صفحة 1
درب البيت والمصير
رائحة اليود وصوتُ فقش الموج وعصاً طافحة على مدٍّ وجزْرٍ في أنف أبي رزق الله وأذنيه عينيه. كلها تتفاعل في الذاكرة لتؤكدَ الظن باليقين. يتذكر ما أخبرته جارته ثلجة البصّارة عن اهتمام إحدى الشركات العقارية بشراء منزله وهي جادة لإتمام ابتياع المبنى القديم، الذي تشغل منه جارته الشقة الأرضية المحاذية له، وتتراءى مع كل خطوة محطة من محطات عمره، تبدو على وجهه باسمة حيناً، وعابسة حيناً آخر، على تمتمات شفتين صامتتين توحي لمن يراه، أن العمر فعل فعلته والرجل فقد اتزانه. إنما من يعرفه يعرف عكس ذلك، وعندما ينوي أن يفعل شيئاً يفعله. بدا له من فقدان عصاه، ومن حديثٍ عن شراء المنزل، أن لا أحد يقاوم الواقع فجيل العصا يخلفه الشباب وخراب المنازل التي تُطاح وتُبنى مكانها الشاهقات.قرّر أن يدخل منزله دون أن يراه أحد هارباً من قهوة العصر ومن قارئة الفنجان.
ماذا ينفع التبصير في مستقبلٍ مضى؟
لا شيء سوى الكلام وهو لا يريد السماع. لقد آل على نفسه أن يمكث طوال الليل في العتمة، وأن يحبس الأنفاس حتى ولو أقدموا على خلع باب منزله. وأخيراً، من سيسأل عنه...؟ ثلجة...؟
وهل تحت الثلج نار في عمرها؟ الاسم بارد بارد إنما يساورني الشك في التسمية، ربما لُقّبتْ به لسبب ما؟ لم تخبر شيئاً عن حياتها وأنا لم أخبرها شيئاً عن حياتي. جُلّ ما في الأمر عندما أمازحها بعد قراءة الفنجان لأهمَّ بدفع التسعيرة، تبتسم وتشكر الله على فاعل خير يسندها من الخارج. أرخى جسده وأسند رأسه إلى كنبته وسط الدار كعادته دون إضاءة المصابيح، وراح يغط في نومٍ عميق.
ثلجة تعرف موعد رجوعه عندما تسمع وقع عصاه. أسدل الليل خيوطه ولم ترَ بصيص نور في دار جارها. شُغل بالُها. أبو رزوق لما يأت ِ بعد، تسأل جيران الحي إذا ما كان أحد قد شاهده، متوجسة من حدوث مكروه له. لم يتأخر يوماً عن البيت إلى ما بعد السابعة، والساعة تشير إلى التاسعة. استنفرت الجيرة وقرعت بابه وهي تناديه، سمع ولم يستجب أو لم يجب. أصدَرَت الأمر بخلع الباب عندئذ، أضاء المصباح وفتح الباب مبادراً بتهكم: من يقرأ الفنجان ويستطلع الغيب ألا يرى جاره خلف جداره؟
لم تعُدْ ثلجة إنما كتلة من نار.
ـ بل يراه ميتاً أيها البليد الذي تجرّه عصاه.
ردَّ شاكراً جارته البصارة معترفاً بصدق غيرتها واستنفارها سكان الحي خوفاً عليه من أي مكروه، مطمئناً إلى أنهم حريصون على دفن موتاهم، وقادرون على خلع الأبواب أيضاً، إذا ما أعاد فعلته مرة أخرى.
صفحة 2
ليل أبي رزق الله الطويل
-1-
أضاء بعدها مصباح صالته ومصباح ذاكرته ليرى رزق الله في كل الأحياء، باهتاً باسماً مصفقاً هاتفاً: أزمار... أزمار.من بين السعادين التي عبثت بعصاه، كانت غمرتها لرجله وعيناها الملائكيتان تشدّانِه إلى رؤى أمه تغمر الكون حنواً على إخوة وأخوات جعلوا بين أحيائهم حواجز الحقد تختال في بيوتهم وتغتال نعمة الله. تلك الصغيرة أزمار أطفأت أنواره وأضاءتها:
- متى أكتب الوصية وأفي بالوعد؟ كأن نوازع النفس لا تنال مطلبها إلا بشرط؟
لا بأس، إن الوصية اعتراف بالنهاية ومن تسلّم يُسلّم. أما الوعد فأملٌ وبقاء.
بصّارتي حلوتي، كلَّ يوم يريكِ فنجان قهوتي إشراقاً فوق إشراق في طالعي، تفرحينني ولا أظهر اقتناعي بما بقي من العمر.
أريتني مفتاحاً بدا لكِ بين زراكش ما تبقى من قهوة الفنجان. وقد قرأته بسخرية بأنه مفتاح فرج الأرامل وكنتِ تعنين نفسك وتعنيني، فتلقفتها بمصافحةٍ من القلب ووعدتك بإيداعك كلّ المفاتيح.
