صفحة 1
مقدمــــة
تحتل إيران مكانة مهمة في منطقة الشرق الأوسط، بسبب موقعها الجغرافي الممتد من بحر قزوين شمالاً إلى الخليج الفارسي جنوباً· ولها حدود مباشرة مع سبع دول هي: أرمينيا وأذربيجان وتركمانستان في الشمال، وأفغانستان وباكستان في الشرق، وتركيا والعراق في الغرب· وتشترك مع جاراتها الشمالية وروسيا في سواحل بحر قزوين، مثلما تشترك مع دول الخليج العربية في سواحل الخليج الفارسي والبحر العربي في الجنوب·
وتعد إيران مصدراً مهماً لإنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي يزود العالم بهما، والدول الصناعية فيه بخاصة· ولا شك أن موقع إيران الاستراتيجي ومواردها الطبيعية المهمة قد جعلت منها محور اهتمام الدول الكبرى، وساحة للتنافس والصراع فيما بينها منذ مطلع القرن العشرين حتى اليوم· وانحازت إيران بعد الحرب العالمية الثانية إلى الغرب، وانضمت إلى أحلافه العسكرية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، حتى غدت المدافع الأبرز عن مصالحه في هذه المنطقة الحيوية في العالم·
وكان قيام الثورة الإسلامية، وسقوط نظام حكم الشاه سنة 1979 تحولاً جذرياً في توجه إيران الداخلي والخارجي، ما زالت المنطقة تعيش نتائجه بعد أن مضى عليه أربعة وثلاثون عاماً· تعرضت إيران خلالها لأحداث وتطورات سياسية واقتصادية وثقافية عميقة، ولعمليات تطهير متواصلة في أجهزة الدولة، انتهت بسيطرة التيار الديني المحافظ المتشدد على السلطة فيها· وواجهت إيران حرباً مدمرة دامت ثماني سنوات ونيف مع العراق، وعملية احتواء من الولايات المتحدة الأمريكية، وحصاراً اقتصادياً وتكنولوجياً غربياً، وعزلة سياسية فرضتها عليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتهديداً بالغزو وبضرب منشآتها النووية وبنيتها التحتية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل· قبلت القيادة الإيرانية هذه التحديات، وصمدت في وجهها، مبدية شجاعة تثير الإعجاب، وقدرة على المرونة والتكيف تبعث على الدهشة·
عمدت في هذه الدراسة عن تاريخ إيران الحديث والمعاصر إلى تعريف القارئ العربي بأهم التطورات التي عاشتها إيران في القرن العشرين ومطلع قرننا الحالي، بروح علمية موضوعية بقدر المستطاع، بعيدة عن العصبية المذهبية الكريهة التي بدأت منذ سنوات تتسرب إلى المشرق العربي، يغذيها الإعلام الغربي الخبيث لتمزيق هذه الأمة وتفكيك أوصالها، وبتر علاقاتها مع إيران، تلك العلاقات التاريخية الوثيقة التي لحمتها الإسلام وسداها المصالح المشتركة بين الأمتين العربية والإيرانية·
وقد حرص أعداء الأمتين على تأزيم هذه العلاقات منذ قيام جمهورية إيران الإسلامية، وإشعال نار الحرب بينهما· وكانت الحرب الإيرانية-العراقية وما ارتكب في أثنائها من مجازر وتدمير، وقرارات خاطئة، وتعنت لا مبرر له، وعصبيات سخيفة، وبالاً على البلدين الجارين، ونصراً مؤزراً لعدوهما·
آمل، في هذه الدراسة أن أقدم صورة واقعية أمينة لما جرى في إيران من أحداث وتطورات للقارئ العربي، في خضم الحملات الإعلامية السائدة على الساحة العربية التي تجتاحها رياح التغيير العاتية، وتختلط فيها الأهداف وتتضارب الأفكار والتوجهات·
وأود في الختام أن أشكر السيدة إيناس حمد التي قامت بطباعة مسودة هذا الكتاب على الكمبيوتر، والله من وراء القصد·
د· علي محافظة
20/6/2013
تحتل إيران مكانة مهمة في منطقة الشرق الأوسط، بسبب موقعها الجغرافي الممتد من بحر قزوين شمالاً إلى الخليج الفارسي جنوباً· ولها حدود مباشرة مع سبع دول هي: أرمينيا وأذربيجان وتركمانستان في الشمال، وأفغانستان وباكستان في الشرق، وتركيا والعراق في الغرب· وتشترك مع جاراتها الشمالية وروسيا في سواحل بحر قزوين، مثلما تشترك مع دول الخليج العربية في سواحل الخليج الفارسي والبحر العربي في الجنوب·
وتعد إيران مصدراً مهماً لإنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي يزود العالم بهما، والدول الصناعية فيه بخاصة· ولا شك أن موقع إيران الاستراتيجي ومواردها الطبيعية المهمة قد جعلت منها محور اهتمام الدول الكبرى، وساحة للتنافس والصراع فيما بينها منذ مطلع القرن العشرين حتى اليوم· وانحازت إيران بعد الحرب العالمية الثانية إلى الغرب، وانضمت إلى أحلافه العسكرية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، حتى غدت المدافع الأبرز عن مصالحه في هذه المنطقة الحيوية في العالم·
