eKtab
EN ع
أزمة الأقليات في الوطن العربي
اقرأ عينة مجانية

أزمة الأقليات في الوطن العربي

بقلم د. ميلاد حنا

صفحة 1

كلمة الناشر

قد لاتبدو مسألة الأقليات مهمة عند المسلم.

فهو لم يسبق له أن واجه مشكلة مع من هاجر إليه من أكراد وداغستان ومغاربة وأفغان، بقدر مافتح لهم صدره وآثرهم على نفسه.. حتى الأرمني الذي يختلف معه ديناً، لم يجد في نفسه حرجاً في أن يتعايش معه ويحبه.

ثم إن ذاكرة المسلم زاخرة بالنصوص المرجعية من القرآن والسنة التي لاتدع مجالاً لبروزها مشكلة تستعصي على الحل.

فالتنوع البشري فيها سنة كونية تستهدف ترقية الإنسان وإغناء تجاربه.

وتجمع الناس في شعوب وقبائل، سبب لتعارفهم .

واختلاف ألسنتهم وألوانهم آية تكاملهم وتعاضدهم ورسل الله عنده إخوة لايصح إيمانه مالم يؤمن بهم جميعاً؛ لايفرق بين أحد منهم .

وهم ينتمون إلى مدرسة واحدة، ترفض مسلمات الآباء، وتدعو إلى تغييرها بالحكمة والموعظة الحسنة والبلاغ المبين، وتنهى عن الإكراه في الدين، تاركة للإنسان حرية اختيار دينه بملء قناعته، ومحتفظة لله تعالى وحده بحق محاسبته على اختياره، بمقتضى أمانة العقل التي ائتمنه عليها.

والإنسان في نظر المسلم باحث عن الحقيقة، لايحق له أن يدعي امتلاكها واحتكارها من دون الناس. جل ما يمكنه ادعاؤه أن يقول: ((رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي مخالفي خطـأ يحتمل الصواب))، وهو مايستبطن اعترافاً بالآخر، وقبول الحوار معه لاستجلاء ماقد يكون لديه من حقيقة خفيت أو غلط استبان.. فإن تعذر الوفاق على هذه الحال، فإنه لايفسد للود قضية، ولا يمنع من التعايش على أساس {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 109/6].

إنما يمنع التعايش الشعور بالاستعلاء والتفوق على الآخر، الذي ينتج الظلم والحرمان والقهر والنفي والتهجير ..

هكذا يسترسل المسلم في تهوينه من مشكلة الأقليات، واستبعاده لإمكانية نشوبها.

لكنه حين يعاني المشكلة؛ مغترباً وسط أغلبية مختلفة في الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس، أو ملاحقاً مضطهداً بسبب رأيه في نظام سياسي متسلط لايطيق سماع صوت آخر، أو مصغياً إلى آخر يبثه حزنه وشعوره بألم الحرمان والانتقاص والرفض.. فلسوف يدرك أن النصوص مالم تتحول إلى ثقافة راسخة في ضمير الإنسان، يغتذي بها من ثدي أمه، ويتلقاها مناهج ثابتة في مدرسته وإعلامه، ويعيشها في سلوك مجتمعه، فإنها سرعان ماتضيع عند أول همسة يهمس بها شيطان ماكر، موقظاً نزعة الأنانية البغيضة {أَنا خَيْرٌ مِنْهُ} [ص: 38/76]، فلا يبقى على أثرها أحد خيراً من أحد، وينخرط المجتمع كله في فتنة لاتبقي ولا تذر، حتى ينفرط عقده ويتفرق جمعه، فيلعن الشيطان بعد فوات الأوان.

ولعلنا نلاحظ أن مسألة الأقليات ترتبط بالتحضر؛ تختفي عندما ترتقي أمة معارج الحضارة، فتبحث عن نقاط وفاقها لتنميها، وتبرز عندما تسأم أمة تكاليف الحضارة، فتبحث عن مواطن اختلافها وتثيرها لتهوي بها في حضيض التخلف.

إن مكمن الإثارة في هذا الحوار عن أزمة الأقليات أنه يجري بين مفكريْن كبيرين يعيشانها ويعانيانها: مصري من الأقباط يكشف عن منابعها ودخائلها، وسوداني يكتوي بلده بنارها منذ ثمانية عشر عاماً.

ولسوف نلمس من حوارهما مدى الضرر الذي يترتب على تجاهلها، والحاجة إلى مزيد من الحوار حولها، لكشف خفاياها وجذورها.

صفحة 2

مقدمة

يكاد موضوع الأقليات في الوطن العربي أن يكون من محرمات الكتابة والبحث، أو على الأقل يفضل أن يكون من المسكوت عنه. إذ لا تعدُّ معالجة هذا الموضوع من النشاطات الفكرية البريئة، فهي غالباً ما تثير الريبة والشك وتذهب بالظنون بعيداً خاصة إذا كانت الأجواء السياسية غير عادية. ولأننا لم نتعرض لمسألة الأقليات، كان من الطبيعي أن يأتي الاهتمام من قبل باحثين أجانب، مما يجعل القضية لا تخلو من شبهة تآمر أو نيات سيئة. ورغم أن الوطن العربي شهد حروباً طائفية وإثنية استمر خلالها الاقتتال لسنوات طويلة، كما حدث في لبنان والسودان. وهي أمثلة لصراع ظاهر وعنيف. ولكن الكثير من الدول العربية يمور داخلها صراع أقليات كامن وناعم لم ينفجر بعد. ويمكن أن يعبر عن نفسه بأشكال أخرى في أي لحظة. كل هذا لم يجعل الاهتمام بمسألة الأقليات يحتل مكانة متقدمة في الفكر العربي أو المجال الأكاديمي والبحثي أو حتى في العمل السياسي المباشر.

تسعى هذه الدراسة للمساهمة قدر الإمكان في طرح سؤال الأقليات بتتبع المفهوم والمعاني والمصطلحات المتشابهة أو المتقاطعة التي تساعد في فهم وإدراك الظاهرة. ثم الرصد التاريخي بحثاً عن صلة الماضي في تشكيل حاضر وواقع الأقليات بالإضافة لتكوين النظرة والوعي بالأقليات. وبالتأكيد، في النهاية التساؤل حول المستقبل وتصور ممكنات المخرج. ولقد أصبحنا لا نتحدث عن استشراف المستقبل لأن الحاضر لا يمدنا بالحقائق الثابتة نسبياً، فحالة الانتقال التي تعيشها مجتمعاتنا تجعلنا مثل أبطال الرواية مفتوحة النهاية. وأمامنا الحرب الأهلية في السودان التي يمكن أن نؤرخ لها بصيف 1955م. وطوال هذه المدة عجزت كل القوى السياسية والنخب الحاكمة عن الوصول إلى حل ناجع يوقف هذا النزيف. وبالتأكيد العجز عن الحل دليل على ضعف التحليل والفهم للمشكلة. والسبب في ذلك قد لا يرجع إلى ضعف الوسائل العلمية والفكرية، ولكن الجرأة والصدق هما العلة الحقيقية.

