صفحة 1
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
يقول الله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:5]، فالعلم مصدره الله تعالى خالق هذا الكون الشاسع، وهذه الأرض التي استعمر الله فيها الإنسان وجعله خليفة له فيها، وآتاه من العلوم ما لم يؤت أحداً من خلقه الآخرين، خلف له الداء وأنزل معه الدواء، فكان الإنسان بحق طبيب نفسه، يعالجها ويبحث ويكتشف حتى يجد الدواء للأمراض التي تواجهه وتفتك بجسده، لكن بعض الأمراض لا يداويها إلا ذات الإنسان، وتستطيع ذاته هذه أن تقضي على أشد الأمراض فتكاً به ، ومن ذات الإنسان عقله الذي وهبه الله تعالى إياه ، فكان العقل مكمناً للقوة الخلاقة التي تساعده في الوقوف في وجه طغيان المرض عليه.
لذلك كان هدف الكتاب أن نضع بين أيدي القراء والمثقفين والباحثين عن الشفاء من العلل والأمراض، مادة تكون متميزة في طرحها ومعلوماتها التي لا غنى عنها للإنسان؛ ذلك لأن قوة العقل الخارقة قد تكون في سبات عميق، فتحتاج إلى من يوقظها من هذا السبات فتساعد الجسم في القضاء على الأمراض، دون اللجوء إلى الأدوية العقاقير التي قد تعالج ناحية، لكنها ستؤدي إلى علل في نواحٍ أخرى.
فالعقل يحوي الإرادة، والعزم، والطاقة الكامنة، التي أودعها الله في جسم الإنسان. ونترك للقارئ العزيز والمثقف النجيب المجال رحباً حتى يطّلع على هذا الكتاب، وينهل منه، علّه يجد السر في العلاج الكامن في القوة الخارقة للعقل الإنساني، الذي تميز بالعلم والمعرفة.
والله ولي التوفيق
المؤلف
صفحة 2
العقل منبع الصحة والمرض والشفاء، ومنبع السعادة والنجاح وتجدد الشباب
في الوقت الذي يقوم فيه الرجل الناجح بإنجاز عمله اليومي على خير وجه، يكون واضعاً نصب عينيه الهدف الذي يحلم في تحقيقه. فمعظم الذين صنعوا التاريخ كانوا يحلمون في الوقت الذي كانوا فيه يعملون. انظر إلى نفسك بعين خيالك كأنك تعمل الشيء العظيم الذي تود لو تقوم بعمله حقيقة. واجعل كل واجب عادي تم إنجازه بأمانة تحضيراً لهدفك الحقيقي في الحياة. راقب هدفك وضعه نصب عينيك. ثبت رؤيتك العميقة على نجم في سماء الأمل متألق ثابت.
الطائر لا يحتاج إلى دروس في بناء العش. ولا يحتاج إلى دروس في الملاحة الجوية. ومع ذلك فالطيور تطير آلاف الأميال، أحياناً فوق البحار، وليس لديها جرائد أو إذاعة أو تلفزيون ليعطيها النشرة الجوية، وليس لديها كتب وخرائط تُظهر الأماكن الدافئة من الكرة الأرضية، ومع كل هذا «تعرف» متى سيُقبل الطقس البارد وتعرف الموقع الصحيح للطقس الدافئ، ولو كان يبعد آلاف الكيلومترات.
الحيوانات لديها غرائز معينة لإرشادها. وإذا حلّلت هذه الغرائز فستجد أنها جميعاً تساعد الحيوان ليكيف نفسه بنجاح مع محيطه، فالحيوانات لديها «غريزة النجاح».
الإنسان من جهة ثانية، لديه شيء لا يملكه الحيوان، إنه مخيلته الخلاقة، ولديه عقل فريد ونعمة خاصة، يرقد في داخله عملاق، ينتظر من يوقظه من سباته ويوجهه الوجهة الصحيحة. الإنسان من بين جميع المخلوقات أكثر من مخلوق. الإنسان بخياله يمكنه صياغة أهداف وصور متنوعة وتكوينها. الإنسان وحده من بين المخلوقات يمكنه أن يوجه آليته «للنجاح» باستعمال المخيلة، أو القدرة على التخيل والتصور.
إن كل إنسان قد «خُلق للنجاح»، وكل إنسان لديه اتصال وارتباط بقوة أكبر من ذاته. فمنابع الصحة والسعادة والنجاح تكمن في «العقل الباطن»؛ في قواك اللاشعورية «الوعي الباطن الخفي».
وإذا كنت خُلقت للنجاح والسعادة في حياتك، فالصورة القديمة عن نفسك كشخص غير لائق للسعادة، أو شخص «قصد به» أن يفشل، يجب أن تكون خاطئة.
إنك لست في حاجة إلى أن تكون مهندساً لإدارة آليتك الحاسبة والمرشدة لتحقيق أهدافك، مثلما أنك لست في حاجة إلى أن تكون مهندساً ميكانيكياً لكي تقود سيارتك، أو أن تكون مهندساً كهربائياً لكي تضيء المصباح الكهربائي في غرفتك. ولكنك في حاجة إلى أن تتذكر ما يأتي:
• إن آليتك للنجاح يجب أن تعطى «هدفاً»، وهذا الهدف يجب أن يدرك على أنه «موجود الآن» بصورة واضحة حقيقية أو بالقوة. وحاسوبك العقلي «عقلك الباطن» يوجهك إلى هدف جاهز واضح أو «لاكتشاف» شيء موجود.
• حاسوبك الميكانيكي في عقلك الباطن يعمل أو يوجه إلى أهداف جاهزة، ولا يخيّب أملك إذا تبين لك أن الوسائل غير واضحة. فمن وظيفة الآلية الميكانيكية أن تمد «الوساطة» وذلك عند وضعك الهدف المحدود. فكر بالنتيجة والهدف المطلوب، أما الوساطة لتحقيق النتيجة أو الهدف فيعنى بها من قِبَل الوسائل السحرية الخارقة لعقلك الباطن.
• المهارة من أي نوع كانت تنمو بالخطأ والصواب.