وكان قيام الثورة الإسلامية، وسقوط نظام حكم الشاه سنة 1979 تحولاً جذرياً في توجه إيران الداخلي والخارجي، ما زالت المنطقة تعيش نتائجه بعد أن مضى عليه أربعة وثلاثون عاماً· تعرضت إيران خلالها لأحداث وتطورات سياسية واقتصادية وثقافية عميقة، ولعمليات تطهير متواصلة في أجهزة الدولة، انتهت بسيطرة التيار الديني المحافظ المتشدد على السلطة فيها· وواجهت إيران حرباً مدمرة دامت ثماني سنوات ونيف مع العراق، وعملية احتواء من الولايات المتحدة الأمريكية، وحصاراً اقتصادياً وتكنولوجياً غربياً، وعزلة سياسية فرضتها عليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتهديداً بالغزو وبضرب منشآتها النووية وبنيتها التحتية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل· قبلت القيادة الإيرانية هذه التحديات، وصمدت في وجهها، مبدية شجاعة تثير الإعجاب، وقدرة على المرونة والتكيف تبعث على الدهشة·
عمدت في هذه الدراسة عن تاريخ إيران الحديث والمعاصر إلى تعريف القارئ العربي بأهم التطورات التي عاشتها إيران في القرن العشرين ومطلع قرننا الحالي، بروح علمية موضوعية بقدر المستطاع، بعيدة عن العصبية المذهبية الكريهة التي بدأت منذ سنوات تتسرب إلى المشرق العربي، يغذيها الإعلام الغربي الخبيث لتمزيق هذه الأمة وتفكيك أوصالها، وبتر علاقاتها مع إيران، تلك العلاقات التاريخية الوثيقة التي لحمتها الإسلام وسداها المصالح المشتركة بين الأمتين العربية والإيرانية·
وقد حرص أعداء الأمتين على تأزيم هذه العلاقات منذ قيام جمهورية إيران الإسلامية، وإشعال نار الحرب بينهما· وكانت الحرب الإيرانية-العراقية وما ارتكب في أثنائها من مجازر وتدمير، وقرارات خاطئة، وتعنت لا مبرر له، وعصبيات سخيفة، وبالاً على البلدين الجارين، ونصراً مؤزراً لعدوهما·
آمل، في هذه الدراسة أن أقدم صورة واقعية أمينة لما جرى في إيران من أحداث وتطورات للقارئ العربي، في خضم الحملات الإعلامية السائدة على الساحة العربية التي تجتاحها رياح التغيير العاتية، وتختلط فيها الأهداف وتتضارب الأفكار والتوجهات·
وأود في الختام أن أشكر السيدة إيناس حمد التي قامت بطباعة مسودة هذا الكتاب على الكمبيوتر، والله من وراء القصد·
د· علي محافظة
20/6/2013
صفحة 2
لمحة عامة عن إيران في العهد الصفوي
تنتسب الدولة الصفوية في إيران إلى إحدى الطرق الصوفية التي نشأت في أثناء الحكم المغولي لإيران، هي الطريقة الصفوية· وتعود نشأة هذه الطريقة إلى أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، حينما أسس الشيخ صفي الدين عبد الفتاح إسحاق الأردبيلي الطريقة في مكان يقع بين تبريز والساحل الغربي لبحر قزوين·
كان صفي الدين صوفياً سنياً مشهوراً بورعه وتقواه· واستطاع كسب العديد من الأتباع من الطبقة الحاكمة وعامة الناس· ونسب أتباعه إليه قدرات خارقة انتقلت إلى نسله من بعده· فقيل إن أحد أحفاده غاب في سن السابعة من عمره ثم ظهر من جديد بعد سبع سنوات· كما أن حفيداً آخر عاش بعد أن وجد على كومة من الجثث، وقد جرح بسيف باتساع أربعة أصابع· وأن آخر أكره على شرب السم ولم يمت· واستمر الصفويون من نسل صفي الدين على رأس هذه الطريقة الصوفية حتى العقد الثاني من القرن الخامس عشر في كل من أذربيجان والأناضول وشرق تركيا وفي الهضبة الإيرانية·
احتشد المؤمنون والأتباع حول الطريقة الصوفية في أردبيل للصلاة بحضور الشيخ إبراهيم الصفوي· ومع ازدياد أتباع إبراهيم عدداً ونمو ثروته، ظلت حركته ذات طابع ديني خالية من أي طموح سياسي· ولكن مع قيادة جنيد بن إبراهيم للحركة دخلت في مرحلة جديدة· لم يكتف جنيد بالدور الديني، وإنما تجاوزه إلى الطمع بالسلطة السياسية·
أجبر جنيد على النفي من قبل عمه الوصي عليه· وعاش جنيد سنوات طويلة بين قبائل التركمان في جنوبي تركيا اليوم وشمال سوريا· وكانت هذه القبائل شيعية المذهب، آمنت بجنيد وريثاً للإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)· عبأ جنيد أتباعه من التركمان، وحوّل حركته من طريقة صوفية دينية إلى تنظيم عسكري، داعياً أتباعه إلى الجهاد ضد الكفار· انطلق جنيد من الأناضول سنة 1460، ودخل إلى أراضي قبيلة شربافان متجهاً إلى الشراكسة النصارى في القفقاس· ولكنه قتل على ضفاف نهر كور، على يد قبيلة شربافان قبل بلوغه هدفه·
