صفحة 1
(1)
جاك لافلور
لم يكن لجاك لافلور(1) من اسمه نصيب، فهو لم يكن يحب الأزهار كثيرًا، وعلى وجه الدقة لم يكن يكترث لها، مع أنها كانت تمثلّ في تلك الظروف مؤشرًا جيدًا على صحته الذهنية المتردّية·كان جاك يتأمل أشجار العليق· لقد حان الوقت لكي يفعل شيئًا، لكي يستخدم يديه ويشغل نفسه بأيّ شيء· ألقى نظرة صوب النوافذ، فبدا له أن ستارة قد تحركت· مجرد وهم·
عاد جاك بانتباهه إلى الدرابزين الذي غدا شبكة معقدة يصعب اختراقها بفعل أشجار العليق· لم يعد بوسع المرء عبور الحديقة دون أن يؤذي ساقيه بسبب الأشواك الكبيرة· ذات مساء، وفيما كان جاك يجلس في التراس سمع صوتًا· فكر بادىء الأمر أنها قطة، ولكن بعد لحظات، فر قنفذ مسرعًا· كان مكتنزًا وجريئًا· كان قد هطل مطر كثير عند العصر فقرر جاك أن يطلق على الحيوان اسم إعصار· بماذا يفكر إعصار؟ ألم تكن أشجار العليق ملاذا مثاليًا له؟ كان إعصار قد اجتاز التراس متعرّجًا دون أن يراه ليختفي في حديقة أخرى·
ولكن هل بمقدورنا أن نؤكد أن حديقة جين هي حقًا حديقة؟ ينطق جاك باسم جين كما يذكر المرء منارة تشير إلى أراض معادية· جين، أحد أسباب مصيبته· جين، كانت ملاذًا فصارت عذابًا· أيّ فكرة غريبة كانت قد خطرت لها! فقبل سنوات قررت أن تستصلح الحديقة مجددًا، كانت ما تزال تحتفظ بقوة عزيمتها· قامت بحراثة الأرض وتعشيبها· كانت تريد أرضية نجيل جميلة، ثم عريشًا حيث تنمو أشجار العليق التي كانت تحب ثمارها· وتفضل مذاقها على مذاق الفراولة· كانت قد أقامت الدعامات لأشجار التوت حسب الأصول ولكن بعد ذلك···
بتعاقب الفصول ونتيجة تعرّضها للشمس لفترات طويلة من النهار، تكاثرت الأغصان المزروعة بفعل عمليات ترقيد طبيعية امتدت أشواكها في كل اتجاه لتغدو آخر الأمر آجامًا لا يمكن اختراقها، ولتغزو أرض الحديقة كلّها· وعندما بلغت السياج الذي يحدّها صارت أكثر كثافة، متجهة صوب السماء، مستديرة، وأكثر تشابكًا من ذي قبل· منذ وقت بعيد لم تعد العريشة مرئيّة· كان يمكن أن نلمح أساسها فقط وفي فصل الشتاء·
صفحة 2
كانت أشجار العلّيق تلك أمام ناظريْ جاك طيلة أشهر ولم يكن ذلك يزعجه إذ ما كان لحالته أن تسمح له أن يدرك، فيما الأرض تُسحب من تحت قدميه والسماء تنهار فوق رأسه، أيّ مفاجأة تعيسة يمكن أن تخبّئها له الحياة· وحدها الحاجة للحركة، لاستخدام يديه وبالتأكيد ليست الحاجة لنيل رضا جين، هي ماجعلته يهتم بتلك الأشجار الآن· سيستغرق ذلك وقتًا، أيامًا عدة ، حيث سيتوجب عليه البحث عميقًا عن جذورها· سيلزمُه قفّاز ومجرفة ومقصّ تقليم· سيعثر بالتأكيد على هذه الأدوات في الكراج· لن يزعج نفسه بقطف الثمار التي لم تصمّخها الشمس بعد· ذلك العام احترقت كل الثمار تحت الشمس أو ذهبت طعامًا للطيور، كتلك الدُخَّلة الجريئة التي تأتي لتزدرد حبات التوت تحت سمعه وبصره· لا بدّ أنها لم تكن تخشاه·
