حوارات لقرن جديد
تحاول هذه السلسلة وهي تتناول القضايا الهامة الراهنة تأسيسَ أرضية معرفية لحوار علمي أوضحَ منهجاً، وتواصلٍ ثقافي أكبرَ فائدةً، يُخرج الفكر من الصراع إلى التمازج، ويُنضج الخلاف، ليغدو اختلافاً يرفد الفكر بالتنوُّع والرؤى المتكاملة.
كما تهدف السلسلة إلى كسر الحواجز بين التيارات الفكرية المتعددة، وإلغاء احتكارات المعرفة، وتعويد العقل العربي على الحوار وقبول الآخر، والاستماع لوجهة نظره، ومناقشته فيها، واستيلاد أفكار جديدة تنشط الحركة الثقافية وتنمي الإبداع.
تتكون كل حلقة في السلسلة من رأيين لكاتبين ينتميان إلى تيارين متباينين، يكتب كل منهما بحثه مستقلاً عن الآخر، ثم يُعطى كل من البحثين للآخر ليعقب عليه. ثم تُنشر إسهاماتهما في كتاب واحد، ليشكل حلقة من سلسلة هذه الحوارات في مطالع هذا القرن الجديد.
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
لم يكن مجال إصلاح مناهج التعليم في العالم الإسلامي ولدى الأقليات الإسلامية في الغرب مثار جدل ونقاش مثل ما هو عليه اليوم، والنصيب الأوفر من هذا النقاش كان لنوع خاص من التعليم هو التعليم الديني بالتحديد، ولئن كان مطلب الإصلاح معروفاً في أدبيات تاريخ التربية في العالم الإسلامي، إلا أنه في نسخته الجديدة يتميز عن باقي الدعوات السابقة بكونه مطلباً يُسَوَّق من خارج المنظومة الإسلامية أكثر من ذي قبل، وتحضر فيه مسألة المرجعية والقيم بقَدْر أكبر من مجرد التفصيلات التربوية والفنية المرتبطة بالبرامج والمناهج، وتحديث طرق ووسائل التدريس كما كان الأمر في مشاريع إصلاح الأزهر والزيتونة والقرويين مطلع القرن العشرين، كما أن تأثيرات المنظومة التربوية لم تعد محدودة جغرافياً، فقد أصبح أثر المفهوم المدرس في أقاصي آسية يجد صداه لدى منظمات المجتمع المدني في ربوع أوروبة وأمريكة، وأثره في الواقع الاجتماعي والثقافي بهذه البلدان، بفعل التطور الهائل في تكنولوجيا الإعلام والاتصال، مما لم يكن متيسراً ولا مألوفاً من ذي قبل، ومما يزيد المطلب إشعاعاً ووهجاً السلطة الرمزية التي يملكها الخطاب الديني الذي هو في المحصلة النهائية النتيجة الطبيعية لنوعية التعليم الديني الملقن في المؤسسات التعليمية، بمناهجه وطرقه ووسائله بل وببيئته التعليمية ومحيطه التربوي العام في المؤسسات والممارسات، مما يجعله خطاباً إيديولوجياً معبئاً في الاتجاهين معاً (سلباً وإيجاباً)، وهذه التعبئة هي التي جعلت كثيراً من مراكز البحث والمنظمات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني في الغرب - بالخصوص - تتداعى إلى الجواب عن سؤال فرضت كل المتغيرات السابقة تغيير صيغته لينتقل من: لماذا يدرس الدين؟، إلى كيف يدرس الدين[1]؟، لأن إمعان الغرب في عزل الدين والدراسات الدينية عن منظومته التربوية المدرسية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتسويق ذلك في العالم الإسلامي إبان مرحلة الاستعمار، أحدث أزمات اجتماعية وثقافية اعترف بها الغرب نفسه[2]، وتطورت بداية القرن الواحد والعشرين إلى أزمات اقتصادية وسياسية ضخمة يعيش جيلنا بعض آثارها، وستظهر بشكل جلي في مسار الأجيال القادمة.
أ/ اتجاهات في رصد مظاهر الأزمة
وفي خضم هذه المتغيرات تمايزت في الساحة الفكرية والتربوية آراء ومواقف متباينة:
فمن قائل بضرورة الاستمرار في فصل الدين عن المنظومة التربوية، بسبب دوره في استنبات نفسية عدم قبول الاختلاف لدى المتعلمين، وتعطيل الحوار مع الآخر، وترسيخ ثقافة التلقي عوض ثقافة النقد والاختيار وإبداء الرأي، بالإضافة إلى الاختلالات التربوية التي يعاني منها التعليم الديني التقليدي، من تضخم الجانب المعرفي في البرامج والمناهج، وعقم في طرق التدريس وضعف في توظيف الوسائل التعليمية، مما يجعل الفائدة المرجوة منه معطلة، وإصلاح كل ذلك غير متيسر؛ لأن الأمر يتعلق بخلل بنيوي مزمن، بل أصبح هذا النوع من التعليم بسبب كل ذلك عبئاً على المنظومة التربوية، ويتزعم هذا الرأي ثلة من المثقفين العرب مسلمين ومسيحيين كعبد المجيد الشرفي، والمنصف بن عبد الجليل، ومحمد شريف فرجاني، وعفيف الأخضر، والأب ميلاد حنا وغيرهم.
ومن مقر بالأزمة التي يعيشها التعليم الديني، غير أنه يلح رغم ذلك على الأهمية القصوى التي يحتلها في المنظومة التربوية وخاصة في مجال التربية على القيم، والحفاظ على الهوية ويعتبر أن هذا النوع من التعليم كان على مر التاريخ معبئاً للطاقات الفكرية والعلمية بل وحتى السياسية في العالم الإسلامي إبان الاستعمار، وأن أزمته لا تنفصل عن الأزمة العامة التي يعيشها نظام التعليم برمته في العالم العربي والإسلامي، وأنه في سياق ذلك في حاجة اليوم إلى نوع من التجديد في برامجه ومناهجه وطرق ووسائل تدريسه، مما يضمن استمرار قيامه بالمهام نفسها التي كان يقوم بها، بل ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن زمن العولمة بما يعرفه من هجوم كاسح على تعدد الهويات -مما هدد الكثير منها بالاندثار - يجعل من تطوير وتجديد التعليم الديني أمراً ملحّاً من أجل حماية الخصوصيات الثقافية والحضارية للعالم الإسلامي، ويناصر هذا الرأي أغلب المفكرين الإسلاميين كمحمد عمارة، وسالم العوا، وأحمد الريسوني، وفهمي هويدي، ويوسف القرضاوي، وطه جابر العلواني، وفتحي ملكاوي، وإسحاق الفرحان، ووهبة الزحيلي وغيرهم.
وثمة فريق ثالث يعتبر أن الدعوة إلى إصلاح التعليم الديني ليست إلا انخراطاً في جوقة الغرب (الصليبي) الذي يهدف إلى (مسخ) الهوية الإسلامية، من خلال غزو مخطَّطٍ لقيمها الدينية والثقافية، ومن ثم فإن مطالب الإصلاح ليست مستندة إلى حاجة داخلية تتطلبها المنظومة التربوية للتعليم الديني، بقدر ما تجد نفسها مستجيبة لأجندة خارجية تهدف في المدى المتوسط والبعيد إلى القضاء على هذا النوع من التعليم الذي يعد الحصن المنيع للدين وللهوية والانتماء، وإلا لماذا هذا التسويق الضاغط لمطالب إصلاح التعليم الديني مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعه من هزات ارتدادية في شتى أنحاء العالم؟ ثم لماذا لا يتم الاهتمام بالإلحاح نفسه بإصلاح التعليم العام رغم أنه يعاني من اختلالات كبيرة كنقص في البنيات التحتية والتجهيزات، وعدم وجود المناصب المالية الكافية لتأهيل وإدماج المدرسين، وضعف تمويل برامج القضاء على الأمية وغير ذلك من المطالب الحقيقية لإصلاح المنظومة التربوية بعامة؟ ويجد هذا الرأي قبولاً وتفهماً شعبياً، كما يجد تعاطياً وتعاطفاً حتى من بعض النخب المثقفة المنتمية لبعض الحركات الإسلامية.
