eKtab
EN ع
بعد خراب الحافلة
اقرأ عينة مجانية

بعد خراب الحافلة

بقلم سعود قبيلات

صفحة 1
مقدِّمة
 
 
بين دفتَيْ هذا الكتاب حكاياتٌ غريبةٌ لرجلٍ غريبٍ صار تمثالاً بعدما انقطعتْ به السُّبل طويلاً في محطَّةٍ لم تعدْ تأتي إليها الحافلات· وكان في أثناء انتظاره الطويل الطويل يتسلَّى بسرد حكاياته تلك على مسامع العابرين، أو بنقشها على قاعدته وجسده الجرانيتيين·
وحيـث أنَّ الرجل (التمثال) كان، في كلِّ مرَّةٍ، يصادف مستمعاً مختلفاً، كما أنَّه، مع طول الزمان وثبات الأحوال، كفَّ عن عدِّ الأيَّام والسنين؛ فقد خلتْ حكاياته مِنْ أيِّ تحديدٍ للزمان أو تعيينٍ للمكان، بل وأيضاً لم تشتمل على أيِّ رابطٍ يربط بينها، عدا بعض التفاصيل المتكرِّرة في عددٍ منها·
ولقد عثرتُ عليه، في أثناء تجوالي، فتعجَّبتُ مِنْ أمره، واستطرفتُ حكاياته، ورغبتُ في نقلها، كما هي ومِنْ دون أيِّ تدخُّلٍ في صياغتها أو تبويبها أو عَنْوَنَتها، إلى القارئ المهتمِّ؛ لعلَّه يستفيد بها ويستمتع، ويتوصَّل إلى معرفة السبب الَّذي جعل هذا الرجل العجيب يجلس على رصيف تلك المحطَّة شبه المهجورة، زمناً طويلاً (ولا يزال)؛ بانتظار حافلةٍ يعرف هو، قبل سواه، أنَّها لن تأتي !
 
عابر سبيل
صفحة 2
محطَّة
 
 
تعطَّلتْ حافلتنا في محطَّةٍ على الطريق؛ وبعد يأسٍ مِنْ إمكانيَّة إصلاحها، تفرَّق الركّاب كلٌّ في اتِّجاه، بينما جلستُ أنا على رصيف المحطَّة أنتظرُ·
مرَّ يومٌ، ثمَّ ثانٍ، ثمَّ ثالث·· شـهرُ، ثمَّ ثانٍ، ثمَّ ثالث·· وسـنةٌ، ثمَّ ثانـيةٌ، ثمَّ ثالثة·· تصلَّبـتْ أطرافي، ثمَّ تلتها بقيَّة جسمي، وشيئاً فشيئاً تحجَّرتُ وتحوَّلتُ إلى تمثالٍ حزينٍ صار مع الزمن جزءاً أصيلاً وحميماً من المحطَّة، إلى درجة أنَّ بعض الناس ـ ممَّن يمرُّون مِنْ هنا ـ أصبح يفيء إلى ظلِّي، وبعضهم الآخر يتَّكئُ على جسدي، وسواهم يتخلَّصُ مِنْ فضلاته في فنائي· ومع توالي السنين، أصاب الصدأُ الحافلةَ ونخرها مثل سوسٍ شره حتَّى تلاشت· كما تغيَّرتْ معالم المكان وذهـب ناسٌ وجاء سـواهم· أمّا أنا فلا أزال في مكاني على رصيف المحطَّة !
صفحة 3
سيرة
 