ولكن هل كان جاك يعرف فضائل تلك النبتة؟ هل عرفها فأجّل، ربما، مشروعه لفرط ما كانت إرادته ضعيفة· كان سيجد في ذلك عذرًا كافيًا· ما كان ليخطو باتجاه الكراج· ولربّما ما كان مات· أو لمات بطريقة أخرى·
لكونها مادة قابضة فإنّ لتلك النبتة مفعولاً طيّبًا على الأغشية المخاطية· وهي علاج جيّد لمرض السيلان الأبيض أو التعقيبة كما أنها فعالة ضد القوباء، وحب الشباب، والأكزيما، وكذلك الدمامل· وقد كان الطبيب الإغريقي ديوسكوريد ينصح بها لشد الأمعاء والأرحام المصابة بالارتخاء ولتقوية اللثة ولمعالجة القرحة أو للتخفيف من النزيف· كان جاك بعيدًا عن التفكير بمثل هذه الخواص، لكنه بالمقابل، كان يعرف أسطورة إيطالية تتحدث عن أشجار العليق· تقول الأسطورة إنه في زمان غابر كانت أشجار العليق تملك نزلاً، وكانت تؤدي المسافرين بالدَّين إلى أن وصل بها الأمر إلى إغلاق النزل· منذ ذلك الوقت وهي تنتصب على الطرقات والمفارق، لتنشب أشواكها المخيفة في أجساد المارين لكي يدفعوا فورًا· بالنسبة لجاك، فقد سدد ما عليه نقدًا·
عثر جاك على كل ما يحتاجه في الكراج· قام بتزييت المقص، ارتدى حذاءًا طويل الساق، وسترة أكلها العثّ لكنها ربما كانت واقيًا جيّدًا، و قفازات أيضًا، ثم تناول مجرفة·
حين عاد إلى التراس ثانية، تساءل عما إذا كان سيتراجع عن الأمر· أدار ظهره للبيت· أخذ يتأمل أشجار العلّيق· من أين يبدأ؟ من الوسط ربّما· يفتح شقًّا· ثم يصل إلى الجدار الواقع وراء ذلك· شغّل المقصّ بحركة آليّة، كما لو كان يمرّن عضلاته· سيوسّع الفتحة بالتدريج· سيكدس الأغصان أكوامًا وسط الحديقة ويقوم بحرقها لاحقًا حين تجف، فهو إن فعل ذلك الآن، قد تخرج النار عن سيطرته وتمتدّ إلى الممتلكات المجاورة ويموت القنفذ إعصار، فقد كنّا آخر الصيف وكانت تهبّ ريح خفيفة· كان مهمومًا بمصير القنفذ أكثر من مصير جين· أما الدّخلة فإنها ستطير وستعثر على ما تأكله في مكان آخر·
ترى هل تراجع مستسلمًا لهذا الوهن الذي بات يميز سلوكه منذ عدة أشهر، أم أنه انتظر بضع لحظات قبل أن يبدأ في تقليم أشجار العليق مما مكّنه أن يسمع، بالتأكيد، أحدهم يفتح البوابة ويصعد الممر المحاذي للبيت·
كان جاك مستغرقًا في عمله وقد أعماه العرق المتصبّب منه·كانت عضلاته قد تراخت وبدأت ذراعاه تؤلمانه· وضع أحدهم يده على كتفه·
صفحة 3
(2)
فيليكس
تكشف المقالة التي كنت أقرؤها عن أنّه تم إحصاء ما يزيد على مئة وستين برنامجا لإعادة إدخال حيوانات قانصة في أنحاء العالم، غير أن أيًّا من هذه البرامج لم يأخذ بالحسبان رد فعل الكائنات التي ستكون فريسة لها·