إن ربط موضوع الأقليات بقضايا الحرية يفسر كثيراً من القصور والسلبيات، لأن الحرية هنا لا تتوقف عند المطالبة بها للأقليات، بل هي مطلوبة كوسيلة لدراسة الظاهرة دون محاذير ورقابة خارجية وداخلية. ومع أن قضايا الحرية تلح علينا بقوة خاصة وأن العالم المعاصر قد أعطاها أولوية قصوى، مهما اختلفت الدوافع ، إلا أنها تأتي عندنا بعد هموم أخرى كثيرة. ولم تصبح شرطاً ضمن أجندة البحث عن حلول لتلك الهموم. فالحرية وسيلة وغاية في حد ذاتها أي نستخدمها في فهم المشكلات برؤى صافية ونجعلها هدفاً واقعياً نواجه به أسباب وجود هذه القضايا المعقدة التي تقعد بالمجتمعات والأوطان.

إن البحث عن حلول علمية وواقعية لمشكلات الأقليات من خلال التسامح وقبول الآخر وتبني التعددية السياسية والثقافية، هو المدخل الصحيح لقيام دولة وطنية قوية يمكن أن تتجه نحو وحدة قومية شاملة ومستدامة. ولكن حين تنشغل كل دولة بأزماتها الداخلية خاصة المتعلقة بدمج الوحدات الاجتماعية والثقافية، فسنكون أمام دول ومجتمعات فسيفسائية مبعثرة تنقصها القدرة أو القوة الذاتية. وبالتالي لن تضيف لما هو أكبر أو أشمل أي الوحدات القومية الكبرى.

حاولت هذه الدراسة أن تُعّمق فهم ظاهرة الأقليات من خلال التاريخ وعلم النفس والاجتماع، وألا تكتفي بوصفية خارجية لنتائج تلك العوامل الدفينة التي تقف وراء الدوافع للتفرقة أو التمييز، والدوافع التي تجعل المجموعات تصل حد القتال ومحاولة القضاء على الآخر. فقد لاحظت أن أغلب دراسات الأقليات تدخل إلى الأبعاد السياسية مباشرة، وبرغم أننا لم نغفل دور السياسة، ولكن وضعنا السياسة في سياق أوسع وفي حجمها الحقيقي بالذات كنتيجة لسيرورة ثقافية واجتماعية ونفسية. قد يحس القارئ بالابتعاد أو التفصيلية أحياناً، ولكن كل هذا ليس من النوافل في موضوع كالأقليات، ولكنه بحكم العادة يتوقع تناولاً معلوماً ومطروقاً.

صفحة 3

استهلال

يعدُّ موضوع الأقليات (Minorities) من الموضوعات الهامة والقديمة المتجددة مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحدث في الحقب التاريخية المختلفة. وهو موضوع تداخل تخصصات عديدة مثل الاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة والتاريخ ودراسات الحضارة وعلم الوراثة. لذلك فهو يثير الجدل والمناقشة والاختلاف بين قطاعات واسعة من الأكاديميين والمهتمين بالمشكلات الإنسانية. وتخطى هذا الاهتمام قاعات الدراسة، لأن مشكلة الأقليات والعنصرية برزت واقعياً على سطح حياة كثير من المجتمعات بالذات الدول حديثة الاستقلال، لأنها مرتبطة بالوحدة الوطنية وكيان الدولة الجديدة المتماسكة وبقضايا التنمية والتطور الاقتصادي. كما أن هذه المشكلة تخفي داخلها صراعات حقيقية أخرى مثل الصراعات الطبقية والاجتماعية - الاقتصادية المختلفة والتي تظهر كصراعات عرقية أو إثنية.

تعددت المداخل والمعالجات حسب تكوين الباحثين العلمي وإيديولوجياتهم والأهداف العملية، ولكن يمكن أن نحصر الاتجاهات والمناهج في مدخلين كبيرين - لأسباب إجرائية - ثم تتنوع داخلها طرائق وزوايا تناول الموضوع وهما:

1- المدخل الأنثروبولوجي والذي يهتم بمفهوم العرق (Race) والمجموعات الإثنية (Ethnic Groups) أي التركيز على التماثلات الثقافية، وتاريخ الأعراق الرئيسية والسلالات، وهذا المدخل قد تنجم عنه نظريات وتسويغات عنصرية مختلفة.

2- المدخل الاجتماعي والذي يعالج العلاقات العرقية ووضعية الأقلية تجاه الأغلبية والتعصب والتحيز العنصري وأشكال الصراع وسبل حل المشكلة مثل: الدمج والتذويب والتعددية والانفصالية والصدامية ثم أنواع الأقليات، كذلك السلوك الجمعي في الجماعات متداخلة العلاقات.

هذا التقسيم الثنائي قد لا يكون له وجود في واقع الدراسات المهتمة بالأقليات والعنصرية لتكاملية المدخلين (Interdisciplinary)، ولكنه تصنيف من أجل البحث، وتسهيل عرض بعض أشكال التطور التاريخي لمفهوم الأقليات، وأسس نشأة مسوغات إيديولوجية وسياسية تحاول أن تأخذ الطابع العلمي سواءً كانت على أسس أنثروبولوجية أو اجتماعية خاصة. وأن هذه المسألة العرقية ذات طابع يمس الواقع الحياتي أيضاً بصورة مباشرة تظهر في التعامل الملموس، مما جعل مهمة اللحاق بإيجاد تفسير منطقي وعلمي أمراً صعباً يكون مبتوراً إذا حصرنا فهمه على مدخل أو مدخلين منفصلين.

صفحة 4

تاريخ القضية

يرتبط موضوع الأقليات بمفاهيم مثل العنصر أو العرق Race والمجموعات الإثنية (Ethnic Groups) ويهتم بالعلاقات العرقية (Racial Relationals)، والعنصرية (Racism)، والتفرقة العنصرية Racial (Segregation) أو (Apartheid)، كما كان الحال في جنوب إفريقيا. وهو موضوع قديم بالذات حين يأخذ بعداً أوسع يقوم على أساس إيديولوجي بمعنى ضمن رؤية شاملة للعالم والإنسان. ومن ثم يصنف الإنسان الآخر حسب أصله وعرقه أو ثقافته بالمفهوم الشامل. ويقوم على مثل هذا التصنيف تحديد جميع العلاقات الاجتماعية الأخرى من العشيرة أو القبيلة حتى الدولة الوطنية مثلاً أو العلاقات بين المجتمعات أو الدول المختلفة على صعيد عالمي أو إنساني عام.

