eKtab
EN ع
آية
اقرأ عينة مجانية

آية

بقلم خالد جميل شموط

صفحة 1
الأمل المفقود
 
يا ابن الكلب···!
 
هذا آخر ما قالته بينها وبين نفسها وهي تهم بمغادرة مكتبه· خرجت من مكتبه وتركته في حيرة من أمره على خروجها المفاجئ هكذا··· لم يكن يتوقع أن ينتهي اللقاء بهذا الشكل وقد كان كل شيء يسير بشكل ممتاز·
 
أما هي، فلم تكن تتوقع أن ينقلب يومها رأساً على عقب وأن تشعر بسواد الدنيا يغشاها بينما كانت منذ سويعة تشعر أن يومها ذلك يسير بشكل رائع وجميل·
 
كان الحظ متبسماً لها ذلك الصباح؛ إذ ما إن اقتربت من المصرف حتى وجدت أمامه مباشرة مكاناً خالياً لسيارتها· وقبل أن تركن سيارتها وتترجل منها كانت قد تأكدت مرتين أو ثلاثاً بأنه مكان مسموح فيه ركن السيارات· فوجوده خالياً في تلك الساعة المبكرة من الصباح أمر غريب حقاً، ولكنها بداية جيدة ليومها هذا والقدر يبتسم لها؛ فعسى أن يكون بادرة خير لبقية النهار - أو هكذا تأملت·
 
اتجهت إلى المصرف بخطوات كلها ثقة وفتحت بابه وخطت إلى داخله، وتوقفت برهة كي تحدد وجهتها، فرمقها أحد الموظفين بنظرة خاطفة ثم ما لبث أن أعاد النظر مرة ثانية· لم تكن فاتنة الجمال ولكنها لم تكن قبيحة أو حتى متوسطة الجمال بل فوق ذلك· كانت طويلة نوعاً ما بالنسبة لجنسها؛ وقد أضفى شعرها الأسود الناعم متوسط الطول حسناً إضافياً·
 
تحركت عيناها السوداوتان يميناً ويساراً لتحديد وجهتها فلمحت ذلك الموظف يحدق بها، فاتجهت إليه بقامتها الممتلئة بعض الشيء مستفسرة عن مكتب مدير القروض التجارية· ما إن دلها على مكتب المدير حتى تحركت إليه بخطواتها الثابتة والقوية وعيناها تجوبان أنحاء الصالة الكبيرة وقد بهرت بجمال التصميم الداخلي للمصرف، فكانت تطأ على بلاط رخاميّ أبيض ضارب للصفرة لامعاً وكأنه وُضع في الأمس والمكاتب مرتبة على محيط الجدران الرئيسية للقاعة، ولكل مكتب باب خشبي بني داكن اللون يتوسط حائطاًً من الزجاج، حتى إن المار يرى من بداخل المكتب بكل وضوح·
صفحة 2
وصلت مكتب مدير القروض التجارية وكان أكبرهم مساحة، حتى إن بداخله مكتباً آخراً لسكرتيرته وصالة انتظار صغيرة· قدمت نفسها للسكرتيرة على أنها ريما حجار، وأن لديها موعداً مع المدير، فأبلغتها السكرتيرة بأن المدير ليس موجوداً في مكتبه؛ إذ كان لا يزال في اجتماع آخر في الدور الثاني·
 
لم تنزعج ريما من عدم وجود المدير فقد كان باقياً ربع ساعة حتى يحين وقت موعدها· طلبت لها السكرتيرة فنجان قهوة بينما أخرجت هي أوراق طلب القرض لتعيد النظر فيه، ولتتأكد من كمال المعلومات والبيانات· وبينما هي ترفع رأسها لتتناول فنجان قهوة فإذا بها تلمح صورة المدير مع عائلته الموضوعة خلف مكتبه· تجمدت عيناها على الصورة محاولة بجهد أن تقرأ تفاصيل وجهه لتتأكد إن كان هو أم لا··· في الحقيقة عندما بدأت قبل أسبوع بتحضير أوراق القرض وقيل لها حينها إنه عليها أن تقابل المدير وليد عبد الله، تساءلت وقتها إن كان هو وليد نفسه الذي كان معها في المدرسة الإعدادية والثانوية· وبالرغم من أنها استأنست بعذوبة ذكريات الطفولة ودفئها تلك، إلا أنها استبعدت فكرة أن يكون هو نفسه· فاسم عائلة عبد الله اسم شائع كثيراً، واحتمال أن يكون هو نفسه بشحمه ولحمه ما هو إلا احتمال ضئيل جداً·
 