هبطتُ، مِنْ رحم أُمِّي إلى أرض الحقل الفسيحة، في يومٍ خريفيٍّ حارّ؛ فرأيتُ المدى، مِنْ حولي، هائلاً؛ والسماءَ، مِنْ فوقي، زرقاءَ بعيدةً؛ والشمسَ أشعَّتَها ساطعةً لاهبة·· عندئذٍ شعرتُ بالضآلة؛ فارتعبتُ، وأطلقـتُ، مِنْ أعماق جوفي، صيحاتٍ صاخبةً مريرةً لا تنقطع· غير أنَّه ما لبثتْ أنْ أحاطتْ بي جدرانٌ أربعةٌ، يعلوها سقفٌ سميكٌ؛ فشعرتُ بمتعة الدفء والظلِّ والطمأنينة، ورحت ألهو، منشرح النفس، هادئ البال، راضياً··
ثمَّ سرعان ما شرعتْ الجدران، من حولي، تضيق وتضيق وتضيق· وطفق المكان يمتلئ برائحة العفونة والعطن·· أما السقف ( آه من السقف؛ فهو طامَّة المشاكل ) فقـد شـرع يهبط
ويهبط
ويهبط
ويهبط
وهاهو الآن يكاد يطبق عليّ·
يا إلهي·· إنَّني أختنق·· أخت نق·· أخ ت ن ق؛ وأكادُ ألفظُ أنفاسي مِنْ دون أنْ أتمكَّن من الصراخ !
صفحة 4
وجود
 
 
اليوم؛ بينما كنت مستسلماً لخدري مع الآخرين، مرتاح البال، وهادئاً، اهتزَّ هيكلي فجأةً ـ لسـببٍ ما ـ ووجدتني أسند رأسي قليلاً، وأتسـاءل: أين نحن·· وماذا حدث لنا بالضبط؟!
بالطبع، لم أتمكَّنْ من الإجابة؛ ليس فقط لأنَّ الذاكرة خانتني، لكنْ أيضاً لأنَّني كنت في حيرةٍ مِنْ واقع وجودنا نفسه؛ فنحن ـ على سبيل المثال ـ نتحادث على نحوٍ يكاد يكون موصولاً (ولو أنَّ كلامنا، على الأغلب، لا معنى له، وأشبه ما يكون بحديث الأشباح)؛ ومع أنَّنا لا نزال نتناول بعضَ الوجبات، ونتخلَّص مِنْ فضلاتها المتكوِّنة في هياكلنا الشاحبة، إلاّ أنَّنا لا نتنفَّس، ولا ننمو، ولا يسري الدم في عروقنا، على الإطلاق !
لذلك، رحت اليوم ـ بعدما اهتزَّ هيكلي ـ أتساءل بحيرةٍ: ما الَّذي تعنيه تلك المؤشِّرات الغريبة، المتناقضة؟!
لكنَّني لم ألبثْ أن استدركت، في محاولةٍ منِّي لبثِّ الطمأنينة في نفسي: يكفي أنَّنا موجودون·· بدليل أنَّنا نحار ونتساءل !
ثمَّ أضفت: هذا، بحدِّ ذاته، أمرٌ إيجابيٌّ·
إلاّ أنَّ حيرتي لم تنتهِ، مع ذلك، وظللتُ أناقش الأمر مع نفسي، وأنا مستلقٍ، ساعاتٍ وساعات، مِنْ دون أنْ أتوصَّل إلى حلٍّ لهذا اللغز· لكنَّني ما أنْ تمكَّنتُ مِنْ تحريك رأسي، قليلاً، والنظر إلى ما حولي، حتى رأيت الحفرةَ العميقةَ المعتمةَ التي نحن فيها؛ وعندئذٍ أيقنتُ أنَّنا أموات·· أمواتٌ منذ زمنٍ بعيد !
صفحة 5
نزهات
 
