إلى أيام الصبا؛حياتنا المنسيّة
مفتتح
وأنت تستكشف الحياة، ليس بوسعك أن تُملي شروطك
19 ديسمبر 2008
أعقد له كلتا كفيّ، وهو يرفع حذاءه الرياضي الأبيض الخفيف، لكي يصبح في مستوى ارتفاع النافذة الوسطى التي تهشم زجاجها ذات مساء بفعل فاعل. يشير لي بأن أرفع وزن جسده الخفيف إلى الأعلى قليلاً، فأفعل، وأنا أراقب بقلقٍ محاولاته للتسلل عبر هذه الكوة ومط جسده النحيف حتى يمسك بالقضبان الحديدية الصدئة من حافة السطح. لم أستبن سوى شبحه في الظلام الدامس، وهو يتجاوز هوة الـمَنْوَرُ، بعد نجاحه في التشبث بالقضبان المتينة، واعتلائه سطح المبنى.. أخيرًا.
اختفى الشبح عن ناظريّ للحظات، فحانت مني التفاتة إلى الباب المعدني المطلي باللون الأحمر الداكن، كأن دماءً ما سالت فوقه. نـزلتُ بنظراتي إلى مستوى القفل الذي يتوسط السلسلة الحديدية المجدولة
التي تليق بعصر العبيد. ها هي تلتف كما لو أنها ثعبان حول القفل الغليظ، الذي يحول بيننا وبين إتمام مغامرتنا بطريقة أكثر أمانـًا مما نفعل الآن.
السكون يطرز المكان، كأنما الليل تاريخٌ خفيّ نحمله على ظهورنا كل صباح. كم أمقت الوقت الراكد!
أصواتٌ من البرد تتكورُ في حنجرتي. الشتاء قارسٌ في جوف ديسمبر. يضربك حتى ينهكك ويصيبك بالإعياء. أضع يديّ الباردتين في جيبيّ، علِّي أستدفئ بغيابهما قليلاً. أتأمل الجدران المطلية بكلس أبيض، ودرجات السلّم الضيق المرتفع ذي الزوايا الحادة، وفتحات الإنارة في مفارق الأدوار. تسللتْ لسعة برد إلى ظهري فأحدثتْ قشعريرة مفاجئة لفّتْ جسمي كله.
عاود الشبح الظهور، واهتزت رأسه قليلاً، فيما ارتفعت يده اليمنى ملوحة في الفراغ.
الإشارات الغامضة التي بيننا لا تعني الآن سوى شيء واحد: حان دوري.
ترددت.
لنقل إني جبنت!
سكنني خوف لا يمكنني زحزحته عني قليلاً. تجمدت في مكاني مثل حبة قمح متشبثة بسبيكة من السنابل.
بدت لي المغامرة محفوفة بالمخاطر. الأمر يتجاوز خطر المرور من كوة صغيرة، مازال عالقـًا بها شظايا زجاج مدبب، لو تمكن منك فلن يُفلتك إلا بجروح تنهش في جسدك الطري. ما كان يخيفني حقـًا هو تلك المسافة التي يتعين تجاوزها ما بين مَنْوَر العمارة السكنية، وقضبان السطح الحديدية التي ترتفع مسافة لا تقل عن نصف متر عن منال ذراعي. كنا نخشى أيضـًا خطوات راضي، حارس العمارة الضخم، الذي لا بدَّ أنه يلتهم الأطفال كي يسد جوعه.
إلحاح وائل بصوتٍ هامس وعينيّ قطة تلمعان في الظلام، جعلني أحزم أمري، وأعتلي صناديق المشروبات الغازية التي تكدستْ على جانب الجدار، محاذرًا أن أصطدم بالزجاجات الفارغة، التي قد تُحدث صوتـًا يجهض مغامرتنا غير المحسوبة. وصلتُ إلى الكوة، ونفذتُ منها، ولم يعد أمامي سوى الوصول إلى تلك القضبان المفزعة التي تفضي إلى السطح. أصابتني رعدة، من مجرد تخيل معنى السقوط. كان الـمَنْوَر هاوية معتمة. أن تهوي من الطابق الخامس إلى قاع مَنْوَر لا يحتفظ إلا بقطع حديدية وبقايا أثاثٍ نبذه سكان الشقق، ليس بالنهاية المثالية لشابٍ مثلي في سن السابعة عشرة.