أما الآن، فهي تجلس في مكتبه وتتفحص صورته وتتساءل أيا ترى هو نفسه؟ قلبها يحدثها أنه هو ولكن عيناها تنفيان·
 
تسارعت قفزات شريط ذكريات المدرسة حتى توقف عند ذكرى بشكل عشوائي، وراحت تسلسل الذكرى بمخيلتها فترى نفسها جالسة في مقعدها في الصف ووليد جالس في مقعده الذي يبعد عنها ثلاثة أمتار إلى اليمين· تتذكره جيداً وكيف لا وقد كان كثيراً ما يطلق تعليقات ساخرة وإن كانت ذكية وتنم عن سرعة بديهة، حتى إن معظم طلاب الصف يفرطون في الضحك على تعليقاته تلك· لم يكن وليد مهرجاً أو سخيفاً بأعين ريما وطلاب الصف، بل كان مجتهداً ومجداً وذا دعابة وروح مرحة· ولعل اجتهاده هو ما كان ينقذه من براثن المدرسين كلما أطلق أحد تعليقاته الساخرة·
 
كانت تتذكره تماماً بقامته الطويلة ونحافته وشعره الأسود الناعم· أما وجهه فكان مستديراً وكانت عيناه خضراوتين· لم يكن وسيماً إلى أقصى حد كما لم يكن دميماً بل كان متوسط الوسامة، حتى إن معظم تلميذات صفه لم يكن يعرنه انتباههن إلا في أوقات الطرافة واللعب·
صفحة 3
تنبهت فجأة إلى صوت السكرتيرة قائلة إن المدير قد وصل· فنظرت إلى خارج المكتب فرأت رجلاً ذا طول لا بأس به، ممتلئ الجسم خمنت أنه وزن رجل ونصف على الأقل ولكن وقبل أن تسنح لها الفرصة بالتفرس في وجهه استدار وتوجه إلى مكتب آخر· وكل ما رأت من هامته هو قفى رأسه والذي كان قد اختلط سواد شعره ببياضه· وخيّل إليها أنه أصلع وإن لم تكن لديها الفرصة الكافية لرؤيته من قِبَل·
 
هذا كل ما استطاعت أن تراه، وبالرغم من ذلك فقد جزمت أنه ليس وليد زميل المدرسة· فشتان شتان بينهما· فذاك نحيل غزير الشعر سواده كاحل، وهذا سمين أصلع ذو شيب ويمشي وكأنه في الخمسين من عمره· ارتاحت إلى هكذا نتيحة وطوت أفكارها وذكرياتها وعادت إلى أوراقها وقهوتها· وما هي إلا دقائق معدودات وقبل موعدها بدقيقتين دخل وليد إلى مكتبه ملقياً التحية عليها، فيما تبعته سكرتيرته لاستلام أي تعليمات أو توجيهات جديدة· خرجت السكرتيرة وتبعها المدير إلى صالة الانتظار ليرحب بالزائرة ويدعوها إلى مكتبه·
 
جلس وليد خلف مكتبه الفاخر، والذي ينم على مركزه في المصرف، بينما جلست ريما على الجانب الآخر· رحّبَ بها مرة أخرى وسألها عن اسمها مرة ثانية فخفق قلبها بشدة؛ إذ ظنت أنه ربما تذكرها وأراد أن يتأكد من الاسم··· فأعادت عليه اسمها ولكن آمالها خابت عندما رفع سماعة الهاتف وطلب من السكرتيرة أن تحضر فنجان قهوة للسيدة ريما·
 