انطلاقاً من هذا الرصد يتبين أننا أمام رؤى تتباين في قبول أو رفض إدماج التعليم الديني في المنظومة التربوية، كما تختلف في تحديد مفهوم الإصلاح نفسه ودواعيه ومتطلباته وآليات تنفيذه.
فكيف يمكننا تشخيص البنية التربوية والتعليمية للتعليم الديني في العالم الإسلامي ولدى الأقليات الإسلامية في الغرب لرصد تجليات الأزمة بشكل علمي ودقيق، بعيداً عن السجالات الإيديولوجية والشعوبية؟ ثم ما هي أسس بناء رؤية متكاملة علمياً وتربوياً لإصلاح منظومة التعليم الديني دون إقصاء يغمض الطرف عن المعالجة الحقيقية للأزمة فيسقط في العدمية، ولا إلقاء كلي للتبعات على المؤامرات الخارجية وعدم الإقرار بالثغرات الداخلية، مما يعرقل مسيرة الإصلاح التي لم تعتبر ثقافة أصيلة ومستمرة يفرضها الدين الإسلامي نفسه، وعاشها تاريخ المسلمين في شكل تجارب متعددة ومستمرة؟
ب/ في تحديد المفاهيم
تتداول الكتابات والتصريحات والمحاضرات في مجال تعليم الدين مصطلحات تعتبر مترادفة وغير متمايزة كالتعليم الديني، وتعليم الدين، وإدماج القيم الدينية في المناهج الدراسية، رغم ما بينها من اختلاف ظاهر للمتأمل، ومعلوم أن الخلط في المفاهيم التي تعتبر مداخل للمعنى يؤدي إلى خلط في النتائج، لذلك آثرنا في هذه المقدمات أن نتناول المفاهيم التي تشكل مفاتيح للموضوع بتحديدات معينة على ترتيب نتائج واضحة في ذهن القارئ:
التعليم الديني
عرف العالم الإسلامي ظهور مصطلح "التعليم الديني" إلى جانب "التعليم العام العصري " في بداية فترة الاستعمار نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين تم الفصل بين العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم البحتة، وبين علوم الشريعة واللغة العربية في مناهج كبريات الجامعات الإسلامية في القاهرة وفاس والقيروان، بعد أن كانت المناهج التعليمية في هذه الكليات مندمجة ومتعددة التخصصات، يدرس فيها إلى جانب علوم الشريعة واللغة العربية علوم الطب والفلك والفيزياء والطبيعيات وغيرها، انطلاقاً من فلسفة النظرية التربوية الإسلامية القائمة على وحدة الهدف من باقي العلوم وهو معرفة الخالق وسياسة الكون بمنظور الاستخلاف.
ومما يدل على أن مصطلح "التعليم الديني" لم يكن معروفاً بمعزل عن العلوم الأخرى في النظام التربوي الإسلامي على مر التاريخ، شهرة كثير من كبار العلماء بالنبوغ والرسوخ تأليفاً وتدريساً في علوم الطب والفقه والفلسفة والفلك والتفسير في آن واحد، كالمازري[3] وابن رشد وابن سينا والرازي والكندي وغيرهم من العلماء المشاركين.
والمطلع على نظام التدريس في المسجد الجامع بقرطبة الذي كان جامعة الدنيا بلا منازع في العصر الوسيط[4]، أو مناهج التدريس في جامعة القرويين، وجامع علي بن يوسفبن تاشفين المؤسس بمراكش سنة 514 هـ[5]، أو في مناهج جامع الأزهر بالقاهرة[6]، أو مناهج جامع الزيتونة بتونس[7]، يلحظ هذا الاندماج بين المعارف والعلوم في المناهج الدراسية، كما أن المطلع على تآليف مشاهير العلماء القرويين يجد التنوع والتكامل نفسه بين العلوم، وقد كانت هذه المؤلفات في الغالب الأعم من خلاصات مجالس التعليم[8].
وفي بداية القرن العشرين ومن خلال اطلاعنا على القوانين الناظمة لهذه الجامعات العريقة ظهر هذا المصطلح في ديباجة هذه القوانين، وانعكس عملياً في البرامج والمناهج التي فصل فيها عمليا بين تدريس علوم الشريعة (علوم القرآن، والحديث، والفقه، وأصول الفقه، واللغة العربية، وعلم العقائد وغيرها)، والعلوم المدنية المتعلقة بتدبير شؤون الحياة المادية (كالطب والاقتصاد والفلك والحساب والكيمياء وغيرها)[9]، كما أنشأت أنماط تعليم جديدة في شكل مدارس أجنبية فرنسية أو إنجليزية أو إسبانية استقطبت أبناء الأعيان واعتمدت أحدث أساليب التدريس، واشتملت برامجها على المواد ذات العلاقة بسوق الشغل، بل وحظي روادها بمنح تشجيعية، وإمكان الالتحاق بالخارج لإتمام الدراسة[10]، في مقابل ظهور تعليم وطني يركز على علوم الشريعة واللغة العربية ويحاول ما أمكن الرفع من مستوى الممانعة لدى المتعلمين دون أن يمتلك الإمكانات نفسها المادية والعلمية والتربوية والآفاق نفسها، وكان هذا النوع من التعليم في الغالب الأعم يحتضن من طرف الأهالي في غياب أي اعتماد من طرف الدولة المستعمرة أو المستعمرة (بالجر والفتح).
وهكذا ظهر في التداول الاصطلاحي التربوي ما سمي إلى يومنا هذا بالتعليم الديني وهو (نوع من التعليم يركز على التكوين المتين في اللغة العربية وعلوم الشريعة، وله مؤسساته وجهازه الإداري والتربوي، ومناهجه التربوية)، وقد بقي هذا النوع من التعليم بحكم توجس رواده من مكائد الاستعمار متحفظاً على أي خطوة خارجية (غير محسوبة العواقب) لتحديث برامجه ومناهجه وطرق تدريسه، وهذا النوع من التعليم معروف اليوم ومنتشر في شتى بقاع العالم بمسميات مختلفة كالتعليم الأصيل أو التعليم العتيق بالمغرب، أو التعليم الأهلي بدول الساحل والصحراء بإفريقية، أو المدارس العربية الإسلامية بدول آسية، أو التعليم الشرعي في بعض دول الخليج، ويمارس من الناحية التنظيمية في تعليم نظامي رسمي تشرف عليه الدولة وتعليم غير نظامي تسيره الجمعيات والمنظمات الأهلية ويموله المحسنون.
تعليم الدين
إذا كان التعليم الديني نظام تعليم مستقل مواز للتعليم العام، فإن التعليم العام نفسه احتفظ على مادة ضمن المنهاج الدراسي متعلقة بتعليم أساسيات الدين، أطلقت عليها أسماء متعددة منها: الدين – الأخلاق – التربية الدينية (مصر ولبنان) – التربية الإسلامية (المغرب والجزائر وتونس وأغلب دول الخليج) – التربية الإسلامية والمدنية (موريتانية) – الفكر الإسلامي، التفكير الإسلامي (تونس مؤخراً) وتهدف إلى تزويد المتعلم بأساسيات الأخلاق والقيم والأحكام الشرعية التي تهمه في حياته الفردية والاجتماعية، وتشتمل مناهجها في الغالب على أساسيات العقائد والعبادات والمعاملات مع مبادئ في العلوم الشرعية وتعريف بمدارس الفكر الإسلامي من مرحلة التعليم الابتدائي إلى نهاية الثانوية العامة.