ورث حيدر بن جنيد طموح والده وقيادة الحركة الصوفية· وأقام تحالفات، وزاد من تعداد جيشه في أردبيل· ونجح في تحويل طريقته الصوفية إلى المذهب الجعفري الشيعي الاثني عشري، دون عناء كبير· وزعم أنه تلقى تعليمات من الإمام علي في نومه· واختار حيدر لأتباعه من التركمان طربوشاً قرمزي اللون ملفوفاً باثنتي عشرة لفة كل منها يمثل إماماً من الأئمة الاثني عشر· وقد أطلق عليهم خصومهم القزلباش أي ذوو الرؤوس الحمر·
قاد حيدر أتباعه لإخضاع قبيلة شربافان، ولكنه قتل في معاركه ضدها· فانتقلت قيادة الحركة الصوفية إلى علي بن حيدر في 9 تموز/يوليو 1488· وسقط قتيلاً في ميدان المعركة مثل أبيه وجده· وبموته دخلت الحركة في أزمة على مستوى القيادة، بانتقالها إلى أخيه إسماعيل البالغ من العمر سبع سنوات· سعى أتباعه إلى حمايته منأعدائه حتى وصل إلى جيلان على ساحل بحر قزوين· وهناك دخل إلى بلاط الحاكم كاركيا ميرزا علي Kar Kiya Mirza Ali، حيث ربي على يد مرب شيعي المذهب·(1)
ما لبث إسماعيل أن أعلن بأنه الوريث للأئمة الاثني عشر، بعد أن كسب ولاء القبائل التركمانية· وساهم الاضطراب الناشئ عن الحروب والفوضى والمآسي والأوبئة والمجاعات في تغذية التوقعات الدينية بقرب عودة المهدي المنتظر الإمام الثاني عشر· ورأت قبائل التركمان في إسماعيل المهدي المنتظر أو المبشر بعودته، فتخلت عن ولائها للدولة العثمانية وآمنت بإسماعيل ووالته· وانضم الشيعة من سوريا وآسيا الصغرى إلى قبائل التركمان في شمال إيران في جيش إسماعيل الصفوي الذي توجه شمالاً نحو الكفار ثم انحرف جنوباً إلى المنطقة الإسلامية، فاحتل تبريز سنة 1501· وحمل إسماعيل لقب شاه، وأعلن المذهب الجفعري الشيعي مذهباً رسمياً للدولة الناشئة· وأصدر مرسوماً يبيح للعامة لعن الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول (أبو بكر وعمر وعثمان)· أعلن إسماعيل ذلك أمام أكثرية سكان تبريز من السنة، مهدداً كل من يعارضه بقطع رأسه بالسيف·
بعد الاستيلاء على أذربيجان، تقدمت القوات الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي جنوباً، فاستولت على إيران كلها في ثماني سنوات· وفرض إسماعيل وجنوده من القزلباش عقيدتهم الدينية على إيران كلها بالقوة· وكانت خراسان آخر المناطق التي خضعت له، وقتل ملكها السني الأوزبيكي· وبذلك أنشأ الشاه إسماعيل دولة شملت أراضي الدولة الساسانية تقريباً·(2)
صفحة 3
العلاقات الصفوية-العثمانية
كان على إسماعيل الصفوي، بعد إنشاء مملكته، أن يدافع عنها، وأن يواجه تهديدات العثمانيين الأتراك السنة، الذين اتجهوا لبسط سيطرتهم على البلاد العربية وإيران· كانت القبائل التركمانية التي تؤلف جيش إسماعيل من القزلباش، تشترك مع العثمانيين في اللغة، وترتبط مع الصفويين برابطة أقوى هي رابطة العقيدة· وأصبحوا حماة الدولة الصفوية الناشئة·
لما غزا السلطان العثماني سليم الأول الدولة الصفوية سنة 1514 قاتل القزلباش العثمانيين بشراسة في معركة تشالديران، دفاعاً عن إسماعيل ومملكته· وقد انتصر العثمانيون بفضل تفوقهم بالمدفعية، واقتربوا من العاصمة تبريز مما اضطر الشاه إسماعيل إلى نقل العاصمة جنوباً إلى قزوين ثم إلى أصفهان· وكان لهزيمته أثرهاالسلبيعليه، إذ أصيب بفقدان الثقة بنفسه وبالإحباط حتى وفاته في 23 أيار/مايو 1524، قبيل عيد ميلاده السابع والثلاثين، وبعد حكم دام (23) سنة·(3)
واصل الإيرانيون تحولهم من المذهب السني إلى المذهب الشيعي، بعد موت إسماعيل، فأعطى المذهب الجديد إيران طابعاً سياسياً وهوية قومية· وعاشت إيران الشيعية منذ القرن السادس عشر بين إمبراطوريتين سنتين هما: الإمبراطورية العثمانية في الغرب والإمبراطورية المغولية في الهند شرقاً· ويضاف إليهما الوجود السني في آسيا الوسطى·
شهدت إيران، بعد ستين سنة على موت الشاه إسماعيل الصفوي، صراعاً بين التركمان القزلباش الذين أنشأوا الدولة الصفوية والفرس الذين يتكلمون اللغة الفارسية ويعتبرون أنفسهم ورثة فارس التاريخية· وفي سنة 1587 عزل حاكم مشهد من القزلباش الشاه محمد عن العرش الصفوي، وأحل محله ابنه عباس البالغ من العمر ستة عشر عاماً، الذي حكم البلاد (41) سنة (1588-1629)· واستطاع عباس الحفاظ على وحدة تراب الدولة الصفوية وإنهاء المنازعات الداخلية· وكان عهده عصراً ذهبياً، قارنه المؤرخون الإيرانيون بعهدي داريوس الأخميني وكسرى الساساني· والواقع أن الانقسامات الاثنية والقبلية والطبقية في إيران القرن السادس عشر جعلت من المذهب الشيعي الرابطة القوية لرعايا عباس·