بدأت شكوك ريما بأن هذا الذي أمامها هو وليد زميل الدراسة نفسه· بدأت هذه الشكوك بالزوال إذ فكرت أنه لو كان هو نفسه لكان تذكرها الآن أو على الأقل كان قد بدا عليه بأنه قد يعرفها، ولا شك أنها كانت ستلاحظ تعابير وجهه حينها· هي تعترف بينها وبين نفسها بأنها لم تكن فاتنة الجمال في المدرسة أو أنها كانت من المتفوقين المميزين، حتى لا يكون هنالك أدنى شك بأن وليد سيتذكر اسمها، إلا أنها كانت جميلة نوعاً ما وكانت من المجتهدين، أضف إلى ذلك، فكرت ريما، أنهما أمضيا خمس أو ست سنوات في المدرسة نفسها والفصل نفسه· وهذا بحد ذاته كافٍ ليتذكر الاسم· فإن لم يعن اسمها له أي شيء حتى الآن فهذا دليل على أنه وليد عبد الله آخر·
 
بالرغم من قناعتها المنطقية بأنه وليد آخر، إلا أنه بقي إحساس بداخلها يقول لها عكس ذلك، ولعلها ليست أحاسيس حقيقية بل من صنع ذاتها لتعيد ذكريات الماضي، وليكون عندها أمل بالتعرف من جديد على زميل قديم·
صفحة 4
طوت أحاسيسها جانباً على أي حال وعدّلت جلستها وركّزت انتباهها على معاملتها مع المدير· استمر الاجتماع ما يقارب الساعة تقريباً أنهيا خلالها مراجعة طلبها لقرض تجاري لافتتاح فرع جديد لشركتها· سارت أمور تقديم الطلب على ما يرام، وقد كانت بحوزتها كل الأوراق الثبوتية المطلوبة، وبشّرها وليد بألا تقلق بالنسبة لطلبها فكل شيء يبدو جيداً ووضعُها ممتاز، كما طمأنها بأنه سيقيّم طلبها شخصياً·
 
سمعت ريما هذا وتنفست الصعداء وشعرت بارتياح كبير لذلك وازدادت ثقة واعتزازاً· شكرته جزيل الشكر على اهتمامه بالموضوع وعلى حسن ضيافته، ثم عاد إليها شعورها الداخلي الذي لم يفارقها عن وليد· عاد الشعور الدافئ بداخلها والذي ما انفك يلح عليها أنه هو وليد زميل الدراسة بذاته· شكرته مرة ثانية وجاملته على مركزه المرموق وهو لا يزال شاباً، فما كان إلا أن ضحك وليد وقال لها إنه ليس صغيراً كما تتصور هي بل إنه في الأربعين من عمره·
 
كان جوابه منقذاً لأحاسيس ريما كالقشة التي تبعث الأمل لدى الغريق· فتعلقت بها وكيف لا وهي في الأربعين من عمرها أيضاً· أخذت تتفرس شكله وحركاته علّها تجد دليلاً واحداً على الأقل قد يؤكد ذلك الشعور الخفي· ولكنها لم تحظ بذلك حتى أثناء اللقاء والحديث معه· ولكن ريما لم تكن ممن يستسلم بسهولة دون الحصول على جواب· فلم تُرِد أن تستسلم لذلك أو أن تخرج من دون الحصول على إجابة لشكوكها· لم تعبأ ما سيكون الجواب، لم تعد تهتم أن يكون هو وليد زميل الدراسة أم لا· ولكن أصبح المهم أن تضع حداً لشكوكها أو للفكرة التي أخذت تنخر بدماغها، والتي تعرف أنها لن تستطع أن تغفر لنفسها إن لم تصل إلى إجابة شافية·
 
