإن كان على درجات متفاوتة في الظهور أو الفاعلية· ففي حين يمثل الزمن الإطار العام الذي تنمو فيه الأحداث، سواء في علاقاتها السببية، كما في (الحبكة) والتي تشكل لنا في النهاية شكل العمل الروائي، أم في علاقتها التعاقبية، كما في (القصة)، فإن تلك العلاقات يشكلها الزمن أولاً، ثم تكون لأدوات الفنان الخلاق قدرة تشكيلها بالطريقة التي يعدها مؤثرة في خلق قناعتنا أو تغييرها أو توكيدها· فإذا كان الأدب موجود في الزمن وخارجه معاً···(11) على وفق رأي (هوجارت)، غير أن الزمن لا يمكن على وفق هذه الرؤيا، أن يفهم أنه خارج الزمن حقيقة، بل في زمن غير قابل للتحديد، أو زمن يستغرق مدى أوسع يكاد يكون مستحيلاً(12)· وبهذا فلا يمكن تصور وجود أدب خارج الزمن بل لا يمكن أن يكون هناك نشاط يمكن أن نعيه ما لم نربطه بزمن، وإن تنوع بين زمن خارجي أو زمن داخلي، أو زمن واقعي، أو زمن متخيل، شأنه في ذلك شأن الخيال العصي على الإمساك، فالزمن على وفق رأي (ستايجر) يمثل: توقاً داخلياً وتوتراً، هو القاعدة الهامة التي تدعم تركيب العمل الفني(13) وتخلق أبعاده المراد عبرها نقل ما يود الخطاب الأدبي إيصاله إلى الآخر، في محاولة الإجابة عن سؤال، أو تحفيزاً لإثارة سؤال، فيكون بذلك الزمن وتبعاً لأساليب الاستثمار، متنوع التأثير كما هو متعدد الاستثمار·
 
ففي حين يشكل العنصر الأساسي في الأعمال السردية عموماً ومن بينها الأعمال الروائية، نظراً لوظيفته في (الحبكة) و(القصة) معاً، فإن الذاكرة في الأعمال الشعرية تشكل ملكة الشعر لأن الخيال نفسه يعد ترويضاً للذاكرة، والذاكرة نفسها تعد في جانبها الأساسي تفاعلاً مع الزمن· بل إن الخطاب الأدبي عموماً، حيث يمثل في جانب منه وضع المتلقي في موضع منتجه· فان ذلك يتطلب من المتلقي في المقابل أن يضع نفسه مكان البطل·· أن يوضع في زمنه(14)· وبذلك يكون الزمن، عنصراً، لكي يحقق كامل فاعلية الخطاب الأدبي، يجب أن يكون مشتركاً بين المتلقي والمنتج معاً للوصول إلى ذلك التأثير·
 
إن الزمن في الرواية يشكل الإطار العام الذي تنمو فيه الأحداث المعبرة عن تعارض أو اتفاق الآراء أو المصالح بين الشخصيات، حاملة تلك المفاهيم والمعبرة عنها، والتي تحاول إيصالها من خلال المتن الروائي أو الإحالة إلى خارجه، على وفق حيثيات توفرها الأحداث أو المناخ الروائي العام، فتكون بذلك الرواية من خلال خوضها غمار تجربة إنسانية تبتغي التأثير في قناعاتنا بالتوكيد أو المعارضة، وسيلتها في ذلك عناصر متعددة بتفاعلها يتأرجح المعنى وضوحاً أو غموضاً، توقاً يجسده النص أو إحباطاً يحاول أن يرتقي به حد التعاطف معه والمشاركة فيه، مكتفياً بنفسه أو بالإحالات إلى خارجه عبر القرائن التي ليست في العمل، ولكنها ضرورية لتحقيقه(15)·
 