• ينبغي أن تثق بآليتك الخلاقة، وأنها ستقوم بعملها على أكمل وجه، ولا تحصرها أو تضغطها باهتمامك الزائد أو قلقك حول عملها أو عدمه. أو محاولتك دفعها للعمل بعقلك الواعي الظاهر، وعليك أن «تدعها» تعمل وألاّ «تجعلها» تعمل. هذه الثقة ضرورية لأن آليتك الخلاقة تعمل تحت مستوى الوعي الظاهر، وإنك لا تستطيع أن «تعرف» ما يدور في الباطن تحت السطح بالإضافة إلى أنّ من طبيعتها أن تعمل تلقائياً حسب الحاجة الحاضرة.
إنها تعمل عندما تعمل أنت وعندما تضع لها مطلباً من خلال أعمالك. يجب ألا تنتظر العمل - حتى ترى البرهان - بل يجب أن تعمل كأن الهدف أو المطلب حاضر هناك، وسوف يظهر ويتحقق. وكما يقول إمرسون: «قم بالعمل وسوف تحصل على القوة».
عندما ترى عقلياً الأشياء التي ترغب فيها - وتراها بصورة واضحة - فإنك تقدم وتضع أمام العقل الكوني والذكاء اللانهائي (جوهر الحياة) صوراً لأفكارك ونيّاتك، مثل التربة الخلاقة للأرض، فإنه يميل حالاً - حسب نواميسه الكونية - إلى أن يبرزها ويشكلها ويكوِّنها.
وعندما نسير في اتجاهاتنا المختلفة نأخذ معنا تخيلاتنا وتصوراتنا ونيّاتنا إلى كل نشاط نقوم به. لذلك يجب أن نفكر بصورة إيجابية ومركزة للأفكار التي نرغب في أن نحققها في تجاربنا وحياتنا، تاركين إتمامها وإنجازها للذكاء القدسي اللانهائي. إننا لا نخبر جوزة البلوط كيف تنتج شجرة بلوط، لكن يجب أن نزرع جوزة البلوط، إذا رغبنا في شجرة بلوط.
بتصورنا الجمال والانسجام والسلام الذي نرغب في تجربته وتحقيقه، وبإعطاء قوة حيوية لهذه الصورة الباطنة من إيمان وعاطفة وشعور وقبول، نكون قد أكّدنا تحقيق رغباتنا وتطلعاتنا واقعياً، وهذا قانون روحي طبيعي نتيجة لإرادة الاختيار التي وهبنا إياها الله سبحانه وتعالى، فالطريقة الوحيدة للشفاء والصحة والعافية وتحسين مجال حياتنا هي تحسين الصورة الباطنة لتصوراتنا وأفكارنا.
صفحة 3
الإنسان مبني بصورة سامية مقدسة، لم يصنعه أي مختبر علمي، الحكمة والذكاء الذي ابتدعه أولاً، وصوره، بنى كل جزء ووظيفة عاملة فيه، هو الذكاء نفسه الذي يحيا في كل خلية من جسده، يجدده، ويشفيه. فلا شيء أبداً شفى الإنسان إلا عمل الروح التي تسري فيه. العلم فقط يُعَدِّل العظم ويثبته، والله يجعله صحيحاً كاملاً. الإنسان يضع فقط نيّاته، وإرادته، وإيمانه، ورغباته أمام الله سبحانه؛ وقوة الله وحكمته تقوم بالباقي.
يقول راسكين: «أفكارك تجلب إليك قوى من الخارج من ذات النوع الذي تخزنه في نفسك». والناس توّاقون بطبيعتهم إلى الأشياء التي تجلب لهم أغلى مسرات الحياة، وأشهى هباتها، ولكنهم لا يدركون أن حلقة الوصل في تلك القوى إنما ترقد في ذات أنفسهم. وأنهم دائمو البحث عنها خارج حدود ذاتهم.
والإنسان الذي ليست له غاية شريفة قوية أو غرض نبيل عظيم في الحياة، إنما يقطع عن قصد وتعمد «خط الاتصال بالقدرة الخلاقة» ويحرم نفسه متع الحياة ومسراتها التي قدّمت إليه دون مقابل.
إن من الناس من يسمح للماضي بأن يلعب دوراً وخيم العاقبة في حياته بدلاً من أن يزوّد نفسه منه بمثل طيب يعينه على توجيه نفسه، ويساعد على إرشاده في المستقبل.
للعقل «الباطن» براعة فائقة، ومقدرة عجيبة خارقة في إنتاج ما يقدم له من فكر وأهداف واضحة. ومن العجيب أن نسمح لأنفسنا بالاستمرار والمثابرة في التفكير بإلحاح في أشياء لا نحبها ولا نريد أن نقوم بعملها. بينما يكون العقل «الباطن - الخفي» طوال الوقت جاداً في البحث عن بعض الوسائل ليعبر بها تعبيراً مادياً.
إن الأحلام العقيمة الفارغة، والأوهام التافهة لن تنجز شيئاً؛ ولكن التركيز القوي الفعال المتبوع بالحركة هو الذي يحمل قدرة الفكر على العمل الذي نرغب في تأديته. أما أن نجلس ونفكر أننا في حالات وصفات من المثل العليا فهذا سهل لو كان يجدي. ولكن يجب علينا ألا نفكر فحسب، بل ينبغي علينا أن نعمل إذا أردنا تحقيق مُثُلنا العليا وما نرغب فيه من أشياء. ففي طريق تحويل الطاقة إلى أنماط وأشكال أخرى يجد الفكر تعبيراً وتحقيقاً لذاته.
إن الفكر سريع الحركة، ولكن يمكننا أن نضع بداية، وبعمل القليل الذي في قدرتنا، بإضافة القليل إلى هذا القليل يوماً بعد يوم، عن معرفة ودراية، يمكننا أن نحسّن تدريجياً قدراتنا التي كانت سابقاً خاملة هالكة، ومضيّعة. فالأشياء العظيمة تنتج دائماً من وصل أشياء صغيرة بعضها ببعض وصلاً بارعاً، وضم شملها بمهارة وإتقان. وباتخاذنا الخطوة الأولى نحصل على القدرة التي تساعدنا على اتخاذ الخطوة الثانية. وإذا كان لدينا الهدف الواضح فسنبلغ الغاية التي نرجوها ونأملها، وندرك الغرض الذي نسعى إليه ونريد أن نحققه.