من هذا المنظور يمكن تتبع فكرة تصنيف الإنسان حسب أصله أو عرقه أو ثقافته أو دينه أو لونه، وإرجاعها إلى حقب بعيدة في التاريخ، وهي تبدأ مع شعور أي مجموعة بالـ(نحن/ We – feeling)، أو التمييز بين الجماعة الداخلية (In – group)، والجماعة الخارجية (Out – group)، وهذا شعور قديم وعام في أي جماعة يبدأ عفوياً وتلقائياً ولا عقلانياً. فالفرد حين يواجه غريباً يتولد لديه إحساس (قد يكون حذراً أو خائفاً أو متقبلاً) لتمايز واختلاف ذلك الآخر. قد يكون شعوره بسبب اللون أو الشكل أو اللغة أو الهيئة أو السلوك. وقد يتبلور هذا الإحساس أو الشعور داخل جماعة ما، ثم تبدأ الجماعة في إعطائه شكلاً ومحتوى عقلانياً بمعنى خلق وتكوين الأسباب والمسوغات المقبولة الكامنة خلف هذا الشعور تجاه الآخر أو الغريب خاصة لو أخذت العلاقة المتبادلة شكلاً عدائياً. ويتحول ذلك الشعور أو الإحساس شبه الطبيعي أو الفطري إلى موقف إيديولوجي أو ثقافي، لأن مسألة اختلاف (بالذات حين تستخدم صفات مثل دونية أو انحطاط) المجموعة أو الجماعة الأخرى سيسوّغ وتختلق له شواهد وإثباتات مفتعلة تجعله "حقيقة" عند الجماعة أو جزءاً من ثقافتها ونظرتها للإنسان والعالم.

كانت هذه هي بدايات الفكرة العنصرية أو العرقية على مستوى حضارات أو مجتمعات كبرى في التاريخ القديم، فقد كانت الشعوب القديمة تطلق على الشعوب الغريبة عنها لفظة (برابرة) كما هو الحال عند اليونان، أو ترى نفسها الشعب المختار، أو شعب الله المختار كما يقول اليهود. وكانت القبائل البسيطة أو ما يسميها البعض (البدائية) تطلق كلمة إنسان على نفسها فقط. وفي تلك الفترة لم تحاول هذه الشعوب أو القبائل إيجاد دلائل (علمية) تثبت ادعاءاتها وافتراضاتها. ولكن تغير الحال مع تطور العلوم الطبيعية بالذات البيولوجية وقوانين الوراثة، ثم العلوم النفسية والاستفادة من اختبارات الذكاء ومقياس معدلاتها، يضاف لها النظريات الاجتماعية والسياسية في فهم التقدم أو التمايز بطريق منحازة ومتعصبة. كما عرفت فترة بزوغ الفكرة القومية (Nationalism) محاولات تأكيد عناصر التشابه بين مجموعات مبعثرة، وهذا قد يقود بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للشعور بالامتياز والتفوق وعلى الأقل بالاختلاف عن الآخرين. ثم أعقبت فترة نمو القوميات في القرن التاسع عشر مرحلة التسابق الاستعماري نتيجة للتطورات الاقتصادية الناجمة عن الثورة الصناعية، وبدأت الدول الأوربية في البحث عن مستعمرات يمكن أن تكون مصدراً للمواد الأولية (الخام)، وأسواقاً للسلع الأوربية، ومصدراً للأيدي العاملة الرخيصة، أو البحث عن مواقع استراتيجية. وجاء الاستعمار تحت ستار حضاري - حسب زعمه - أي من أجل (تمدين) تلك الشعوب المستعمرة وسمى المهمة "عبء الرجل الأبيض" (White Man’s Burden). وفي بعض الأحيان لم يتوقف عند حد الادعاء النظري بالتفوق، بل عمل فعلياً من خلال الاستيطان على تطبيق أفكار التفوق، وعزل الآخرين بسن قوانين عنصرية (جنوب إفريقيا وروديسيا)، أو من خلال التمثل الإجباري والاستيعاب الثقافي مثل فرنسا. كما عمل الاستعمار الغربي في أثناء وجوده في دول العالم غير الأوربي بالتركيز على الاختلافات الإثنية (الثقافية والعرقية) في الأقطار التي حكمها، وكانت الإدارة الاستعمارية تعتمد على القبائل أو على المجموعات المختلفة بتقريب بعضها، وبإعطائها الامتيازات على حساب القبائل والمجموعات الأخرى. وهذا ما عرف بسياسة (فرّق تسُد Divide and Rule). وتعد الإدارة البريطانية بالذات مثالاً لهذه الممارسات في الهند ونيجريا والسودان وفلسطين.

صفحة 5

نحو تعريف للأقليات

نواجه من البداية بصعوبة تحديد التعريف الحصري أو الجامع المانع لمفهوم الأقليات أو الأقلية، وهذه إشكالية تسود في ميادين العلوم الإنسانية والاجتماعية والنظرية عموماً. لذلك لا نكتفي بتبني تعريف بعينه، ولكن سنستعرض عدداً من التعريفات التي قد تمكّن القارئ من تركيب تعريف أو معنى أكثر شمولاً.

تقدم الموسوعة البريطانية الجديدة تعريفاً يقول : ((الأقلية هي مجموعة متميزة ثقافياً أو إثنياً أو عرقياً تعيش ضمن مجتمع أكبر. وهذا المصطلح عندما يستخدم لوصف مثل هذه المجموعة، يحمل داخله شبكة من الآثار السياسية والاجتماعية))[1].

ولأن المصطلح يستخدمه علماء السياسة والاجتماع، فالأقلية بالضرورة خاضعة لمجموعة مهيمنة ضمن المجتمع. ووصف التبعية أو الخضوع - أكثر من كونه عددياً - هو الأصل في التعريف والخصيصة الأساسية المعرِّفة للأقلية، مثال جنوب إفريقيا؛ فالسود كانوا أقلية كيفية رغم الكثرة، فهذا يعني أنها أقلية، بحكم هيمنة الأمة البيضاء إذ قد تكون الأكبر حجماً من المجموعة المهيمنة.

عند الاجتماعيين، فإن الأقلية لابد أن تكون متميزة ليس بالضرورة مميزة (من الامتياز)، أي التمايز بمعنى الاختلاف فقط أو مختلفة اجتماعياً. وبهذا التفسير فهي لها أحكام وشروط معينة للعضوية وتوجيهات محددة للسلوك الثقافي تفرقها عن الأغلبية. ولا بد أن تكون لها خصائص واضحة تميزها عن بقية المجتمع. وبانفصالهم عن القوى المهيمنة في المجتمع، فإن أعضاء الأقلية غالباً ما يُبعدون عن الاندماج العام في نشاط المجتمع، وفي الوقت نفسه قد يحرمون من نصيبهم من الحقوق والمكافآت المجتمعية. وفي أغلب الأحيان تكون الأقلية النمطية هي الأفقر والأقل تملكاً أو حيازة للسلطة والثروة مقارنة بالأغلبية، مع وجود اسثتناءات نادرة .