عيناي تغمضان واحدة على طفولة أزمار، وأخرى على أرملة تجيد الإبحار.
-2-
يوم استفاقت الحياة مع أتراب أبي رزق الله، لم يكن سوى ذلك الصبي الشقي في ريف ملعبه أشجار الصنوبر على أرضٍ يغزوها الشوك والقندول ومساحات ترابية شديدة الانحدار غالباً ما كانت مركز تزحلق تقنية رياضته، وهي أن يجلس على غصن من صنوبر قد يؤدي إلى سقوطه مهشم اليدين والساقين، ليعود إلى المنزل بدون سرواله القصير وما تحته، فيختم الوالد كل ذلك بجلدة قضيب التوت وركعة الانتصاب.يذكر أبو رزق الله تلك الأيام تماماً مع من كان، ولا ينسى حكاية أمه، وكيف كان يتعلم فك الحرف والقراءة، ويوم غيّر اسم رفيقة طفولته بنت الجيران حين سألت أمه ببراءةٍ متى تصلون إلى نهاية العلم وتلقت الجواب:
عندما أنتهي من قراءة المزامير، وعندما سألت الطفلة أمه: وما هي «الأزامير»؟ ضحك الصبي الشقي الذي كان يكبرها بسنتين قائلاً: إنها أنتِ يا أزمار. اتبعيني، اتبعيني لنلهو ونتزحلق، ممعناً في العصيان على الرغم من تهديد أمه له بقضيب الوالد.
صفحة 3
وعـدُ الجـزار
الأحلام لا تصبر على التحقق في عمر الطفولة، والولد موعود بسيارة تسير على الكهرباء، يتجول بها بصحبة أزمار في ربوع القرى مختالاً غريداً ولا يحسب معاناة الكبار مع دنياهم.الجزار يأتي يوماً في الأسبوع إلى دكان أبيه ليبيع ذبيحته لقاء منح ما يلزم منها للعائلة. وما كاد يهم بسكينه على رقبة الخروف حتى تساقطت عليه الحجارة من كل صوب. حجارة الرفقة لا تصيب، أما حجارة الموعود الخائب، فتفعل فعلتها لأن وراءها أربعة أسابيع من ادعاء النسيان ومسرحة الكذب بضرب الكف بالكف وشلح اليد على الجبين وبالقسم بوجود السيارة في دكان أخيه. حجارة الموعود هذه المرة أتت من مسافة لا تقل عن عشرة كيلومترات، قطعها مشياً إلى بلدة الجزار ليفاجأ باستغراب أخي الجزار دجلِ أخيه والكذب على براءة الأطفال، تتساقط على الهدف، فتربك الجزار وتفقده السيطرة على ضحيته ليهبّ هارباً متلطياً سامعاً صياح الصبية يتردد:
«من يعد الطفولة لا ينكث وعده».
هنا أفلتت الضحية من سكينه وقفزت من على مصطبة مسلخها المحاذي للشارع العام لتستقر تحت عجلة إحدى السيارات المارة وتلقى مصيرها. يهرب الصبية حينها بإمرة قائدهم عزّام ابن صاحب الدكان وشاغل بال جارته البصارة اليوم.
هذه المشاهد تتراءى في ذاكرته حيةً وتتسع بعد مشاهدته عبر التلفاز ابن ذلك الجزار، الذي يأخذ الكثيرون توقعاته على أنها اليقين، وكأنما الآتي إذا ما كان فألاً خروفاً قوائمه دواليب، وإذا ما كان شؤماً سكيناً تلمع في الفضاء كأنها القذائف تتساقط فوق الرؤوس. إن توقعات كهذه تؤكد لأبي رزق الله أن الابن سرُّ أبيه، وأن الدنيا تكبر ويبقى في حناياها الطفل الموعود.
رقد أبو رزق الله على فتوة عزّام يحيا الحلم على وقع التوقعات.
صفحة 4
الفتـوة على ظهر الأحـلام
شاشة الذاكرة تضيء وتكرُّ بمرور الأيام سماءً زرقاء وفتوة طائرة تسبح فوق الأشجار والمنازل، وأخضر الربيع يتمايل تحت قدمي حلوته حنين رفيقة طفولته أزمار، يكاد أن يهبط لالتقاطها من خصرها ليطيرا معاً. يفاجأ بخطوط التوتر العالي ويخشى الاصطدام فتنتقل الصورة مُظلمة يوم عاد إلى بيته الريفي ليُعلم بهجرة أزمار مع أبويها إلى بلاد الاغتراب.كان ذلك في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، يومئذ كانت الحياة باسمة ضاحكة في ربوع الوطن والمواطن يشتمُّ رائحة البحبوحة كيفما عمل. الحركة في ازدهار وسوق العقارات تنشط منتهزة رخص الأراضي ومغرية أصحابها ببيع ما يُسمى «شلحطينها» المكسو بالبلّان وأخضرها المزهو بشجر الصنوبر لقاء بضعة آلاف من الليرات في جيوب فلاحيها التي لم تحلم يوماً باحتواء أكثر من بضعة أوراقٍٍ منها.