إن الإنسان الذي يعمل على تحقيق أحلامه، إنما هو الذي يركز أفكاره على غرض أو هدف بعينه. ولا يسمح لنفسه أن يحيد أو ينحرف عن هذا الهدف حتى يتحقق. إنه يحفظ طاقته ويوجهها نحو هدف معين كالهدّاف الذي يركز انتباهه على الهدف عاملاً على إصابته. إنه يترك عقله لتنوع الفكر واختلافاته، ولكنه لا يسمح لأي إيحاءات مضادة أو سلبية أن تعيق تفكيره الذي صمّم عليه. ولكن هذا لا يعني أن يكون الإنسان متزمتاً أكثر من اللازم. وإنما ينبغي أن يتخذ لنفسه لحظات من اللهو البريء يجدد فيها نشاطه بالتسلية والرياضة لكي يوازن بين حياته وراحة عقله، حتى يمكنه في كل الأوقات أن يكون مالكاً لعقل متزن نشيط متيقظ مستنير، لا عقل متلبّد، منهك من فرط التعب والإجهاد.
الحقيقة التي لا شك فيها أن العقل والجسم الإنساني متشابكان ومتفاعلان بصورة لا تتوقف إطلاقاً. فكل شيء نفكر فيه أو نشعر به له علاقة بصحتنا الجسمية والعقلية. وطبيعة جسمنا وشكله تؤثر في صحتنا النفسية وتفكيرنا.
وحيث أن الحالة الجسمية والعقلية لكل منا غير منفصلة عن الأخرى، علينا أن نضع برنامجاً في حياتنا يتناول هذه العلاقة بين العقل والجسم، حتى نتمتع بالصحة والعافية والسعادة والنجاح.
يقول الدكتور شولمان أستاذ الطب النفسي في جامعة جورج تاون في واشنطن: «من الخطأ أن يبحث المرء عن عامل وحيد للمرض، ولا بد من أن تكون هناك عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية متشابكة».
فالعلاج الواجب أن يتبعه الأطباء بات علاجاً نفسياً وجسدياً. وما زالت البحوث الحديثة جارية للتعرف بصورة أكثر على علاقة الحالة الفكرية العقلية بالحالة الجسدية المرضية والصحية على حد سواء. وأن معظم الناس معرضون للمرض «الذهني» مهما كانت أعمارهم وأجناسهم.
وعلى الطبيب الحاذق إقناع مريضه بهذه الأمراض والحالات الذهنية، وإقناعه بعدم وجود أي خلل عضوي في جسده بهدف انتشاله من الحالة الذهنية التي أدت إلى مرضه.
الحقائق المعروضة في هذا الكتاب المميز هي لجميع الأعمار والأجناس. وإنني على يقين أنك سوف تتمتع بالصحة والعافية والسعادة والنجاح، إذا غيرت اتجاهك العقلي من الخيالات والصور والعواطف السالبة الهدامة إلى صور وخيالات وعواطف وأفكار وأهداف إيجابية من الصحة، والحيوية، والتوازن، والشباب الدائم، والسعادة والسلام. كما يقول الله تعالى: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﴾ [الرعد:11]. فحسب اتجاه الإنسان العقلي وما يتخذه من قرارات تتجدد الصحة والمصائر وتقع المقادير ويغيّر الله حكم القدر بموجب قوانينه ونواميسه في الكون والحياة. ففي الكون نظام وقوانين مادية وروحية إذا ما اتبعها الفرد واندرج فيها نَعِمَ بالصحة والسعادة والكمال وتغلب على المرض والعجز والهرم.
جسم الإنسان مركب من بلايين الخلايا التي لا حصر لها. وفي كل لحظة يموت عدد منها وتحل محلها خلايا جديدة. فليست الحياة عموماً إلا سلسلة متلاحقة من الهدم والبناء.
وفي استطاعة الإنسان أن يستغل هذه التغيرات المستمرة لتحسين كل عضو في أعضاء جسمه، وفي وسعه أن يغير مجرى أفكاره وعواطفه وأن يقوي مراكز دماغية معينة تقوية ملحوظة. والعقل هو الرقيب والمهندس الذي يعيد تنظيم الجسم وبناءه. فهو الذي يسيطر على الحركات والسلوك والوظائف الحيوية. وكل تغير في العقل والدماغ يترتب عليه تغير في الجسم.
الشفاء بقوة العقل يعني الشفاء الذاتي ويعني طريقة جديدة من التفكير المعني بصحة الفرد الإنساني بكل أبعاده العضوية والنفسية والروحية. كما أن الشفاء بقوة العقل يزيد من فرص الشفاء بالأساليب الطبية الفيزيائية والجراحية وأي أساليب أخرى.
وبمطالعتك هذا الكتاب الذي بين يديك ستجد نوعاً من التسامي والتوجيه الإيجابي الذي هو مفتاح حل للأمراض العضوية بمختلف مسبباتها وذلك بتقوية الجهاز المناعي ومقاومته للأمراض، والتأثير في العقل الباطن بغرس الأفكار الإيجابية والاتجاه الذهني الإيجابي والقواعد الصحية السليمة والطعام والغذاء المتوازن مما يؤدي إلى حيوية وصحة متألقة وشباب دائم.
صفحة 4
قوة روحية خارقة تكمن في العقل الباطن
في أعماقنا - في عقلنا الباطن - تكمن تيارات قوة روحية فائقة، وهذه القوة الروحية الكامنة تمد دفعاً لا يقاوم لأهدافنا التي تصل إلى العقل الباطن وتثير قوته وطاقته الكامنة.
هذه القوة الروحية الغير المحدودة، تثار باتصال توجهات عقلنا الظاهر وأفكاره بمستوى عقلنا الباطن، والإيحاء بمختلف صوره يمكّن الأفكار والتصورات أن تخترق العقل الظاهر لتصل إلى العقل الباطن وتؤثر فيه، حيث تطلق قواه الروحية حاملة هذه الإيحاءات والتصورات لتحولها إلى واقع ملموس. والعواطف مثل الإيمان والحب تزيد من هذه السرعة وتقويها.
الأفكار الموجهة والتصورات الواضحة هي الوساطة التي يتم بها اختراق العقل الواعي الظاهر ودخولها إلى مستوى العقل الباطن النائم في أعماقنا، حيث تنتظر الطاقة الروحية الخفية للانطلاق.
والعقل الباطن لا ينام ويبقى دائماً في نشاط مستمر تحت تأثير الأفكار والتصورات والانطباعات القديمة والجديدة.