تذكر الموسوعة أن غياب بعض الخصائص يجعل من الصعب اعتبار بعض المجموعات أقليات. ففي أمريكا المعاصرة، نجد أن الدين نادراً ما يصلح كمعيار للأقلية بسبب علمانية الدولة، التي لا تجعل الدين عاملاً مؤثراً في أي تمايز أو تصنيف. ومثال ذلك مجموعات الماسونيين في الغرب، رغم اشتراكهم في معتقدات تختلف عن الآخرين، ولكنهم يفتقرون لخصائص مميزة تجعل منهم أقلية متماسكة. نادراً ما تعتبر أي مجموعة اجتمعت لأسباب اقتصادية أولية أقلية، إذ لا يكفي الوجود في مكان مشترك، إلا إذا ارتبط نشاطهم بعناصر موحدة مثل القرابة والعرق أو الثقافة. ويختلف دور مجموعات الأقليات من مجتمع إلى آخر اعتماداً على بناء النظام الاجتماعي، وعلى القوة النسبية للأقلية. وفي الماضي كان المجتمع يواجه خيارين في مواجهة وجود الأقلية: القضاء عليها أو تحملها ودمجها. وكان يمكن القضاء على الأقلية بوسائل عدة مثل الرفض والقمع. ففي القرن السابع عشر منع الكاثوليك الرومان من اعتناق البروتستانتية في فرنسا. وكان على البروتستانت، إما ممارسة العبادة سراً، أو تغيير دينهم أو مغادرة البلد. فالبروتستانتية بهذه الطريقة اقتلعت كثقافة شعبية. وتعتبر النازية النموذج المتطرف لقمع الأقليات كما حدث لليهود. أما الخيار الأقل قسوة فهو: الدمج، ففي هذه الحالة تتبنى الأقلية الصفات الثقافية للأغلبية المهيمنة. ففي القرن 19 وبداية العشرين شهدت الولايات المتحدة تدفق المهاجرين والذين تَمثَّلوا الحياة الأمريكية واندمجوا فيها برغم الصعوبات.

يقدم المعجم النقدي لعلم الاجتماع تعريفاً للأقليات يرى أنها عبارة:-" تُذكر أولاً بتجزئة مجموعة إلى مجموعتين داخليتين على الأقل، تكون إحداهما أكثر عدداً من الأخرى، أو إذا كان ثمة أكثر من مجموعتين داخليتين، أكثر عدداً منها كلها"[2]. ولا بد أن تضاف إلى الأكثرية خصائص أخرى، ونلاحظ هنا أن تعريف وتحديد الأقلية معكوس؛ أي بتحديد الأكثرية، لكي تكون الأقلية ما هو غير ذلك أو التعريف بالسلب. فالأكثر عدداً يمكن أن يكونوا الأقوى:" وذلك ما يحصل من وجهة نظر سياسية حصراً، في الأنظمة الديمقراطية. ويمكن أن يحصل، على العكس، أن تعتبر الأقل عدداً هم الأفضل. كما في الأنظمة الأرستقراطية أو في المجتمعات ذات التوجه النخبوي"[3] .

يركز تعريف المعجم على الديمقراطية ونموذج الحالة الأمريكية في تحديد وجود الأقليات وتطورها. فمع حدوث التمييز بين الأكثرية والأقلية (الأقليات) يبرز السؤال هل تنجم هذه التجزئة عن انقسام ما؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فهذا يعني أن وحدة المجموعة تكون قد تحطمت - حسب التصور المثالي لهذه الوحدة. ولذلك تواجه الأقليات ثلاث استراتيجيات ممكنة: الولاء أي أن تبقى الأقلية داخل المجموعة وتمتثل لإرادة الأكثرية، إما الانفصال أو المعارضة. وتعتبر الأولى (الولاء) والثالثة (المعارضة) من صياغة منظري الأنظمة الديمقراطية باعتبارها: "النظام الذي تم فيه ترتيب العلاقات بين أكثرية المواطنين وباقي الجسم السياسي بطريقة تجعل التعايش السلمي بينهم ممكناً"[4]. والسؤال كيف يتم تحقيق هذا الترتيب في الواقع؟ يرفض أصحاب المعجم القول المأثور: صوت الشعب هو صوت الله؟ لأنه مفهوم ديني للديمقراطية وللقاعدة الديمقراطية. كما يجب تجنب ما أسماه الليبراليون: طغيان الأكثرية، ومن ثم تحديد صلاحياتها بدقة. فالأكثرية تعترف بوجود الآخرين في الجسم السياسي وبمصالحهم الخاصة والتعبير عن آرائهم المميزة.

نتيجة لما تقدم، لا تستطيع الأكثرية ادعاء أي تفوق وامتياز، فهي فقط أغلبية لها صلاحيات واسعة في اتخاذ القرارات الملزمة للجميع. والنتيجة الأخرى المهمة هي أنه غير مسموح لأي قسم أو جزء من الشعب - مهما كان حجمه - أن يعتبر نفسه الشعب أجمعه. وبهذه الطريقة يمكن ضمان حقوق المواطنين الذين يشكلون أقلية - عبر قاعدة التناوب أو أي تدبير مؤسساتي آخر حسب المفهوم الدستوري للديمقراطية[5].

صفحة 6
هناك تعريف سوسيولوجي يركز على العلاقة الاجتماعية والتفاعل باعتبار أن الأقلية كما لاحظنا في التعريف السابق قد تُحدد بغيرها. يرى (Klinloch) "الأقلية هي الجماعة التي تُعرّف على أنها مختلفة عن الأغلبية، حسب افتراضات مرتبطة بمعايير جسمانية أو ثقافية أو اقتصادية أو سلوكية، ونتيجة لذلك تعامل وتضبط بصورة سلبية"[6] [(2)] هناك عوامل أساسية - مجتمعية، جماعية (جماعاتية) وفردية تتسبب في هذه العلاقة ، قد نحصرها في ستة أبعاد رئيسية:
 
1- البعد التاريخي: كيف ظهرت الأقليات وتطورت في مجتمع ما؟ ما أصولها أو أسسها وتطورها؟
 
2- البعد الديموغرافي: ما خصائصها حسب حجم الجماعة، التوزع الجغرافي، سمات اقتصادية وصحية، وهكذا. ما أحوالهم الديموغرافية، الاقتصادية - الاجتماعية مقارنة بجماعات الأغلبية؟
 
3- البعد الموقفي: ما الاتجاهات والنمطيات (Stereotypes) فيما بين الأقليات نفسها، وبينها وبين جماعات الأغلبية؟
 
4- البعد المؤسسي: ما المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع التي تدعم الاتجاهات نحوه، وتضبط العلاقات بين جماعات الأقلية؟ تتضمن الأمثلة العزل/ الأبعاد السياسي، اللامساواة في المرتبات، فرص تعليم غير متساوية، النمطية الإعلامية (صورة الأقليات في الإعلام) والتفرقة القضائية. كل هذه مجالات للضبط المؤسساتي لجماعات الأقلية.
 
5- البعد الحركي - الاجتماعي: ما ردود فعل جماعات الأقلية تجاه الأغلبية خلال فترة زمنية في شكل حركات اجتماعية - محاولات الأقلية الأساسية للتعامل مع وضعها الخاضع للسيطرة.
 
6- الأنواع الرئيسية لعلاقات الجماعة: ما النتائج الناجمة عن علاقة الجماعة وخصائصها المتغيرة - يتضمن ذلك تفاعل الأقلية – الأغلبية، وكذلك تفاعل الأقليات.
 