وقد ظلت هذه المادة تتقاسم الحصص الدراسية مع مادة اللغة العربية، ويدرسها معلمو اللغة العربية، إلى أن استقلت بنفسها بحصة ضعيفة في الغالب الأعم دون أن تكون مدرجة في الاختبارات العامة، ثم أدرجت في مواد الاختبارات بصفة رسمية.
وحديثنا عن (تدريس الدين) بهذا المصطلح هو حديث من برامج ومناهج هذه المادة الدراسية وطرق ووسائل تدريسها وتقويمها وتكوين مدرسيها، وغير ذلك من الإشكالات التي تعرفها في ذاتها وفي علاقتها بباقي المواد الأخرى المكونة للمنهاج التعليمي.
إدماج القيم الدينية في المناهج التعليمية
وهذا تجل آخر من تجليات هذا الموضوع، إذ لايتعلق الأمر هنا بالتعليم الديني ولا بتعليم الدين، إنما يتعلق الأمر باعتماد الدين كقيم مرجعية تحكم المنظومة التربوية وتدمج بشكل انسيابي في محتويات وأنشطة مختلف المواد الدراسية، وقد كانت القيم حاضرة في المنظومة التربوية الإسلامية على مر التاريخ، إذ تحدثت المصادر عن آداب العالم والمتعلم وأخلاق العلم والمقاصد التعبدية للتعلم[11]، إلا أن هذا الحضور كان يشمل إلى جانب الأخلاق التربوية الحاكمة للمحيط التربوي والتعليمي، وجود روح القيم الإسلامية في محتوى كل العلوم المدرسة باعتبار المقصد الأسمى للتعلم وهو معرفة الخالق وسياسة الكون بمبدأ الاستخلاف.
إلا أن واقع تعليمنا المعاصر اختلفت فيه الغايات والمقاصد؛ حيث ضمر المقصد الاعتقادي والتعبدي، وحضرت القيم النفعية المرتبطة بسوق الشغل والتنمية بمفهومها الاقتصادي الضيق، وانحسرت المقاصد التعبدية في مادة دراسية معينة هي مادة (التربية الإسلامية).
وقد أثارت كثير من الدراسات والأبحاث وعالجت كثير من المؤتمرات إشكال الانفصال بين القيم والمعرفة في المنظومة التعليمية، مما أثر في بناء مقاصدها، وانعكس على استراتيجيات إعادة صياغة المنظومات التربوية في البلدان الإسلامية، فاهتمت كثير من المنظمات الإسلامية الدولية بالموضوع كالهيئة الإسلامية العالمية للتعليم التابعة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إيسيسكو بالرباط، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وغيرها من المنظمات العاملة في حقل التربية والثقافة، فصاغت له تصورات نظرية وتطبيقات عملية، إلا أن عملية إدماج القيم الإسلامية في مختلف المواد الدراسية كمطمح يصطدم بعقبات فكرية ترتبط أساساً بالمعارضة التي يلاقيها المشروع من طرف الداعين إلى علمنة التعليم في العالم العربي والإسلامي، وكذا من الناحية العملية التي تتطلب جهوداً كبيرة لتكوين واضعي المناهج ومؤلفي الكتب المدرسية والمدرسين على طرق وآليات إدماج القيم في المواد الدراسية وخضوع عملية الإدماج لعملية التقويم والتتبع والتطوير المستمر.
وموضوع بهذا السعة والأهمية يشكل أزمة من الأزمات التي نجد أنفسنا معنيين بها في هذا الكتاب، إلا أن مقاربتها يفرض رؤية وقواعد خاصة[12]، تتمايز عن رؤية معالجة قضايا "التعليم الديني" أو "تعليم الدين".
وكخلاصة للمفاهيم الاصطلاحية التي ذكرنا أشير إلى أننا حينما نتحدث في كتابنا هذا عن أزمة التعليم الديني، فإننا سنتناول الموضوع في إطاره الواسع المتعلق بحضور الدين في المنظومة التربوية سواء كنظام تعليمي قائم بذاته، أو كمادة مندمجة في منهاج التعليم العام، أو كمرجعية حاكمة للنظام التعليمي وقيم مبثوثة في مختلف المواد والأنشطة التعليمية، وإن كان لكل مجال خصوصياته التربوية على مستوى التفصيل فإنها بإجمال تشترك في كونها منطلقة من منظور فلسفي موحد ومن مرجعية واحدة (الدين الإسلامي) وهادفة إلى ترسيخ قيم مشتركة، وتحمل جهازاً مفاهيمياً مشتركاً، وبينها قواسم مشتركة في الإجراءات التربوية العملية الكبرى، سواء في بناء المناهج أو طرق ووسائل التدريس والتقويم.
ج/ في تحديد أسئلة الأزمة
من الطبيعي أن نتحدث عن أزمة بل أزمات في نظام التربية والتعليم في العالم العربي والإسلامي، تتعلق بسياسته العامة واستراتيجيته، رغم كونه مجالاً للتنمية البشرية بامتياز، إذ تطرح في هذا المجال الأسئلة الآتية:
هل تملك جل بلدان العالم العربي والإسلامي رؤية استراتيجية واضحة لنظام التربية والتعليم تأخذ بعين الاعتبار أصولها الحضارية، وعمقها التاريخي وتواصلها الحضاري مع الآخر، وفي الآن نفسه حاجاتها التنموية المعاصرة ورسالتها المستقبلية في استئناف إثراء مسيرة الحضارة الإنسانية؟
إذا كانت كثير من بلدان العالم الإسلامي تعاني من شح في الموارد الاقتصادية وتعاني في الآن نفسه من تبعية سياسية وثقافية، فهل تملك الخيار لبناء نظام تربوي مستقل؟
هل هناك مشاريع حقيقية للتعاون بين دول العالم العربي والإسلامي من أجل بناء نظام تربوي وتعليمي متكامل في الرؤى والمخططات والتمويل، وتبادل التجارب والخبرات الميدانية؟ أم أن الكثير من هذه المشاريع تظهر فقط في التوصيات والتصريحات الرسمية، وتختفي في العمل الميداني ليستمر التعاون الحقيقي والفعلي مع دول الاستعمار السابقة التي لا زالت تملك قدرة التأثير الكبير على مراكز اتخاذ القرار في العالم العربي والإسلامي؟
إذا كانت هذه الأسئلة الثلاثة الكبرى مثار نقاش في كبرى الملتقيات والندوات الدولية حول نظام التربية والتكوين في العالم الإسلامي لفترة طويلة، مع قصور ظاهر في الأجوبة العملية (وإشباع في الخطاب النظري) فإن ذلك أكبر دليل على وجود أزمة بالفعل في الجسم التعليمي العربي الإسلامي، إلا أن هذه الأزمة لم تكن لتزعج الغرب في شيء، وكان ولا زال يعتبر ذلك وضعاً مريحاً يمكنه من دون عناء من استمرار ه في الهيمنة الثقافية والاقتصادية والسياسية، فهي إذن أزمة داخلية ليس إلا، مع اختلاف يخضع لتقديرات متعددة في آثارها الخارجية على الغرب ومصالحه.