السمسار رعد يمزمز إلى مائدة أبيه التي أنهكت الوالدة في خدمتها ليلاً ونهاراً إنها عرين الوالد، وعلى عزام إن وجد، أن يشارك مدعوّيها لكن من دون المشاركة في موضوعاتها.
وكيف له بالصمت وهو يشاركهم في الكأس، وقد أصبح يختزن من العلم ما يدحض غرور الشباب الذي يجبهه به أبوه كلما أراد أن يبدي رأياً.
- كاسك يا رعد.
- كاس إتمام الصفقة، ردد رعد وأكمل عزّام بالنصر يا رعد والفوز بالعمولة.
- تأدب يا ولد، قالها أبو عزام وتنحنح رعد متململاً ومتظاهراً بسعيه إلى الخير.
- وأيُّ خير؟
- اصمت يا ولد.
- لن أصمت ولن تبيع يا والدي حقل المنزل.
- بل سأبيع الحقل والمنزل معاً.
- لا أحد يبيع وجوده، اشرب يا أبا عزام ومزمز أيها السمسار الأمّي الوغد.
- وتجرؤ يا قليل الأدب... قالها أبو عزام ورمى ما في كأسه بوجه ابنه ليلطم عزام المائدة بكرسيه تاركاً طاولة أبيه وفي أذنيه:
- «ارحل أيها الصرصور وعندما تتملك اشترِ وبع».
كانت تلك آخر المجابهات مع أبيه، وعلى مشارف انتهائه من المرحلة الثانوية للالتحاق بالجامعة، وإن ينسَ فلا ينسى بقية المشهد وإنذار أبيه لأمه عندما حاولت التوسط وتحذيرها بأن تلزم الصمت أو ترحل مع ابنها «السليط»، الذي كثيراً ما يشبهها طبعاً وطابعاً. وتبقى رائحة العرق من كأس أبيه على وجهه، رائحة تحمل الحنين إلى العيش مع والديه رغم كل شيء، وهو يصارع نوازع نفسه في التزامه الحزب الأحب إلى قلبه، الذي أفعم نفسه طموحاً وثورةً للتغيير، والذي لجأ إلى مكتبه لتدبّر الأمر بعد تلاسنه مع أبيه.
كان الوقت صيفاً، وكان للحزب مخيم في ربوع الجبل يضم أشبالاً ومنتسبين جدداً. إنها أتت في وقتها وعلى «الرفيق» تأدية الواجب.
في الطريق إلى هدفه، تفاعلت صور الماضي وأكثر ما حزَّ في نفسه ما يُقطع من قلب الطفولة، ففراق حنين «أزماره» أشبه بنكء الجرح قبل أن يندمل. مرَّ بشجرة البلوط الباسقة التي كان يلعب حولها مع حنين وحفر اسميهما: أزمار، عزّام، وضرب بكفه ساق الشجرة يسألها: ترى أين هي وبأي بلدٍ ومع أي عزّام تلهو وتُغرم أزمار؟!
- استعدّ، مكانك خذ، تأهب، إلى الأمام سرّ... الانضباطية في مخيمه، ومهام كلّ رفيق محددة مع الأشبال. والمدرب زاهي «الدكروب» شديد البأس ولا يتهاون مع الرفاق في واجبهم وهذا اللقب استحقه بجدارة لامتهانه الجودو في "دكربة" الرفاق إذا ما أخطأوا.
المخيم يجمع الأشبال من كلّ أطياف الوطن، تطبيقاً لعقيدة نهضوية تماماً كما تشرّبها، وتجسيداً لفصلٍ روحي بين التقاليد الطائفية واقتتالها، وبين صهر المجتمع في بوتقة واحدة تعطي «ما لله لله وما لقيصر لقيصر»، وتحفظ لنا الأرض.
أسبوعان في المخيم، وبعيداً عن المنزل، ومصالحة الأب لم تكن لتمر على ما يرام.
صفحة 5
ليل أبي رزق الله طويل وبداية شبابه في أولها.
فرح الخدمة في النهار وحراسة مداورة في ليل المخيم. آمال وأحلام الشباب عندما تصطدم بالواقع وتحاكيها التجارب تبدأ بالتململات ويبدأ الصراع، البندقية بين يدي عزّام في انتظار مقتحم يأتي أو لا يأتي، وهذا من واجب الحذر، وسكون الليل يتحرك على نبض القلب ورفقة القيمين على المخيم، ولا سيما على الرفيقة هند المميزة بإعدادها وتنظيمها لبرامج أشغال الأشبال كأنَّ فيها من الحركة خطى من خطى أزمار، ومن اندفاعاتها في احتضانهم نشيد الأناشيد.
إلى أين يعتمرُ قلبك في هذا الليل يا عزّام؟!