هذا العقل الباطن على اتصال بأعماق وجودنا، إنه متناغم ليس فقط مع أعماق ذواتنا بل أيضاً مع العقل الكوني الخفي. وباستطاعته أن يرسل ويتسلم الأفكار والمعلومات والإدراكات والتصورات وعيش حياته الخاصة بينما نحن في سبات أو استرخاء عميق أو نوم.
تصور عقلك الباطن محتوياً على مولد قوي، مولد يفوق في طاقته وقوته أعظم الشلالات. العقل الباطن يحتوي على تيارات عظيمة من الطاقة والقوة التي تمد أهدافك بقوة عظيمة لا تقاوم، وذلك عندما تخترق تصوراتك وأهدافك العقل الظاهر، وتصل إلى مستوى العقل الباطن وتوقظ خلاياه وتياراته النائمة الساكنة وتحركها.
عند تحرير الوعي، وذوبان المحيط واختفائه من إدراك الوعي والعقل الظاهر، ندخل في حالة من الوعي الذاتي والتجاوب الروحي، وهذه الحالة تعطي فهماً ووضوحاً للكون والحياة. ويصبح الشخص كأنه ارتفع من ذاته السفلى، ويصبح متسامياً وجزءاً من الوعي الكوني، ويشعر بعمق صلته بالكون وخالق الكون، ويغمره الإلهام والسمو والكمال. ويشعر بسرور لا يمكنه وصفه أو فهمه. وباختصار إنه يصبح متناغماً مع القوى الروحية الخفية للكون والمطلق اللانهائي، ويكتشف في ذاته أعماقاً لم يكن يعرف أنه يملكها.
العقل الباطن مصدر قوانا الفيزيائية والروحية، وفيه تكمن طاقة غير محدودة وقوة هائلة للحياة وتحقيق النجاح والسعادة والصحة المتألقة والكمال والسمو.
في الاسترخاء العميق والحالة الشبيهة بالسبات والغيبوبة، الأفكار والتصورات والإيحاءات ترسل مباشرة إلى العقل الباطن، حيث أن القوى العقلية للعقل الظاهر تكون في حالة من السكون والعقل الظاهر يسمح لهذه الإيحاءات والتصورات بالمرور إلى العقل الباطن في هذه الحالة من الاتصال المباشر تخلق دائرة من تأثيرات رد الفعل في العقل الباطن حيث تطلق قواه الفائقة التي تكمن فيه.
صفحة 5
دماغ الإنسان
دماغ الإنسان من أعقد ما خلق الله عز وجل، وأودعه في عظام الجمجمة لحمايته والمحافظة عليه ويحيط بالمخ البشري ثلاثة أغشية حافظة للمخ، وبين هذه الأغشية سوائل، كما تمد المخ الشرايين والأوردة، وفيه تجاويف يتصل بعضها ببعض، يمر بينها سائل، ورغم خفّة وزنه وصغر حجمه إلا أنه يحتاج من الأوكسجين حوالي 20% من احتياجات الجسم البشري. وللمخ العديد من الأنشطة الحيوية، وتجري فيه تفاعلات غاية في التعقيد، ويعتمد في تغذيته على الجلوكوز.
يحتوي المخ على ما يزيد على 100 بليون خلية عصبية يطلق عليها «النيورونات» تحتوي على 50 بليون جهاز استقبال يستقبل مئات الآلاف من الأفكار المترابطة من الخلايا الأخرى، وهذه الخلايا العصبية متشابكة فيما بينها، يصل عدد هذه التشابكات بلايين البلايين.
والخلية العصبية للمخ لا تختلف في تركيبها عن بقية الخلايا الأخرى في الجسم، فهي تحتوي على نواة وسيتوبلازم.. وتحاط بغلاف خلوي... ولكنها تختلف عن خلايا الجسم الأخرى اختلافاً جوهرياً... فهي لا تخضع لقوانين الاستهلاك... استهلاكها قليل جداً... وما يستهلك لا يستبدل...
هذه الخلايا المخية تملك القدرة على توليد طاقة شبه كهربية... نتيجة لتفاعلات كيماوية معقدة... تحدث داخل الخلية، أو حولها أو نتيجة لتأثرها بخلية أخرى مجاورة...
وهذه الشحنة شبه الكهربية التي لا يُعرف كنهها أو تفسيرها... هي سر الحياة نفسها... باختفائها وعدم سريانها من خلايا مخ الإنسان إلى بقية أعضاء جسمه تختفي الحياة منه...
من كل خلية من هذه الخلايا، والتي تعد بمئات الملايين، والتي تبدأ في الموت إذا حرمت من الدم أكثر من ثلاث دقائق، والتي يمكن تشبيه كل منها ببطارية كهربية ميكروسكوبية، تخرج زائدة دقيقة تماماً مثل السلك الكهربائي الدقيق لتصلها بخلية أخرى، أو بمجموعة من خلايا العضو الذي تسيطر عليه كالعين أو القلب أو اللسان أو اليد...
هذه الأسلاك وهي في طريقها إلى الأعضاء المختلفة، تتجمع لتكون «كابلات»... أي مجموعة من الأسلاك هي ما نسميه بالأعصاب.
فكما أن الشرايين تخرج من القلب لتوصل الدم حاملة الأوكسجين والغذاء لجميع أعضاء الجسم وخلاياه.
فإن الأعصاب تخرج من المخ لتوصل شحنته شبه الكهربية... حاملة سر الحياة... إلى جميع أعضاء الجسم وخلاياه.
ومثلما يعود الدم مرة ثانية إلى القلب خلال الأوردة، فإن المعلومات الخاصة بنشاط خلايا الجسم وأعضائه تبلغ المخ أيضاً.. خلال الأعصاب...
فالنيورونات مبرمجة بلغة الكهرباء والكيمياء، وزوائدها الشجرية هي حلقة الاتصال بين جسم العصب والنيورونات الأخرى، والجسم هو مركز التحكم الرئيس للخلية العصبية، أما محور العصب فهو المسؤول عن نقل رسالة الخلية العصبية إلى مستقبل إشارته، الذي يتصل تماماً عن طريق الوصلات العصبية التي تنتشر بين نيورون وآخر.