لوهلة، ترنحتُ وحيدًا في الفراغ الذي يبتلع كل شيء، حتى البشر.
في هذه العتمة، ليلٌ نسي نفسه.
أخذتُ نفسـًا عميقـًا، ومددتُ يدي الحُرة لأصل إلى القضبان اللعينة، قش خلاصنا؛ لم أفلح في المرة الأولى، ولولا أنني كنتُ أمسك بقوةٍ بطرف إطار النافذة لاختل توازني، و...
مد وائل لي يده كي أمسك بها، لكنني أفلحتُ في التعلق بأحد تلك القضبان في المحاولة الثانية، وجاهدتُ كي أرفع جسدي الخفيف لأتجاوز هذا الارتفاع. اصطدمتْ قدمي بالجدار الأملس للمَنْوَر، لتتساقط قشور الطلاء المتقادم إلى قاع الـمَنْوَر، محدثة صوتـًا خفيفـًا لن يأبه له أحد رغم سكينة المساء.
نصفي المرعوب يتشبث بالحافة، ونصفي الآخر يهرول للحاق به.
أقفز إلى داخل السطح، وأحاول أن أتأكد من عدم وجود آثار لصدأ القضبان الحديدية على ملابسي ذات الألوان الفاتحة، فيما كان وائل يشدني من ذراعي كي نشرع في الفصل التالي من تلك المغامرة الحمقاء. الحسابات الخاطئة والقرار الأرعن، كلمات لا محل لها من الإعراب في عبارات حياتنا القصيرة. الرعونة التي تسري في دمنا تجعل الخوف غير قادر على ردعنا عن استكمال هذا الطيش الذي نحسبه فتحـًا في عالم بلوغ مقام الرجولة. كان هذا أرفع شكل للجنون.
هذا المساء، يبدو العالم عاريـًا لا تسقفه حتى السماء.
نسير على أطراف أصابعنا حتى لا يشعر سكان الطابق الأخير بوقع خطواتنا. لم يكن الأمر سهلاً، فأرضية السطح وإن تكن مبلطة، تترامى فوقها بعض أكياس البلاستيك، والعلب الفارغة، والأسياخ الحديدية التي يقترب عمرها من عمر المبنى السكني نفسه.
في هذا المكان، يلعب الخوفُ الدور الأهم.
جهة الغرب كانت مقصدنا الأول. نحاولُ أن نفضح عورة الليل، ونحن نتأمل العمارة الحديثة الغارقة في الظلام التي لا تفصل بيننا وبينها إلا مساحة روضة أطفال لا ترتفع مبانيها أكثر من طابقين. نحدق في الظلام، ونمسح بأعيننا النوافذ والستائر، والشرفات، بحثـًا عن بصيص ضوء، أو حركةٍ ما تجعلنا نركز عليها.
كانت تلك هي عمارة سكن المضيفات الجويات. في حقيقة الأمر، لم يكن هناك سوى طابقين استأجرتهما شركات طيران عالمية في هذه العمارة لإقامة مضيفاتها الجويات القصيرة عادة، لكن الكل أصبح يُسميها عمارة سكن المضيفات.
النوافذ نعمةٌ، ومدينةٌ من تحية.
ألمح في الطابق الثالث شقة مضاءة بالكامل، تتحرك فيها ثلاث فتيات رشيقات وهن يرتدين ملابس تكشف عن مفاتن تحرك الغرائز. فجأة، رفعت إحداهن قميصها الرياضي الأرجواني اللون؛ فإذا بها لا ترتدي تحته شيئـًا. اللحم، ولا شيء سواه. طريّ وبض وقاهر. يقهر أمثالنا، ممن يشتهون الانتماء إلى فئة الوحوش الكاسرة، حين يتعلق الأمر بالعُري الوفير.
أطيلُ التحديقَ كمُسْتَلَبٍ، فاغر الفم، قبل أن ألكز وائل لأنبهه إلى اللقطة التي إن أفلتت لن تعود. ثدياها المكوران، كرتان من نار، تتدحرجان باتجاهنا. ظلت تتضاحك مع صاحبتيّها، ونحن نتخيل الحوار حيث نقف، قبل أن تقف أمام المرآة وتمشط شعرها، غير مبالية بالنصف العلوي العاري. حورية الجنة، بدت لنا قادمة من بحر البلطيق أو ما شابه. بياضها أصابنا معـًا بالدوار. مرت دقيقتان أو أكثر، وهي تنثر جمالها أينما ذهبت، قبل أن تختفي في غرفة داخلية. عادت وهي في كامل أناقتها، لكنها لم تكف عن محاولة تعديلَ نهديّها المحشورين داخلَ حمالاتِ السهرة، كما لو أنها ممسوسة بجسدٍ آخر.