ثمة مداخل متعددة لدعم الأبعاد السابقة، منها:
 
أ- المدخل الفسيولوجي: يعتمد على افتراضات قائمة على أسس فسيولوجية للأقليات: الجينات، الاختلافات الهورمونية تأثيرات العمر، فروق مفترضة في مستويات الذكاء، والعلاقة المفترضة بين شكل الجسم والسلوك الاجتماعي.
 
ب- مدخل سيكولوجي: ويركز على أنماط وعوامل الشخصية والأمثلة تشتمل على نظريات فرويد، الفروق الجنسية، الطفولة، الانحراف، ونظريات الشخصية المهتمة بالفروق الإثنية والطبيعية، والسلوك المنحرف.
 
جـ - المدخل الاجتماعي النفسي: يشتمل على نظريات الجماعة المرجعية والدور والوعي الطبقي، والحرمان النسبي، وتحديد الانحراف - أي الافتراضات الخاصة بأثر عوامل الجماعة في علاقات الأقلية.
 
د- المدخل الاجتماعي: يركز على أهمية الخصائص المجتمعية مثل قيم جماعة الأغلبية، الأساس الاقتصادي للمجتمع، آثار التطور الاقتصادي، أنماط بناء الأسرة، تطور اللامعيارية (anomie) نظريات التراتب الاجتماعي، المدى الذي يفترض أن تفترق فيه الأقليات فيزيقياً وثقافياً واقتصادياً عن الأغلبية.
 
أما الأغلبية فهي: أي مجموعة قوة - نخبة تحدد الآخرين كمختلفين و/ أو أدنى حسب خصائص مدركة، ومن ثم تضبطهم وتعاملهم سلبياً. ولذا الأقلية: هي أي مجموعة حددتها الأغلبية حسب خصائص مدركة وتعاملها نتيجة ذلك بطريقة سلبية.
 
وينتهي هنا التعريف إلى أن الأقليات ليست مسألة عدد، فهي معرّفة وخُلقت وكُرِّست من قبل نخبة نافذة. ضمن عملية تقوم خلالها الأغلبية بتقوية بناء السيطرة - الخضوع. ونضيف أن الأقليات ظاهرة عامة في كل المجتمعات التاريخية والمعاصرة. تتميز حالياً بالوضوح وإمكانية الملاحظة، وهي أساس التنظيم الاجتماعي لأن جماعات الأقلية خاضعة لأشكال معينة في التفرقة. ومنحت أدواراً محدودة في السياسة والمجتمع والاقتصاد. فهي قاعدة / أساس للتنظيم الاجتماعي للنظام المجتمعي. كذلك أساس التراتب الاجتماعي، لأن فوارق الأقلية تحدد التراتب حسب الدور غير المتساوي والجزاء غير المتساوي. وهي أداة للضبط الاجتماعي من قبل الصفوة النافذة/ المنفذة، كذلك مؤشر للقيم الأساسية والتطور المجتمعي وأساس الديناميات الاجتماعية والتغير.
صفحة 7

الأقليات والعرقية

يحتل مفهوم العرق (Race) أو السلالة أو العنصر موقعاً هاماً في تصنيف الأقلية، وفي بعض الأحيان يتطابق العرق مع الأقلية. والعرق كلمة مطاطة ومخاتلة ومضللة في كثير من الأحيان، لأنها مثقلة بالانحياز القيمي (value Laden) وليست محايدة وثابتة. فقد تعطي المعنى حسب الحقبة التاريخية أو الإطار الثقافي أو الموقف السياسي. يعرِّف معجم علم الاجتماع العنصر أو الجنس أو العرق بأنه: "اصطلاح يطلق على مجموعة سكانية تتميز بصفات بايولوجية مشتركة تقررها العوامل الوراثية... ومن الجدير بالملاحظة بأنه ليس هناك ارتباط بين الصفات الوراثية البايولوجية والقدرات الذكائية، أو المزايا الحضارية للأجناس البشرية. إلا أن الاختلافات الظاهرية في المظهر الطبيعي والبايولوجي للأفراد أو العناصر، قد تؤدي في ظروف معينة إلى ظهور الوعي الذي يدفع إلى الاعتقاد بمبدأ الجيد والعنصر الرديء"[7]

نلاحظ في هذا التعريف أن العنصر أو العرق حقيقة علمية من زاوية وجود مجموعة من الناس لها خصائص فيزيقية موروثة تجعلها مختلفة في شكلها ومظهرها الخارجي عن الآخرين، ولكن هذه الحقيقة أي الاختلاف في الأشكال يجب ألاَّ يقود إلى القول بأنه هو سبب الاختلاف الحضاري بين المجموعات، طالما أنه من غير الممكن إرجاع نشأة الحضارة أو الثقافة وتطورها وتغيرها إلى جنس واحد، يمتاز بهذه الخواص خارج التاريخ، وبغض النظر عن الظروف الاجتماعية والبيئوية الأخرى. من هنا يمكن القول بأن العرق كمصطلح بايولوجي حقيقة موجودة، ولكن كمصطلح ثقافي - حضاري لا وجود له خاصة لو تحدثنا عن التفوق والعرق النقي. لأن الخصائص البايولوجية يمكن أن تورَّث في أغلب الأحيان، بينما الخصائص الحضارية والاجتماعية تكتسب في كل الأحوال. ولكي تكون فكرة العرق أو العنصر علمية، علينا أن نسلم بأن جميع البشر لهم أب أو أصل واحد، ولم تكن هناك اختلافات في الإنسان الأول، والذي يسمى الإنسان العاقل (Homo Sapiens)، ونتيجة للهجرات، واختلاف البيئات الجغرافية والمناخية والمحيط الثقافي أيضاً برزت الاختلافات في بعض الخصائص مثل لون البشرة والطول وشكل الرأس والوجه والشعر ولون العيون وشكل الأنف وبنية الجسم. والبشر يشتركون في التفاصيل الجسمية الرئيسية المهمة - مثل الدماغ والجهاز العصبي والدم والأوعية الدموية، وجميع الأحشاء والعضلات والشكل العام[8].

وهذه أعضاء جسمية عند جميع البشر أياً كان عنصرهم، فهي تؤكد أن الأصل واحد، أما الفروع والاختلافات فهي خارجية لا تؤثر على وحدة الإنسان وقدراته الجسمية والفكرية، والتي تتشكل حسب العوامل البيئوية، ويمكن أن تتغير حسب تغير البيئة.

نتيجة للحقيقة السابقة فهناك تصنيف وتقسيم يثبت وحدة الأصل إنسان وتفرعه معاً. فقد توزع الإنسان العاقل إلى ثلاثة عروق أو عناصر رئيسية، حسب ما تقول الدراسات الأنثروبولوجية هي: القوقازي والمغولي والزنجي، أو الأبيض والأصفر والأسود[9]، وهذه العروق تشمل عدداً مما أسماه لينتون الأنسال (جمع نسل)، والمقصود منها مجموعة من الأفراد الذين يتباينون، بالنسبة إلى معيار معين، في كل من خصائصهم الجسمية "ويمكن جمع عدد من الأنسال ذات الخصائص المشتركة في عرق أو عنصر واحد"[10].