وقد كان كثير من المراقبين يرون في أزمة التعليم في العالم العربي والإسلامي خطراً حقيقياً على المستوى المتوسط والبعيد على العالم برمته وخاصة على بلدان الجوار الأوربي والأمريكي، بفعل التحولات التي أحدثتها الطرق السيارة للمعلومات، والهجرة والنزاعات الإقليمية المفضية إلى تحرك المجموعات البشرية بحمولتها الثقافية، وتأثير الإعلام الفضائي على الجماعات، والتثاقف غير المسبوق، كل ذلك تظهر آثاره اليوم بشكل جلي، وستظهر بشكل أقوى على مستوى ردم الحدود الجغرافية والتغيرات الحاصلة في مفهوم الدولة والسيادة، وغير ذلك من المفاهيم التقليدية، حيث أصبح العالم العربي في الغرب والغرب في العالم العربي ثقافة وسياسة ومجتمعاً، فنفذ النقاش إلى الأصول الحضارية والمرجعيات والقيم، ولم يعد مقتصراً على التجليات الاقتصادية والتراثية والفنية الاجتماعية، والتي لن تكون في المحصلة إلا عامل إثراء للتجارب الإنسانية.
وهكذا وجدنا الملتقيات الدولية حول حوار الحضارات تركز على الدين والقيم كمرجعيات يبحث من خلالها عن المشترك ووسائل التعريف به ونشره دعماً لثقافة الحوار، ويتمركز النقاش ويتوجه في الغالب الأعم إلى دور التربية والتعليم ليس في بعدهما التنموي هذه المرة، ولكن في دورهما في بناء وترسيخ المرجعيات الدينية والقيم الحضارية، وهنا بالذات قفز التعليم الديني إلى الواجهة، باعتباره أكثر أنواع التعليم ارتباطاً بالمرجعية والقيم، فأثيرت التساؤلات حول دوره في تعزيز ثقافة الحوار، وقبول الآخر، والإقرار بالاختلاف، ونبذ التعصب والكراهية والعنف، وغير ذلك من الأسئلة المركزية التي لا تهتم بالجوانب التنظيمية لهذا النوع من التعليم بقدر ما تجعل فلسفته ورؤيته الحضارية محط مساءلة ونقاش. وبدأ الحديث عن أزمة التعليم الديني. وضرورة إصلاحه. وهنا يحق للملاحظ أن يتساءل:
· هل كان التعليم الديني قبل هذه التحولات خارج الأزمة؟، أم كانت الأزمة موجودة ولكنها كانت خارج دائرة الضوء؟
· ما هي الأسباب الحقيقية التي جعلت أزمة التعليم الديني تخرج إلى الواجهة في هذه الظروف بالذات؟
· لماذا لم يهتم الغرب بتشخيص وعلاج أزمات التعليم عموماً سواء لدى المسلمين في الغرب أو في العالم العربي والإسلامي بالاهتمام نفسه الذي يوليه اليوم لهذا النوع بالذات من التعليم.؟
· هل يدعو الغرب اليوم إلى إصلاح التعليم الديني ليصبح تعليماً فاعلاً مؤثراً في المجتمعات العربية الإسلامية معززاً لهويتها وثقافتها، أم أن هناك منظوراً خاصاً للإصلاح؟ وما هي معالم هذا المنظور؟
· هل الدعوة إلى تشخيص أزمة التعليم الديني دعوة غربية صرفة؟ أم هناك من يدعو إلى الإصلاح من الداخل؟ ووفق أي رؤية؟ وما هي حدود التماس والتمايز بين الفريقين؟ وهل يمكن أن يكون بينهما اتفاق؟
1/ تجليات الأزمة
ودواعي الإصلاح
لا نميل إلى المقاربات النمطية التي تختزل تجليات الأزمة فيما أصبح يعرف بالحرص الغربي على اجتثاث الهوية الإسلامية وإن كنا لا نستثنيها، دون الالتفات إلى المشاكل العلمية والتربوية والمنهجية التي يعاني منها حضور الدين في المنظومة التربوية، كما لا نحبذ اتهام هذا النوع من التعليم بالانغلاق والتعصب وعدم الإنتاجية مسايرة لفئة نافذة في الاقتصاد والسياسة والإعلام لا تنظر إلى هذا النوع من التعليم بعين الرضى لأنها ترى فيه نقيض مصالحها.
إننا نبحث عن مقاربة عقلانية حقيقية تعتمد قواعد البحث العلمي، بعيدا عن نظرية الإقصاء، وبعيداً في الوقت نفسه عن نظرية المؤامرة. ونركز على الأبعاد الداخلية للأزمة لأننا نعتبرها مجال اشتغال مستمر عبر تاريخ مسيرة الحركة العلمية والتعليمية لزعماء الإصلاح، وليست وليدة اللحظة، وأن الإصلاح من الداخل هو المخل الطبيعي لأي إصلاح حقيقي.
فبالنظر إلى مسيرة مشاريع الإصلاح التي عرفها العالم الإسلامي في مختلف حواضره العلمية الكبرى نلحظ أن الدعوة إلى الإصلاح كانت وفق نظرة شمولية لملف التعليم ككل، وبما أن الجامعات التي كانت رائدة هي تلك التي ارتبطت في أذهان الناس بالدين كمرجعية وليس كتخصص في التعليم، فيمكن أن نقول: إن الدعوة إلى إصلاح أنظمتها التعليمية لم يكن يقصد بها التعليم الديني، بقدر ما تركزت على ضرورة إصلاح مناهج تعليم الدين وغيره من العلوم الأخرى. إلى أن حدثت عملية الفصل التي تحدثنا عنها في سياق التحديدات المصطلحية.
وفي انتظار بلورة تصورات عملية لعودة روح التكامل بين العلوم إلى مؤسساتنا التعليمية، سنتعامل مع واقع الحال في محاولة لرصد الإشكالات التي يعرفها التعليم الديني وتعليم الدين على حد سواء، في صياغة المناهج (محتوى / طرق ووسائل التدريس / التقويم)، انطلاقاً من رصد واقع البحث العلمي التربوي في هذا التخصص، مستخدمين على مستوى رصد منظومة المنهاج التربوية مصطلح علوم الشريعة الذي يجمع (علم العقائد/ علوم القرآن / علوم الحديث والسيرة النبوية / الفقه وأصوله...) والتي تشكل صلب التعليم الديني وتعليم الدين.
1/ في وضعية البحث التربوي في علوم الشريعة:
نعتقد أن رصد واقع البحث التربوي واعتماد نتائجه سواء في تشخيص وضعية التكوين أو بناء استراتيجيات التطوير في أي منظومة تربوية يعتبر المدخل العلمي الوحيد لرصد الحقائق، وتحديد آفاق العمل. لذلك ارتأينا أن ندخل تشخيص أزمة تدريس علوم الشريعة من بابها عن طريق تشخيص واقع البحث التربوي المتخصص فيها.
إن الناظر في البحوث والدراسات المتأخرة التي حاولت رصد النظرية التربوية الإسلامية في التدريس عموماً وتدريس علوم الشريعة على وجه الخصوص، وجدت نفسها أمام آداب وتوجيهات عامة وإجابات عن قضايا في رواية العلم ودرايته لا يربطها خيط ناظم، فتجدها تحاول أن تعيد تركيب تلكم الإجابات والتجارب التربوية المدونة في سياقات منتظمة تعطي نظرة متكاملة عن الفكر التربوي الإسلامي، وعرضه كنظام متكامل إلى جانب التجارب الأخرى التي عرفتها الحضارة الإنسانية.