نَعَمْ! إلى حراسة هذا المستقبل النهضوي الذي يجمعنا على حب الحياة لتغيب شمسه وتبقى مضيئة في قمرهِ ترقب البراعم النائمة على حبس النفس عند سماعك أي خشخشة، تأهب سمعٍ ونظرٍ، ويد على الزناد، وخفقان قلبٍ لا يلبث أن يهدأ على سكون واطمئنان تعاوده الروح ليشغل الفكر في دروب مستقبلك يا عزام!
القلب يكاد يُغرم بمشية هند وصوتها يصدح مع براعمها:
«بلادي بلادي ربيع أطل»... فيشمخ في الوجدان أمل في تنشئة تزرع الخير والجمال كأنها المعين في التصدي للصعوبات وتحدّي الآتي من الأيام بعد انتهاء خدمة المخيم. كيف لا ودرب البيت مقفلة مع الوالد، ووعد العمل في أحد البنوك يضيء الأمل. كانت ليالي الحراسة طويلة بمخيلة هائمة بين الوعود والواقع وما كانت لتنتهي لولا ذلك القدر الفاجع.
طلقةٌ يهتز لها المخيم وتودي بحياة الرفيق.
تُرى هل هو القدر وسخفه؟ أم الواقع وحمل السلاح نتيجة حتمية لصراع الموت والحياة؟
نديم الرفيق بأحلامه ورقته جعلناه صقر المخيم وحمَّلنا وداعته أكثر ممّا تتحمّل من نكات قاسية لا تليق بمدرسة الأخلاق التي تعلمنا، كلما كانت ليلة حراسته وأصبح السلاح بيد الـ... يجرح.
هل اتكأ على رشاشه ويده على الزناد فغفلت عيناه، «أم تزحلق بسلاحه على منحدرات المخيم في وسوسات الليل»، فانطلق الرصاص وأقفل المخيم على «ربيع أطل وأمٍّ ثكلى وأب مذبوح؟».
تسللت يا عزام إلى البيت بعد حادثة المخيم خوفاً من لقاء أبيك الذي سيزداد غضباً منك بعد هذه التجربة، وطمعاً بحنو أمك التي عندها الخبر اليقين بموافقة البنك على توظيفك كأمين للصندوق بعد التأكد من نزاهتك وسيرة والديك الخلوقين.
- عُدت يا عزّام يا روح أمك.
- لأخذ رضاك يا أمي.
- لقد وافق البنك على توظيفك.
- وهل طلبني؟
- طلبك يا بني إنما الوالد في طلبك... أترك الأحزاب لأنه غاضبٌ عليك هذه المرة أكثر ممّا تتصور. إنه يحبك ويريدُ لك الخير ولا يطيق ما حدث في مخيمكم. تجنّبه الآن ولا تدعه يراك فأدفعُ أنا الثمن لكنه، إذا ما اشتغلت وأكملت الدراسة فسيرضى عنك.
فرح الخدمة في النهار وحراسة مداورة في ليل المخيم. آمال وأحلام الشباب عندما تصطدم بالواقع وتحاكيها التجارب تبدأ بالتململات ويبدأ الصراع، البندقية بين يدي عزّام في انتظار مقتحم يأتي أو لا يأتي، وهذا من واجب الحذر، وسكون الليل يتحرك على نبض القلب ورفقة القيمين على المخيم، ولا سيما على الرفيقة هند المميزة بإعدادها وتنظيمها لبرامج أشغال الأشبال كأنَّ فيها من الحركة خطى من خطى أزمار، ومن اندفاعاتها في احتضانهم نشيد الأناشيد.
إلى أين يعتمرُ قلبك في هذا الليل يا عزّام؟!
نَعَمْ! إلى حراسة هذا المستقبل النهضوي الذي يجمعنا على حب الحياة لتغيب شمسه وتبقى مضيئة في قمرهِ ترقب البراعم النائمة على حبس النفس عند سماعك أي خشخشة، تأهب سمعٍ ونظرٍ، ويد على الزناد، وخفقان قلبٍ لا يلبث أن يهدأ على سكون واطمئنان تعاوده الروح ليشغل الفكر في دروب مستقبلك يا عزام!
القلب يكاد يُغرم بمشية هند وصوتها يصدح مع براعمها:
«بلادي بلادي ربيع أطل»... فيشمخ في الوجدان أمل في تنشئة تزرع الخير والجمال كأنها المعين في التصدي للصعوبات وتحدّي الآتي من الأيام بعد انتهاء خدمة المخيم. كيف لا ودرب البيت مقفلة مع الوالد، ووعد العمل في أحد البنوك يضيء الأمل. كانت ليالي الحراسة طويلة بمخيلة هائمة بين الوعود والواقع وما كانت لتنتهي لولا ذلك القدر الفاجع.
طلقةٌ يهتز لها المخيم وتودي بحياة الرفيق.