ليتنا أحضرنا المنظار المكبر الذي اشتراه جارنا كمال، خلال زيارته لعائلة والدته التي تستقر في تركيا.
أقترح عليه بأن نستطلع أمر الجهة الجنوبية.
بإشارةٍ من يدي، يدرك أننا نقترب من حقل الألغام. هذا المربع الخطر يعلو شقة العائلة. إن أحس أبـي بأن هناك من يقف على سطح العمارة في هذا الوقت المتأخر، فلن يتردد في الصعود، خاصة أنه المؤتمن من سكان المبنى على النسخة الوحيدة من مفتاح السطح.
نسير قلقين ومتوجسين، كأنما النبض يبصر ذاته.
في أعطاف الارتباك، يبدو كل شيء ممكنـًا.
نخفض رؤوسنا قليلاً قرب السور، بحكم الخبرة التي تتحدى الظلام الدامس، مدركين وجود سلك حديدي معلق مثل حبل غسيل، كان يُستخدم يومـًا لربط هوائي التلفاز في إحدى الشقق، قبل أن يتحول إلى فخ في العتمة، يصطاد بعض الغافلين عن وجوده.
هناك نافذة مفتوحة لغرفة فتاة في مثل عمرنا، نراقب خيالات تتحرك داخلها. تفتح الفتاة خزانة ملابسها، وتتأمل محتوياتها قليلاً، ثم تتشاور مع أمها الجالسة على حرف السرير بشأن فستان أزرق بلون الغرق، قبل أن تقرر الأم بحدسها إغلاق الستائر. ابتلعتُ ريقي، وتململ وائل في مكانه، فيما بقي خيالنا يرسم تتمة تلك اللحظات المجهولة بآلاف الصور المثيرة.
تحملنا أرجلنا بالاتجاه الآخر، حيث كثير من الأصوات المتداخلة مع نسائم الليل.
كانت المدرسة الفرنسية.
نُطل عليها، فلا نلمح في الطابق الأخير سوى حارس المدرسة، مع زوجته وولديه. الكل جلوس على بساط أخضر، خارج المسكن المتواضع، يتسامرون في شؤونهم، فيما إبريق الشاي يبعث ببخاره في قلب الليل الشتوي.
في العام الماضي، كانت احتفالات تلك المدرسة حادثـًا له شأنه. جلبوا أبناء المدرسة وبناتها، وأقاموا هنا حفلاً مدرسيـًا مدهشـًا، توالت فيه الاستعراضات والأغاني المرحة، التي شاركت فيها فتيات كاعبات، يسيل لهن اللعاب. المحظوظون من سكان الطابق العلوي في عمارتنا، وأنا منهم، سنحت لهم فرصة متابعة هذا العرض الجميل من شرفات الشقق المطلة على مبنى المدرسة.
يومها اجتاحنا شعورٌ لذيذٌ وغامض.
هذا العام، لم يحدث شيء مماثل.
أتبادل التعليقات والضحكات الخافتة مع وائل، الذي تعلمتُ منه التماسك الزائف أمام الغرباء، وبلوغ سدرة الأفعال الآثمة. أكاد أرى في الظلام ابتسامته التي تبدأ من عينيه وضحكته التي تنبع من أعمق نقطة في رئتيه.
نلمح رجلاً على هيئة مُعيّن، يقف في بلكونته الطويلة بطول واجهة المنـزل. نشعر بأنه يراقبنا، مثلما نراقب الآخرين. أهمس لصديقي بكلمة واحدة: "فلننصرف"!
تتراجع الظلمة فيما يشقشق الفجر.
أدخل المنـزل، فأجد أمي وقد استيقظتْ من نومها باكرًا كالمعتاد.
تقول لي مُعاتبة: شرَّفت!
أقول لها متوددًا، كأني أراها لأول مرة: أهلاً ياقمر.