هناك بعض العلماء يقول بأن العرق هو مجموعة مُعرَّفة اجتماعياً (Socially defined) بأنها متميزة فيزيقياً، سواءً وجدت هذه الفروق التمييزية أو لم توجد. ومن ثم يعدّ العرق مفهوماً ذاتياً (Subjective)، لأنه وجود لا يعتمد على حقائق موضوعية أو إمبريقية يمكن التحقق منها بملاحظة خصائص محددة، ولكن ذلك التحديد يعتمد على رأي مجموعة ما تجاه الآخر، مثلاً الإفرو - أمريكي يتوقف عن أن يكون زنجياً (Negro) حين يغادر الولايات المتحدة؛ فهو في جنوب إفريقيا قد يكون (Coloured)، وفي نيجريا - رغم تقارب اللون - يعد أوربياً أو أجنبياً، وفي البرازيل يدعى "يانكي"[11]. وهذا لا يمنع من وجود خصائص موضوعية كما أسلفنا، ولكنها كثيراً ما تكون مثقلة بالتحيز والتعصب والذاتية، خاصة عند تحليل أو تفسير هذه الخصائص وربطها بصفات أخرى غير جسمية أو فيزيقية.

كان النقاش كثيراً ما يدور بين الأنثروبولوجيين والاجتماعيين والبيولوجيين حول وجود العرق أصلاً، وكما يقول كروقمان، هناك ثلاثة احتمالات للحوار وهي:

1-العرق موجود في المجتمع البشري.

2- العرق غير موجود في المجتمع البشري.

صفحة 8

3- حتى لو كان العرق موجوداً في المجتمع البشري، فإنه لا ينطوي على أي دلالة إلاَّ في ضوء الفكرة التي يحملها عنه الناس وكيفية استجابتهم لهذه الفكرة[12]. ونحن في هذه الصدد نقول بوجود أعراق كبرى، ولكن قيمة ومعنى العرق نسبية أولاً، ثم لا تقرر الخصائص الاجتماعية والثقافية، وحتى الفروق الفردية بين الناس (وفي الوقت نفسه نحاول نفي وجود ما يسمى بالعرق أو النقي ومن ثم المتفوق). ونعتمد في كثير من النقاط على تقرير لليونسكو وضعته مجموعة من العلماء من مختلف الاختصاصات عام 1950م، وتقرير آخر عام 1951م، وتوصل إلى النتائج التالية:

1- أصل الإنسان واحد وينتسب كل الناس إلى مجموعة واحدة هي الإنسان العاقل أو الناطق (Homo Sapiens)، وتناسل الجميع من هذا الأصل، ثم تفرقوا وانقسموا إلى مجموعات أثَّرت فيها عوامل بيئية مختلفة أظهرت الاختلافات الفيزيقية الخارجية التي تمكن ملاحظتها بسهولة.

2- ثمة اختلاف ضعيف بين البشر في تكوينهم الأساسي وهذا الاختلاف بسبب الوراثة أو البيئة، ويمكن القول أن التشابه بين الناس أشد وأقوى من الاختلاف. وهذا الاختلاف ينظر إليه من وجهات نظر مختلفة حسب الأغراض العلمية (أو الإيديولوجية) التي يهدف إليها.

3- العرق يعني - نتيجة لما تقدم - "جماعة من الناس تتميز بتكتلها، وصلاتها القرابية قربى توافق فيما بينها وتجعلها تتوارث عناصر واحدة وصفات فيزيقية متشابهة، قد تختفي مع الزمن بسبب عوامل جغرافية أو عزلة ثقافية قد تثبت وتستمر"[13] وهذه الاختلافات واضحة، ولكن الخطأ في تفسير هذه الاختلافات بصورة تجعل المجموعة تبدو وكأنها تتمايز أساساً (أو تتفوق بسبب هذه الاختلافات).

4- ليس ثمة ارتباط حتمي بين المجموعة العرقية من جهة والمجموعة الوطنية أو الدينية أو الجغرافية أو اللغوية أو الثقافية، فلا يمكن تسمية الألمان أو الأمريكيين أو الفرنسيين أو الإنجليز أو أي شعب يكوِّن وطناً: عرقاً. كذلك المجموعات الدينية كالمسلمين أو اليهود أو البروتستانت أو الكاثوليك أو البوذيين. كما لا يمكن تسمية المناطق الجغرافية المنعزلة مثل جزيرة إيسلندة أو سكان الجزر البريطانية أو سيلان (سريلانكا) عرقاً. كذلك الذين يتكلمون لغة واحدة مثل العربية أو الإنجليزية، أو الجماعات الثقافية مثل الأتراك والصينين لا يمكن أن نطلق عليها كلمة (عرق)[14].

من المعروف أن العالم شهد ويشهد هجرات متواصلة منذ بداية التاريخ بسبب الحروب بين مجموعات بشرية مختلفة، يضاف لذلك عمليات التزاوج بين المجموعات المختلفة. لهذا يصعب إثبات وجود (عرق) نقي لم يتداخل أو يختلط مع الآخرين. كما أنه لا توجد معايير لتحديد (نقاء) العرق؛ فمفهوم مثل (الدم) أثبتت العلوم الطبيعية عدم فائدته لوجود أربع فصائل للدم يشترك فيها جميع البشر، ولذلك تصبح فكرة (الدم النقي) أو (الأزرق) مجرد أسطورة.

رغم وجود فوارق فيزيقية بين الأعراق الثلاثة الكبرى إلا أن ذلك لا يتضمن أي مدلولات ثقافية أو حضارية أو عقلية أو أخلاقية، ومن ثم لا يمكن القول بأن من قدر على صنع الحضارة هو أكثر ذكاء من الآخر بسبب عرقه. كما أن الفروق الفردية بين أفراد المجموعة الواحدة تنفي هذا الادعاء. ومثل هذه الفوارق تعود إلى تأثير البيئة والاستعداد الطبيعي وتعتمد على تكافؤ الفرص. وأحياناً قد يكون التفاوت بين أفراد العرق الواحد أكبر من أفراد عرقَين مختلفَين.

أثبتت بعض الدراسات الأنثروبولوجية مرونة الإنسان حتى بالنسبة للعوامل التي يظن أنها بيولوجية ووراثية فقد بيّن (بواس) (Boas) في دراسة له أن بعض المجموعات البشرية لا تحافظ على الثبات الذي يعتقد أنه يلازم الأنواع العرقية، وإنما على العكس تظهر ميلاً ملحوظاً إلى التغير حسب ظروف البيئة الجديدة، كذلك دراسة (باولز) حسب البيانات التي جمعت عن الأشكال الجسمية لطلاب جامعة هارفارد، وعلى مدى ثلاثة أجيال فقط حيث ظهرت زيادة حقيقية في الأحجام[15].