تُرى هل هو القدر وسخفه؟ أم الواقع وحمل السلاح نتيجة حتمية لصراع الموت والحياة؟
نديم الرفيق بأحلامه ورقته جعلناه صقر المخيم وحمَّلنا وداعته أكثر ممّا تتحمّل من نكات قاسية لا تليق بمدرسة الأخلاق التي تعلمنا، كلما كانت ليلة حراسته وأصبح السلاح بيد الـ... يجرح.
هل اتكأ على رشاشه ويده على الزناد فغفلت عيناه، «أم تزحلق بسلاحه على منحدرات المخيم في وسوسات الليل»، فانطلق الرصاص وأقفل المخيم على «ربيع أطل وأمٍّ ثكلى وأب مذبوح؟».
تسللت يا عزام إلى البيت بعد حادثة المخيم خوفاً من لقاء أبيك الذي سيزداد غضباً منك بعد هذه التجربة، وطمعاً بحنو أمك التي عندها الخبر اليقين بموافقة البنك على توظيفك كأمين للصندوق بعد التأكد من نزاهتك وسيرة والديك الخلوقين.
- عُدت يا عزّام يا روح أمك.
- لأخذ رضاك يا أمي.
- لقد وافق البنك على توظيفك.
- وهل طلبني؟
- طلبك يا بني إنما الوالد في طلبك... أترك الأحزاب لأنه غاضبٌ عليك هذه المرة أكثر ممّا تتصور. إنه يحبك ويريدُ لك الخير ولا يطيق ما حدث في مخيمكم. تجنّبه الآن ولا تدعه يراك فأدفعُ أنا الثمن لكنه، إذا ما اشتغلت وأكملت الدراسة فسيرضى عنك.
صفحة 6
أمـانة الصندوق
استفاق أبو رزق الله على طلق النار وعلى الوظيفة في ليل قلقه وأشارت ساعة المنبّه بجانب فراشه إلى الحادية عشرة، ولم ينتصف ليله بعد إلا على تدرّبه على عدّ السيولة بين أصابعه وراء الصندوق.- أهذه الأوراق مصيرك ومستقبلك يا عزّام؟
تتدرب على العد السريع بين أناملك فيشهد الزبائن لحرفيتك، بئس العدّ والوظيفة.
أديل الجميلة مسؤولة الحساب الجاري، في معاناة حملها تشتهي اللوز الأخضر ولحسن حظها الموسم ربيعي وفي وقته.
سمعتها ومن غيرك يلبي النداء؟!
الزبائن في بنكنا الريفي يقاتل بعضهم بعضاً، وبالكاد يأتي زبون كل ساعة. أعرني دراجتك يا أبا النور لوقت قصير، وخذي بالك من قفص المال يا أديل.
أبو النور: دراجتي لا يقودها إلا صاحبها وكيف تترك الصندوق دون علم المدير؟
- كلها دقائق وآتي بالغرض، وإن سأل عني المدير فقل ذهب إلى الخلاء.
- لن أعيرك دراجتي.
- إذا فعلتها يا أبا النور فلن أدعك تصطاد «الخوري والشماس» على أغصان توتتنا الشامية.
أبو النور: وصل صاحبك «أبو الميش» كلّفه المهمة.
- أنقذت الموقف يا عزيزي ميشال فلا يحكّ جلدك إلاّ ظفرك وبلا جميلك يا أبا النور.
ميشال الذي يغمزُ الموظفون من قناته لخفةِ سلوكه، باع أبوه بعضاً من أملاكه للشركة صاحبة البنك، وعمل الابن فيها سائقاً طليقاً، أما أنا الذي باع والدي كل املاكه وجدتُ نفسي موظفاً حبيساً داخل صندوقها. عدتُ إلى مكاني مطمئناً ومطمئناً أديل بعودة أبي الميش السريعة، ولأرى قهوة أبي النور تبتسم أمامي عوضاً من طلب الدراجة ولسان حاله موجه إلى أديل ويده إليَّ «لتكن شهوتك مثل هذا الفارس راكبا ً دراجة أبي النور وتقبرين اللوز»!
الوحام لوزة أو بضع لوزات! غصن شجرة أم شجرة بأمها؟ هوذا أبو الميش اقتطعها ويسدُّ باب البنك مقتحمهُ على منظرٍ يضحك له الجميع.
ماذا يحدث في سكون هذا البنك؟ المدير يحتج.
- عفوك سعادة المدير كرم الريف من معجنه ورغيفه مُقمَّر على صاج نظيف.
- وهل نحن في سوق خضار؟ كم أنت ظريف يا عزّام!
كبحنا أظافر أديل لسلامة الجنين جفصَ أبو الميش وعاد الأمر هادئاً وراء مكتب المدير ومستطيل طاولة الحساب الجاري تعكر هدوءه جاروشة شهوة أديل وطحن اللوز تحت أضراسها، ومجيء مدققِ حسابات البنك الخبير سلّوم بنظارتيه وحقيبته السوداء ووريقات خمس، قيمة كل واحدة منها خمسمئة ليرة لبنانية ممهورة بإمضاء المدير بدل أوراقٍ مالية يجب أن تطابق ميزان المدقق.