والرسالة العصبية تأتي إلى جسم العصب عبر التفرعات الشبكية الشجرية، ثم عبر محور جسم الخلية إلى الجهة المستقبلة حيث تنفذ التعليمات الصادرة إليه.
وتوجد في نهاية المحور مواد كيميائية تسمى الموصلات العصبية، وعندما تصل تعليمات من جسم العصب فإن هذه الحقائق الصغيرة المملوءة بالمواد تطلق محتوياتها الصغيرة الواصلة بين المحور والمستقبل، ويلتقط المستقبل هذه الوصلات العصبية ويثبتها فوق أسطح تماثلها في الشكل الكيميائي... ويكون اتصالها محكماً تماماً، وقد يكون المستقبل عضلة تصلها التعليمات بلا انقباض، أو غدة تطلق محتوياتها الهرمونية، أو نيوروناً آخر تصدر إليه التعليمات لإرسال إشارته إلى مستقبلاته الخاصة، وبين المحور والمستقبل ويوجد إنزيم خاص ينحصر عمله في معادلة أثر الفائض من الموصل العصبي في هذه المساحة... وفي حالة عدم وجوده فإن المستقبل قد تصله تعليمات خاطئة لوجود فائض من هذه المادة الكيميائية.
إن كل موصل عصبي ينقل تعليمات خاصة جداً دون أدنى شك في الخطأ. وقد تعرف العلماء على أنواع عديدة مختلفة من الموصلات العصبية، فمنها ما يسبب الشعور بالجوع أو العطش أو الإحساس بالشبع أو الشعور بالنوم أو اليقظة... إلخ. وقد أمكن معرفة أكثر من خمسين نوعاً من هذه الموصلات العصبية، وهي تفيد في معرفة علل المخ البشري وأمراضه وعلاجها.
صفحة 6
توجد ثلاثة أنواع من الموصلات العصبية الكيميائية وهي الأكثر انتشاراً وتشمل: السيروتونين، وخلايا الكولين والأدرينالين وهذه المركبات مشتقة من أحماض أمينية، مثل حمض التربتوفان في الأغذية مثل اللبن، أما الكولين فإنه يوجد في فول الصويا والبيض والكبدة وهو يفيد في تكوين خلايا الكولين التي تلعب دوراً مساعداً في استعادة الذاكرة المفقودة، والنيتروستين الموجود في معظم الأطعمة يتحول إلى أدرينالين، ويعمل على رفع ضغط الدم، وله علاقة كبيرة في الإصابة بالاكتئاب.
وما زالت البحوث الطبية تبين يومياً تأثير عوامل البيئة في التوصيل العصبي مثل الماء والهواء والطعام، كما أن الشخص الذي يتعرض لمركبات كيميائية عضوية سامة يتعرض بسعة إلى الإجهاد والقلق... نتيجة لما يحدث من تغيرات في التوصيل العصبي.
كذلك فإن التفاعلات الناتجة من الحساسية لها بعض التأثيرات الخاصة جداً في التوصيل العصبي؛ إذ يرتفع مستوى خلايا الكولين عند مرضى الحساسية، وقد تنتج عن ذلك أمراض نفسية، أو اضطرابات عقلية لها تأثير مباشر في خلايا المخ ووظائفه.
إن قدرة العقل البشري على تخزين المعلومات تمكنه من تخزين عدد من البلايين لا نهاية لها من المعلومات والمعارف، كما أن مخ الإنسان مبرمج بكم هائل من المعلومات التي لا تشغل إلا جزءاً يسيراً من طاقة المخ البشري.
ورغم التقدم الهائل الذي أحرزه الطب والعلوم، إلا أن المخ ما زال من الأسرار المعقدة، أمام العلماء وتفسيراتهم، وكلما تفتّح باب من أسرار عمل المخ، ظهرت أبواب أخرى أكثر غموضاً وتعقيداً...
المخ هو المسيطر على جميع أوجه النشاط الإنساني الإرادي واللاإرادي... المادي والمعنوي... في أثناء النوم أو في أثناء اليقظة...
نحن حين نتحرك نتحرك بمخنا لا بأرجلنا... صحيح أننا نسير على أقدامنا... ولكن المخ هو الذي يسيّرنا في الحقيقة.. تماماً مثل السيارة، فهي تمشي على عجلات أربع، ولكن (الموتور) هو الذي يحركها.
وأيضاً حين نحس بالألم في أيدينا فإنه ليس الجلد هو الذي يحس بالألم... ولكن خلايا معينة من المخ هي التي تشعر بالألم.
وعليه يمكن أن نقول: إننا لا نرى بأعيننا، ولكن الذي يرى هو خلايا المخ في مركز النظر الموجودة في مؤخرة الرأس.
وحينما نحب ونكره فإنه ليس القلب هو الذي يحب ويكره.. ولكنه المخ الذي يحوي خلايا يكمن فيها الحب.. وخلايا يكمن فيها الكره والحسد والغضب.
وإذا وصلنا إلى وظائف المخ العليا... صعب علينا أن نتصور كيف تستطيع خلية أو مجموعة من الخلايا الدقيقة... لا حول لها ولا قوة.. أن تحفظ المعلومات... أو أن تقرأ... أو أن تستنتج ... أو أن تفكر.. أو تخلق عملاً فنياً أو علمياً أو أدبياً.
بوساطة المخ يتم التفكر والتذكر والإبداع للفنون والآداب والمخترعات، المخ يدير الجسم كله... إرادياً... ولا إرادياً، ومنه تصدر الأوامر إلى كل أعضاء الجسم، ولا يزال سر نشاطه مجهولاً، وإذا عرفه الإنسان عرف ربه، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴿20﴾وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿21﴾ ﴾ [الذاريات:20-21].
صفحة 7
العقل والدماغ
من الغرائب التي عرضها البرنامج التلفزيوني «أمور لا تصدق»، أربعة أشخاص، أثبتت الفحوص الطبية المكثفة أنهم يعيشون بجزء يسير جداً من أدمغتهم، حيث أصاب الشلل أو التلف سائر مناطق الدماغ فكفها تماماً عن العمل، وهم رغم ذلك يحيون حياة عادية، ويقومون بأعمالهم على خير وجه... بل إن منهم من يتميز بذكاء كبير، وعبقرية مذهلة!