وثمة ثلاث وجهات نظر تثير الاهتمام في هذا التحليل مما جعل العلماء يغيرون مصطلح عرق:

1- السكان المحليون - في أغلب الأحيان - مختلطون لدرجة يصعب الرجوع إلى الجينات النقية، ومن ثم صعوبة الوصول إلى الوحدات العرقية الأصلية التي تناسلوا منها.

2- يوحي مفهوم عرق بأنه ثابت مطلقاً.

3- يرتبط مفهوم عرق كثيراً بعوامل عقلية وثقافية[16].

استبدل بعض العلماء الأنثروبولوجيين الفيزيقيين مصطلح عنصر أو عرق واستعملوا مفهوم مجموعة إثنية (Ethnic Group) على اعتبار أن مصطلح عنصر أو عرق صار تقليدياً، لذلك لم يعطوا المصطلح الحديث محتوى جديداً (من بين هؤلاء مونتاجو، هوفين، هادون، هكسلي) فهم لم يلغوا الاعتبارات البيولوجية، ولكنها حللت حسب ظهور المورثات (الجينات) وتوزيعها بين سكان العالم.

تُعرَّف المجموعة الإثنية على أسس اجتماعية تقوم على تماثلات ثقافية بين جماعات أو أعداد من الناس، وهذا لا ينفي أن تكون أحياناً هذه المجموعة الإثنية المعينة ذات خصائص جسمية وجينية (موروثة)، ولكن التصنيف يرتكز أساساً على الثقافة المشتركة، أي عادات وتقاليد ولغة ودين، وهي خصائص موضوعية ومستقلة في حد ذاتها بعيداً عن الاعتبارات الشخصية مع احتمال أن تُعمَّق هذه الاختلافات والتصنيفات على أسس من التعصب والتحيز اللامنطقي. وهذا الاتجاه نحو تفسير ثقافي- اجتماعي يحاول أن ينزع عن مفهوم العرق أي تفسير بيولوجي، ويرى ذلك مجرد افتراضات من قبل المجتمع نفسه، يفسر ردفيلد تلك الفكرة قائلاً:

" إن الفوارق الحقيقية بين الجماعات التي تتباين من الناحية البيولوجية، قد لا تنطوي على مضاعفات تذكر بالنسبة لشؤون الناس. أما الفوارق المتصلة بمعتقدات الناس وأوهامهم والفوارق المنظورة التي تستلفت انتباههم فهي التي تؤثر في شؤونهم وتصرفاتهم، ويمكن القول إذن أن العرق هو من اختراع الإنسان"[17].

يعتمد الاتجاه الاجتماعي - الثقافي على ما تكونه الجماعة من أفكار وعقائد ثابتة (Dogmas) عن نفسها، وكيف تنظر إلى المجموعة الخارجية أو الأخرى. وتصل إلى حد بعيد في إنكار الحقيقة البيولوجية، فهي تراها طارئة، ويمكن أن تزول من خلال التزاوج والهجرات مثلاً. ولكن المقياس الموضوعي في تحديد المجموعة الإثنية غير دقيق، وغير محدد، وذاتي للحد البعيد. والذي يجعل التصنيف صعباً، فقد تكون هناك مجموعتان متشابهتان، ولكن مع ذلك تعبر كل مجموعة عن تمايزها (القبائل العربية مثلاً).

صفحة 9

الرق والأقليات

تعد ظاهرة الرق من أكثر الظواهر التي أثَّرت في وجود وعلاقات مجموعات الأقليات الحالية. ويمكن القول أن رواسب الرق مازالت باقية حتى اليوم رغم إلغاء الرق كمؤسسة اجتماعية واقتصادية، إلا أنه بقي كثقافة حية في التعامل اليومي، وفي الاتجاهات والمواقف والتفاعل الاجتماعي من زواج وحقوق. فما زالت عبارات مثل (عبد) و (عبيد) وأخلاق أو طبع عبيد متداولة بدون كثير حرج في كثير من المجتمعات العربية - الإسلامية والشرقية عموماً، باعتبار أن الرق قد انتهى فيها في وقت متأخر تاريخياً مقارنة ببقية العالم. هذا وقد ارتبطت ظاهرة الرق بالحروب والأسر، وبرغم أن الحروب قديمة، ولكن الرق ظهر متأخراً عنها، لأن المنتصرين كانوا في الماضي البعيد يقتلون الأسرى لعدم إمكانية الاستفادة منهم. ومع تطور الإنتاج وبالذات الزراعة والبناء صارت هناك حاجة لأيدٍ عاملة مجانية. وكانت الشعوب القديمة تقتل الغريب، وأحياناً تأكله، وذلك لندرة الطعام، لأن إضافة أي شخص جديد للجماعة كان على حساب الغذاء المحدود، ولكن صارت تحتاج إلى زيادة إنتاجها، فاستفادت من الغرباء بالطرائق المختلفة. ومن المصادر للرق الحرب، وفيما بعد البيع والشراء، بل صارت الحروب تشن بهدف الحصول على العبيد. وبالذات عند قيام المدن صارت بعض الأسر تمتلك الأراضي كمظهر لنشأة الملكية الخاصة الفردية، لذلك كان عدد المالكين وأسرهم في بعض الأحيان أقل من أن يكونوا قادرين على استثمار الأرض، كما أنهم لم يريدوا المشاركة أو التخلي عن أراضيهم. وهنا انقسم المجتمع إلى الأحرار المالكين والأرقاء المملوكين وبينهما المعدمون، والذين كانوا بعض الأحيان - في روما وأثينا مثلاً - يبيعون أنفسهم أو أبناءهم في حالات الفقر أو العجز عن سداد الديون. كذلك يمكن استرقاق من يرتكبون خطأ ضد النظام الاجتماعي أو السياسي. وهكذا صارت الحروب والجريمة والفقر، وفيما بعد صار الخطف مصدراً أساسياً للرق، فقد تكونت عصابات تعترض القوافل والمراكب أو تُغير على الآخرين، هذه هي المصادر الرئيسية للرق[18] .

هذا وقد كان الرق جزءاً مقبولاً وعادياً ضمن أفكار وممارسات المجتمعات في السابق. بل كان بعض الفلاسفة مثل أفلاطون - حسب ظروفهم التاريخية - الاجتماعية يرى أن الحرية والرق ظاهرتان طبيعيتان. وكان هذا التمييز والإقرار بشرعية العبودية يقوم على أساس قياس كل الشعوب الخارجة عن ثقافتهم بأنهم برابرة غير متحضرين. ففي جمهورية أفلاطون ثمة تقسيم للنفس يمكن نقله إلى المجتمع أو المدينة الفاضلة؛ إذ تذكر قوى ثلاث تتكون منها النفس الإنسانية، ولا بد أن تنسجم لكي تحقق السعادة للإنسان أو المجتمع. والقوى هي: العقل والقلب والشهوة، والفضائل المقابلة لها هي: الحكمة والشجاعة والعفة. وينقسم المجتمع أيضاً إلى ثلاث طبقات:

(1) الحكام وهم بمثابة العقل ومصدر الحكمة والتشريع وهم الفلاسفة.