لما اعتلى عباس العرش الصفوي كانت البلاد تواجه الفوضى على يد القزلباش، وكان العثمانيون على الحدود الغربية والشمالية الغربية يسيطرون على الولايات الإيرانية الملاصقة لهذه الحدود، كما كان الأوزبيك في الشرق يسيطرون على نصف مساحة أراضي خراسان· وكانت خزانة الدولة فارغة· قام عباس بطرد الأوزبيك من خراسان· واستعاد الولايات التي احتلها العثمانيون، وأبرم معهم معاهدة سنة 1590، تنازل بموجبها عن أكثر الولايات الإيرانية غنى بما في ذلك أذربيجان، باستثناء مدينة أردبيل، الموطن الأول للطريقة الصفوية·
صفحة 4
وكانت أعداد كبيرة من الشركس والجورجيين والأرمن قد دخلوا إلى إيران في عهد الشاه الثاني طهماسب، وقد ألف عباس منهم جيشاً جديداً ولاؤه الأول للشاه· وبلغ عدد هذا الجيش أربعين ألف مقاتل، اعتمد عليهم عباس في القضاء على القزلباش وعلى كل من تمرد عليه· ففي سنة 1602، قضى عباس على الأوزبيك على الحدود الشمالية، ثم اتجه نحو العثمانيين فحاصر تبريز والأجزاء الشرقية من الأناضول· وهزم القوات العثمانية في معركة سفيان قرب تبريز، وأخرجها من الأراضي الإيرانية·
أنشأ الشاه عباس العديد من المدارس الدينية التي تعلم المذهب الشيعي الجعفري ، مما عزز انتشار هذا المذهب من الهند إلى العراق وسوريا وشرق تركيا· وسمح عباس للمبشرين المسيحيين الكاثوليك من الآباء الكرمليين والأوغسطينيين والكبوتشيين ببناء أديرة ورهبنات في إيران·(4)والواقع أن الصفويين منحوا إيران دولة وهوية قومية تقوم على التراث الفارسي والمذهب الشيعي·
كان عباس طاغية مستبداً يواجه تحديات داخلية وخارجية· وقد علمته تجاربه الشخصية أن لا يثق بأحد، بمن في ذلك أفراد أسرته· ولما ثار عليه مربي ابنه الثاني حجز عباس جميع ورثته في قصر الحريم، منقطعين عن العالم الخارجي ومفصولين عن مرافقيهم· ونشأ الأمراء بين الخصيان والنساء· ولما سمح لهم بالخروج لمرافقة أبيهم في حملاته العسكرية، لم يرافقوه كجنود ومقاتلين وإنما كرهائن خشية من عباس أن يكون أي من أبنائه في العاصمة تهديداً للعرش· واشتدت هواجس عباس، حتى اعتقد أن ابنه الأكبر يتآمر عليه في شباط/فبراير 1615 فقتله· وبعد ست سنوات، أي في سنة 1621 أمر بسمل عيني ابنه الثاني متهماً إياه بالتآمر على العرش· وقام بسمل عيني ابنه الخامس وقتله، كما قتل والده وأخويه· ولم يتردد في ممارسة العنف والقتل في رعاياه لشكوكه في تمردهم عليه· ومات عباس سنة 1629 بدون وارث للعرش·
والواقع أن الشاه عباس قد لجأ إلى الوسائل المعروفة لدى الملوك الشرقيين المستبدين لترسيخ السلطة المركزية في البلاد· فقد أعاد تشكيل القيادات الإدارية في إيران، بتخليه عن الانتماءات العشائرية والقبلية لهذه القيادات، وقوتها الاقتصادية وأصلها الطبقي، واعتماده على معايير الولاء الشخصي له والاتصال المباشر به· ولذا كان حوالي خمس القيادات العليا في البلاد في أيدي عناصر جديدة، عند نهاية حكمه·
وأعاد، في الوقت نفسه، تأسيس الجيش، كما بينا سابقاً، بالاعتماد على عناصر جديدة، وتقليص عدد قوات القبائل· وانتهج سياسة اقتصادية قامت على إنشاء المصانع الكبرى التي تملكها الدولة· واحتكرت الدولة التجارة الداخلية والتجارة الخارجية· ونظم الحرفيون في نقابات قوية ونشيطة في المدن الإيرانية· وكان رؤساء النقابات الحرفية يعينون من قبل الشاه· وساهمت جميع هذه الوسائل في تعزيز السلطة المركزية وتقويتها·(5)
تولى الحكم بعده ملوك ضعاف حتى تمكنت الأسرة القاجارية من إنهاء الحكم الصفوي سنة 1795·(6)
ففي سنة 1722 غزت القبائل الأفغانية التي يقدر عددها ب (18) ألف مقاتل إيران، واستسلم الشاه حسين، حفيد عباس، لها· وتمكنت هذه القبائل الأفغانية من الاستيلاء على فارس وشرق إيران· وتوغلت القوات العثمانية في الأراضي الإيرانية، فاستولت على مدينتي تبريز وهمدان· وتقدمت القوات الروسية، في الوقت نفسه، واحتلت سواحل بحر قزوين الغربية·
غير أن الأفغان تراجعوا سنة 1736 أمام قائد حربي يدعى نادر قيل بيج Nadir Qil Beg، استعاد الملكية وأصبح شاهاً، وتوغل في العراق واتجه شمالاً نحو آسيا الوسطى· وتوغل في الهند سنة 1737، وعاد منها حاملاً عرش الطاووس المرصع بالجواهر الثمينة والبالغ ارتفاعه سبعة أقدام· وعلى الرغم من انتصاراته الحربية إلا أن نادر شاه لم يبن أمة ولا إمبراطورية، ومات سنة 1747، على يد قادة جيشه· وبموته دخلت إيران في حرب أهلية استمرت حتى سنة 1750 حينما تمكنت قبيلة من الزاند من الاستيلاء على مدينة شيراز بقيادة كريم خان قبل بدء الحرب الأهلية في البلاد· وبعد خمس عشرة سنة، أي سنة 1794، اندفعت قبيلة القاجار منمازانداران،وهزمت المطالب الزاندي بالعرش الصفوي·(7)