فالناظر في كتب مناهج وطرق تدريس التربية الإسلامية يجدها تتضمن توجيهات عامة وخطط تدريس تكاد تكون متشابهة، وهي على أهميتها عموماً تعكس أزمة وشح التأليف المتخصص في هذا الموضوع في مراكز البحث العلمي، ويكفي أن تطلع على آخر الإصدارات لتقف على هذه النتيجة ككتاب طرق تدريس المواد الدينية الإسلامية في المدارس المتوسطة والثانوية لحسن ملا عثمان الصادر سنة1996[13]، وكتاب التربية الإسلامية ومن التدريس لعبد الوهاب عبد السلام طويلة الصادر سنة 1997[14]، وكتاب طرق تدريس مواد العلوم الشرعية في المرحلة الابتدائية للدكتور ين محمد شحاتة وعبد الله بن محمد الجغيمان الصادر سنة 1998[15]، وكتاب طرائق تدريس التربية الإسلامية وأساليبها وتطبيقاتها العملية للدكتور أحد الخوالدة
والأستاذ يحيى إسماعيل الصادر سنة 2003[16]، وكتاب تدريس التربية الإسلامية الأسس النظرية والأساليب العملية للدكتور ماجد زكي الجلاد الصادر سنة 2004[17].
وإذا ما انتقلنا إلى التأليف المتخصص في المناهج التعليمية لفن من فنون علوم الشريعة فإننا لا نكاد نقف إلا على محاولات عزيزة ونادرة، فقد قرأت منذ بضعة سنوات كتاباً بعنوان (النظرية التربوية في طرق تدريس الحديث النبوي) لمؤلفه الأستاذ يوسف محمد صديق[18]، بذل فيه المؤلف مشكورا جهداً كبيراً في تتبع وجمع وتنسيق المادة التعليمية في أحاديث رسول الله r وصحابته والسائرين على منهج التعليم من بعدهم، في سياق يقنع القارئ بالجهد الكبير الذي بذله علماؤنا رضوان الله عليهم في نشر العلم،كما أن المؤلف أبدع في صياغة عناوين ومباحث تنتظم الأفكار التربوية تحتها انتظاماً برؤية تربوية نابعة من التجربة الميدانية في التربية والتعليم.
وقد ألف الدكتور أحمد محمد نور سيف في نهاية التسعينيات كتابا بعنوان من أدب المحدثين في التربية والتعليم[19]، رام فيه استخلاص التوجيهات التربوية والتعليمية التي ينبغي أن تتوافر في طلاب الحديث انطلاقاً من المصادر الحديثية المعتمدة وكتب آداب العالم والمتعلم التي يزخر بها تراثنا التربوي، مبرزاً أهمية مثل هذه التوجيهات والآداب في صياغة الشخصية الإسلامية المعاصرة، يقول المؤلف: (والغاية من هذه الآداب توجيه الشباب إلى منهج السلف الصالح في طلب العلم، وفي كيفية التعامل مع الناس مع مراعاة الاعتبارات التالية):
· إن العلم وحده لا يكفي في تربية الشعوب.
· إن التربية تحتاج إلى إعداد وممارسة وقدوة حسنة وهذه لا تتحقق بمجرد التلقين والوعظ.
· إن التربية تقوم على آداب تستوعب حياة الفرد في جميع أعماله وتصرفاته.
· إن أدب التربية لا بد أن تكون مفاهيمه خاضعة لأوامر الشرع ونواهيه، وليست مزاجاً أو أهواء تمليها العادات والتقاليد الفاسدة.
· إن التربية ينبغي أن تقوم على مبدأ الاعتدال وعدم الشطط أو الإفراط والتفريط كما أراد الله لهذه الأمة أن تكون أمة وسطاً)[20].
وهكذا يخرج الكاتب من الإطار التاريخي الاستقرائي إلى إطار التنزيل المعاصر للنظرية التربوية الإسلامية المستندة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية واجتهادات علماء الأمة في التربية والتعليم.
وإذا كانت هذه الكتابات ونظيراتها من الأبحاث والدراسات التي تتناول هذا الموضوع قد سلطت الضوء على بعض معالم النظرية التربوية الإسلامية، ووضعت معالم في طرق التعليم انطلاقاً من سير العلماء الذين اشتغلوا بالتدريس، فإن ذلك لم يخرج في الغالب الأعم عن رصد معالم فلسفة التربية في القرآن والسنة النبوية، وإطار الآداب والأخلاق العامة التي ينبغي أن تسود علاقة العالم بالمتعلم ومكان العلم والرحلة في طلب العلم، وكل ذلك جزء من النظرية التربوية في تدريس علوم الشريعة، كما سادت في عصر الأسلاف.
وإذا ما انتقلنا إلى البحث في طرق التدريس والبحث في علوم الشريعة في الجامعات، فإننا لا نخرج عن ذات الانطباع، فقد أصدر الباحث الدكتور فريد الأنصاري رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة المولى إسماعيل بمكناس بالمغرب سنة 1997 كتاباً بعنوان: (أبجديات البحث في العلوم الشرعية)[21]، وهو كما ذكر مؤلفه محاولة في التأصيل المنهجي في الضوابط والمناهج والتقنيات ورسم لآفاق البحث في هذا الموضوع، وقد خصص فيه مباحث المناهج العلمية في علوم الشريعة مع تفصيل الكلام في طرق ووسائل كل منهج، وهكذا تحدث عن المنهج الوصفي وما يندرج تحته من طرق ووسائل وتقنيات كالعرض والبحث المرجعي والتقرير العلمي الببليوغرافي والتكشيف والفهرسة، كما تحدث عن المنهج التوثيقي بطرقه المختلفة كالجمع والتحقيق والتاريخ، والمنهج الحواري وطرقه كالمقارنة والجدل والمناظرة، والمنهج التحليلي وطرقه المتمثلة في التفسير والنقد والاستنباط وغيرها، مبرزاً منهج توظيف هذه المناهج في التكوين والبحث في تدريس علوم الشريعة، ولا يخفى على مدرس هذه العلوم ما لهذه المناهج والطرق من أهمية في بناء المعرفة الشرعية بالإضافة إلى ترسيخها كمهارات وقدرات لدى المتعلم، تمكنه من تطوير معارفه وتجديدها والتفاعل مع الثقافات الأخرى في ضوئها وعلى منهاجها.
وقد وقفت في السياق نفسه على البحوث القيمة التي قدمت إلى مؤتمر (علوم الشريعة في الجامعات الواقع والطموح) الذي اشترك في تنظيمه خمس مراكز ومؤسسات بحث أردنية متخصصة هي جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، والجامعة الأردنية، وجامعة اليرموك وجامعة مؤتة، وتعتبر أشغال هذا المؤتمر انطلاقة متميزة للبحث في مناهج وطرق تدريس العلوم الشرعية، إذ طرحت البحوث المقدمة للمؤتمر الأسئلة الحقيقية التي تشغل بال المدرسين والباحثين في هذا المجال من الزوايا الثلاث: العلمية والمنهجية والتقنية، وأشير بالخصوص إلى البحث الذي قدمه الدكتور سري زيد الكيلاني من كلية الشريعة بالجامعة الأردنية بعنوان: (طرق تدريس علوم الشريعة في التعليم الجامعي وضرورة تطويرها)، خصص فيه جزءاً للحديث عن قراءات في طرق التدريس وأساليبه ومهاراته وأنشطته في القرآن والسنة[22].
ولئن كان هذا المؤتمر يعود تاريخه إلى منتصف التسعينات فقد حضرت وأسهمت في أشغال الندوة العلمية المنعقدة بجامعة اليرموك والمنظمة بتعاون بين المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إيسسكو والمعهد العالمي للفكر الإسلامي في موضوع (البحث التربوي وتطبيقاته في العلوم الإسلامية)، وقد صدرت أعماله الكاملة عن دار الرازي بالأردن سنة 2003، وتعد البحوث المقدمة إلى هذا المؤتمر رؤية متقدمة لإشكالات مناهج وطرق ووسائل تدريس علوم الشريعة في الجامعات ودور البحث التربوي المتخصص في بناء منهجية معاصرة للتدريس والبحث، من صياغة الأهداف إلى صياغة مفردات المنهاج الدراسي، إلى تحليل طرق التدريس ووسائله وأساليب التقويم[23].