وقد تبيّن أن السذاجة في مواجهة الخطر يمكن أن تكون قاتلة· هكذا، فإنّ ما يزيد على نصف أنواع الثديات الكبرى المائة والسبع والستين قد انقرضت في نهاية الحقبة الجيولوجية الرابعة بسبب الصيد الذي مارسه الإنسان· حين تفقد الفريسة عادة الالتقاء بحيوان خاتل فإنها تفقد حسّ الحذر، تغدو ساذجة · لقد لوحظت هذه الظاهرة في المناطق التي انقرضت منها الحيوانات اللاحمة، وما إن تم إعادة إدخال بعضها حتى استعادت الحيوانات آكلة العشب ردود أفعالها· تعرّض الجيل الأول منها للهجمات دون أن يدافع عن نفسه ولكن بعد ذلك عاد كل شيء إلى نصابه· إلى هنا بدأت أعمِّم· تضمّ مجتمعاتنا فئات لا بأس بها من آكلي اللحوم، القتلة والمغتصبين· لنحلم قليلاً: ترى هل سنصبح سذّجًا في حال غاب هؤلاء· كم يلزم من أجيال ليصبح بوسع فتاة تتجول ليلاً في محيط عدائي أن لا تخشى التعرّض للقتل؟ ما زلت أعمّم· لو تمّ إلغاء الضرائب، متى يأتي اليوم الذي يكفّ المرء فيه عن الشعور بالقشعريرة لمجرد أن يخطر له استلام إخطار ضريبي·
- هل تريد بعض البتلات لِ بول؟
رفعت بصري عن الجريدة· كنّا في نهاية العطلة، ثلاثة أسابيع زدت عليها بضعة أيام أخرى لاستعادة قواي· أمضينا جزءًا منها في توسكانا حيث استمتعنا تمامًا، وتجنّبنا قدر المستطاع الفخاخ التي يقع فيها السيّاح، واستسلمت خلالها دون تذمّر للتجوال في عدد لا يحصى من الكنائس والأديرة·
كانت أيامًا لذيذة حتى إنني نسيت أن بيرلسكوني هو من كان يتولى السلطة في إيطاليا· فلتركع! قالت إليزا ضاحكة، فيما كنا نتأمل بعض الأيقونات· ربما تقوم ثورة قريبًا، فلتعجّل، لم يبق أمامنا سوى ثلاثة أيام! كان يبدو لي من غير المعقول أن يستمر الطليان في استرخائهم إلى هذا الحد· كم مرة، بعد مدينة جنوا، قالا لنفسيهما إنّه ربما آن الأوان لحزم الحقائب· في إيطاليا، ثمة حيوان قاتل كبير واحد على الأقل· هل باتت اليزا ساذجة؟ ولكن استرخِ قليلاً، استرخِ!
عن الاسترخاء حدّث ولا حرج، فقد كنت أسترخي منذ أسبوع على ظهر المركب جوليب كما أفعل الآن، على كرسي طويل، تحت الشمسية· كنت قد وضعت قفص بول على بكرة المرساة، كنّا أنا وبول ثنائيّ عطالة ضليع·
صفحة 4
كان يمدّ رقبته الصدفية نحو الأغصان التي استطالت من بين فروع الشجرة، ويرمقني أحيانًا بنظرة خالية من أي تعبير· كنت أمضي الوقت في القراءة، واحتساء مشروب التاريكيه المثلج، وتدخين الحشيش· كان الموسم مواتيًا وعطاء مشاتل اليزا وفيرًا·
كنا نمضي أمسيات رائعة جدا حتى إن ساعات طويلة كانت تمر دون أن أفكر في ماغالي ·
- بعد قليل، أجبت، وأنا أتأمل دون خجل فخذيها البرونزيتين·
كانت تدير لي ظهرها، فيما يداها تتنقّلان بين الدوديات الأرجوانيات (2)
- أتعرف أن اليوم يصادف الحادي عشر؟
- يعني؟