صفحة 5
إيران في عهد الأسرة القاجارية
كانت قبيلة القاجار إحدى القبائل التركية السبع التي ساعدت الشاه إسماعيل الصفوي في تأسيس الحكم الصفوي في إيران· وكان القاجاريون من القزلباش وأعياناً في البلاط الصفوي· وما لبث إسماعيل شاه أن وزعهم على الحدود الجورجية وشرق خراسان لمحاربة التتار، وعلى مازانداران للدفاع عن البلاد ضد التركمان · جاء القاجاريون بقيادة آغا محمد خان· وكان آغا محمد خان قد سبي من قبل الزاند في طفولته، وأخصي وتحول إلى رجل متوحش· فر من السجن في شيراز والتحق بقبيلته في الشمال، حيث جمعها لقتال الزاند· ونجح في الاستيلاء على إيران منطقة تلو الأخرى حتى استسلم آخر الزانديين سنة 1795، وأعلن نفسه شاهاً· ولكنه اغتيل على يد خدمه سنة 1797· وفي عهده تحولت طهران، مقر قبيلته، منذ سنة 1786 إلى عاصمة للأسرة القاجارية·
قاد فتح علي، ابن أخ آغا محمد، إيران القاجارية إلى القرن التاسع عشر· وتمتع بعظمة الملك الفارسي·(8)
لم يكن لدى الشاه في هذا العهد جيش ثابت كبير ولا دولة من الموظفين الاداريين· كان الشاه يعتمد على القبائل في الدفاع عن البلاد· وتولت الطبقة الأرستقراطية من الإقطاعيين إدارة الولايات· وكان حكام الولايات يقدمون الضرائب المطلوبة من كل ولاية، ويقوم حكام المقاطعات في كل ولاية بجبايتها· وبسبب هذا الوضع الإداري ساد الفساد واستشرى في إدارة الدولة·
استطاع القاجاريون الاستمرار في حكم البلاد من خلال شبكة من الصلات والتحالفات القائمة على الألقاب الفخيمة· فقد زوج فتح علي بناته العشرين لكبار الأسر الإقطاعية في الولايات، وتزوج أبناؤه المئتان الذين يحملون لقب أمير من الأسر المتنفذة في إيران· وحمل كل مولود ذكر من هذه الزيجات لقب أمير، وكان ما لبث أن يتزوج بدوره من الأسر المتنفذة· وهكذا اتسعت دائرة صلات الرحم· كما احتل العسكريون والموظفون ورجال الدين مواقع مهمة في الدولة والمجتمع، وتمتعوا بألقاب شرفية في ظل الدولة القاجارية·
كان على رأس الهرم الإداري القاجاري الشاهنشاه (ملك الملوك)، يليه أفراد الأسرة المالكة، فالأسر الأرستقراطية التي حافظت على مواقعها من خلال ولائها للشاه، ثم خانات (رؤساء) القبائل الذين يزودون الشاه بالجنود، يليهم الموظفون ورجال الدين العاملون في الدولة· ويقع بعدهم في السلم الاجتماعي طبقة التجار الجديدة التي نمت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر· ويقع الفلاحون والعمال في أدنى درجات السلم الاجتماعي·(9)
صفحة 6
ولما كانت إيران تقع بين روسيا الطامحة إلى الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج الفارسي، وبين المحميات البريطانية في الخليج نفسه، حيث تسعى بريطانيا إلى حماية الطرق المؤدية إلى الهند، فقد وقعت ضحية الصراع بين هاتين الدولتين العظميين·
ولما حاول الشاه فتح علي الدفاع عن مملكته شن حرباً على روسيا سنة 1813 انتهت بهزيمته، واستولت روسيا على أرمينيا وجورجيا وشمال أذربيجان· ومني الشاه بهزيمة ثانية أمام روسيا سنة 1828 أسفرت عن احتلال روسيا لسواحل بحر قزوين الجنوبية· وغدا هذا البحر بحيرة روسية· وبعد عشر سنوات، طالب الشاه القاجاري بمدينة هرات الأفغانية، فتصدت له بريطانيا وهزمت جيشه·
وقعت إيران فريسة السياسة الاستعمارية البريطانية منذ بداية القرن التاسع عشر· فقد فرضت عليها بريطانيا اتفاقية تجارية سنة 1800 أعفيت بموجبها البضائع والمنتجات البريطانية المستوردة من الضرائب والرسوم الجمركية· وتمكنت فرنسا من فرض اتفاقية تجارية مماثلة على إيران سنة 1807· وعلى أثر هزيمة إيرانأمامالقوات الروسية سنة 1828، وقعت إيران اتفاقية مع روسيا لصالح الأخيرة· وجددت بريطانيا اتفاقيتها التجارية مع إيران سنة 1841·(10)
في هذا المناخ من الهزائم المتلاحقة، ارتقى العرش القاجاري الشاه الشاب ناصر الدين سنة 1848، فكان رابع الملوك القاجاريين· وظل يحكم إيران أربعين سنة· كانت أول الأزمات التي واجهها تمرد في ست ولايات من المملكة أشعلته الهزائم العسكرية السابقة الذكر، والقبائل والولايات التي شعرت بضعف الحكومة المركزية· وجاء التحدي الثاني للشاه ناصر الدين من بلاطه في شخص ميرزا تقي خان فراهاني، مربي الشاه· كان هذا المربي يعرف باسم أمير كبير على الصعيد الشعبي· وأصبح أول رئيس وزراء في عهد الشاه الجديد· وجاء إلى السلطة بتراث المثقف عباس ميرزا ابن الشاه فتح علي· كان عباس ميرزا من أوائل الدعاة إلى إصلاح المملكة والأمة، ولكنه توفي قبل والده، وترك أثراً في عقول المتنورين في القصر ومن أبرزهم أمير كبير·