تدير وجهها إلى الجهة الأخرى وهي توبخني على التأخر خارج المنـزل حتى هذه الساعة، ثم تعاتبني بشدة على عدم الرد على اتصالاتها المتكررة. كنتُ قد أخرستُ هاتفي المحمول طوال الليل، ولم أنتبه إلى أي اتصال. أحاول الاعتذار، لكنها كانت غاضبة، وتسألني: كيف كنا سنعرف لو أصابك- لا قدَّر الله- مكروه؟
تكمل عتابها قائلة: حينما أنجبتُك، حملتك بين يديّ؛ كنتَ بحجم علبة المنديل. فرحتُ، وقلتُ إن الله رزقني أخيرًا بالولد الصالح، لكنك ترفض التخلي عن شقاوتك. حاول أن تكبر قليلاً!
أهز منكبيّ ردًا على تعنيفها، ثم أغلق على نفسي باب غرفتي الخالية من شوائب الكبار.
14 مارس 2009
"ما تفتكرش إني شاعر
انت مش فاهم
أَصْل الغُنْا زَهْرَة
زهرة فِي كُل المَوَاسِم
يَا خْسَارَة.. مَا بْتِطْلَعْشّ
مَا تِفْتِكِرْش إِنّى نَعْشّ
أَو كُبايَات فَاضّيَة
أَنا كُبَّايَات عَصِّير قَصَب مَلْيَانَة ع الآخِر
والخَّلْق مَا بْتِشّرَبْش"[1]
اليوم هو السبت.
تحاول أمي إيقاظي مبكرًا رغم أنه يوم إجازة؛ استجبتُ لندائها وأخرجتُ رأسي من تحت الغِطاء، وقلتُ بملامح تتقن دور النوم وصوتٍ يحاول أن يبدو ناعسـًا: خمس دقائق إضافية فقط!
إيقاظي أو ربما دفعي للخروج، كان جزءًا من خطتها السرية التي نجحت في إفسادها.
إنه يوم "الصبحية"، أو التجمع النسائي، الذي تحضره والدتي وصديقاتها بكثير من الحلويات والشاي والمكسرات. تستعد أمي لهذا اللقاء قبل يوم واحد على الأقل؛ إذ تُفكر بالتفَاصيل الدقيقة، ولون الفستان، وعدد الأَطباق والكؤوس المذهبة، وأصناف المائدة، ونسبة السُكّر، ومعدل القلق بين الحاضرات ومنهن على أسماء المدعوات، وفق مؤشر المودة أو الخصومة بينهن.
ينصهرن جميعـًا، وسط هفيفٍ من الأهداب، في مهرجان للوجوه الملونة والقُبل المجانية. المجاملات السطحية المكررة عن الذوق الرفيع في اختيار الملابس والإكسسوارات، تطغى على المكان. يتكومن فوق الأريكة وعلى المقاعد، ويتحركن في أركان غرفة الجلوس، وهن يتبادلن الحكايات والتجارب. تتراص الأطباق والعصائر فوق المنضدة، وتتكرر كلمة "الريجيم" بين الفينة والأخرى.
ألمح من انعكاس مرآة الردهة على زاوية جانبية في الغرفة إحداهن تحكي- وقد انحسر غطاء شعرها المشجر الشفاف- عن تجربتها مع طبيب خفض الوزن، وتقول ضاحكة: طلب مني أن آكل في موعد الغداء الخيار أو الخس، مع ثمرة فاكهة. سألته: هل تعد حبة البطيخ ثمرة فاكهة؟
تنصحها إحداهن بأن تنتبه جيدًا إلى وزنها وأن تواظب على أداء التمرينات الرياضية، حتى تظفر بزوج جديد يسعدها "ويذيب الجليد، وينهي سُبَات الدِّبَبة الذي تعيشينه الآن".
هي مطلقة إذن!
يلفتُ انتباهي لحمها الجميل، الذي يطفو على سطح المرآة سخيـًا ومنسابـًا وسلسـًا.
تُطلق أخرى ضحكة هستيرية مكشوفة للآخرين، وهي تقول: خُلقنا بتركيبةٍ نستطيع معها إخراجهم من جوفنا، لكنهم حين ينضجون يحاولون خداعنا، سواء أكانوا أبناء أو أزواجـًا.
تتوالى التعليقات وتختلط الأصوات، فلا أفهم منها شيئـًا يُذكر.
يبدو أن هناك مشروع خطوبة أو زواج في الأفق لابنة إحداهن؛ إذ انطلقت فجأة زغاريد وسط التعليقات الضاحكة.
وفضيحة الزغرودة أنها لسان خارج الفم!