- ألا يذكّرك ذلك بشيء، الطائرات التي تخترق الأبراج، والأبراج التي تنهار؟
- وما همّني··
- أنت متعكر المزاج؟
- غدًا، سأعود إلى حياتي المعتادة،كنت أتمنى أن تمتدّ العطلة·
- لُمْ نفسك···
كانت الإجازة قد انتهت فعلاً بالنسبة لإليزا، كانت تعمل في الدفيئات التابعة للبلدية، إلى الأسفل قليلاً على القنال·
التقيتها في إطار التحقيق بمقتل جيرومين غارتنر فوقعتُ في غرامها من اللقاء الأول، ما إن وطأت قدماي حافة القارب· نحن معًا منذ أكثر من عامين· تعلّمتُ من اليزا الكثير عن عالم النباتات فتغيّرت نظرتي إليه، لم أعد استغرب رؤيتها تتحدّث إلى النباتات مجاملة أو موبّخة· وكثيرًا ما أوضحت لي أن النباتات أكثر ذكاء منا نحن بني البشر· كما في أول يوم، كنت تحت تأثير سحرها·
على يسار القارب، كانت اليزا قد أقامت عريشة عنب تسلقتها النباتات الدودية الأرجوانية فحجبتنا عن أنظار المارة على الرصيف، على الأقل في هذا الفصل من السنة·
كانت الروائح في مقدمة السفينة وفي ميمنتها لا تعدّ ولا تحصى: زهرة الآلام، ورد جوري، جيرانيوم، كاميليا، غيردية، سرخس، نباتات زينة ، نباتات عطرية وعشبة الحشيش· كان الـ جوليب، وأنا هنا أتحدث بموضوعية، أجمل قارب نهري في القنال· لم يكن هنالك ما ينافسه حتى ما وراء ميناء راموفيل· كان ملونًا بالأزرق والأصفر· وبما أن اليزا كانت قد تخلت عن فكرة الرحيل، ربما بسببي، فقد شرعتْ مؤخرًا في القيام ببعض الإصلاحات الجدية: فتحت نوافذ في مكسر الأمواج وكوى في الجدران واستبدلت بعض الصفائح المعدنية للروزنات بأخرى من زجاج، وهذه كلها تعديلات تزيينية فاجأتني لأنها جاءت ممّن كانت، عند لقائنا الأول، تخشى أن لا تستطيع جمع المال اللازم لإصلاح المحرك المعطل، من نوع بودوان د ك4 العتيق، والذي لم يكن ليمكّنها من الوصول إلى حوض ترميم السفن القريب جدًا·
صفحة 5
آه، الرحيل· لقد تحدّثت عن الرحيل، الانسياب من جهة من النهر إلى أخرى، كما كانت تقول، وحتى لو لم تعد تتحدث عن ذلك، وحتى لو كنت أمضي جلّ وقتي الحر على ظهر جوليب، فإنني لم أتخلّ عن شقتي التي أملكها في ميناء سانت اتيان· كنت ألجأ اليها أحيانًا، لكي أجنب إليزا مزاجي المتعكر، أو عندما ما كانت يداي تتلطخان بالدم، ولو بالوهم· كان هذا يعزز من علاقتنا بالتأكيد، فحتّى لو قرّرتْ الرحيل يومًا، فلن أحاول ابتزازها· لم أكن أريدها أن ترحل·
تركت الجريدة تسقط على أرض القارب ونهضت عن الكرسيّ الطويل· كانت إليزا مثيرة، ترتدي حمّالة حمراء وسروالاً أبيض قصيرًا· كانت هذه الألوان، مع الأزرق الصيني لنباتات الدوديّة المعرشة التي لا تحصى، تخلق تأثيرا مدهشًا، مع أنها ألوان وطنية إلى حد ما(3)· كانت النحلات ترتشف رحيق الأزهار الحريرية· طوّقتها بذراعي·
- هل أنت غاضبة؟
- ولماذا أغضب!