استغل أمير كبير صلاته الحميمة بالشاه، فمد سلطته إلى أموال الحكومة والجهاز الإداري لإصلاح الحكومة المركزية، وأدخل في السياسة الخارجية الإيرانية مبدأ التوازن في علاقات إيران مع جيرانها الأقوياء، وهو المبدأ الذي استمر حتى عهد محمد رضا بهلوي· وقد حمى هذا المبدأ سيادة إيران الهشة من خلال توازن المصالح الروسية مع المصالح البريطانية· وأنشأ أمير كبير جيشاً حديثاً وسلحه بحيث أصبح قادراً على حماية الأراضي الإيرانية·
حاول أمير كبير إزالة الثنائية في السلطة بين الشاه ورجال الدين، أو إضعافها لدرجة تصبح فيه لا تشكل تحدياً لسلطة الحكومة· ولكن الهوة بين التاج والعمامة تجسرت حينما رأى أمير كبير أن الحركة البهائية تشكل تهديداً لاستقرار إيران الداخلي·(11)
صفحة 7
الحركة البهائية
البهائية حركة دينية أصلها الحركة البابية التي أسسها علي بن محمد بن الميرزا رضا البزاز، الذي ولد في شيراز سنة 1819، ولما بلغ الخامسة والعشرين من عمره، جاهر بعقيدة ظاهرها توحيد الأديان أو الإصلاح الديني والاجتماعي، وباطنها تلفيق عقيدة جديدة من أديان ومبادئ متباينة· ولقب نفسه بالباب، وادعى أنه المهدي المنتظر سنة 1844 في عهد الشاه القاجاري الثالث محمد شاه· أثار الباب بعقيدته هذه احتجاج رجال الدين، فألقي القبض عليه وأعدم رمياً بالرصاص في تبريز سنة 1850·
أما البهائية فتنسب إلى حسين علي نوري بن عباس بن بزرك المعروف ببهاء الله· وهو إيراني مستعرب، ولد في بلدة نور سنة 1817، واعتنق دعوة الباب وخلفه في قيادتها· وقد اتهم بالاشتراك بمؤامرة لقتل الشاه، انتقاماً لمقتل الباب، فاعتقل ثم نفي إلى بغداد، وأخرج منها إلى أضنة وأخيراً سجن في عكا بفلسطين سنة 1868· وأفرج عنه ومات ودفن في حيفا سنة 1892· وخلفه في قيادة الحركة ابنه عباس الذي كان أنشط دعاتها وأدهاهم· وتركز نشاط الحركة في الولايات المتحدة الأمريكية·
تقول البهائية بصدق جميع الرسل، وتؤمن بالحلول والتناسخ، وتدعو إلى تخريب الأماكن المقدسة مثل مكة المكرمة وبيت المقدس، وتدمير قبور الأنبياء والأولياء· واعتبر بهاء الله دعوته ناسخة للأديان السابقة كلها، ولا تؤمن بالبعث ولا بالجنة ولا بالنار·
شكلت البهائية تهديداً لنظام الحكم القاجاري، وخطراً على الدولة، فقد انتعشت وانتشرت بين الناس، بعد الحروب المدمرة التي شنها القاجاريون على روسيا وبريطانيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر·(12)
وكان اتهام العلماء للبهائيين بالهرطقة سنة 1850 قد مهد الطريق لإعدام الباب ميرزا علي بن محمد البالغ من العمر (25) سنة· وأعلن البابيون فوراً بهاء الله خليفة له· وبلغت موجة الإعدامات أوجها سنة 1851 في زنجان بين تبريز وطهران· وقد حاصرتها القوات القاجارية· وقاتلت البهائيين من بيت إلى بيت حتى ماتوا جميعاً· وبعد أن عاد أمير كبير إلى مركزية الإدارة، وحماية الأمة، والقضاء على البهائيين، أعطى الانطباع عن الشاه ناصر الدين بأنه رجل الدولة القوي·
كانت والدة الشاه ناصر الدين، مهد عليا تشرف من الحرم على الحياة الخاصة لابنها، باعتبارها الملكة الوالدة، وتشارك في قرارات الحكومة· وبموجب التقاليد القبلية القاجارية كانت تتوقع الزواج من رئيس الوزراء· ولكن أمير كبير البالغ من العمر بداية الخمسينات قرر الزواج من ابنتها البالغة من العمر (14) سنة· رفضت الملكة الوالدة هذا الزواج، ودخلت مع رئيس وزراء ابنها المتنفذ في صراع، كسب أمير كبير المعركة الأولى فيه· واتهمها بالزنى ونقلها إلى قم· وفي الجولة الثانية لجأت الملكة الوالدة إلى ابنها· وهكذا أقدم الشاه في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1851 على تجريد أمير كبير من سلطاته· وغادر مع عروسه في عربة سوداء مغلقة إلى كاشان علىبعد (150) ميلاً جنوب طهران· وبعد ستة أسابيع قاد الحرس المرافق لأمير كبير من العاصمة رئيس الوزراء المقال إلى حمام خلف الحديقة الملكية في بلدة فين حيث قتلوه بسرية تامة·(13)
صفحة 8
بداية انفتاح إيران على الغرب
حينما رفض الشاه ناصر الدين تبني الإصلاحات الرامية إلى بناء بلاده، واصلت روسيا وبريطانيا لعبتيهما القائمتين على ضعف إيران· وواجهت إيران الغرب وجهاً لوجه، بعد أن عاشت معزولة عنه ولا تعرف شيئاً عن نهضته وحركة التنوير الأوروبية· وبينما كانت أوروبا تدخل ثورتها الصناعية، كانت إيران ما تزال غارقة في تقاليدها وعلومها التي تعود إلى العصور الوسطى·
