eKtab
EN ع
اتنفسك حنينا
اقرأ عينة مجانية

اتنفسك حنينا

بقلم منيرة مصباح

صفحة 1
مديحٌ لِوَرْدِ النيل 
 
هادئٌ مزهرٌ كوردِ الجمرِ
 
في مرآةِ مائه ريحُ الموجِ
 
لا تحنو إلاّ على حُجُبِ الضبابِ 
 
وهو يمدُّ يدَه على العطشِ 
 
يلثمُ رذاذَ الجسدِ 
 
هائمٌ في سديمِ الكواكبِ 
 
والهوى نيرانه،
 
مزروعٌ في زهوِ الحياةِ
 
في عزلةِ العشبِ الطازجِ
 
يرنو الى البصرِ·· 
 
******
 
 هو النيلُ يناديني من الشرقِ
 
يأسرني سِرُّه وحنانُ نشيدِه
 
فوقَ عرشِ الماءِ·
صفحة 2
أناديه من أقصى الأقاصي
 
احتضنِّي···· وخُذني بدفئِك
 
ليس معي غير طوافي في الهباءِ
 
وبردُ الردى·· في عويلِ الرياحِ 
 
وأنت وردُك عالقٌ على زاويةِ شفتي
 
  تَوقاً 
 
يدخلُ غيمةَ التاريخِ 
 
على مركبِ الشمسِ
 
لوشمٍ محفورٍ فوقَ مسلةٍ 
 
 فرعونية
 
يقرأُ قصائدَ اخناتون 
 
من رمسيسَ إلى آمون 
 
ومن إيزيس إلى أزوريس
 
يعيدُ مجدَه في توالياتِ الزمان·
صفحة 3
هو النيلُ··· يناديني 
 
لأضيءَ دمي
 
لأكتبَ شِعري 
 
في مرجِ مائِه
 
مهرٌ فقدَ العنانَ····
 
من جسدِه تفوحُ رائحةُ النارِ
 
تعيدني إلى حدِّ قلبي 
 
   في لحظةٍ مُسكرَة 
 
وغاباتُ النخيلِ تذيبُ صقيعي 
 
تأخُذني إلى حافةِ الصحوِ
 
إلى ألقِ المواجعِ 
 
إلى ماءِ الخاطرِ 
 
حين تبوحُ الريحُ للفجر
 
بكلِّ حرائقِها 
 
بكل مدائحِها 
 
يخلعُ النيلُ قميصَه الترابيّ
 
ويفيضُ على سماواتٍ اُخر
صفحة 4
 هو النيلُ الصموتُ يغني 
 
القصبُ في ملكوتِ مائِه
 
غِوايةٌ في حنايا رُوحي 
 
تعيدني إلى ضِفتيه 
 
لأشِّف بين ساعدَيه
 
 حين يَرمي بين يَديَّ أمواجَهُ 
 
   تأتمرُ لي النوافذُ وكلُ الحقولِ
 
لأكملَ مديحَه نحوَ وردِ الآفاقِ 
 
  ونبعِ الغناء
صفحة 5
القاهِرةُ عالَمُكَ المَكْتوب
 
يا صَديقي 
 
لو كنتَ وصلتَ في قطارٍ مبكرٍ 
 
لرأيتَ القاهرة تفترسُ 
 
الكلماتِ والساعات
 
حيثُ جبينُ المدينةِ 
 
عالمٌ يحملُ الزمنَ والاحزانَ
 
حيث جسدُ المدينةِ 
 
رياحٌ تحملُ أجْنحةَ البشرِ
 
وضَبابَ الوُجوهِ
 
يا صَديقي 
 
حافةُ السيفِ وَجْهُكَ 
 
بين يَدي يُدْميها 
 
وأنت كلُّ ساعاتِ الزمنِ المُتَعَثِّرِ· 
صفحة 6
دَليلُكَ للوقْتِ وَجْهُ الضَوْءِ 
 
يَكْتُبُ العالمَ الأوَّلَ 
 
فوقَ صَخْرَةِ الزمنِ المُشِعَّةِ 
 
وانا لا أرى الا وَجْهَ المَدينَةِ 
 
أفكِّرُ بالقاهرة 
 
أضْحَكُ ·· أتألَّمُ 
 
أحْلُمُ بِرَقْصَةِ عِشْقٍ 
 
مَشَتْ فوق أغْنيةٍ 
 
ظَلَّلتْ قَفَزاتِ النوارسِ
 