وتبقى هذه البحوث والدراسات على أهميتها وجدتها قليلة ونادرة بالمقارنة مع ما ينبغي أن ينجز من دراسات وبحوث نظرية وميدانية في بناء مناهج وطرق تدريس المعرفة الإسلامية بعامة وعلوم الشريعة منه على وجه الخصوص.
وسيبقى سؤال النظرية التربوية قي تدريس علوم الشريعة بمفهومها الكلي المعاصر قائماً، وسيبقى في ذهن الباحثين كذلك ما لم تتراكم جهود علمية مماثلة لتسليط الضوء على زوايا أخرى لا زالت غامضة في تراثنا التربوي الإسلامي فلسفة ومنهاجاً، وما لم نقرأ تراثنا التربوي والتعليمي في سياق حضاري تفاعلي متجدد مع التجارب الأخرى، وما لم نطور مناهجنا التعليمية بشكل يضمن تجديد العدة التربوية لتدريس علوم الشريعة، تستنطق تراثنا التربوي الزاخر، وتستثمر أحدث نظريات التعلم المعاصرة، مع الحفاظ على خصوصيات وآداب وقيم مجالس العلم.
إن أسئلة جوهرية ملحة تنتظر الإجابة قد تسعف بعض الدراسات والأبحاث في تاريخ التربية والتعليم عند المسلمين في تسهيل مأمورية البحث عن أجوبتها ولكنها لا تقدم الجواب الكامل، لأن التاريخ للعبرة، لكن تجاربه ولا يمكن أن تجيب عن أسئلة أهل الفترة، وأهم هذه الأسئلة:
· كيف ننقل علوم الشريعة من مجال الاستنباط الفقهي إلى مجال المعرفة والحضارة في مناهجنا التعليمية؟
· كيف نحول علوم الشريعة من مادة علمية إلى مادة تعليمية تعمل على بناء المفاهيم بالتدريج لدى المتعلمين؟
· كيف يمكننا أن نلائم بين الضوابط العلمية لدراسة علوم الشريعة حسب تخصصاتها وفنونها والحاجات التربوية للتعليم المدرسي المعاصر؟
· كيف نتعامل مع علوم الشريعة في وضعيات تعليمية تعلمية مختلفة: كالاستدلال والتحليل والاستنباط والدعم والتعزيز وغيرها من وضعيات التعلم، علماً بأن لكل وضعية أدبياتها التربوية؟
· كيف نستثمر تكنولوجيا الإعلام والتواصل في تدريس علوم الشريعة؟
· كيف نستفيد من أساليب التقويم المعاصرة في قياس مستويات التكوين المختلفة لدى الطلاب على مستوى المعرفة والمهارات والقيم؟
إن هذه الأسئلة الكبرى تنتظم في مساقات سنحاول أن نرصد فيها الواقع ونشير إلى بعض إشكالاته ومحاذيره، ونقدم بعض الإجابات ونثير بعض التساؤلات الأخرى ليستمر البحث.
1) التصور التربوي (المعرفي والمنهجي).
2) الجانب التطبيقي في بناء المناهج التعليمية لمواد علوم الشريعة من تحديد الأهداف إلى التقويم.
2/ في التصور التربوي: (المعرفي والمنهجي)
حينما نتحدث عن المنهاج فإننا نقصد بذلك البناء العام للنظام التعليمي بدءاً بالمرجعيات والتصورات الفلسفية، وتحديد المقاصد والأهداف ثم بناء المحتوى التعليمي، ثم طرق ووسائل التدريس وختاماً بأساليب التقويم، يضاف إلى ذلك كل ما يتعلق بالأنشطة التعليمية الموازية الموجهة، ومعلوم أن لكل هذه القضايا أدبيات تربوية ناظمة تتطور باستمرار بتطور البحث في علوم التربية، فهل استفادت مناهج علوم الشريعة من نتائج البحث التربوي المعاصر في بناء تصور تربوي معرفي ومنهجي على المستوى النظري، وكذا بناء مناهج تعليمية متجددة على المستوى التطبيقي العملي؟ ونبدأ عملياً بالمستوى النظري.
أ - الجهاز المفاهيمي وتجديد خطاب التواصل:
لم يتعبدنا الخالق سبحانه بالأساليب ولا بالوسائل ولكنه تعبدنا بالغايات والمقاصد، لأن الوسائل والأساليب تتغير بتغير زمان ومكان ومحل الخطاب) قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الأَلْبابِ} [البقرة: 2/269] ومن الحكمة امتلاك القدرة على التواصل باللفظ المناسب والوسيلة المناسبة في اللحظة المناسبة، وقد قال رسول الله r: ((خاطبوا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يكذب الله ورسوله))، وقد كان رسول الله r يرسل رسله إلى الأقوام ويزودهم بنصائح غالية في أساليب الخطاب؛ بدأ بتنبيههم إلى الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمخاطبين، ووجوب التدرج في الخطاب، ومن ذلك قول رسول الله r لمعاذ بن جبل: ((إنك مقدم على قوم من أهل الكتاب…)) الحديث.
وإذا كان هذا حال التوجيهات النبوية فإن من مظاهر أزمة الخطاب التعليمي الديني المعاصر إغراقه في اللغة الفقهية والأصولية بجهازها المفاهيمي المتداول في القرن السادس والسابع الهجري، بل الأكثر من ذلك نجد أن الكتب التعليمية المعاصرة في علوم الشريعة لم تستطع التخلص من الأمثلة التي تداولها الفقهاء في عصرهم وكانت تناسب واقعهم الاقتصادي والاجتماعي، بل ولم تستطع إبداع أمثلة جديدة مرتبطة بواقع المتعلم، فما زلنا نجد حديثاً عن استئجار الدابة ونحوها في باب الإجارة في فقه البيوع، والاستجمار بالعظم ونحوه في باب الطهارة، وأن ركوب الأتان من خوارم المروءة في علم الجرح والتعديل، علماً بأن خوارم المروءة تتطور وتتغير بتغير العصور، وعجز المعاصرون عن إيجاد مثال في القياس غير قياس المخدرات على الخمر في باب أدلة الأحكام من علم أصول الفقه، ولا زال التلاميذ يدرسون في موانع الإرث عدم الاستهلال كعلامة على ولادة الجنين ميتاً، رغم تطور أساليب التشخيص التكنولوجية التي تكشف نبضات القلب وترسم ذبذبات لاشتغال الدماغ، وهكذا انحبس الكتاب التعليمي لعلوم الشريعة في التاريخ على مستوى أساليب الخطاب، نتيجة خلل في التصور التربوي يعتمد مقولة ليس في الإمكان أبدع مما كان، ويعتبر خطاب الأقدمين النموذج الأمثل للخطاب الإسلامي الأصيل، مما حال دون التواصل الكافي مع المتعلمين، ولا زلت أذكر أننا كنا ندرس رسالة ابن أبي زيد القيرواني كمادة علمية في التعليم الثانوي دون أن يبذل المدرس أدنى جهد في تحويل مادة الكتاب إلى مادة تعليمية تناسب عقولنا وتجيب عن أسئلتنا، كما لا زلت أذكر أننا كنا نحفظ تعاريف ابن عرفة في كتابه " الحدود" بتقعيداتها وتعقيداتها الدالة على براعة الرجل في صياغة الحدود متمترساً بمحددات عصره، ومتحرزاً مما يخرق القاعدة من قواعد السلوك الاجتماعي والاقتصادي للناس في زمانه، فكان فقه النوازل خير مرآة عاكسة للحياة الاجتماعية والاقتصادية في وقتها، مما يدل أن علماء الوقت استوعبوا قضايا واقعهم بامتياز وأعملوا قواعد الفقه ومقاصده لإبداع خطاب مناسب وواقع الحال، في حين عجز المعاصرون أن يأتوا بمثلهم فيسوغوا لواقعهم خطاباً جديداً لواقع جديد، مع اتفاقهم على أن روح الفقه في القواعد والمقاصد، وأن الأمثلة والنماذج إنما تؤخذ من واقع حال المخاطبين؛ لأن الشريعة إنما وضعت للإفهام.