جاء اتصال إيران بالغرب بعد الهزائم العسكرية التي منيت بها في النصف الأول من القرن التاسع عشر· ففي منتصف القرن المذكور دخل الغرب إلى إيران ساعياً إلى مد نفوذه إليها وتحقيق مصالح دوله، بحثاً عن أسواق تشتري سلعه المصنعة التي أنتجتها الثورة الصناعية· ورافق هذه المساعي الاقتصادية الأفكار التي سادت أوروبا الغربية والتعليم والعلوم والتكنولوجيا والقوانين والأفكار السياسية والاقتصادية· وكانت هذه كلها تتناقض مع كل ما في إيران من طغيان سياسي وأمية وروح تقليدية وفقر وتخلف وعجز وتمزق·
قابلت إيران التغلغل الغربي برد فعل مختلف· فالمجابهة المفاجئة لثقافة العصور الوسطى المؤلفة من الدين والفلسفة والأدب مع العلم والتكنولوجيا خلقت حب استطلاع فكري ومهارة في التكيف ميزت التراث الفارسي للإيرانيين· لذا سارعوا إلى إنشاء معهد دار الفنون للبوليتكنيك في طهران سنة 1852، رداً على الهزائم العسكرية الإيرانية، وتقليداً لمعهد البوليتكنيك في باريس Ecole Polytechnique de Paris الذي أنشأه نابليون بونابرت Napoleon Bonaparte سنة 1794، لتطوير جيش الثورة الفرنسية· وتولت دار الفنون تدريب ضباط الجيش الإيراني· وكان من برامجها تدريس الهندسة والرياضيات واللغات الأجنبية والطب·
ومع نهاية القرن التاسع عشر غادر أبناء الأسرة المالكة والأسر الإقطاعية إيران إلى الغرب من أجل الدراسة· وعاد هؤلاء إلى إيران يحملون أفكاراً عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية· وقد أعجبوا بالغرب وبحضارته· وانتقل هذا التأثير والإعجاب إلى رجال الدين من المجتهدين·
ولكن الحداثة والتغريب كانتا تعنيان بالنسبة إلى قسم كبير من المجتهدين العلمانية الرافضة لدور الإسلام المركزي في تحديد هوية إيران الثقافية والسياسية· اهتم التقليديون الإيرانيون بالغرب من جانب دفاعهم عن الدين ورفضهم للكفار· وعزا هؤلاء تخلف إيران إلى عدم الالتزام بمبادئ الإسلام وتعاليمه، وأن بعث إيران ونهضتها لا يتمان إلا بالعودة إلى الحياة الإسلامية القائمة على القرآن الكريم والحديث النبوي وسيرة الأئمة الاثني عشر· وهذا كل ما يحتاجه المسلم· وهكذا نشأ في إيران، نتيجة الغزو الغربي، تياران: أولهما اتسم بالانفتاح والاندماج مع الحضارة الغربية، والتخلي عن العزلة الإسلامية والتقليد· وعبر اتباع هذا التيار عن ذلك بتأييدهم للثورة الدستورية في إيران بين سنتي 1905و 1911· وثاني هذين التيارين اتصف بالتمسك بالدين الإسلامي ورفض الغرب وحضارته· وبرزت المواجهة بين التيار الأول الذي يمثله العلمانيون ورجال الدين المتنورون والتيار الثاني الذي يمثله المدافعون عن الشريعة الإسلامية في معارك الثورة الدستورية الآنفة الذكر·(14)
صفحة 9
استطاع الشاه ناصر الدين (1848-1896) جعل عاصمته طهران مركز اهتمام العالم· فقد فتح الطرق التي تصلها بشمران وهمدان وأصفهان ومشهد· وأعاد شق شوارع طهران نفسها فوسعها وأنشأ ساحات واسعة فيها· وأظهر قصر غولستان الذي كان مقراً رسمياً للشاه ولإدارة الدولة، ثراء الدولة القاجارية وقوتها· وحمل الشاه ناصر الدين ألقاباً فخمة مثل: شاهنشاه، وملجأ العالم، ومركز توقير العالم، وقاهر المناخ، وحكم شعبه، وحامي الشعب، وفاتح البلاد، وظل الله على الأرض·
سعى ناصر الدين إلى إخراج إيران من عزلتها، وقام بجولات في أوروبا في سنوات 1873و 1878و 1889، ترافقه حاشية كبيرة بمن فيها زوجاته وإماؤه· لقد تأثر بما شاهده في جولاته هذه، فغير لباسه الشرقي· واتخذ لباساً أوروبياً، وزين قصر غولستان بلوحات زيتية أوروبية· ومع أن ناصر الدين قد بيّن في يومياته حب استطلاع قوي لكل ما رأى وسمع في عالم الممالك الدستورية الغريب، والنساء السافرات، فقد ركز اهتمامه على الأسلحة العسكرية· ولا شك أن الضغط الروسي على الأراضي الإيرانية، والسعي البريطاني لحماية الطرق المؤدية إلى الهند، دفعت الشاه إلى شراء التكنولوجيا الغربية، من معامل الذخيرة وصب المدافع ومعامل إنتاج ملح البارود· واقتنع الشاه بأن مصدر قوة إيران هو في تبني الأشياء من الغرب·