انتهى الوِحامُ وسلّوم سيدققُ الصندوق همستُ في أذن أديل.
- أعرف وقد رتّبتُ الأمر مع المدير وهو بحاجة إليك اذهب إليه فور خروج سلوُّم من مكتبه. وهكذا فعلت.
- أمرك سعادة المدير؟
- هل لك أحد الأصدقاء أو الأقارب في المهجر.
- أشغلتَ بالي، ما الأمر؟
- لا شيء يا طيب يا عزّام... كل ما في الأمر أن تعطيني اسماً مهاجراً نكشف حسابه في المبلغ الذي ينقصُ صندوقك وهذا على مسؤوليتي أسدّده بعد انتهاء التدقيق ويُقفل الحساب.
وككل شاب مندفع وبدون تفكير قلت: لا عليك سعادة المدير فهناك اسم أخي فهو مهاجر منذ مدة قصيرة وهو لن يعود في القريب، وأنا أوقع عنه. وهكذا كان، فأصبحتْ وريقات الخمسمئة التي أنفق قيمتها سعادته على «قمر الليل»، أو ضحوك، أو دامس أبو الطيب فارس السلام، أو درع الأمير وباقي ركاب الخيل، وما يدخل جيب المدعو أبي حسون مُرجّح فائزي الخيول ومُبتَز جيوب المراهنين، الذي ترك مكتب المدير قبل لحظات من دخول المدقق سلوم. ويكتمل المشهد بدخول إحدى عميلات البنك الأجنبيات على غير عادتها الرشيقة، برجل مجبرّة وعكاز؛ يبدو أنها البلجيكية كارينا هاوية ركوب الخيل وليس سباقها، وقد كبا بها الحصان ما أدى إلى كسر في رجلها دون أن تفقد مرحها، فأخذت تطلب من الموظفين تعليقهم كتابة على جفصينها للذكرى، إلى أن وصلت إليك يا عزّام المنتشي بغرِّ الشباب وبحر خياله لتكتب على أبيض جفصينها وأنت تصبو إلى ما وراء داخله بسرعة الخاطر: «سيدتي الطريق سالكة حتى غابة الأرز». وعندما تتعرف إلى ترجمتها تسابقك ذراعاها بغمرةٍ عامرة وبقبلاتٍ تفعل فعلها وتثير حشرية الموظفين بأكثر من مشهد. غصَّ أبو الميش في اقتحام باب البنك.
صفحة 7
ستة أشهر وستة أيام
ويمضي ليلك يا أبا رزق الله بطيئاً والعجب في اتقاد الذاكرة كأنها، كلما أطلّت على حدثٍ من الماضي، كمن يرمي حجراً في بركة ماء تتفاعل أمواجه ولا تسكن حتى تلامس الجدران.فما توقيعك على حسابٍ وهمي باسم أخيك إلا التزوير بعينه. برّرته يا عزّام داخل نفسك شهامةً وكبراً من موروث التقاليد «الحاتمية»، وكان ذلك في غير محلِّه. كان يمضي الشهر في البنك تلو الشهر وعلى عادته أبو «حسوُّن» يزورنا كلَّ أسبوع قبل موعد الشوط بيومين بترجيحاتٍ تتراكم خمسمئاتها في حساب الغائب الوهمي، وكارينا الحلوة بجفصين رجلها أشعرتك بالرجولة نعومةً ورقةً أروَتْ شبقك الجنسي، بلا غرامٍ وانتقام. مرضُ هذا المجتمع القاتل لمدة وجيزة وانتهت يوم أكملتَ ستة أشهر في البنك يا عزّام ويوم بدأت حرب الأيام الستة.
بدأ اليوم الأول من الحرب على تعليمات بصبغ مصابيح السيارات باللون الأزرق.
دراجة أبي النور وطائرات دايان
هي غير تلك التي كانت في الخدمة يوم كان دركياً تحمل في قافورتها زميلاً له. إنها متقاعدة وأقل بكثير من جلالة هارلي داڤيدسون، تكتفي بنقل أبي النور من خدمة البنك إلى المنزل وتبقى مطواعةً تزايد على أيّ سيارة بنقلها أبي النور وأم النور قرينته في تحركاتهما، كما تبقى لها الفرادة في هواية الصيد، التي يعشقها أبو النور، حيث يقودها وبارودته منبسطة أفقياً بموازاة كتفيه كأنها كصاحبها متفلتة من قيود الزمن ومتصالحة مع الريح.- مهلك يا عزّام لا تفعل هذا.
- أصبغ مصباح دراجتك حسب تعليمات السلامة.
- ما لكَ والسخرية يا عزّام؟
- ألم تسمع مذياع أحمد سعيد وزحف العرب الذي أصبح قاب قوسين من تل أبيب؟
- يعني أن كلُّ شيء انتهى، ولا حرب بعد الآن.