إن تلك العناصر، بتفاعلها المبتغي تحقيق التأثير في الآخر، تعتمد الزمن عنصراً مشتركاً في معادلات التفاعل تلك، وحيث هناك عدة أزمنة تتعلق بفن القص، أزمنة خارج النص: زمن الكتابة وزمن القراءة· وأزمنة داخل النص: الفترة التاريخية التي تجري فيها الرواية، مدة الرواية· ترتيب الأحداث، وضع الراوي نفسه لوقوع الأحداث(16)؛ فإنها جميعاً تشكل ضروباً متنوعة على إيقاع الزمن عموماً، سواء وصفنا به ذلك الزمن بالخارجي تبعاً لزمن إنتاجه أم زمن تلقينا الخطاب، أم وصفناه بالداخلي، والذي يتعلق بزمن تشكله في ذهن منتجه أو وسائله التكنيكية التي استثمرها في تنويعه وإخراج ذلك التشكل من الذهن· غير أن زمن الكتابة لا يمكن عده خارجياً بمعنى الفصل التام بينه وبين الأزمنة الداخلية في العمل الروائي، زمن الكتابة يمثل زمن الوعي، كذلك زمن القراءة، وإن كان زمناً لاحقاً على زمن الكتابة الذي يشكل الأثر المعبر عن وعي زمن الكتابة عبر الأثر المنتج (الخطاب)، على وفق رؤيا يشكلها الزمن نفسه، فيكون بذلك الخطاب بافتراقه زمنياً عن زمن القراءة يشكل ماضياً قريباً أو بعيداً تبعاً لذلك الافتراق، فيتم تشكل الوعي بذلك الخطاب في ضوء الوعي بالواقع المعاش في زمن القراءة· حيث وقائع الماضي ذات معانِ مختلفة عندما تؤدي إلى إعادة ترتيبها، بصورة مختلفة ومحتومة، في نظام على ضوء القضايا المعاصرة··(17)·
صفحة 5
إن ما يعنينا في هذا المقام هو تفحص إمكانية تحول الزمن في الرواية من إطار يمكن في ضوئه تفحص (القصة) و(الحبكة) في الأعمال الروائية، إلى عنصر من عناصر العمل يشترك في خلق البنية الدلالية التي تمنحنا فرصة وعي الخطاب الأدبي، إضافة إلى عناصره الفاعلة الأخرى·
 
إن تنوع الأزمنة في الأعمال الروائية لا يؤدي بنا إلى الاضطراب أو التناقض، كما هو الحال في الخطاب الفلسفي، عندما نتمكن من الاتفاق على التمييز بين مستويين من الزمن ضمن العمل الروائي· ليس على أساس التمييز بين الزمن الخارجي والزمن الداخلي حسب، وإنما على أساس تداخلهما معاً·
 
حيث على الراوي أن يقص علينا فيتطلب فعل القص أن يربط أحداثاً مضت أو تحدث الآن أو أنها ستحدث، فيكون بذلك أمام أزمنة ثلاثة تمثل مستويات سرد لا بد أن يتم القص بها، سواء وصلنا ذلك القص عبر ضمير الغائب أم ضمير المتكلم أم حوار داخلي أم ضمير المخاطب(18)، على تنوع الإمكانيات التي توفرها تلك الضمائر في سرد الأحداث وموقع الراوي فيها، حيث لا يمكن رواية أحداث من دون ارتباطها بزمن محدد أو واسع غير قابل للتحديد، غير أن تعاقب الأحداث وطريقة السرد تحتم وجود تسلسل زمني لوقوعها· وإن كان بالإمكان وقوعها جميعاً في زمن واحد· وسواء اتصف ذلك الزمن بالتاريخي أو بالمفترض أو بزمن خارج النص أو زمن داخله؛ فإننا نكون أمام ثلاثة خيارات للتعامل مع تلك الأحداث، على وفق موقعنا وموقعها وموقع الراوي في اللحظة الراهنة، أي لحظة روايتها· ولذلك فإن الزمن على وفق تلك اللحظة (لحظة الرواية) يكون بأحد أبعاده الثلاثة، إما حاضراً أو مستقبلاً أو ماضياً، وعليه فإن السرد كونه فعلا زمنياً فإنه يرتبط ببعد أو أكثر من أبعاد الزمن نفسه، ومن ثم يتحدد موقع الراوي فيه وموقع الحدث تبعاً لتلك اللحظة·
 