 
أعدّوا لها في اليوم السابق؛ وفي الصباح الباكر استيقظوا وانطلقوا مسرعين· تجنَّبوا الشوارع الفرعيَّة، واختاروا شجرةً محاذيةً للشارع العامِّ، توقَّفوا عندها، وأنزلوا حاجاتهم في ظلِّها، ثمَّ انبرى رجلان منهم لشيِّ اللحوم وإعداد المائدة، بينما جلست النساء يستمتعن بتحرُّرهن المؤقَّت مِنْ مهمَّة الطهو، ويراقبن الرجال الباقين، وقد انبطحوا تحت الشجرة بملابسهم السـفريَّة، وراحوا يتأمَّلون في الفراغ، ويدخِّنون النارجيلة والسجائر، ويثرثرون·
فجأة، أفصح الأولاد عن مشروعٍ للانطلاق الحرِّ؛ فراحوا يتقافزون ويركضون مرحين·
اِنْتَبَه لهم الكبار، فنهروهم قائلين: ابتعدوا عن الشارع؛ لا تذهبوا بعيداً، واجلسوا هادئين·
نضج الطعام؛ فقدَّمَهُ الرجلان، تساعدهما بعض النسوة، بحفاوةٍ بالغة· وتحلَّق الجميع ـ بمَنْ في ذلك الأولاد ـ حول المائدة المبسوطة على الأرض، وشرعوا يأكلون، بنَهَمٍ، إلى أنْ أجهزوا على آخر لقمة·
بعدئذٍ، استسلموا للصمت والسكون (استجابةً لدوافع بيولوجيَّة)، ثمَّ خلدوا للنوم إلى أنْ قال أحدهم، فجأةً، كما لو أنَّه تنبَّه لأمرٍ جلل: ماذا يا جماعة·· ألم يحنْ موعد الرحيل؟!
فقفلوا راجعين·
صفحة 6
دابَّة
 
يقولون أنَّني دابَّةٌ صبور؛ مـع أنَّ هذا لم يكنْ دأبي دائماً· فعندما امتطاني الراكبُ الأوَّل ظللتُ أقفزُ وأرفع قوائمي في الهواء، غير عابئٍ بسياطه وبوخزات مهمازه، إلى أنْ أطحتُ به مِنْ على ظهري·
ثمَّ جاء الثاني، فلم يمكثْ طويلاً هو الآخر·
وجاء الثالث، وكان التعب قد أخذ منِّي مأخذه، والجوع قد عضَّ معدتي؛ الأمر الَّذي أدركه الرَّاكب الجديد، فأحضر معه، إضافةً إلى السوط، عليقاً؛ فكلَّما شمصتُ، ضربني بسوطه، ثمَّ ناولني العليق·
وهكذا استطاع أنْ يستقرَّ فوق كتفيَّ، زمناً طويلاً، لم يحظَ بمثله سواه·
والآن، وقـد أعياهُ الركوبُ فراح يستعدُّ للترجُّل، فإنَّني، بكلِّ العناية والاهتمام، أهيِّئُ صهوتي للراكب التالي·!
فجأة، ومثل نبتٍ شيطاني، ظهر بعض الأشخاص في المحطَّة، ثمَّ فجأة أيضاً كبروا أكثر من المعتاد· فراح الناس ينظرون إليهم؛ بعضهم بإعجاب؛ وبعضهم بتعجُّب· ولم يكفُّوا عن ذلك حتى بعـدما آلمتهم رقابهم، وزاغتْ أبصارهم·
رأيت ذلك، مِنْ مكاني على الرصيف، وحرتُ فيه، وحرت في الزاوية التي يجب أنْ أنظر منها إليهم· غير أنَّ قدم أحدهم زلَّـت فجأة، فإذا به يهوي دفعةً واحدة، ثمَّ ينفثئ مثل فقاعةٍ، ويتلاشى مِنْ دون أثر·
عندئذٍ أشحتُ بنظري عنهم، وعدت إلى التفكير بحافلتي التي أنتظر·
صفحة 7
اكتشاف
 