- لا بد من أخذ الحيطة والحذر، ربما أن أحد الطيارين الأعداء والهاربين لم يعد يجد مهبطاً آمناً لمقاتلته وأخذ يضرب الأخضر واليابس، وربما رأى دراجاً في الطريق يكون أنتَ لا سمح الله، قبل انتحاره.
- لن أسامحك إلا إذا تعهدت بتنظيف المصباح.
- سأفعل يا أبا النور سأفعل.
قلتها وتساءلت في داخلي، ما أهون تنظيف وسخ الأشياء وتلميعها عند تلطيخ النفس وإعادة تهذيبها؟
نشوة النصر بهزيمة المحتل أصبحت نكبة الجبهات وهزيمة الهزائم؛ ولعنة فرعون حلّت على صاحبها. شتيت أبناء موسى منذ آلاف السنين هاموا سنيناً في صحرائك يا سيناء وخلصّهم ناموس موسى، وها هم اليوم يبيدون أبناءك يا فرعون حين أصبحوا بلا غطاءٍ تقذفهم حممٌ من سماء ناموس مغترٍ بالقوة والجبروت. لقد أصبح «خط برليڤ» على ضفة القناة يا أرض الكنانة، ويتغطرسون فوق أرض الجولان وعيونهم فوق شامك يا سوريا، وأقدامهم ملأت غزة وشوارع القدس وضفّتها، ولا انتظار إلا بتسلم المسيح وصلبه مرة أخرى!
عفوك أيها القائد! إن صوتك تهدر له الأمواج من المحيط إلى الخليج عروبة... عروبة...
وعند هذا المشهد صوت ضميرٍ صغير لم يسمع لوالده بل حفظ قوله:
«لا تعلّم ابنك الدهر يُعلِّمه». من بدأ بالخطأ ينتهي بالخطأ.
بلادُك سَلِمتْ يا عزّام ولم تشارك في الهزيمة وربما لم يُعِرها القائد اهتماماً لصغرها. أديل الوحام، صغيرة وجميلة عسى أن لا يكون وحامُها على مولود تشتهيه زعيماً بعد هذا الذي دَعَوهُ نكسة. وأنتَ يا حضرة المدير، عيناي ترقبك من وراء الزجاج الذي يفصل بينك وبين موظفيك، ستظل بانتظار «أبي حسون» تقبض ترجيحاته إنما لن تجد عزّاماً يلبيك لأنه قرر السفر بعد أيام على صهوة «درع الأمير» الطائر إلى القارة السمراء.
صفحة 8
شـاطىء الذهب
وظيفة في متجرعشرة غالونات من الصبغ المائي وعدة الطرش من فراشٍ وورق برداخ ومعجون ومشاحيف.
هكذا خمَّن الدهان أوتشري ما يلزم لإعادة طرش جدران المتجر زائد مئتي «سيدي» –العملة المحلية– بدل أتعابه. سُلِّم نصف كمية الدهان والعدة وسُلِّف على الحساب بعضاً من «السيدات» وبدأ العمل.
- دَع عينك عليه يا نديم هذا ما أوصى به صاحب المتجر مراقب المبيعات.
مستطيل مرتفع يشرف على الزبائن وماكينات النقد يعتليه الزميل نديم، وغرفة المحاسبة مكانك يا عزّام. تقبع فيها لتراجع فواتير المدفوعات والمستحقات، كأنك يا عزّام هربت من سلوم لتصبح سلوم الغربة. تترك مكتبك على صياح الشارع الأسود المكتظ، يهتف: أوي! أوي! على لصٍ قُبض عليه والضرب من كل صوب وعلمت أنه لو أفلح في سرقته لأصبح بطلاً مكرَّماً.
إنه لسيء الحظ. ردّد الزميل نديم وهو يرسل الضحكة وراء الضحكة، مركزاً عينيه على ماكينات النقد في ظرف البلبلة وما يشتت الانتباه.
- تسلَّق المستطيل وارقب معي يا عزّام اكتظاظ الشارع واكتظاظ المتجر يربك الوضع!
وتلك المراهقة الشقراء الألمانية تزداد إلحاحاً في الطلب، تتحسس بجسدها الطري رجلي نديم المتدليتين من على المستطيل وتلقي بكوعي يديها الساندتين وجهها على فخذيه، ولسانها يردد مع سبباتي كفيها: «عنقود عنبٍ واحد لا غير».
- أعطها يا نديم واروِ شهوتها، ونديم يتململ مشيراً إلى الأكياس والميزان وعلى ضحكٍ متزايد.
- خذي عنقوداً وخذيني يا تينا الحلوة إنه أشقر من بلادي تأكلينه، زرعت أمه أيدٍ سمراء لوّحتها الشمس وأعطتها الأرض سخاء فوق سخاء.