وللإمكانيات الواسعة التي يتيحها فن الرواية الإبداعي في التعامل مع الزمن؛ فإن تشكل المتن الحكائي لها، وإن تميز بقابليته على القياس عبر التعاقب وتطور الأحداث في المتن، فإن زمن سرد تلك الأحداث يشكل تنويعاً على إيقاع الزمن، يرتبط بالرؤيا التي تشكل وعي الروائي وحاجته الفنية في الاستثمار· فإما أن يكون السرد لاحقاً على اكتمال المتن الروائي، فيقع الفعل في المبنى الحكائي بصيغة الماضي، أو متزامناً معه، وفيه يقع الفعل بصيغة الحاضر، أو سابقاً عليه فيقع الفعل بصيغة المستقبل، أو متداخلاً وفيه يُحدث تنويعاً آخر للزمن من الحالات السابقة(19)، فيكون بذلك السرد مرتبطاً بزمن على أساسه يمكن تحديد موقع الراوي بسبقه أو تأخره أو معاصرته للحدث·
 
إن التنوع الذي يخلقه ارتباط السرد بالزمن، يخلق معه قدرته على خلق بنيته الدلالية القادرة على منحنا فرصة فهم شمولية الظاهرة التي عبر عنها الكاتب(20)·· أي ربطها بالوعي الجمعي· وبذلك فإن مستويات السرد، وإن كانت ترتبط بالزمن الروائي في المتن الحكائي لكونه يُعد الإطار الذي يبني المتن نفسه، غير أنه في استثمار قابليته على التنوع في المبنى الحكائي يمنح الرواية قدرة تشكل بنية دلالية قادرة على خلق معنى، عبره ندرك رسالة الرواية عبر طرائق السرد فيها·
صفحة 6
البناء الروائي في (سابع أيام الخلق)
 
في إشارة صريحة يبثها المؤلف في ثنايا المتن، مشيراً إلى أن الرواية كانت (·· مزيجاً من الفوضى والتنافر ظاهرياً، في حين هي في باطنها بمنتهى الدقة والنظام··) ص133، مؤكداً أن البناء الفني للرواية، برغم الفوضى الظاهرية التي وضعنا فيها المتن الروائي، يخضع إلى طريقة بناء معينة، لم يفضحها المؤلف، لكنه أشار إليها، محاولاً بيان ذلك من خلال تحديد المسار النقدي الواجب الاتباع، ومن خلال موجهات نقدية عامة يبثها في المتن الروائي محدداً الرؤيا النقدية القصدية للمؤلف أولاً، مما يشير إلى أن تلك الموجهات قادته في بناء روايته إلى الشكل الذي وصلنا من خلال الراوي السابع، الذي اتبع الأسلوب ذاته الذي اتبعه رواة السيرة ورواة المخطوط، من خلال الجمع والاختيار والعرض؛ وهي (المراحل الثلاث المعهودة في تكوين المتحف) ص27، والذي لا يتوانى عن الإشارة إلى طريقة البناء، سواء أكان ذلك من خلال حوار الراوي السابع ـ الشاعر أم من خلال بيان طريقة جمع المخطوط/ الراووق، موضحاً أن تلك الموجهات تمثل رؤيا المؤلف الحقيقي وليس الراوي المفترض/ الراوي السابع، حيث إن (كل رواية عظيمة تحمل ملامح مبدعها)ص203، مما يعني أن المؤلف توخى التأسيس لرؤيا نقدية من خلال عمله الإبداعي/ الرواية/ موضحاً تلك الرؤيا من خلال موجهات نقدية عامة تأخذ صفة التنظير، ومن خلال موجهات نقدية خاصة بالمتن الروائي، مع تأكيد أن البناء يتضمن البناء الشكلي للمتن، وبناء المضمون/ المخطوط، مع التحفظ إزاء موضوع الفصل بين الشكل والمضمون·
 