(2) الحراس وهم بمثابة القلب وفضيلتهم الشجاعة ومهمتهم حماية المدينة.

(3) العاملون من زراع وصناع وتجار هم منوطون بـإرضاء الشهوات المادية.

ويرى أفلاطون أن العدل لا يقوم على المساواة، ولكن يقوم على اعتبار هذه الفوارق نظاماً طبيعياً، ويجب أن يكون العقل أو الرأس هو سيد الجسم، وعلى العبد في هذه الحالة أن ينقاد للحكمة أو العقل[19]. ويقف أرسطو مع الرأي القائم نفسه على التمييز بين اليوناني وغير اليوناني، ويرجع ذلك إلى الطبيعة وقوانينها. واليوناني في نظره خلق ليكون سيداً، ويحكم، ولا يمكن استرقاق اليوناني حتى لو وقع في الأسر، لأن بعض الناس يكونون عبيداً في أي مكان والبعض الآخر لا يكونون عبيداً في أي مكان[20]. وهذا هو نظام الكون والطبيعة البشرية التي يجب عدم تغييرها، لكي لا يختل الكون والمجتمع. واستمرت هذه الأفكار في عهد الإمبراطورية الرومانية، لأنها رغم انتصارها العسكري والسياسي، فقد تغلبت الفلسفة اليونانية على الحياة الفكرية. وبرغم ظهور أفكار أخرى تدعو للمساواة ومعاملة الناس حسب إنسانيتهم، وليس حسب حق المواطنة أم عدمها، ولكن الرومان بحثوا عن الجوانب التي تؤكد عظمة الرومان.

اشتهرت روما بإمبراطوريتها الكبيرة، ولذلك كانت من أكبر المجتمعات على الإطلاق التي انتشر فيها الرق، وكان سبباً في انحلال الأسرة والمجتمع، وفي سقوط روما أخيراً. وقد شهدت أقوى ثورات العبيد منها ثورة تزعمها سبارتاكوس عام 78ق.م. التي هددت روما لمدة سبعة أعوام. وهذه الثورات تعكس التغيير الذي حدث في معاملة الرقيق ووضعيتهم، ففي البداية كان الأرقاء جزءاً من الأسرة، وكانت تربطهم علاقة شبه أبوية مع رب العائلة - رغم أنه كان ينظر إليه كشيء، أو في مرتبة الحيوان مهمته أن يكون نافعاً لسيده. ولكن مع تعقد المجتمعات والتطورات التي حدثت في الاقتصاد والسياسة وزيادة الحاجة إلى الرقيق والمردود الاقتصادي لهم قامت قوانين قاسية تحدد نوع المعاملة بالإضافة للعرف السائد بين السادة في معاملة رقيقهم لضمان بقائهم بالخوف والترهيب.

ويمكن من النص التالي تحديد الوضعية القانونية والاجتماعية للرقيق:

صفحة 10

"الرقيق إنسان تحول بالرق إلى مال، يتصرف به مالكه كتصرفه بشيء من أشيائه، فله أن يبيعه ويؤجره، وله أن يرهنه وأن يوصي به، ويورث ثمنه إذا مات. غير أنه ذو روح وإدراك، وأنه يفعل ما يؤمر به، فكانت الفائدة منه أكبر، ولذلك كان الرومان يعدونه من الأشياء النفيسة (Res Mancipi)، وبالرق تسقط حقوق الرقيق القانونية، فلا يحق له أن يتصرف في شيء حتى نفسه، لأنه مملوك في نفسه وبدنه"[21].

حسب هذا الوصف يصبح المسترق شيئاً محروماً من إنسانيته، فلم تكن للرقيق حقوق الزواج بمعنى الزواج الشرعي؛ فهم يتوالدون فقط، وطالما لم تكن لديهم ملكية فليست هناك قواعد في الميراث، كما أن اختلاط النسب ليس مشكلة، ولا يفترض أن تكون عندهم أخلاق أو قيم. كانوا أدوات عمل وتسلية لأسيادهم، يقومون بالأعمال الشاقة والقذرة، كما أن الرومان كانوا يتفرجون على حلقات المصارعة التي يصارع فيها العبيد والأسرى بعضهم، أو الحيوانات المفترسة.

كان إلغاء الرق في الأزمنة الحديثة نتيجة طبيعية، لأن الأسباب التي استوجبت الرق قد انتهت. فالرق لم يكن نتيجة لأسباب نفسية تكمن في الميول الوراثية عند الإنسان التي تجعله يميل للعدوان تجاه الآخرين، أو "لا إنسانية الإنسان تجاه الإنسان" هي الدافع لامتلاك الآخرين. إذ ليس للرق صلة بالغريزة الإنسانية، فهناك تجمعات بشرية لم تمارس الرق (هم الأستراليون الأصليون والأسكيمو وقبائل في حوض الأمازون وفي وسط إفريقيا وجزر المحيط الهندي) كذلك الإنسان الحديث والجماعات القديمة قبل العصر الحجري الحديث[22]، لأن الغريزة يفترض فيها أن تكون خالدة أزلية، أي عند الإنسان في كل زمان ومكان.

يرتبط الرق ببساطة بالحاجة للأيدي العاملة، لذلك حين كان العمل قليلاً لم يمارس الرق، وحين ظهرت الآلة بعد الثورة الصناعية وثبتت فائدة العمال الأجراء لم تعد هناك حاجة للرق في الدول التي دخلتها الثورة الصناعية، ولكنه استمر في جنوب الولايات المتحدة الزراعي المحتاج للأيدي العاملة المجانية. هذا وقد واكبت التطورات الاقتصادية تغيرات فكرية وسياسية جذرية في أوربا نتيجة لعصر التنوير وقيام الثورة الفرنسية إلغاء الرق بعد عامين من قيام الثورة أي عام 1791م ثم قرر مؤتمر لندن للدول الأوربية في عام 1831م اعتبار تجارة الرقيق من أعمال القرصنة. وكان مؤتمر فيينا عام 1815م قد قرر منع تجارة الرقيق.

أما في الولايات المتحدة فقد كان موضوع الرقيق سبباً من أسباب قيام الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وبعد انتصار الشمال أعلن إبراهام لنكولن تحرير العبيد في الجنوب عام 1863م. وقد استمرت حملات تحريم الرق في المحافل الدولية فقد وقعت الدول الأعضاء في عصبة الأمم اتفاقية جنيف لعام 1926م، والتي تحرم تجارة الرقيق بكل صورها خاصة في الدول الموضوعة تحت الحماية أو الوصاية. كذلك أعلنت الأمم المتحدة في ميثاقها المساواة بين الناس، وأعقبت ذلك بعد ثلاث سنوات من إنشائها بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م حيث تقول المادة الرابعة: (لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق، وتجارة الرقيق بأوضاعها كافة)، وتلت ذلك اتفاقيات لتأكيد هذا القرار مثل الاتفاقيات الدولية في عامي 1949م و1956م وأخيراً في 1966م[23].