كان ناصر الدين شاه يمارس حكماً فردياً مطلقاً على رعاياه المنقسمين إلى قوميات وإثنيات وطوائف ومذاهب وقبائل متنافرة· وكان رجال الدين يؤيدونه حتى سنة 1890؛ إذ بدأ الخلاف معهم هذه السنة حينما قرر الشاه أخذ الأموال من الأوروبيين مقابل منحهم الامتيازات الاقتصادية لشركاتهم، بعد أن وجد أن الضرائب المحلية ومصادرة الأملاك الخاصة لا تكفي للخزينة القاجارية· وشرع بمنح امتيازات للتنقيب عن المعادن، وبناء السكك الحديدية، وفتح البنوك، وبيع أوراق اليانصيب للشركات والدول الأوروبية·
وجدت المعارضة السياسية للحكم القاجاري في هذه التدابير إضعافاً للأمة، بعد أن بعثت القومية الإيرانية من سباتها· وهي القومية القائمة على اللغة الفارسية والمذهب الشيعي· كانت البلاد قد تمزقت بحروب النصف الأول من القرن التاسع عشر، وها هو الشاه يبيع البلاد للغرب·(15)
صفحة 10
المعارضة السياسية لناصر الدين شاه
اشتدت المعارضة لناصر الدين شاه، وتألفت من رجال الدين وبعض المثقفين ثقافة غربية، وهاجمت النظام الإقطاعي القاجاري والفساد المستشري في البلاد وبيع موارد البلاد للأجانب· وفي مجتمع أكثريته الساحقة من الفلاحين الأميين والقبائل الرحل وحرفيي المدن، كانت حركة الإصلاح الإيرانية مكونة من المثقفين والتجار ورجال الدين المتنورين، وكلهم يطالبون باضعاف النفوذ الأجنبي في إيران، وبالإصلاحات الاجتماعية، وإيجاد مراقبة مؤسسية على استبداد البلاط الشاهنشاهي· وكان لكل فئة من المعارضة خصائصها ومصالحها·
كان المثقفون يمثلون الأسر الثرية والنخبة القبلية، والعديد منهم قد درس في الغرب واستوعب الليبرالية الغربية· وكانوا يرون أن التحديث يعني نهاية عجز إيران· واقتصر نفوذهم على طبقتهم الاجتماعية وعلى التجار· أما التجار أو البازار فقد اقتصر اهتمامه على إصلاح النظام القاجاري في الجانب الاقتصادي ولا سيما التجارة المحلية والخارجية وأعمال البنوك· فقد واجه التجار مشكلة الطرق غير المعبدة والاتصالات الضعيفة والأمن المضطرب على الطرق· فقد كانت العصابات المسلحة تهدد التجارة الداخلية على الدوام· كما وجد التجار الإيرانيون صعوبة في منافسة التجار الأجانب لعدم وجود بنوك محلية تقرضهم المال لتوسيع تجارتهم، وتوفر اتصالاتهم بالخارج· ولكن هؤلاء التجار كانوا بحاجة لرجال الدين من أجل الضغط على ناصر الدين شاه لإدخال هذه الإصلاحات، ورجال الدين هم القادرون على تحريك الجماهير الشعبية· وهم، في الحقيقة، فئتان: الأولى قليلة العدد وتشارك المثقفين حماستهم للإصلاح والتعليم الغربي باعتبارهما مفاتيح الثروة والقوة القومية·
كان من أبرز رجال الدين المتنورين جمال الدين الأفغاني (1839-1896) الذي يعتبره الإيرانيون إيرانياً وليس أفغانياً· وقد استدعاه الشاه ناصر الدين إلى إيران سنة 1886، وتولى وزارة الحربية، ولكنه غادر إيران بسبب خلافه مع الشاه· كان جمال الدين يرى أن سبب تخلف المسلمين وتدهور حضارتهم هو ترك حكمة الدين، وأن سبيلهم إلى استرجاع قوتهم وعزتهم هو العودة إلى دينهم النقي، وتحرير الفكر الديني الإسلامي من قيود التقليد وفتح باب الجهاد، والتوفيق بين العلم والإيمان، ورفض تقليد الغرب في مختلف نواحي الحياة دون ضرورة وبلا تمحيص وإمعان، وضرورة اطلاع العلماء المسلمين على التيارات الفكرية الحديثة، وأن الإصلاح الديني هو الطريق إلى التمدن الحقيقي، والدعوة إلى توحيد الفرق الإسلامية ولا سيما السنة والشيعة، والدفاع عن الإسلام والحضارة الإسلامية، إزاه هجوم المفكرين الغربيين عليهما·(16)
وعلى الساحة الإيرانية، كان ملك المتكلمين المعروف بلقب ملك الخطباء مع هؤلاء المجتهدين المتنورين· فهو يقول: مصيركم ومصير أمتكم وأبنائكم يقع تحت لواء العلم وليس غيره وطالب المجتهدون المتنورون بإجراء تغييرات جذرية في الدولة والمجتمع· أما أكثرية رجال الدين فقد ظلت على ولائها للشاه·
ولكن تبني الشاه ناصر الدين للتعليم الغربي والإقبال الواسع عليه غدا تهديداً لرجال الدين ولحوزاتهم الدينية، لأنه أضعف دورهم ونفوذهم في هذا الميدان· وجاءت القطيعة بين الشاه ورجال الدين حينما منح الشركة الامبراطورية البريطانية للتبغ British Imperial Tobacco Company امتياز شراء جميع إنتاج إيران من التبغ مقابل (15) ألف جنيه إسترليني سنوياً· وقد أثار هذا الامتياز غضب جميع الفئات الشعبية، إذ شعر آلاف الفلاحين الذين يزرعون التبغ المرتفع السعر، وآلاف صغار التجار الذين يبيعونه، ومئات آلاف الذين يدخنونه، أن السيطرة على إنتاجه كله قد أعطيت إلى البريطانيين، وأنهم حرموا من هذا الحق الذي كانوا يعتمدون عليه كمصدر لمعيشتهم· ولذا تعاونت جميع فئات المجتمع في معارضة الشاه الذي باع إيران للكفار من خلال منحهم الامتيازات·