فما أراد المؤلف قوله، بلغة نقدية مباشرة، قاله بلغة روائية واضحة وإن بدت غير مباشرة بإسنادها إلى مرجعياتها، كالرأي من التناص/ بورخس ص135 مثلاً، أو تحديد طرق الإسناد في رواية أقسام السيرة والمخطوط· مع الشك الدائم الملازم للمؤلف حول (الكمال والنقص)، والذي انتهى إلى أن روايته (ستبقى ناقصة···) ص294، أي سواء اكتملت أقسام السيرة/ واقعة دكة المدفع/ أم اكتمل المخطوط/ سفر النون· وهي الفكرة التي هيمنت على الرواية أدبياً/ عرفانياً/ فكرياً ص293· وقد أكد ذلك من خلال سفر النون/ بياض/ ليجعل من النقص حقيقة روائية في المتن الروائي، بانتظار إكمال ما نقص فيها برواية جديدة أو بظهور راوٍ ثامن للمخطوط يتمكن من الإضافة إليه أو الحذف منه، سواء عن طريق الرغبة الإبداعية أم عن طريق الفتح الذي لا يؤمن به الراوي السابع ص22·
 
ولغرض الوصول إلى تصور ذلك البناء الدقيق المنتظم، حيث (إن كل عمل فني يفترض ترتيباً وتنظيماً ووحدة على مواده)(21)، نرى أن الموجهات النقدية، التي وردت في المتن الروائي، لم تقتصر على الطرح النظري فحسب قدر ارتباطها بذلك الاستثمار ـالتوظيف ـ داخل العمل الروائي، والذي أكد المؤلف إمكانية الإفادة منه في إنجاز عمل روائي استثنائي، معتمداً المزاوجة بين التقنيات الحديثة في الأدب، واستثمار النظرية الصوفية، ص203، وطرق الإسناد التراثية، الشكل الذي ساق به نصوص المتن الجديد للراووق ص200، والذي يجمعهم في محاولة لخلق وحدة موضوعية ـ هو الأسلوب الحديث للرواية، ص134، مما جعل تقسيم تلك الموجهات إلى نقدية عامة وموجهات نقدية خاصة بالمتن الروائي نفسه·
 
1ـ الموجهات النقدية العامة·
 
أ·باختين:
 
أولا· أسلوب الرواية ولغتها:
 
(أسلوب الرواية هو تجميع لأساليب، ولغة الرواية هي نسق من اللغات)ص134·
 
ثانيا· نظرية الرواية:
 
كل نظرية للرواية يجب أن تكون هي نفسها رواية، ص203·
 
ب· بورخس ص135·
 
أولا· التناص:
صفحة 7
(لا يوجد أديب يستطيع ادعاء الأصالة، وذلك لأن جميع الكتّاب هم مترجمون ومعلقون على أنماط سابقة الوجود)·
 
ثانيا· التقنيات:
 
الأدب الحديث كله يقوم على أربع تقنيات أساسية هي:
 
(1) الكتاب داخل الكتاب·
 
(2) عدوى الواقع بالحلم·
 
(3) السفر في الزمن·
 
(4) المضاعفة·
 
جـ· الأسانيد التراثية ص200:
 
أولاً· الاجازة: أجزت لك ما كتبت به إليك·
 
ثانياً· الاسناد: أخبرني شبيب طاهر الغياث·
 
ثالثاً· الوجادة: وجدت بخط ذاكر القيم·
 
مما يلاحظ على الأسانيد التراثية أنها اقتصرت على عدد محدود منها، حيث إنها استخدمت أصلاً للتأكد من صواب المروي، وأخذت في التراث الفكري العربي، سواء كان ذلك في رواة اللغة أم رواة الحديث طرائق متنوعة بين ما اصطلح عليه بالإسناد أو طرق الأخذ والتحمل، فقد شاعت في رواية اللغة:
 
(المصطلحات الآتية لإسناد المادة المروية والحكم عليها من وجهة نظر الدارسين:··· المتواتر، الاحاد، المرسل المنقطع، المجهول ناقله)(22)، في حين كانت (طرق الأخذ والتحمل··· أصناف ومراتب وحددت معانيها وأسماؤها··· ومن ذلك: السماع من لفظ الشيخ أو العربي، القراءة على الشيخ، السماع على الشيخ بقراءة غيره· الإجازة، المكاتبة، الوجادة)(23)·
 