لم تكن قفزة تينا وقبلاتها على وجنتيك يا عزّام كقبلاتِ كارينا البنك البالغة الأكيدة. سخاء عنقود من العنب ربما أوصلك إلى ما تشتهيه مع التربية الأوروبية ومع الاحتباس العربي الظاهري. الوجع والفرح وجهان في نفسٍ واحدة والغربة بينهما في تلقّيهما.
بعد غرفة المحاسبة إلى المستطيل وماذا بعد؟ هوذا العتيق من بلادك تتعرف إليه وقد شاخ في أخضر أفريقيا وبقي الخضار في نفسه طري العود.
- من أين أنت؟
- من «أرض البشر».
- لا تمزح يا عزّام فالعم حليم عوّاد على كيفك.
هكذا تدخلّ نديم بينما انشغلت عنهما بالاستماع إلى توم الإنكليزي صاحب مكتب السفريات المحاذي للمتجر في الطابق الأول، وقد شاهد من شبّاكه، وعلى الحافة الإسمنتية من أرضيته، غالوناً فارغاً أول يوم وأصبح على حافة الامتلاء في اليوم الثالث من عمل الدّهان أوتشري.
اصطحبت توم لأرى المشهد، وكان أوتشري ينزل من على سلّمه ويلملم العدة في آخر زاوية من المتجر. انتشلت الغالون من موضعه وأودعته مكتب توم وقد أخذتني نشوة من حقق إنجازاً كبيراً.
العم حليم بقي في انتظاري وأكملت مع جميل مدير التموين الذي تعرفت إليه قبل أسبوعين وحدثني عن نيته بإعطائي منصبه بسبب عودته إلى البلاد لإتمام قرانه والاستقرار هناك. قلّبتُ النظر فلم أرَ أوتشري. سألت نديماً فلم يَرَه. العم حليم غير مبالٍ إلا بمعرفة عملي. قلت له: إنني عوّاد مثلك وقد قدَّم إليّ الأطرش عوده عند سماعه عودي ورزقي على الله.
صفحة 9
- أين أراك؟
- أين تراني، ولماذا؟
- لأسمع عودك.
- أتعرف خليل؟
- ابن أبو شامة؟
- قلت نعم والموعد عنده مساء يوم السبت.
غادر العم حليم وعاد نديم إلى الضحك وتواعدنا مع جميل نفس ليلة السبت للتسلم والتسليم بعدما أنهى الموافقة مع صاحب شركته على توظيفي.
صغائر الأحداث من بداية أسبوع تنتهي بيومه الأخير. إنه أوتشري على رصيف الطريق. كان صاحب المتجر وأنا ونديم في طريقنا إلى العمل. أوقفنا السيارة واعترضناه فصاح بجسده القصير النحيل:
- أنا لا أسرق مالاً بل مقتنيات.
- لا عليك يا أوتشري، أدخل السيارة وأكمل عملك. إن أجرك أضعاف غالونٍ من الدهان، أكمل صاحب العمل. نحن نحبك لا تخف، عملك جيد ولم يبق إلا القليل لقبض مستحقاتك.
ضَحكت أسارير أوتشري وعاد يكمل عمله مصراً على أنه لا يسرق أموالاً بل مقتنيات.
أكمل أوتشري عمله وأنهيت سبتي في المتجر تتنازعني عبودية النفس وحريتها، ويمتثل أمامي جهاد «نكروما» محرِّر أوتشري وصفاء «سنغور» السينغال ينسابان ثورة وجدانية وانسانية تصبو إلى الحق الذي يصفع الأحرار.
- أين تراني، ولماذا؟
- لأسمع عودك.
- أتعرف خليل؟
- ابن أبو شامة؟
- قلت نعم والموعد عنده مساء يوم السبت.
غادر العم حليم وعاد نديم إلى الضحك وتواعدنا مع جميل نفس ليلة السبت للتسلم والتسليم بعدما أنهى الموافقة مع صاحب شركته على توظيفي.
صغائر الأحداث من بداية أسبوع تنتهي بيومه الأخير. إنه أوتشري على رصيف الطريق. كان صاحب المتجر وأنا ونديم في طريقنا إلى العمل. أوقفنا السيارة واعترضناه فصاح بجسده القصير النحيل:
- أنا لا أسرق مالاً بل مقتنيات.
- لا عليك يا أوتشري، أدخل السيارة وأكمل عملك. إن أجرك أضعاف غالونٍ من الدهان، أكمل صاحب العمل. نحن نحبك لا تخف، عملك جيد ولم يبق إلا القليل لقبض مستحقاتك.
ضَحكت أسارير أوتشري وعاد يكمل عمله مصراً على أنه لا يسرق أموالاً بل مقتنيات.
أكمل أوتشري عمله وأنهيت سبتي في المتجر تتنازعني عبودية النفس وحريتها، ويمتثل أمامي جهاد «نكروما» محرِّر أوتشري وصفاء «سنغور» السينغال ينسابان ثورة وجدانية وانسانية تصبو إلى الحق الذي يصفع الأحرار.