تتقاسم النساء رغيف الحكايات والتجارب، والتفاصيل. هن أفضل كثيرًا من الرجال حين يتعلق الأمر بفكرة التضامن، وربما التحالف. حتى في الأعراس، لن تستطيع أن تُفرق بين العروس وبين بقية الفتيات، فهن يشاركنها الزينة والحناء وكل شيء باستثناء العريس!
تضحك أمي من قلبها. لا أعرف الكثير عن طبيعة علاقتها الآن مع أبـي، لكنني ألمح شيئـًا من الفتور تحت لافتة "العيش المشترك". أشعر أحيانـًا بأنهما في الطريق إلى الطلاق، بعدما وقع بينهما شيءٌ من الانفصال. أحس أنهما معـًا تحت سقف غرفة واحدة.. ولا يلتقيان!
غير أن الحياة تسير بينهما دون تغيير يُذكر.
لم أسمع بينهما حوارًا أطول من جملتين: هل جعت؟ فيجيبها بإيماءة من رأسه دون أن ينظر لها.. ويبتسم. المفارقة أنه بمجرد أن يتجمع آخرون في المكان، ينطلق في الحديث مثل قطار مندفع، دون أن يضع العلامات والفواصل والنقط في حكايته.
هناك ثقوبٌ سوداء في علاقتهما، لم يسمحا لأحدٍ مطلقـًا بأن يقترب منها. هل ارتضت أمي بأن تكون أمـًا فحسب، لا زوجة؟ هل هناك أي ارتباطٍ بين تلك العلاقة الزوجية الفاترة ومضاعفات الحمل والإنجاب التي حرمت أمي من أن تنجب طفلاً آخر، بناء على تحذيرات الأطباء؟ هل السبب هو خلافهما بعد أن عاندت أمي وحاولت تكرار تجربة الحمل، حتى وقع الإجهاض، ومات جنينها الذي رأت خيوط نـزيفه تشقّ طريقها خارجة منها بلا رحمة مثل شوق مسكوب؟
في تقديري أنهما معـًا يتحملان مسؤولية هذا الخرس الزوجي. لا بدَّ أن يغذي أي زوجين الكلام بينهما بموضوعات جديدة: فيلم جديد، مسرحية، أوبرا، برنامج، كتاب، نـزهة، دعوة للخروج. لا بدَّ أن نكتشف أشياء جديدة لنتحدث عنها.
يا إلهي.. ما هذه الدوامة من الأفكار السقيمة؟
أحاول التركيز في الدراسة، مع اقتراب موسم الامتحانات. أريد أن يكون نجاحي مستحقـًا، ولست بحاجة إلى الغش مثلما يفعل البعض. أعرف أن الغش أصبح مجالاً للتنافسية بين الطلاب، بحيث يميّز المتفنن فيه عن باقي زملائه، بل أصبح مجالاً لشعبيته بينهم؛ لأنه- حسب المصطلحات الشبابية- "فهلوي" أو "سَلَكَاوِي" أو "إسعاف"!
أستسلم بعد قليل، ويدفعني الضجر إلى الخروج.
أنتعل حذائي وأنسلّ من الباب بهدوء، ثم أنطلق مسرعـًا. لم أنتظر المصعد. أهبط درجات السلم من الطابق الخامس.
أتَسلّقُ الهواء درجة درجة.
أكاد في اندفاعي أصطدم بجارنا مُهاب، ساكن الطابق الثاني. كان متجهـًا ناحية المصعد، فيما يضرب في ظهره ضوء منبعثٌ من باب شقتهم المفتوح. أعتذر على عجل، دون أن أنظر في عينيه، فيما يرمقني الرجل البدين بنظرةٍ لا يُزايلها الشك.
أطرق باب صديقي علاء. أسمع زقزقة العصافير في الجرس، لكن لا أحد يرد. أزجي الوقت في الانتظار، متأملاً تلك النقوش الحديدية العتيقة في الجزء العلوي من الباب. لا أستبين بعض تفاصيلها، لكنها تسلب اللب بدقتها ومهارة صانعها.
ألمح شخصـًا ما يطل عليّ من العين السحرية ثم يبتعد. لا بأس؛ هو الكروموسوم العاقل وأنا المجنون. أحِبُّ عفويته.. اندفاعة البدايات وأخطاء الحماسة مع إخلاصه لذاته قبل كل شيء، لكنه فقد الكثير من هذا وأصبح يقيس كل خطوة بالمسطرة والقلم.