وقد وجدت هذه الموجهات النقدية العامة أثرها في المتن واتخذت ثلاثة محاور أساسية في التوظيف/ الاستثمار/ من خلال خلق المدخل النظري، والتوظيف الموضوعي، والتوظيف الشكلي للموجهات نفسها:
 
1· كانت المرجعيات المعتمدة على مقولة(باختين) تعتمد العموم لغلبة صفة التنظير عليها، مما يعني أنها حاولت خلق مدخل نظري لفهم توجهات المؤلف النظرية، وهي في الوقت نفسه تؤشر رغبة واضحة لتكوين رؤيا نقدية تعتمد التنفيذ لخلق أنموذج نقدي/ الرواية/ قابل للتطبيق من خلال توظيف تلك الموجهات·
 
2· في حين كان توظيف الموجهات الأخرى توظيفاً مباشراً· وقد اعتمدت مقولة (بورخس) في تحديده لتقنيات الأدب الحديث، وكان أثرها واضحاً في بناء الرواية···كانت السيرة/ المخطوط/ الراووق المحقق المطبوع/ سابع أيام الخلق· هو لتأكيد استثمار تقنية الكتاب داخل الكتاب· وكانت (عدوى الواقع بالحلم) للمصادر العرفانية، وتأثيرها في تشكيل الرؤيا الفكرية للرواة، والتي وصلتنا معلومات السيرة من خلال تلك الرؤيا· وقد حاول المؤلف ترجمة التقنية الأخرى (السفر في الزمن) من خلال تأثير الزمن في رواية الرواة وطبيعة ذلك التأثير الذي خلق شكاً في صدقها أو جعلها منحازة أو أنها تفسير لأحداث من وجهة نظر أحادية، حيث أن جميع الرواة تلوا (السيد نور) في الرواية ورووا بعد (واقعة دكة المدفع) ولم يرووا إلا بإسنادها إلى السيد نور (بؤرة السيرة والمخطوط)، على الرغم من كونهم عاشوا بين البواشق وعاصروا الأحداث·
 
3· توظيف سلسلة الأسانيد التراثية شكلا يربط به نصوص الرواة ويوصل ما ينقطع فيها··فكان لهذه السلسلة أثرها في خلق وحدة شكلية بين فصول الرواية، وهو ما ساق به المؤلف نصوص المتن الجديد لـ (الراووق)·
 
2· الموجهات النقدية الخاصة:
صفحة 8
أ· (عروج شخصياتي الروائية صعوداً نحو المؤلف·· عروج المؤلف بدوره نزولا نحو تلك الشخصيات)ص292·
 
ب· ( ترتيب المتن الجديد الذي اتبعته···نص شفهي يعقبه نص كتابي···)ص185·
 
جـ· تطويع الوثائق لخدمة الرواية وليس العكس، ص198·
 
د· طبيعة المخطوط (الراووق) التي أخذت تهيمن على بناء الرواية ص77·
 
هـ· إشارات واضحة لتشابه الرواية مع:
 
أولا· القلعة·
 
ثانيا· المكتبة·
 
ثالثاً· المتحف·
 
رابعا· السيرة·
 
خامساً· المخطوط·
 
و· (··· اتجه مضمون الرواية بشكل تلقائي نحو استثمار النظرية الصوفية···) ص203·
 
ز· (··· استثمار تلك التقنيات ـ الأدبية الحديثة ـ الأربع مجتمعة في روايتي··) ص135·
 
ح· سلسلة الأسانيد التراثية:
 
أولاً· (تبلور لدي ذلك اليوم نهائياً الشكل الذي سأسوق به نصوص المتن الجديد لـ(الراووق)، ص200·
 