من الصعب معرفة ما إذا كانت غاضبة، لهذا كنت أسأل وهو سؤال معتاد أطرحه كلما شعرت أني قد أكون كدّرتها· كانت اليزا تملك مزاجًا مستقرًا على الدوام· وحتى عندما قررت الخطوط الملاحية الفرنسية تغيير القواعد والأنظمة لم أرها تنفعل· بالطبع، انضمّت إلى أصحاب الناقلات النهرية الذين عادة ما يعيشون منطوين على أنفسهم، إلا أنهم تجمعوا هذه المرة ضمن رابطة غير أن إليزا على ما أعرف، لم تنجز أيّة مأثرة·
مع ذلك، كانت الأسباب التي تكدّرها كثيرة، سواء ماتعلّق منها بالقوارب التي تتسبّب سرعتها المفرطة بأذى للضفاف يفوق ذلك الذي يعزى للجرذ القُندُسيّ أو بخطوط الملاحة الفرنسية التي يبدو أنها تتهرب من إيجاد حلّ لمشكلة أشجار الدلب، المئة ألف شجرة التي زرعها بول ريكيه(4) في الآونة نفسها التي شهدت حفر قنال الـ Midi ، والتي آلت جميعها إلى الذبول·
كان المكتب الوطني للحراج قد قدّر الميزانية اللازمة لصيانة المشاتل وتجديدها بما يزيد على مليوني يورو، أي ثلاثة أضعاف ما قبلت بتقديمه شركة خطوط الملاحة الفرنسية· ألا يثير هذا الغيظ؟
كان القنال، بعد الأزهار، هو الموضوع الذي لا ينضب· تخوض اليزا فيه بسهولة· تلاحظ، تحاكم، توّبخ، لكنها لا تغيّر نبرتها أبدًا· إني لأعتقد أنّ قلبها لم يكن ينبض بانفعال إلا حين نمارس الحب· ضممْتها إليّ بقوة·
صفحة 6
- ما هو برنامجنا هذا المساء؟
- أعرف إلى أين تريد الوصول! أوّلاً عليك أن تطعم بول، ثم تذهب لشراء الحاجيات وتعدّ العشاء···
- وماذا أيضًا؟
- بول أولاً·
رفعتُ صحن البتلات والوريقات الذي كانت قد أعدَّتْهُ له· فتحت القفص، كان بول على ما يبدو، يتفحّص مدى جودة الفتات الذي يقدّم له· انتصب أعلى الغصن بطريقته البدائية الخرقاء شيئًا ما والتي تعود إلى ما قبل التاريخ·
كان قد تعود علينا حقًا، وصار يتناول الأزهار من راحة يدي ويقرصني من أصابعي طلبًا للمزيد·
- ألن نسافر ثانية، فيلكس؟
للحظة، خشيت أن يستحوذ هذا الموضوع عليها ثانية؟
- بهذه السرعة؟
- في فترة أعياد الميلاد، لِم لا؟ لديّ رغبة في الذهاب إلى إفريقيا···
- شمال إفريقيا؟ قلت ضاحكًا·
- ما الذي يضحكك؟
لو أنّك تعرفين عقلية البعض في القسم، وأولهم برونييرا لأدركتِ أنّني سأكون بالتأكيد موضع سخريتهم عند عودتي، وبطريقة ينقصها اللطف· ستقولين لي الشمال أو الجنوب، لافرق، أنا لا يهمّني· لم لا؟ هل لديك فكرة محددة؟
- جنوب إفريقيا، فمنطقة الكاب تعد جنّةً لعلماء النبات·
- و لِرَجُلٍ مثلي؟
- هنالك طيور القطرس، قالت بمرح·
صفحة 7
كان علي قبول ذلك كمجاملة· حسب رأيها، كان الجوهر الحيواني فيّ أكبر من الجوهر النباتي· في حياة أخرى، ربّما كنت بومة لا نبتة أذن الفأر، طائر أبو الحناء لا نرجسة أسلية· كانت إليزا تؤكد أن الفرق بين الرجل والمرأة ربما يكمن أولاً في قدرة كل منهما على التماهي مع إحدى المملكتين: مملكة النبات ومملكة الحيوان· إذن، ربما كنت قطرسًا أكثر مني حندقًا· إذا ما زرنا الكاب في فترة أعياد الميلاد، سيكون هنالك منها ما يكفي الجميع· ولكن ما هو الشيء المشترك بيني وبين القطرس؟
- تخيّل سجادًا رائعًا من الخلنجيات! أدغالاً تحتشد بالضفادع المبرقشة، حيث يختفي كل شيء تمامًا! أزهارًا تتفتّح في البعيد، على مدّ النظر! يبدو أن···
سكتتْ فجأة، حدّقت فيها عاقدًا حاجبيّ·
- هل تسمع شيئًا؟ سألَتْ· فيما عدا صرير عجلات الدراجة الهوائية أو صفير الزلاجات على الرصيف، أو حفيف أشجار الدلب أو ضجيج السيارات على جسر ديموازيل وجادة غريفول- دورفال، لا، لم أكن أسمع شيئًا·