ووقف العلماء أمام هذه الظاهرة حائرين، يطلبون إعادة النظر في ما بين أيديهم من نظريات حول عمل الدماغ بأقسامه المختلفة، ويقولون: كيف تستمر وظائف الدماغ من سمع وبصر وحس وإدراك، وقد تعطلت الأجزاء المكلفة بها في الدماغ واعتراها الشلل والجمود؟!
وفي جامعة هارفارد واجه العلماء مؤخراً ظاهرة مماثلة لم يستطيعوا لها تفسيراً... عندما قام رجل ممن يمارسون تمرينات التأمل العميق برفع درجة حرارة جسمه!... وأخضعوه لفحص دقيق، فوجدوا أن أوعيته الدموية قد تمددت فعلاً.. كيف حدث ذلك؟ وأعادوا التجربة مرات عديدة حتى خرجوا بالنتيجة الآتية، التي أعلنوها فيما ينشرون من بحوث: «إن حالة معينة من التركيز والاستغراق يمكن أن تؤدي إلى تغير مفاجئ في وظائف أعضاء الجسم!».
العقل الإنساني ميز الإنسان بالفكر. يقول الفيلسوف الكندي: «إن العقل جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها»، ويقول ابن سينا: إن العقل ليس مركباً من قوة قابلة للفساد بل مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله، ويقول الفارابي: إن القوة العاقلة جوهر مقارن للمادة ليبقى بعد موت البدن وهو الإنسان على حقيقته. وفي الحديث القدسي الشريف: «ما وسعتني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن».
إن النشاطات الفسيولوجية الرئيسة التي تميز الإنسان عن الوحوش والبهائم، هي تلك المتعلقة بالدماغ والجهاز العصبي.
والدماغ آلة العقل الخاصة، فالدماغ هو الوعاء الذي تؤلف تغيراته الجزيئية، ونشاطاته البيولوجية، أساساً لمختلف أوجه الوعي الذاتي.
والدماغ - أو على الأصح - الجهاز المخي الشوكي Cerebro-Spinal System هو العضو المركزي للإدراك. والدماغ بالاشتراك والتعاون مع الجهاز العصبي ككل، هو المسؤول بصورة رئيسة عن انتقال الدوافع والنبضات، والتعابير، والتأثيرات، لكل من الوعي الذاتي والوعي الغير الذاتي، فيكون بذلك أساساً لجميع النشاطات الذهنية والفكرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع نشاطات الكائن الحي، تعود إلى وجود الطاقة الحيوية، وإن العمليات الفكرية تعتمد على قوة الوعي.
وبذلك تكون العلاقة بين الوعي والخبرة على النحو الآتي:
تحتك الحواس الخارجية عبر أعضائها البدنية الخاصة كالعين، والأذن، والأنف، والجلد... إلخ، بالمواد التي تشتمل على نوع من المعرفة، فتنتقل التركيبات الشعورية، التي قد تم تسجيلها بوساطة الدوافع - المنبهات - العصبية إلى الدماغ، بمساعدة الحواس الخارجية الخمس.
في بادئ الأمر، أي في اللحظة الأولى، ثمة وعي متوسط Intermediate Consciosness، حيث لا يمكن ملاحظة تفصيلات الشيء أو دقائقه، وهذا ما يعرف بالإدراك الحسي المتوسط Intermediate Perception وفي اللحظة الثانية، يصبح في ميسور الدماغ أن يدرك الشيء بشكله المحدود المعلوم، بفضل وظيفة الدماغ التأليفية التركيبية، ووظيفته التحليلية.
ويقوم الدماغ بتمييز البيانات الحسية، وتوحيدها، وربطها، بعد أن يتسلمها من الحواس، ويخلق بالتالي الإدراك المحدود المعين الذي ما أن تحلله قوة الوعي، وتدرسه، وتربطه بالنفس، حتى يصبح خبرة لهذا الإنسان.
العقل ليس هو الدماغ المادي الذي تحويه الجمجمة فحسب، بل العقل شيء والدماغ شيء آخر، العقل قوة والدماغ مادة، وإذا كنا نرى أن الإدراك العقلي يعتمد على الدماغ ويتأثر بسلامته وقوته ومرضه وضعفه، فما ذلك إلا لأن الدماغ وعاء للعقل، وسند له، وآلة يسري في مجاريها، فإذا تعطلت الآلة اختلّ سير القوة واضطرب، كالماء يجري في الساقية ويخضع في سيره لتعاريجها، ولكن خضوعه هذا لا يعني أن الماء هو المجرى والمجرى هو الماء.
وإن ما يعتري عقولنا من الميل إلى تفسير كل شيء من طريق المادة فذلك لأن جزءاً من عقولنا - العقل الظاهر - نشأ ليمارس إدراك الأجسام المادية فاكتسب من هذا المحيط المادي كثيراً من تصوراته وقوانينه، وأيضاً إننا لم نعرف حتى اليوم كيف ننظر إلى حقائق الأشياء ولم نعرف كيف نحييها لنراها. وذلك لأننا نجزئ الحقيقة لنستطيع إدراكها؛ أي إن عقولنا تتلقى الصورة الكونية مجزأة دون أن تلاحظ وتدرك الترابط بينها في حركتها المستمرة ككل؛ مع أن الحقيقة لا تدرك إلا بهذه النظرة الشاملة التي نستطيع بها أن نحيي الحقيقة الكلية لنراها.
فلا يجوز أن يقال: إن الصور الحسية هي أجزاء الكل وأجزاء الحقيقة فإدراكها إدراك للحقيقة الحية؛ لأن إدراك الأجزاء مقطعة شيء، وإدراكها في حركتها وتواصلها وترابطها شيء آخر. كمثل على ذلك الشريط في الصور المتحركة، ترى الصور فيه، عند سكونه، مجزأة لا حياة فيها ولا حركة، فإذا تحرك دبّت الحركة في الصور كلها، وظهرت حقيقة الحياة المنقولة في مجموع الصور (ككل) ندرك منه معنى الرواية. كذلك لا يجوز أبداً أن يقال: إن إدراك أجزاء الشيء يستلزم إدراك الشيء كله، على حقيقته، من غير ربط تلك الأجزاء. وأصدق دليل على ذلك، الخط المستقيم والخط المنحني: فإننا إذا نظرنا إليهما وجدنا إن كلاًّ منهما يتكون من نقاط، هي هي بذاتها لا تتغير في الخطين، ولكننا لا نستطيع أن نقول: إن المستقيم والمنحني شيء واحد، بحجة أن أجزاءهما واحدة. وكذلك الحقيقة الحية للوجود والحياة التي فيها، لا نستطيع إدراكها بمجرد إدراك أجزائها، بل لا بد من رؤية الترابط والتواصل بينها، ورؤية الحركة تسري فيها باستمرار واتصال؛ وهذا ما تغفل عنه عقولنا، ولكننا ندرك بالإلهام المباشر (Intuition) والبصيرة اللذين نشعر بهما ونراهما في نفوسنا، من غير أن نعتمد فيهما على عقلنا الموضوعي الظاهر.