ثانياً· (···طريقة الإسناد التراثية شكلاً أربط به النصوص ببعضها)، ص199·
 
وأمام اختباء الدقة في باطن الفوضى الظاهرية، التي يتطلب البحث عنها جهداً، نرى أن بناء الرواية اعتمد أساساً على استثمار تلك الموجهات وتوظيفها توظيفاً فعالاً، ليس في بناء الرواية حسب بل بالإشارة إلى تلك الموجهات وجعلها مجسات استشعار وموجهات ضاغطة على رؤيا القارئ النقدية، بوصفها الأساس الذي حاول المؤلف بناء روايته بالاعتماد عليها، مما دفعه للتساؤل (هل في استطاعتي استثمار تلك التقنيات الأربع مجتمعة في روايتي هذه؟)، ص135، لذا عمل جاهداً على التأكيد أن السيرة جزء من المخطوط/ الراووق/ المخطوط المحقق محاولة شبيب طاهر الغياث/ الراووق المحقق المطبوع/ سابع أيام الخلق· مع بيان تأثير المصادر العرفانية في تشكيل الرؤيا الفكرية للرواة وهو استثمار للنظرية الصوفية·
 
وكذلك موقف الرواة، عبر السرد اللاحق على أحداث السيرة، من الزمن، والكيفية التي تمت بها رواية أقسامهم في السيرة المطلقية وإسناد رواياتهم إلى شخصية (السيد نور)، الذي يعد قسمه في السيرة سرداً سابقاً على أحداثها، مما أدى إلى أن يكون الفعل الدرامي في السيرة المطلقية ارتبط نموه وتطوره بتلك الروايات للأقسام المكونة لها، مع المفارقة الكبيرة التي يخلقها السرد، ففي حين أن (السرد فعل زماني فهو يتحقق في الزمن، لأنه يتحرك في مجراه وبواسطته لأنه يقدم متصلاً به)(24) غير أن ارتباطه ذلك يجعل منه إطاراً تنمو فيه الأحداث والشخصيات معاً، في حين كان في الرواية (سابع أيام الخلق) لم يقتصر دوره على هذا النحو، وتحول نتيجة لاستثماره بطرائق مختلفة من إطار إلى عنصر يشارك في خلق البنية الدلالية في الرواية· فكان الفعل الدرامي في السيرة مغايراً، من حيث تطوره ونموه، عن تصاعد الفعل الدرامي في المخطوط، علماً أن (الشفاهيين ما عدا عذيب العاشق) عاصروا (السيد نور) ومنحوا الإجازة للرواية/ حقيقة، مجازاً/ منه، ورووا عنه شفاهياً لأقسام السيرة، واختص كل واحد منهم بقسم منها، لم يتعده إلى غيره، وكان (السيد نور) (بؤرة السيرة والمخطوط) أول مَن دوّن في المخطوط، ورابع من روى في السيرة، مستفيداً من طرق الإسناد شكلاً يربط به فصول الرواية، معتمداً في ذلك على رواية الراوي السادس، الذي يعتمد بدوره على الصفحات الثماني لذاكر القيم الراوي الخامس، الذي يعتمد بدوره على مدوّنة (السيد نور)/ المخطوط/· وقد كان لهذه المرجعيات أثرها في تحديد مسار تشكيل الرؤيا بالنسبة للمخطوط أكثر من تأثير المراجع التي أشار إليها المؤلف (الإشارة) ص325 في متن الرواية، مما جعل الرواة يذهبون إلى أن الأقسام التي فتح عليهم بها لم يكن لهم فيها رأي ما أو اختيار، بقدر تعلق الأمر بالفتح الذي يأتيهم لإكمال أقسام السيرة··· ونتيجة لاعتماد الرواة، سواء أكان ذلك عن قناعة دينية/ فكرية أم قناعة أدبية/ فنية قد اعتمدوا في رواياتهم للسيرة على ما تسرب إليهم شفاهياً وحاولوا نقله أو تدوينه، معتمدين في ذلك على:
صفحة 9
1· السيد نور: بؤرة السيرة والمخطوط في حياته· رمز من رموز الرفض للسلطة المحلية، بعد اختفائه، المتمثلة بالمشيخة، فكان المزار أحد قطبي التضاد·
 
2· المنقول شفاهياً من أفواه (آل غياث) ـ أو تصور ذلك ـ كونهم الجزء المتضرر في عشيرة البواشق من السلطة المحلية المتمثلة بـ (آل طارش)·
 