- إنّه هاتفك النقال···
- لِم لم تنبهيني قبل ذلك؟
قدّمت لبول ما تبقى من حصته وأغلقت القفص·
كان هاتفي قد توقف عن الرنين·
- عليك أن تذهب، فيليكس·
- لقد توقّف·
- سوف يرنّ من جديد·
- كيف تعرفين
- إنّه الحدس·
سيرنّ فعلا، عدت إلى القارب متثاقلاً ودخلت إلى مركز الدفة·
كانت عطلة مارك أكثر اعتيادية من عطلتنا وكذلك كانت حياته· كان قد أمضى ثلاثة أسابيع عند أمه في كوربيير· أمّه التي لم تقو على تجاوز ألم موت ابنتها المأساوي· مضى على ذلك ثلاث سنوات تقريبًا، حاول مارك خلالها أن يملأ الفراغ الذي خلفه غيابها، مخفيًا أحزانه·
صفحة 8
كان يأتي لرؤيتنا أحيانًا في جوليب· في الغالب، يبقى صامتًا· لم يكن ذلك يضايقني· فيما بعد كانت إليزا تسألني عما إذا كان يفكر بأخته، فأجيبها بالتأكيد· بالتأكيد هو يفكر بها معظم الأحيان· لم تقل لي أبدًا كيف ماتت؟ كانت تسأل أيضًا، فأتجاهل السؤال رافعًا بصري إلى السماء· ماذا كنت سأفعل ؟ أأروي لها الفيضان والرعب، وذلك الخريف الذي جرف فيه السيل الموحل بياتريس؟ ماذا يفعل المرء ليسحب جسدًا علق في أنبوب المجاري؟
لم يتصل مارك بي ليحدّثني عن إجازته· بينما كان يروي لي ما وقع، نزعت سروالي القصير وعبرت القارب حتى حجرة النوم· كان السرير على حاله : الملاءات مدعوكة، الثياب الداخلية ملقاة على الموكيت· ورائحة الحب تعبق في المكان·كنت متوتر الأعصاب·
- أدري أنّه يفترض أنك ما زلت في إجازة، لكنني لا أريد أن يخطر لِمونكولان تلك الفكرة الغبية···
فكرة أن يجعله في فريق واحد مع برونييرا·
- ماغالي معي، قال موضّحًا·
بالطبع، كان لابد أن يحدث هذا يومًا·
لم أجبه· فتحت الصندوق الذي أخبىء فيه سلاح الخدمة·
- ها أنا قادم، ريثما آتي بسيارتي من الممر·
ارتديت بنطال الجينز، وحذاء رياضيًا بلا جوارب، وتناولت سترتي· كانت إليزا تعرف ما هو الأمر· كانت قد أخذت مكاني على الكرسيّ الطويل متصفحة الجريدة· رفعتْ نحوي عينيها الزرقاوين الرائعتين وابتسمت· أترَى، كنت محقّة؟
هززت كتفيّ بضيق·
فلمّحت قائلة:
أهي فريسة ساذجة؟
صفحة 9
(3)
ريمي
أربعة وعشرون عامًا وما يزال يراوح مكانه· ليس هو من كان يقول ذلك· أربعة وعشرون عامًا وما يزال يراوح مكانه! عبارةٌ التقطها صدفة· لم يكن ريمي يشعر حتّى بالحزن· والده لم يفقه شيئًا أبدًا· ذات يوم، سيريه ريمي ما هو قادر على فعله·
سيأتي ذلك اليوم· صحيح أنه لم يكن ناجحًا في الدراسة، هذا مؤكد، وصحيح أنه كان يعيش في الأحلام لكنّه ليس مدينًا لوالده بشيء، أو بالشيء الكثير، بالأحرى· كان ريمي ما يزال يعيش في بيت والديه، لكنّه كان يدفع لهما حوالي ثلث راتبه· كان أبواه دقة قديمة، لكنه كان يتفهم المبدأ ويقبل الشروط، إذ لم يكن يملك حتى تلك اللحظة خيارًا آخر· سوف تصبح راشدًا حين تحقق استقلالك المادي، بانتظار ذلك، لا نريد أية مشاكل···
لم يتحدث عن ذلك لأصدقائه، كانوا سيهزأون به بالتأكيد·
من المؤكد أيضًا، أنّه كان أكثر فقرًا من هؤلاء الأصدقاء، لكنه كان يخدعهم بتبني سلوك كان يصفه، لكي يدخل عقولهم الجاهلة، بالمناهض لنزعة الاستهلاك· كان يتسوق فقط في موسم التخفيضات، لا يشتري سوى بنطال جينز واحدًا في السنة، ولا يدفع أكثر من ثلاثين يورو لشراء زوج من الأحذية، كما أنه كان ينفر من الشعارات على القمصان· لست بقرة يدمغونها بختم ثم يقودونها يومًا إلى المسلخ·
- أنت بقرة مجنونة إذن·
- يا لكم من عصبة أوغاد ! يبقى أنّني لست شريكًا في الخديعة!