العقل الظاهر، يعجز عن إدراك الحقيقة، وهو ينظر إليها مجزأة، خلافاً للنظرة الشاملة إلى الكل المترابط المتواصل المتحرك الحي. فالكون كله من الذرة إلى المجرة ينبض كالجسد الواحد، بحياة واحدة، يتجلّى فيها ترابط الأجزاء وتواصلها وتعاونها وتساندها، تجلياً باهراً، يخلق في نفوسنا ذلك الإلهام أو الإدراك المباشر لوجود الله الخلاّق العظيم الحكيم.
صفحة 8
الذاكرة
هل الذاكرة في (الدماغ).. وهل هي عبارة عن تغيرات كيميائية كهربائية تحدث في مادة المخ نتيجة الفعل العصبي للحوادث كما يحدث في شريط مسجل عند التسجيل، وهذه اللفائف المسجلة تحفظ في المخ وتدور تلقائياً لحظة محاولة التذكر فتعيد ما سجل في أمانة ودقة؟ هل الذاكرة مجرد نقش وحفر على مادة الخلايا؟
إذا كانت الذاكرة مجرد طارئ مادي يطرأ على مادة الخلايا فإنه ينبغي أن تتلف الذاكرة لأي تلف مادي مناظر في مادة الخلايا المخية... وينبغي أن يكون هناك توازن بين الحادثتين... كل نقص في ذاكرة معينة لا بد من أن يقابله تلف في الخلايا المختصة المقابلة.. وهذا أمر لا يشاهد في إصابات المخ وأمراضه.. بل ما يشاهد هو العكس.
يصاب مركز الكلمات ولكن لا تصاب ذاكرة الكلمات بأي تلف، وإنما الذي يحدث هو عاهة في النطق... أما الذاكرة.. وأما صورة الكلمات في الذهن فتظل سليمة.
وهذا دليل على أن وظيفة المخ ليست الذاكرة ولا التذكر. وإنما المخ هو مجرد (سنترال) يعطي التوصيلة، إنه مجرد أداة تعبر به الكلمة عن نفسها في وسط مادي فتصبح صوتاً مسموعاً... كما يفعل (الراديو) حينما يحول الموجة اللاسلكية إلى نبض كهربائي مسموع... فإذا أصيب (الراديو) بعطل فلا يكون معنى هذا العطل أن تعطل الموجة في الأثير... وإنما فقط يحدث شلل في جهاز النطق في الراديو. أما الموجة فتظل سليمة على حالها يمكن التقاطها بوساطة أي جهاز (راديو) سليم.
وهذه حال الذاكرة.. فهي أفكار وصور ورؤى مستقلة مستقرها ومسكنها الروح لا المخ أو الجسد.. وما المخ إلا وسيلة لنقل هذه الصور لتصبح كلمات منطوقة مسموعة في وسط وعالم ماديين.
يصاب المخ بالتلف ولا تصاب الذاكرة فحكم الذاكرة حكم الروح لا يجري عليها ما يجري على الجسد المادي. وفي حوادث النسيان المرحلي.. الذي تنسى فيه مرحلة زمنية بعينها.. ينسى المصاب فترة زمنية بعينها فتمحى تماماً من وعيه وتكشط من ذاكرته.
وتبعاً للنظرة المادية كان من الواجب أن نعثر على تلف مخي جزئي مقابل ومناظر للفترة المنسية. لكن الملاحظ أن غالب تلك الحالات هي حالات صدمة نفسية عامة وليست تلفاً جزئياً محدداً. والتوازي مفقود بين حجم الحادث وبين حجم التلف المادي.
فالجسد ليس إلا جهازاً تنفيذياً للعقل وللإفصاح عن النيات في عالم الدنيا المادي.. ومجرد أداة للروح ومطية لها.. والمخ ليس إلا (سنترالاً).. وكابلات توصيل.. ودوره أن يعطي التوصيلة من عالم العقل والروح إلى عالم المادة.
فكابلات الأعصاب تنقل مكنون الروح وتحوله إلى نبض إلكتروني لتنطق به عضلات اللسان على الطرف الآخر.. كما يفعل جهاز الراديو بالموجة اللاسلكية وهكذا نتبادل الكلام كأجساد في عالم مادي.
وكذلك شخصيتنا.. نولد بها مسطورة في روحنا.. وكل ما يحدث أن الواقع الدنيوي يقدم المناسبات والملابسات والقالب المادي لتفصح هذه الشخصية والذات عن خيرها وشرها.. فيسجل فعلها عليها أو لها.
صفحة 9
العقل الباطن- جوهر الحياة
يقول الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات:21].
العقل الباطن، هو عالمنا الداخلي، عالم ما وراء الوعي - جزء منه هو «ما دون الوعي» (Lower Conscions) الذي يحتوي ذكرياتنا الأرضية، التي غرقت تحت الوعي العادي والتي باستطاعتها أن تؤثر في سلوكنا وصحتنا، والجزء الثاني هو «فوق الوعي» (Super Conscions) قوة داخلنا وأبعد منا أيضاً. وهو ضميرنا الخلقي وهاتف النصح الداخلي، وذاتنا الحقيقية، والصورة التي نحب أن نكون عليها كما يتمثل لنا في الحق والخير والجمال والطيبة والتقوى... إلخ.
ما فوق الوعي هي «النفس السامية» (Higher Self)، مملكة الله في داخلنا، إنها هناك لمن يستطيع أن يعمل من خلالها. عندما نستطيع فهم هذه الحقيقة وطلبها عند الحاجة، سنجد أنها طبيعية في نشأتنا، وجدت كقانون طبيعي فينا، ولكن على المرء أن يتعلم كيفية الوصول إليها، والتأمل - التفكر - جزء من هذا التعلم.