على حوائِطِ المدينةِ 
 
أشْعَلَتِ الوقتَ في أمواجِ الشعرِ·
 
يا صديقي
 
حين تاتي المواعيدُ وتذهبُ 
 
أفكِّرُ بالقاهرة 
 
أعدُّ الساعاتِ بالالوانِ
 
أبْحثُ عن لحظةٍ تُبَدِّدُ لَهَبَ أسْرارِها
 
شرودَ نخيلِها ··· صمْتَ نيلِها
 
ولا دَليلَ للسِراطِ الحقيقيِّ
صفحة 7
سوى أنَّ الفكرةَ من زجاجٍ
 
تنكَسرُ ·· تتبعثرُ···
 
ترسِمُ خلفَ الخيالِ كلَّ هذا الألم
 
تستقبلُ الطيورَ الهاربةَ 
 
من خزائِنها المُظْلمَة
 
ياصديقي
 
وَطنُك يُشِعُّ نحوي 
 
حيث أجْلسُ في شُرفاتٍ 
 
يتدلَّى منها الزمانُ
 
وترِفُّ مع كلِّ هِدْبٍ فيها المنافي·
 
أفكِّرُ بالقاهرةِ
 
أبحثُ عن لقاءٍ 
 
في شمسِ الساعةِ
 
الثالثةِ بعدَ الظهرِ
 
ولا أراك إلا في مدى الذاكرة 
صفحة 8
مَقْهَى مُتَّكِئٌ
 
مقهى يَتَّكِىءُ على رائحةِ النيل
 
مساحتهُ تَسْكرُ على أنغامِ العتمةِ 
 
حياتهُ تنبعثُ من وجوهِ لوحاتٍ 
 
كالمظلاتِ على الجدرانِ 
 
كراسيه تئنُّ من الجالسين فوقَها
 
أسوارُهُ ضبابٌ كثيفٌ خارجٌ من غشاوةِ المنظرِ
 
أضواءُه تطوّقُ الأيدي المشردةَ تتلبّسُ الأعين،
 
أصواتٌ تتسللُ شفّافةٌ تنحني لتكتُبَ نهايةَ الليلِ
 
في أوراقٍ ترتشفُ حبراً يعانقُ قلمي 
 
فأخطُّ شمسَ الشعرِ المشرّدِ
 
من لحنٍ يخطفُ وسنَ عيني 
 
  في الفضاءِ الحاني· 
 
******
 
أخبئُ وجهي بيديَّ 
 
أسرعُ مبتعدةً عن دموعي 
 
عن أعذاري
صفحة 9
لصوتِ عندليبٍ تتبعُه شهْقةُ القلبِ
 
يلوّنُ الأفكارَ بعزلةِ الوجدِ، 
 
ومثلَ تلك الألواحِ الحزينةِ 
 
عائدةٌ من جسدِ خيالٍ متناهٍ
 
يخطُّ ليلي رموزَه 
 
فوقَ طاولةٍ محاطةٍ برائحةِ النعنعِ 
 
بخربشاتِ ضباب السجائرِ
 
 بنظراتٍ محاصرةٍ بشجرِ اللبلابِ· 
 
******
 
في سكوني الآتي من بحيرةِ الروحِ
 
ألمحُني فتاةً نحيلةً تتقافزُ تشفُّ
 
 آتيةً من وراءِ الزمنِ
 
حاملةً صورَها·· أقلامَها ·· كتبَها
 
أغانيها ودفاترَها المسافرةَ إليهِ 
 
قادمةً من شرفةِ مطرٍ أخضرٍ 
 
ترسمُ على سطحِ غلالةِ الليلِ
 
 أشرعةَ جراحِها المزمنةِ 
صفحة 10
تتسامقُ في أوتارِ كمانٍ
 
 يشفُّ في غوايةِ المسامِ
 
وتنصهرُ في أجنحةِ عصافيرٍ مشتعلةٍ·
 
******
 
سلامٌ لذاكرةِ الشمسِ الصاعدةِ من قلبِها 
 
سلامٌ لها تنشرُ الصباحَ 
 
على بصماتِ الوجوهِ
 
على نجماتِ الحقولِ
 
في مقهى تتوارى فيه الأوجاعُ 
 
وتبقيني بعيدةً عن زبدِ الظلامِ 
 
قريبةً من بوابةِ البحرِ المتوسطِ·
 
 
 
(مقهى الحرافيش)
 
لقاهرة 2-2 - 2008