ما هكذا تُعاش الحياة.
الحياة، عند البعض، أقرب للعبة الطاولة، فيها من الحظ أكثر مما بها من تفكير.. وعند آخرين، أشبه بالشطرنج، يعتمد المرء فيها على العقل.. لكنها، عند فريق ثالث، مثل "السلم والثعبان" تمامـًا، ترتفع به؛ نحو القمة، في لحظة، لتهبط به إلى القاع في لحظة تالية.
أسير بلا هدى، اختار ذلك الشارع الجانبـي الضيق ذا الأرض الترابية المغبرة، وبمُقدّمةِ الحذاء أضربُ حصاةً على الطريق. أتساءل: أين هُم أصدقاء السوء؟.. ليتهم يعلمون كم أنا مُتاح في هذه اللحظة!
حين تحتاج الرفاق، فإنهم يتلاشون كترابٍ تسرقه الرياح خلسة.
أزور صديقـًا آخر يشبه ماء زمزم، كلما شربتُ منه شفيتُ وبرئتُ من السَّقَم. في عالم الصداقة، أثق بالصدق لا بالعدد.
لمحتُ باسم جالسـًا فوق سيارته مربعـًا قدميه. بدا متأنقـًا بقميصه الأسود وبنطاله الأزرق، ووسيمـًا، وهو يضع سماعة مشغل الموسيقى في أذنيه، ويجول بعينيه في شريط الأفق. أسأله عما يسمع، فيقول لي ببساطة: فيروز كراوية. يحاول تذكيري بها: البنت التي غنت في "قبل الأوان" في فيلم "أسرار البنات". صوتها جميل وحنون.
يستجيب باسم لدعوتي للتنـزه قليلاً. يقول ضاحكـًا: التأمل فاكهة الحياة.
نلتقي أشرف، وهو يزهو بأزرار قميصه الـ"كارولينا هيريرا"، فينضم إلينا.
أسخر من عطره وأقول له إن رائحته الآن تشبه رائحة الرُضع الوادعين النظيفين الآمنين، فيضحك قائلاً: هذا يعني أنني لن أبكي وأزعجك طوال الطريق.
نمر على حي الزمالك، فلا يستوقفنا سوى صور خدم المنازل وحراسها بوجوههم الشاحبة وعرقهم المعتق، الجالسين على هوامش البيوت والقصور الفاخرة، في انتظار نداء أو أوامر من سادة البيت والمدينة.
يتوقف أشرف فجأة. خانته مثانته في أول الطريق؛ انتحى جانبـًا وأخذ يتبول على حائط مدرسة، وسط سخريتنا. يدير وجهه لنا ويرد مدافعـًا: هل تجدون دورة مياه قريبة؟ أم تريدون مني أن أطرق باب أحد السكان لأستأذنه في أن أقضي حاجتي لديه؟
في الطريق، نقطع أزقة بجدران داكنةٍ وحكايات آيلة للسقوط.
نحاول عبور الشارع وسط خط السيارات الممتد بسرعة، فلا نفلح في ذلك إلا بصعوبة.
نتريض على الكورنيش، مثل عفاريت تثير الشفقة. نحكي ونتضاحك وندُسُ الخيالَ بينَ جوانبِ الحَديث.
ثقل الهواء يُعرِّينا.
يا لهذا الليل الوسيم!
تمتد مربعات الرصيف مبرقشة أمامنا بالمتساقط من أوراق مصفرة وثمار صغيرة مجهولة الاسم، داستها الأقدام المتعجلة. نقف عند نقطةٍ نطل منها على الكتل الصخرية الموضوعة لصد عناد الأمواج. بجوارنا قططٌ راحت تلهو آمنة، تتقافز هنا وهناك، وتداعب الحجارة الصغيرة، وتلعق جسمها بانهماك وتحك فراءها في حواف السور المرتفع للكورنيش.
قرب العوامة التي اصطفتْ فيها المقاعد وفناجين الشاي والقهوة ودخان النارجيلة، نلمح أطياف شباب وشابات على مراكب مزركشة كخلفيات عربات النقل الثقيلة تحمل تطريزات القادمين من مدن الصفيح. موسيقى الطرب الشعبية تصدح، والشُّبان يهمسون ويلمسون، والفتيات الناعمات المتدثرات في أغطية الرأس المشجرة والبنطلونات الضيقة، يتضاحكن وهن يفقدن عذريتهن على مهل.