- يبقى أنّ!
من وراء ظهره، كان أصدقاؤه يقولون إنه ليسمستهلكا لأنّ والديه كانا شديدي البخل لا لشيء آخر· لم يكن ريمي على علم بهذه السخرية، لكنّه كان يعلم أنّه فقير (وهذا لن يدوم) وأنّه مضطّر للاستيقاظ كل يوم في السادسة صباحًا· اللعنة!
وجد أمه واقفة، تعدّ له وجبة خفيفة· طيلة ستة وثلاثين عامًا،كرّست حياتها لزوجها· ولم يكن من سبب يمنعها من الاستمرار مهما طالت إقامة ابنها معهما·
- هل نمت جيّدا يا ريمي؟
- نعم يا أمي، شكرًا·
- بيض، طماطم، جبنة ماعز، هل يناسبك هذا؟
- تعرفين، أمّي، أستطيع شراء شطيرة من المقهى في زاوية الشارع·
صفحة 10
- وهل ستكون لذيذة كالتي أصنعها؟
- لا·
- أرأيت···
- ولكن، أمّي، لقد صرت في الرابعة والعشرين من عمري·
- أعرف، هل أضع لك تفاحة؟ الموز ينهرس دائمًا·
- تنهّد ريمي، وهو يحتسي فنجان القهوة، لم تكن أمّه تصنعها قوية كما يحب·
- ما الذي يجعلك تتنهد؟ أولاً، شطائر المقهى ليست ألذّ من تلك التي أصنعها بنفسي، ثانيًا، هكذا، توفر مالك من أجل أشياء أخرى، أليس هذا جيدًا!
- بلى·
- كما لو كنت تكسب مال قارون!
- إنّني أعتمد على نفسي·
- نعم، سأضع لك تفاحتين···
عند الساعة السابعة، ركب دراجته الهوائية العتيقة· لم يتوقف على الإشارة الحمراء، وهو عمومًا، لم يكن يحترم قواعد المرور· في أيّ فصل من الفصول وأيًّا كان الطقس، كان يركب دراجته الهوائية التي كان قد اشتراها بثمن بخس من ايماوس (5)، ثم طلى هيكلها بالأزرق، وقام بنفسه بتركيبه· لم يكن يركب الحافلة أبدًا، فذلك مكلف جدًا، أكثر من يورو لكل رحلة، وهو لديه رحلتان في اليوم، خمسة أيام في الأسبوع، سبعة وأربعون أسبوعًا في السنة، الأمر واضح، هذا يساوي تقريبا راتب شهر، أي ما لا يقل عن نفقة ثلاثة أشهر مما يدفعه لوالديه· كيفما قلب الأمر، فإن زوجًا من الأحذية سيكلفه ما يمثل ثلاثين رحلة! الأمر يستحق إذن أن يدوس على البدالة، وأن يصاب بالزكام عندما تمطر· فلتدس على البدالة يا ريمي! هذا يمنحه رِبلتين قويتين بحيث يستطيع كسب السباق ضدّ أي من أصدقائه·
ريمي، أربعة وعشرون عامًا، عقد عمل للشباب، رِبلتا ساق منقبضتان· أوثق درّاجته إلى سياج المصنع، ثبّت جهازًا ضد السرقة في مقدمة الدراجة وآخر في مؤخرتها· سجّل ساعة قدومه وسار متمهلاً إلى غرفة تغيير الملابس، وضع مزودته في خزانته التي لا يقفلها بالمفتاح أبدًا· ثم تناول بزّة العمل الزرقاء·كان مارسيل يدخن سيجارته على مهل·كان يجد ريمي قريبًا إلى قلبه· مارسيل كان قصابًا سابقًا ، بائع خردة سابقًا، حفّار قبور سابقًا· سابقا·