ولغرض استثمار التضاد، على وفق الاتجاه وما يمثله من رؤيا فكرية/ دينية، برزت الرواية في السيرة المطلقية منها تحديداً الآتي:
 
1· السيد نور/رواة المعارضة/ البواشق/ آل غياث/ المزار·
 
2· مطلق/ الرواة المأجورون/ البواشق/ آل طارش/ القلعة·
 
فكانت بذلك البواشق نقطة تقاطع بين الاتجاهين ـ ترتب عليه الآتي:
 
إن التضاد الذي أبرزته الرواية بين رؤيا (السيد نور) وبين رؤيا (مطلق) تم تحويله إلى تضاد بين رمز المزار عبر ارتباطه (بالسيد نور) نفسه ورمز القلعة وارتباطها (بمطلق)، واستمر ذلك التضاد عبر توليد الدلالات المرتبطة بكل رمز، مما جعله لا يقتصر على عشيرة البواشق بشقيها (آل غياث/ آل طارش) وإنما يتسع ليشمل محافظة الأسلاف وبما تحتويه من أناس، سواء انتموا لهذه العشيرة أم لغيرها، غير أن انتمائها الفكري يرتبط بأحد هذين الرمزين، مما يفتح تلك الدلالة على جغرافية أوسع، فالرواية اعتمدت (السيد نور) بؤرة السيرة المطلقية، وبؤرة المخطوط/ الراووق· فيكون بذلك انتماؤها الفكري مرتبطاً بذلك الرمز، مما خلق انسجاماً بين التوجهات الفكرية لكل من سيرة المعارضة والمخطوط، ووجدت أثرها كذلك في الرواية· وتوالى ذلك التأثير في جميع الدوائر التي تنفتح في ثنايا المتن الروائي، عبر الوجود الفعلي/ الرمزي لهذه الشخصية، حيث تم استثمار ذلك من خلال:
 
1· المكتبة
 
أ · (بقيت النواة التي تكون منها المتحف) ص29·
 
ب· (بقيت المكتبة تنتقل من موقع إلى آخر···لكنها بقيت في جميع المراحل تحتل الموقع الأفضل والأكثر علواً) ص29ـ30·
 
جـ· (كانت الفكرة··أن تقود أحداث السيرة المطلقية الزائر نحو المكتبة) ص31·
 
د· (حتى إذا ما انتهى بالمكتبة رأى··· المدينة كلها) ص32·
 
هـ· (تلك السلالم في هبوطها أو صعودها كانت تقود في آخر الأمر نحو المكتبة، حيث تبدأ من هناك سلالم الصعود ـ مرتبة ترتيباً صارماً، وتقود الزائر في هبوطه···(إلى أن) يرى المدينة نفسها منبسطة أمامه) ص32·
 
و· (سر الاختلاف بين سلالم الصعود وبين سلالم الهبوط··(يعود) إلى طبيعة أحداث السيرة··· فالاهتداء إلى مراحل تكون مخطوط (الراووق) ونموه يختلف في تعقده وغموضه عن المراحل التي أعقبت اكتمال ذلك المخطوط) ص32·
 
2· المتحف
 
أ· (تأكد لدي أنها (الرواية) ستغدو على شاكلة المتحف) ص123·
 
ب· (إن أفكار (بدر فرهود الطارش) في إقامة متحفه هي الكفيلة بمساعدتك في كتابة روايتك) ص140·
 
جـ· (ارتفعت فوق أسوار القلعة القديمة أبنية خرسانية المتحف) ص30·
 
د· (المتحف لم يبن دفعة واحدة، بل نما وتطور على امتداد عقود من الأعوام) ص31·
 
هـ· (إن روايتي ستكون على شاكلة المتحف شكلاً ومضموناً) ص231·
 
و· (فما دام المتحف والمخطوط وجهين لتاريخ مدينة الأسلاف مكانياً وزمانياً، ألست في سبيلي إذن لتلافي (النقص) الكامن فيهما عن طريق الكلمات الرواية) ص231·
 