إن عصرنا يعرف طرح قضايا جديدة مرتبطة بحقوق الإنسان والبيئة والتواصل والإعلام، ويعرف تحولات على مستوى نظام الأسرة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، ويعرف احتكاكاً غير مسبوق بالثقافات الأخرى بحمولتها القيمية المفاهيمية، مما يطرح أسئلة كبرى على المتعلمين لم تكن متداولة بحدة من قبل كما هي عليه الآن، مما يتطلب إنتاجاً فقهياً متجدداً يستنطق مصادر الوحي لتكشف عن مخزونها الذي لا ينضب، ثم ينقل إلى المتعلم بلغة عصره حتى يستجيب لحاجياته، ويجيب عن أسئلته، وهذا المنحى ينتج جهازاً مفاهيمياً جديداً يجعل الفقه الإسلامي حياً؛ لأن الفقه في نهاية المطاف هو استنطاق جديد للشريعة؛ لتجيب عن الأسئلة الجديدة للإنسانية، وأي استهلاك للفقه القديم باجتهاداته ومصطلحاته دون حاجة هو قتل للشريعة نفسها، رغم اقتناعنا نظرياً بأنها صالحة لكل زمان ومكان إلا أننا لم نستطع تحويل الشعار إلى واقع رغم أن الشريعة نفسها تدعونا إلى ذلك، والمحصول الفقهي في نهاية المطاف دليل على قدرتنا على تفعيل الشريعة في الواقع أو دليل على عجزنا عن ذلك.
ب- في منهجية التفكير وبناء المعرفة:
إن تشكيل المفاهيم وبناء التصورات يعتبر المدخل الرئيس لتشكيل العقل، وإن العقل المسلم اليوم أحوج ما يكون إلى الخيط المنهجي الناظم لعملية التفكير الإسلامي حتى يعيد قراءة التراث على بصيرة من الهدي القرآني النظري والنبوي التطبيقي، ولعمري إننا اليوم في عصر صراع المفاهيم لا نعاني في تراثنا الإسلامي من خَصَاص في المعرفة، ولكننا نعاني من ضمور كبير في أدوات بنائها، ولئن كان علماؤنا من المحدثين والفقهاء وعلماء أصول الفقه، قد اهتدوا إلى سبيل الرشد في الاجتهاد فوضعوا أسس النقد في علوم الحديث، وأسس التفكير والاجتهاد في علم أصول الفقه، وأنتجوا فقهاً متحركاً قائماً على النظر في الحاجيات والمآلات، وزادهم هدى ورعهم وتقواهم وتحريهم الحق حيث كان، فإن النظر قد انصرف بعدهم إلى المنتوج والمنتج (بالكسر)، ولم ينصرف بالشكل المطلوب إلى أدوات الإنتاج، وهكذا نجد في علوم القرآن ميلاً إلى نقل أقوال المفسرين أكثر من الميل إلى البحث في أصول التفسير ومناهجه، ونجد في علوم الحديث الشريف ميلاً إلى الرواية والنقل أكثر من الفقه ومناهج الفقه، ونجد في السيرة ميلاً إلى التاريخ أكثر من التفكر في العبر والخلاصات والقيم، بل إن علم أصول الفقه المبني أساساً على التفكير المنهجي اختلط في كثير من الكتابات بفروع الفقه وتاريخ التشريع فالتبس الأصل بالفرع.
وإذا ما تأملنا في طرق بناء المعرفة في التفكير العالمي المعاصر الذي نحن جزء منه، لوجدنا الاهتمام بمناهج المعرفة وأصول التفكير أكثر من الاهتمام بالفكر والمعرفة، ولذلك تصدرت الكتابات التربوية المهتمة ببناء المفاهيم وتعلم طرق التفكير المبدع، قائمة المبيعات في سائر العلوم، وأصبح الناس يتجاوزون السؤال عن المعلومة إلى السؤال عن كيفية الوصول إليها، وتفكيك بنيتها الداخلية، وانطلاقاً من ذلك فإن التدافع (بالمفهوم القرآني) المعرفي في عالمنا لن تحسم نتائجه إلا لصالح القادرين على النفاذ إلى مركز التفكير عوض استهلاك الفكر، وتلك تحديات لسنا مخيرين بحال في خوض غمارها، فإما نفعل أو ننسحب من الفعل الحضاري العالمي لنبقى على هامشه.
وانطلاقاً من ذلك أضحت الحاجة ماسة إلى تجديد المعرفة الإسلامية، ولن يكون ذلك إلا بتجديد مناهج التفكير فيها، والمدخل الطبيعي لكل ذلك لن يكون إلا عبر العملية التعليمية التي تتيح للناشئ فرصة التكوين الجديد، وتتيح للمعلم فرصة إعادة النظر في أشكال وأساليب بناء المعرفة الإسلامية قبل الاهتمام بتلقينها في شكل معارف جاهزة؛ لأن الغاية الكبرى من التعليم هي تطوير القدرات والمهارات التي تمكن المتعلم مستقبلاً من بناء ذاتي متجدد للمعرفة، وقدراً كبيراً من الذكاء في الدفاع عنها وإقناع غيره بها، وقد راكمت المدرسة الإسلامية على مر تاريخها و بمختلف علومها العقلية والنقلية تجارب رائدة في التربية على التفكير تحتاج إلى إبراز واستجلاء، غايتها تكوين العالم القادر على التمييز والتصنيف والتحليل والتركيب والتعليق والمقارنة والترجيح وغير ذلك من المهارات المعرفية، إلا أن مناهج علوم الشريعة في تعليمنا المعاصر حضرت فيها المعرفة، وغابت فيها القدرة على بناء المعرفة، وحضر فيها التلقين والنقل عوض البناء المعرفي التفاعلي الذي يسهم فيه العالم والمتعلم مما حرم المتعلم من منهجية في التفكير تعينه على التكوين الذاتي المستمر، وسنبسط ذلك عند حديثنا عن تجليات الأزمة في طرق ووسائل تدريس علوم الشريعة في مؤسساتنا التعليمية بالعالم العربي والإسلامي.
ج- في العلاقة بين النص والتاريخ في الكتاب التعليمي:
يجد المتعلم نفسه وهو يتعامل مع محتوى كتاب تعليمي في مادة من مواد علوم الشريعة يتصفح كتاباً غير عادي بكل المقاييس، ولا يشبه باقي الكتب التعليمية الأخرى، ذلك أنه يضم بين دفتيه نصوصاً قرآنية وحديثية، وأقوالاً للفقهاء والعلماء وأحكاماً شرعية تتطلب الاستيعاب والتنفيذ ويضيق فيها هامش السؤال.