والعقل الباطن يختص بالإحساس وبجانب من الذكاء كالحدس والإلهام، والإيمان، والمخيلة، والذاكرة، والعادة، وكثير من الملكات التي كانت تضاف من قبل إلى الذكاء.
أما - العقل الواعي الظاهر - (Conscious Mind) فهو لا يستغرق من حياتنا النفسية إلا جانباً يسيراً. وفائدته تقف عند مراقبة تربية ما وراء الوعي وتنظيمها.
إن مهمة الوعي أن يبين لنا أوجه النقص التي ينبغي أن نصححها، والاستعدادات التي يجب أن نكتسبها. ويتدخل في اختيار الإيحاءات الذاتية والمثابرة الضرورية لتحقيق الهدف الذي ننشده، أي أنه يشرف على تربية اللاشعور وتهذيبه.
إن مجال الوعي من منطق واستدلال وتعقل وإرادة هو مراقبة ملكات النفس واستبطانها وتوجيه الانتباه وهو الذي يطلق عليه العامة لفظ الدماغ في مقابل لفظ القلب الذي يعنون به اللاشعور.
وأما ما دون الوعي (Subconscions) فهو أهم مجال في حياتنا الذهنية ويتضمن العادات والاستعدادات والميول والغرائز والطبع والإيمان والإلهام والتخيل والذاكرة والحب.
إن الباحثين عن التقدم الروحي الحقيقي، يجدون بين الحين والآخر أن التأمل العميق ضرورة مطلقة إلى تقدمهم وسموهم الروحي. ويمكن ممارسة هذا التفكر - التأمل - (Meditation) بالذكر أو الصلاة يعقبها السكون والتفكر.
هناك أمر هام جداً هو: يظهر أن ما فوق الشعور لا يعمل لنا ومعنا إلا إذا كنا واعين ومعترفين بوجوده. مثال: إذا مررت في الشارع بشخص أعرفه وهو لم يعرفني، فلأني غير موجود بالنسبة إليه، إنني موجود بالنسبة إليه فقط عندما يعرفني.
وعلينا أن نعرف على وجه الإجمال أنه كلما نشب صراع بين الشعور واللاشعور، أو بين الدماغ والقلب، أو بين العقل الواعي والعاطفة، أو بين الإرادة والمخيلة فإن العقل الباطن هو الذي يكسب المعركة على الدوام.
وعلى هذا الأساس يجب أن ينصرف همك لا إلى تهذيب الإرادة وتربيتها في حد ذاتها بل إلى تربية اللاشعور وتهذيبه. لذلك اجتهد أن تخلق لنفسك إيحاءات إيجابية صالحة، تضمن أن تستحثك على العمل بصورة آلية وبغير مجهود. فتربية ما وراء الوعي هي تربية الوجه الحقيقي لحياتك، والصانع الذي يصوغ طبعك ويخط لك صفحات مصيرك.
وإن «للعقل الباطن» القدرة على تحقيق كل ما تتضمنه (التحيلات المركزة - الموجهة).
إن العقل الإنساني عالم عجيب من «الفضاء الداخلي» فتحت مستوى الوعي الإنساني الظاهر هناك عقل واسع، عقل خارق للطبيعة ذو قوة عظيمة، عقل مجاله كوني، عقل تأثيره قوي، عقل لا يحدّه المكان والزمان، عقل يحتوي المعارف كلها، هذا العقل هو شعلة مقدسة من الله جل جلاله. لا حدود لقوته. إنه العقل الذي بوساطته يلتقي كل إنسان بأخيه الإنسان وبخالق الإنسان. إن الحياة الحقيقية هي هذا الوعي الروحي الكوني.
صفحة 10
المخيلة الخلاقة
المخيلة الخلاقة هي الملكة التي بوساطتها يتم «الحدس» و«الإلهام»، وبوساطتها يمكن الاتصال بذبذبات الأفكار من العقول الأخرى، وبوساطتها يستطيع عقل الإنسان المحدود الاتصال مباشرة بالعقل اللانهائي. وبوساطتها يمكن لإنسان ما أن يتراسل Comunicate أو يتناغم Tune مع العقول الباطنة للأشخاص الآخرين.
هذه المخيلة الخلاقة تعمل فقط عندما يتذبذب العقل الواعي بسرعة، كما يحصل بتحفّز العقل الواعي بوساطة الرغبة القوية.
في محاولة تفسير سلوك الحيوانات، عادة نقول: إن الحيوانات لها «غرائز» معينة توجهها. وبتحليلنا هذه الغرائز نجد أنها تساعد الحيوانات على أن تتكيف بنجاح مع محيطها. وباختصار فإن الحيوانات لها «غريزة النجاح» أو التكيف مع المحيط.
غالباً ما نتغاضى عن حقيقة أن الإنسان بدوره له أيضاً غريزة النجاح، ولكنها أكثر غرابة وأكثر تعقيداً من أي حيوان. ومن جهة أخرى، فالإنسان مميز ومبارك بصورة خاصة من هذه الناحية. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:70].
الحيوانات ليس باستطاعتها اختيار أهدافها، فهدفها فقط (المحافظة على الذات والنوع)، ويمكن القول: إنها موجهة مسبقاً. ونجاحها آلي محدود بما يلائم الأهداف الموضوعية التي ندعوها «غرائز» تماماً مثل آلة الحاسوب Computer المبرمجة مسبقاً.
الإنسان لديه شيء خاص ليس للحيوانات مثله - المخيلة الخلاقة. الإنسان من بين جميع المخلوقات باستطاعته أن يضع بإرادته عدة أهداف. الإنسان وحده باستطاعته أن يوجه غريزته للنجاح، وذلك باستعمال مخيلته، أو قدرته على التصور.
التخيل لديه القوة اللازمة لتحقيق ما يتخيله (الهدف)، فعندما يقرر أو يوضح الهدف، يقدم (العقل الباطن) الوسائل اللازمة لتحقيق هذا التخيل (الهدف)، فإذا أراد إنسان مثلاً التخلص من صداعه (آلام في رأسه) يكفي أن يتخيل بتركيز (أي بشدة) أن الآلام قد زالت، عندئذ يعمل العقل الباطن كل ما يلزم لتحقيق زوال تلك الآلام فعلاً وحقيقة.