ففي النهاية إن ثَبُت أنه هو زميل الدراسة فذلك شيء رائع، وسيكون لديها الكثير من الكلام والذكريات عن تلك الحقبة· وإن لم يكن هو زميل الدراسة فهذا أيضاً جيد لأنها لن ترهق عقلها بعد ذلك بالتفكير عما إذا كان هو نفسه أم لا· المهم الآن هو الحصول على جواب·
 
بدأت ببناء خطة أسئلة لتصل إلى غايتها من دون أن تجعله يشعر بهدفها· رفعت يدها اليمنى وأزاحت شعرها إلى خلف أذنها اليمنى بحركة اعتيادية، وإن كانت مقصودة لتظهر تألقها أمامه ولعل في ذلك أن يذكره بها وهي صبية·
 
سألته من أين هو··· هكذا رمت عليه السؤال بعد أن اعتذرت له لسؤالها الشخصي ذلك· 
صفحة 5
 في الحقيقة كانت تدري أن لا حاجة لذلك السؤال، إذ إن لكنته واضحة ولا تترك أي شك عن مسقط رأسه· فجاء رده متوقعاً إلا أن ريما كانت قد أمسكت بأول الخيط، وكانت النافذة لتصل من خلالها إلى مبتغاها·
 
سمعت جوابه فسألته عن المدينة التي نشأ فيها فكان رده أنه من هنا من هذه المدينة، وتحديداً من المنطقة الفلانية· لم تكن قد نشأت ريما في المنطقة نفسها التي نشأ فيها إلا أنها كانت من حي ليس ببعيد عنها· هكذا فكرت ريما وعزّت نفسها بأنه لا يزال هنالك أمل في أن يكون هو وليد زميل الدراسة ولا بد أنه سيتذكرها· فأحست عندئذ أن ظنونها قد تكون صحيحة ونسبة إمكانية كونه زميلها في تزايد مستمر· خفق قلبها عند ذلك الخاطر واعتلت شفتيها بسمة حاولت أن تخفيها، إلا أنها لم تستطع أن تخفي التعابير التي ظهرت على وجهها·
 
نظر وليد إليها وسألها عن سبب أسئلتها تلك· لم تُصَب بالإحراج من سؤاله بل بادرته بسؤالها التالي عن اسم المدرسة التي درس فيها فأجابها بنوع من التردد والريبة· وجاءت إجابته لتزيل أي شك كان لديها وتأكدت الآن تماماً بأنه هو نفسه زميل صفها··· هو زميلها ذلك الذي كان يجلس على بعد بضعة أمتار من مكانها في الصف···· هو وليد الذي كثيراً ما تحادثا وتناقشا في مختلف الصفوف والحصص···· هو وليد نفسه الذي درسا معاً وتخرجا معاً··· حقاً إنه عالم صغير· أخذت تتخيله ولداً مراهقاً كما عرفته قبل عقدين أو أكثر وهو يلقي بتعليقاته الساخرة والمضحكة· إلا أنها أزاحت صورة الماضي تلك من رأسها وبابتسامة عريضة، وببعض من الدلع قالت له إنها كانت معه في المدرسة نفسها·
 
ظهرت الدهشة على وجهه ونظر إليها بعينيه وأخذ يتفرس بوجهها لبضع ثوان بدت لريما كدقائق؛ وقد حاولت أن تبقي الابتسامة على شفتيها· وأخيراً اعتدل وليد بوقفته وسألها: آه، وأنت كنت مُدرسّة لأي مادة؟
 
انمسحت الابتسامة عن شفتي ريما وتحولت إلى شرر بعينيها· لم تدر ماذا تقول··· وكل ما شعرت به هو أن غشاء قد أسدل على مخها وشلها عن التفكير· تأبطت أوراقها وخرجت تاركة وليد وسط دوامة من الحيرة· خرجت وهي تتمتم بينها وبين نفسها: مُدرسة!!!···· مُدرسة يا ابن الكلـب!!!
 
تشرين الثاني 2010
 
أبوظبي