هذه الحمولة العلمية تتحول إلى حمولة نفسية لدى المتعلم تحد من قدرته على بناء جديد للمعرفة من خلال تفكيكها عن طريق أنشطة الفهم والتحليل، وإعادة تركيبها وتطبيق واستثمار نتائج ذلك في وضعيات جديدة. مما يحرم المتعلم من تنمية مهارات النقد والتحليل والتي تشكل لب العملية التعليمية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل الحد من هامش السؤال والنقد والتحليل هو من خصائص المعرفة الإسلامية؟ أم أنه من مظاهر أزمة التعامل مع هذه المعرفة حين يقع الخلط بين النص والتاريخ فيها فتدخل كل هذه الأجزاء في المقدس، ويبنى ذلك بشكل سلبي في ذهن التلميذ مما يولد على المدى البعيد أزمة في تعامله مع المعرفة الإسلامية باعتبارها معرفة فوقية لا مجال فيها للتجديد والإبداع؟
إن مناهج التفكير العقلي تجد أسسها النظرية ولا شك في مصادر الوحي، ويكفي أن نتصفح آي القرآن الكريم لنقف على قوة السؤال في أعقد القضايا، فقد سأل إبراهيم عليه السلام ربه قائلاً: أرني كيف تحيي الموتى، وسأل موسى ربه أن يتجلى له ظاهراً إذ قال: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 7/143]، وحاور الحق سبحانه كل الطوائف والملل والنحل في القرآن الكريم، وكان صحابة رسول الله r يسألون عن كل القضايا التي تهم حياتهم بل ويراجعون النبيr في غير ما موقف، ويطلبون منه أن يميز في تعاليمه بين الوحي والاجتهاد البشري التدبيري، فلا يطبقون ما جاء به الوحي إلا بعد فهم عميق، وكانوا يقولون كنا نحفظ آي القرآن خمساً خمساً فلا نتجاوزهن حتى نعلمهن ونعمل بما فيهن، وكانوا يدلون بخبراتهم وتجاربهم في كل ما يتعلق بالتدبير الاجتهادي، وقد نزل رسول الله r في ذلك غير ما مرة عند آرائهم وغيَّر رأيه، وكان فقهاء المسلمين يفرقون بين النص والاجتهاد فكانوا يقولون: (كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر) في إشارة إلى قبر رسول الله r، وأثرت عنهم أقوال من قبيل: (ما وافق كتاب الله وسنة رسوله فهو مذهبي وما خالفهما فاضربوا به عرض الحائط)، و (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).
إلا أن استحضار هذا النفس المنهجي في بناء محتويات الكتب التعليمية في علوم الشريعة يبدو ضعيفاً إلى حد يشعر معه المعلم بإضفاء طابع القدسية عليه بعامِّه، فلا فرق بين نص من الوحي يفتح أمام القارئ هامشاً واسعاً للسؤال عن الفهم والتنزيل على الوقائع، ونص من التاريخ يعكس اجتهادات السابقين في التعامل مع النص باستحضار عاملي الخطأ والصواب.
إننا نعتبر أن المعرفة الإسلامية بنيت بالسؤال وانفتحت على سائر الأسئلة وهي مجال لتنمية المهارات المختلفة تماماً كما تبني المعرفة وترسخ القيم في تكامل ثلاثي يشكل أضلاع مثلث المنظومة التربوية، ولكن مؤلفي الكتب التعليمية في العلوم الشرعية وكذا المدرسين اهتموا بالمعرفة ولم يهتموا بطرق بنائها، ويرجع ذلك في نظرنا إلى الانفصال في تكوين المشتغلين بعلوم الشريعة بين مجال التخصص المعرفي ومجال التخصص التربوي، وخاصة في بناء المناهج وتأليف الكتب المدرسية وطرق ووسائل التدريس. بل تعود بعض آثاره إلى نمط التكوين الذي مر به هؤلاء، والذي بُني على البعد المعرفي في غياب البعد المنهجي داخل المعرفة الإسلامية نفسها. مما يتطلب إعادة النظر في مناهج تكوين مدرسي علوم الشريعة. وجهداً كبيراً في تكوين مؤلفي الكتب التعليمية، وتنمية متجددة لكفاءات أطر التدريس في كيفية التعامل مع هذه الكتب داخل الفصل من خلال إبداع وتنفيذ الأنشطة المختلفة التي تنمي المهارات إلى جانب بناء المعرفة وترسيخ القيم.
3/ في بناء وتنفيذ المنهاج التربوي على المستوى التطبيقي
إذا كانت علوم الشريعة منذ نشأتها قد أسهمت في إذكاء الحس المنهجي لدى المشتغلين بها من المعلمين والمتعلمين في عصور الازدهار العلمي والمعرفي للأمة الإسلامية، فما هي الإشكالات التطبيقية التي أصبحت تحد من دورها في تشكيل العقل المسلم في العصر الحاضر سواء في بناء مناهجها التعليمية أو طرق ووسائل تدريسها أو أساليب تقويمها، وما هي آثار ذلك في بناء المعرفة الإسلامية في واقعنا المعاصر، وكيف يمكن أن تسهم علوم الشريعة من خلال نصوصها المنقولة، ومناهجها المعقولة، والتجربة المتراكمة في طرق تدريسها وحملها وروايتها ونقلها، في إعادة تشكيل العقل المسلم فيصبح مجتهداً مبدعاً.
ذلك ما سنحاول الإجابة عنه بنظرة تحليلية مقارنة بين القديم والحديث في المدرسة الإسلامية من جهة، ونظريات التعلم المعاصرة التي تشكل تجارب إنسانية لا تخلو من فائدة من جهة أخرى، لنصل في نهاية المطاف إلى استنتاج خلاصات واقتراح حلول عملية لتطوير مناهج تدريس علوم الشريعة حتى تسهم في بناء المعرفة الإسلامية السليمة وتتجاوز مظاهر الخلل التي اعتورتها مذ ضمر التفكير الاجتهادي المجدد.
أ/ في تشخيص وضعية بناء المناهج التعليمية:
عرف عن علمائنا في مجالس العلم اشتغالهم بسرد مروياتهم من حفظهم عن شيوخهم بالسند المتصل، أو سرد كتاب من الكتب المعتمدة في الفن المدروس كالصحاح والسنن وغيرها من مصنفات الحديث وأمهات كتب التفسير والفقه وأصوله، والتعليق على ذلك بما فتح الله عليهم من بيان اللغة والمعاني، وبسط الكلام عن أسباب النزول وأسباب الورود وبيان الناسخ من المنسوخ والحديث عن المشكل والمختلف، والاستنباط الفقهي، وحكاية الخلاف ومظانه، والترجيح وطرقه، وغير ذلك من ضروب العلم الشرعي، يستوي في ذلك الصبي المميز والكهل والشيخ والحاضر والمسافر الحال بالبلد، لأن أغلب مجالس العلم كانت تعقد في المساجد وبعيد الصلوات.
وعرف عن بعضهم عقد مجالس العلم للخاصة من المريدين وطلبة العلم الملازمين الذين يصرحون بدءاً بغايتهم من الدراسة على الشيخ كرواية أحاديث بعينها لا توجد عند غيره، أو اجتهادات في دراية الحديث، أو مذهبه في التفسير والفقه ينفرد بها عن غيره، أو مدارسة كتاب في فن بعينه رواية ودراية أو ما إلى ذلك من ضروب المعرفة الشرعية.
والمطلع على مدونات طلب العلم وآداب العالم والمتعلم، لا يكاد يجد تصنيفاً منهجياً للمادة العلمية بشكل يراعي القدرات النفسية والعقلية والجسمية للمتعلمين، ولا يكاد يعثر على تصنيف لهؤلاء في مجالس العلم بحسب تلكم القدرات، كما لا يكاد يعثر على منهاج تعليمي للمادة الدراسية يراعي حاجة المتعلمين حسب فئاتهم العمرية.