عدتُ من العمل منهكاً، كالمعتاد، ووجدتُ زوجتي قد أعدَّتْ، كالمعتاد، طعاماً عادياً·
جلسنا إلى المائدة، مثلما نفعل كلَّ يومٍ، وشرعنا بالتـهام الطـعام، على عجـل؛ وفي أثـناء ذلك كنَّا ـ حسب العادة ـ نتبادل أحاديثَ عاديَّةً عن أمورٍ جرتْ لي في العمل، وأخرى جرتْ لها مع الجارات· لكنْ، وبينما نحن مستغرقان في ذلك، انتبهـتُ، فجأة، إلى أمرٍ غريبٍ يجري لنا: لقد كنَّا نجلس في زريبةٍ، وأمامنا مذودٌ مليءٌ بالعلف، نلتهم محتوياته باستمتاع !
صفحة 8
معجزة
 
لستُ ممَّن يعتقدون بالخوارق والمعجزات؛ لكنْ صدِّقوني؛ لقد رأيت الميِّت يقوم مِنْ قبره مكتسياً بحلَّة الحياة بعد موتٍ طال أمدهُ، وبعدما أبلى الزمانُ جثمانه، وسوِّيت بالأرض تربته، ونسي الناس أمره·
رأيته بعينيَّ، هاتين اللتين سيأكلهما الدود، ينهض بكامل هيأته، وينفض التراب العالق بأكفانه، ثمَّ يمشي بين الناس مختالاً· ولعجبي؛ لم يستغرب الناس ذلك، ولم يصبهم الرعب؛ بل راحوا يتقدَّمون منه باسمين، وهم يمدُّون أيديهم لمصافحته، ويلهجون بعبارات الدعاء والتهنئة والتمجيد له، مِنْ دون أنْ تحول بينهم وبين ذلك رائحة العفونة المنبعثة منه، أو هيأته الموميائيَّة المرعبة· وقد زاد بعضهم بأنْ أخذه بكامل أحضانه، وراح يطبع القبل على وجنتيه، مردِّداً: أنت الأمل، والمنقذ أنت·· فالشكر؛ كلُّ الشكر لمن بعثك مِنْ لحدك، وأعطاك عمراً غير عمرك·
ولدهشتي؛ لم يلبث القوم أنْ رفعوه إلى مكانٍ عليٍّ، وتحلَّقوا حوله مبهورين، وهم يردِّدون فرحين: سبحان محيي العظام وهي رميم !
صفحة 9
حِمل
 
لا أدري لماذا كان عليَّ أنْ أحمله؛ فقد كان ثقيلاً ينوء بحمْله جسدي· وبينما هو يجلس على كتفيّ مدلِّياً ساقيه على صدري، يؤرجحهما ويتمايل، قلت: هذا أفهمه؛ فالطريق طويلٌ، ومِنْ حقِّه أنْ يرفِّه عن نفسه قليلاً·
ثمَّ راح يبثُّ ريحاً كريهاً مِنْ أسفله؛ فقلت: هذا أحتمله؛ فالطريق وعرٌ، وربما خُضَّتْ معدته قليلاً·
لكنَّني لم أجدْ ما أقوله عندما رأيته يميل بجسده إلى اليمين، ثمَّ ينحني إلى الوراء فيضع إصبعه في قفاي·
صفحة 10
هشاشة
 
كنتُ أتقافزُ مبتهجاً بإشراقة الصباح الجميل· وفجأة حلَّت العتمةُ، مِنْ حولي، وهبطت الأرضُ تحـت قدميَّ، وكدت أهوي إلى فراغٍ لا أعرف مداه؛ فحاولتُ التراجع، لكنَّ الأرض انهفتت تحـت قدميَّ أيضاً، وبصعوبةٍ تداركتُ نفسي من السقوط·
بعد محاولاتٍ أخرى عديدة، اكتشفتُ أنَّني لا أستطيع الحركة بأيِّ اتِّجاه؛ فحيثما اتَّجهتُ لم أطأْ سوى أرضٍ هشَّةٍ تكاد تتلاشى تحت ثقل وطئي·
عندئذٍ هممـتُ بالصُّـراخ؛ لكنَّنـي اكتشفـتُ ـ يا لرعبي ! ـ أنَّ صـوتيَ يتلاشى قبل أنْ يخرج من حَلْقي !