ز· (··· إن مخطوط (الراووق) ـ لم يكتبه شخص واحد ـ بل نما وتشعب بمرور الزمن) ص108·
 
ح· (··· انسجاماً منه مع هذه الفكرة كان قد جعل كل قاعة تحمل اسم أبرز من ألف أحداث السيرة··· أقام خمساً منها على محيط المتحف··· وكانت القاعة النورية في عمق المتحف) ص32ـ33·
 
ط· (كانت المرحلة السادسة المتمثلة بالمكتبة تختلف عن بقية المراحل، بكونها تركت لتدل بنفسها على مغزاها) ص33·
 
ي· (قمة المتحف في زماننا مكتبة) ص133·
صفحة 10
3· القلعة
 
أ · (كانت القلعة هي البؤرة التي نمت عنها مدينة الأسلاف) ص81·
 
ب· (ارتفعت فوق أسوار القلعة القديمة أبنية خرسانية المتحف) ص30·
 
جـ· (ما تفجر من صراع بين (مطلق) و(السيد نور) حين حاول الأول بناء القلعة)ص133·
 
4· محافظة الأسلاف
 
أ · (القلعة···البؤرة التي نمت عنها مدينة الأسلاف) ص18·
 
ب· (المحلات التقليدية القديمة··التداخل والاضطراب·· (على عكس) المحلات التي ظهرت حديثاً··) ص79·
 
جـ· تطورت (من مجرد قلعة فجرت الصراع···· إلى المدينة الحالية التي لا تكف عن الاتساع والنمو) ص31·
 
5· السيرة
 
أ· (تقود أحداث السيرة المطلقية الزائر نحو المكتبة) ص31·
 
ب· (كل قاعة تحمل اسم أبرز منْ ألف أحداث السيرة) ص33·
 
جـ· (القسم الذي كتبه (السيد نور ـ القسم الرابع) يُعد بمثابة النواة التي نمت حولها الفصول والأبواب) ص109·
 
د· (النصوص الشفهية الثلاثة تتجه في سرد الأحداث نحو واقعة دكة المدفع) ص185·
 
هـ· (سر الاختلاف بين سلالم الصعود في تشابكها وتعقدها، وبين سلالم الهبوط ـ في وضوحها وترتيبها ـ إلى طبيعة أحداث السيرة) ص32·
 
6· المخطوط
 
أ· (··· المتحف والمخطوط··· وجهان لتاريخ الأسلاف) ص17·
 
ب· (طبيعة المخطوط أخذت تهيمن على روايتي) ص77·
 
جـ· (··· فالاهتداء إلى مراحل تكون المخطوط (الراووق) ونموه يختلف في تعقده وغموضه عن المراحل التي أعقبت اكتمال المخطوط) ص32·
 
د· (··· إن النصوص الكتابية انبثقت من ذلك النص (قسم السيد نور) ص185·
 
هـ· (فما دام المتحف والمخطوط وجهين لتاريخ مدينة الأسلاف مكانياً وزمانياً، أليس في سبيلي إذن لتلافي (النقص) الكامن فيهما عن طريق الكلمات (الرواية)؟) ص231·
 
من ذلك يتضح أن المؤلف كان يبتغي وحدة بناء شاملة من خلال تشابك وحدات البناء الكبيرة والمتعددة، والمتداخلة مع بعضها حيث أن:
 
وبدراسة وحدات البناء تلك تتضح نتائج أخرى تبين طبيعة العلاقة بين تلك الوحدات، حيث:
 
1· المكتبة/السيرة/ المتحف
 
يمكن رسم العلاقة في ما بينها بناء على المؤشرات التالية:
 
أ · خمس قاعات تمثل الرواة على محيط المتحف، كانت القاعة النورية (قاعة السيد نور) في العمق منه·
 
ب · تشكلت السيرة أجزاء ابتداء من (عبد الله البصير) واتجهت في نهاية الأمر إلى خاتمتها في القسم المحظور/ واقعة دكة المدفع/ قسم السيد نور/ فكان غاية سيرة المعارضة التي ارتبطت بزمن مفترض، وإن لم يكن وهمياً، يصعب تحديده بدقة، مما يعد من أسباب الاضطراب الذي يشوب السيرة·